علم

الفصل العاشر



الفصل العاشر

الفصل
العاشر

الروح
القدس وكمال استعلان الثالوث

عند
القديس أثناسيوس

 

§ ما هية الروح القدس كأقنوم إلهي في
الثالوث المتساوي (وحدة الثالوث المتساوي).

§ أثناسيوس الرسولي وإرساء القواعد
الثابتة للاهوت الروح القدس ووحدة الثالوث.

 

ماهية الروح القدس كأقنوم إلهي في الثالوث المتساوي

 

كان
أثناسيوس أول مَنْ دافع عن لاهوت الروح القدس، عندما واجه كلاًّ من جماعة
المتقلبين([1])
والأريوسيين الذين قالوا بأنه مخلوق.

ودفاع
أثناسيوس يقوم أساساً على إثبات الوحدة القائمة بين الثلاثة أقانيم الآب والابن
والروح القدس أنهم إله واحد. على أن هذه الوحدة الجوهرية القائمة في الثالوث تتضح
من وحدة العمل، فكما أن الابن لا يعمل شيئاً من ذاته، كذلك الروح القدس لا يعمل
شيئاً من ذاته، وإنما كل عمل هو من الثالوث: “من الآب بالابن في
الروح القدس”.

وأثناسيوس هو أول مَنْ أوضح هذا التعبير، وقد أخذه عنه القديس
كيرلس وجعله أساساً لفهم الثالوث. وقد جاء دفاع القديس أثناسيوس متفرِّقاً في
مقالاته ضد الأريوسية، ثم مركَّزاً في أربع رسائل عن “الروح القدس” موجَّهة إلى
الأسقف سيرابيون، الذي كان قد بعث إليه أثناء نفيه وهروبه في أعماق الصحاري يشكو
فيها من قيام هذه الهرطقة القائلة بمخلوقية الروح القدس ويستفسر عن الرد.

وقد
كتب أثناسيوس هذه الرسائل كما سبق وقلنا بين سنة 358361م،
وقد خصَّ أثناسيوس كل رسالة بناحية هامة من لاهوت الروح القدس:

ففي الرسالة الأُولى: يهتم بلاهوت الروح
القدس عامة، مستشهداً بآيات الكتاب المقدَّس ثم بالوحدة الكائنة بين الآب والابن
والروح القدس، وهي الرسالة الهامة التي سنركِّز عليها.

الرسالتان الثانية والثالثة وفيهما يشدِّد على
لاهوت الروح القدس على نمط الطريقة التي يبرهن بها على لاهوت الابن.

الرسالة الرابعة: وتتركَّز في تفسير قول
الرب عن التجديف على الروح القدس.

ولكن ماذا كانت الرؤية العامة في الكنيسة وعند آباء ما قبل
نيقية عن الروح القدس؟

ثم كيف سار منهج التعريف بالروح القدس منذ البدء حتى
أثناسيوس؟

قبل
أن نخوض في هذا الشوط الطويل من الإدراكات والتعبيرات التي صاغت المنهج القانوني
للتعريف بالروح القدس منذ القديم، يلزم بدء ذي بدء أن نفرِّق بين أفراد طبقة
المفكِّرين في الكنيسة الذين حاولوا باجتهاد شخصي وبدون قيادة واضحة من الروح
القدس، بل وبدون الاعتماد على التسليم، أن يعرِّفوا الروح القدس ويصفوه حسب
تصوُّرهم، سواء بالنسبة للآب أو للابن أو في الثالوث. فخرجوا عن التعريف السليم
وجنحوا جنوحاً خطيراً عن الحق الواضح في الكتاب المقدَّس، بل ومتحدِّين معطيات
الشرح البسيط الواضح الذي ورثته الكنيسة عن الرسل والآباء والجماعات الملهمين
الأوَّلين حسب التقليد الذي كان يحسه ويعيشه عامة الشعب بدون أي فحص أو برهان.

فتعاليم إنجيل يوحنا الواضحة جدًّا عن شخصية الروح القدس
كانت قوية ومُدركة بالنسبة للإنسان الجديد “مولودين من الماء والروح”، ثم ما جاء
في أعمال الرسل عن أعمال ومواهب الروح القدس التي تنطق بشخصية الروح القدس وقيادته
بصورة حيَّة واقعية وعملية فهو يقود ويُفهِّم ويتكلَّم ويدعو
وينتخب
ويرسل ويحكم ويمنع ويصرِّح ويملأ ويقوِّي كإله وكشخص حيّ يتعامل مع الإنسان.

لذلك
نجد خطين متوازيين في البحث التاريخي عن منهج التفكير والتقنين في حقيقة الروح القدس:

أولاً: خط الرسل الذي يعطي الإيمان
الواضح المحدَّد عن شخصية الروح القدس الإله الكامل في الثالوث المساوي للآب
والابن في المجد والكرامة والعمل، حيث ظلَّ هذا الخط هو الذي تعيشه الكنيسة
وتمارسه بدون فحص.

وحينما طُلبَ من الكنيسة رسمياً أن تقول رأيها في الروح
القدس في كل المواقف الحرجة، قالته بدون تردُّد أو تفكير ولا إلى لحظة واحدة، أنها
تعبد إلهاً واحداً في ثلاثة أقانيم: آب وابن وروح قدس في لاهوت واحد.

ثانياً: وأمَّا بعض الآباء المتأخرين
عن الرسل
الذين عثروا في تحديد ماهية الروح القدس، فالسبب الذي صار
منفذاً لهؤلاء المفكِّرين لكي يدخلوا فيه بأفكارهم وتصوراتهم المنحرفة هو أن
الرسل والكنيسة الأُولى لم تحدِّد العلاقة أو الطبيعة التي تربط الأقانيم الثلاثة
معاً، ولم تترك قانوناً محدَّداً للتعبير عن الإيمان بكل أقنوم على حدة في ما يخص
شخصه،
لأن مثل هذا التحديد كان غريباً جدًّا عن تصوُّر
الكنيسة، فالله واحد والثلاثة أقانيم فيه متساوية والعمل
بينهم واحد، كل واحد يعمل بشخصه، والكل يعمل معاً كذات واحدة بآن واحد: «عمِّدوهم
باسم الآب والابن والروح القدس»، فالعماد عمل
واحد يتم باسم الله بواسطة
الأقانيم الثلاثة كإله واحد، ولكن كل أقنوم بعمله المتميِّز كل واحد باسمه.

لذلك حينما نعود إلى المرحلة التاريخية التي عبرها منهج
التعريف والتحديد لشخص الروح القدس، لا تكون هذه المراحل للتعبير عن تاريخ مراحل
فكر الكنيسة الصحيح البسيط الثابت، بل هي في الواقع دراسة لأفكار أفراد انفردوا في
حوارهم عن تقليد الكنيسة البسيط، فخرجوا أحياناً كثيرة عن تسليم وعيها الإيماني وبدأوا
يقرِّرون حسب تصوُّرهم ماهية الروح القدس،
سواء كانوا من أصحاب
البدع اليهودية والغنوسية والوثنية أو من الذين كانوا يدافعون ضدَّهم الذين جاءت
أقوالهم بمثابة دراسة للردود على هذه الانحرافات، وهم الآباء اللاهوتيون مستقيمو
الرأي مثل كليمندس وبابياس وإغناطيوس وإيرينيئوس وكبريانوس وهيبوليتس.

ولذلك
نعتبر فكر العلاَّمة هارناك، وهو من مشاهير اللاهوتيين الألمان الذين تعرَّضوا
لتاريخ الفكر الكنسي في ما يختص بشخص الروح القدس، فكراً خاطئاً إذ تصوَّر أن
الكنيسة برمتها مع شعبها وقديسيها عبروا هذه المراحل الخاطئة والناقصة في فهم
وتقدير ومعايشة الروح القدس([2]).

وهذا
رأي غير مقبول ولا هو منطقي، فكيف أن الكنيسة الأُولى كنيسة الروح القدس والقوة،
كنيسة النعمة والكرازة والفم الشاهد بالآلام والقيامة، هذه الكنيسة نفسها كيف نقول
إنها كانت تعيش في جهل من الروح القدس لا تعيه ولا تُقيِّمه التقييم الصحيح؟

والحقيقة
أن خط الكنيسة التي كانت تحيا وتسير بالروح القدس لم يتأثَّر قط بخط العلماء
والحكماء([3])
والمفكرين المحاجين، الذين كانوا يعيشون ويتخبَّطون في أجواء البدع والوثنية
بإحساس المدافعين عن فكرة معيَّنة ضد فكرة معيَّنة، منفصلين عن واقع الروح القدس
الحي القائم والعامل في الكنيسة، الذي يصعب بل ويستحيل حصره في كلمات وجمل يقبلها
الهراطقة، دون أن يعيشوا ويحسوا بقوة الروح
القدس نفسه، ودون أن يكونوا قد قبلوا المسيح أولاً وولدوا من الماء والروح،

لأن كل بحث أو دراسة عن الروح القدس
بدون معايشة فعلية تَقَوِيَّة للروح القدس لابد وأن تأتي بانحرافات.

لذلك
حينما نأتي إلى ما قدَّمه القديس أثناسيوس من منهج دراسي لاهوتي مشروح بدقة للروح
القدس في منتصف القرن الرابع، لا يمكن أن نعتبر ذلك مرحلة نضوج لفكر الكنيسة، أو
أنه كان نهاية لمراحل سابقة من الانحرافات، ولكن الحقيقة وعين الأمر أن أثناسيوس
قد استطاع أن يقدِّم بتقواه واستنارته الروحية فكراً لاهوتياً مُبرهَناً ودقيقاً
لماهية الروح القدس، في منهج مدرسي، جاء مساوياً تماماً وبلا أي زيادة أو نقصان
لفكر الرسل والإنجيل البسيط المُعاش والحي عن الروح القدس في جسم الكنيسة ووجدانها
منذ أن عرفته الكنيسة حتى إلى ذلك الوقت، وكل ما عمله أثناسيوس هو أنه استقطب كل
الهرطقات والانحرافات وفنَّدها وشجبها وأنهى عليها إلى الأبد.

 

تعاليم العهد القديم من نحو الروح القدس

التي ورثها الرسل الأوائل

 

أولاً: من خلال أسفار العهد القديم

العبرية وتعاليم الربيين

 

1
كان الروح القدس له صفة دامغة فائقة وهي القداسة “الروح القدس”.

2
والصفة الأخرى التي تساويها وتلتزم بها هي “روح الله”.

3
وبالتالي فإن الروح القدس بناء على الصفتين الأوليين أُعطي صفة
“الصلاح” المطلق، وصفة “الوجود في كل مكان
Omnipresence”.

(أ)
«روحك القدوس لا تنزعه مني» (مز 11: 51) … صفة القداسة تُمنح للإنسان
بسكنى الروح القدس.

(ب)
«وأعطيتهم روحك الصالح لتعليمهم» (نح 20: 9)… صفة الصلاح:

(ج)
«أين أذهب من روحك، ومن وجهك أين أهرب» (مز 7: 139) … صفة الوجود في كل
مكان.

(د)
«وكانت الأرض خربة وخالية … “وروح الله” يرف على وجه المياه» (تك 2: 1)
… نسبة الروح الخاصة لله.

(ه)
«روحك الصالح يهديني في أرض مستوية» (مز 10: 143) … صفة الصلاح تباشر
عملها لهداية الإنسان.

(و)
«وتكلِّم جميع حكماء القلوب الذين ملأتهم روح حكمة» (خر 3: 28) …
الحكمة صفة الروح توهب للإنسان بسكنى الروح.

(ز)
«وحي داود بن يسى الحلو، الرجل القائم في العلا مسيح إله يعقوب ومرنِّم إسرائيل
الحلو روح الرب تكلَّم بي وكلمته على لساني» (2صم 23: 1و2) … الروح القدس
الناطق في الأنبياء بالإلهام والنبوَّة.

والروح
القدس في العهد القديم كانت أعماله الواضحة باختصار كالآتي:

أولاً: القوة الفعَّالة في الأبطال الذين انتخبهم الله
للدفاع عن إسرائيل.

ثانياً: كان هو الإلهام الذي يدبِّر حكام إسرائيل.

ثالثاً: كان ينتقل بمفاعيله وقوته وحكمته من شخص إلى شخص
بوضع اليد وبوسائل أخرى.

رابعاً: كان هو إلهام الأنبياء للنطق بكلمة الله.

خامساً: كان هو قوة التقديس
وقوة الدينونة في القضاء.

سادساً: كان هو البصيرة الكاشفة لأمور أواخر الدهور عند
بعض الأنبياء.

سابعاً: كانت علامات حضوره تنبِّئ عن حضور الله شخصياً.

ثامناً: كان عاملاً فعَّالاً في الخلق.

تاسعاً: كان تعبيراً عن كيان الله، أي جوهر الوجود
الإلهي، على مدى الأسفار.

ومن
كل تعاليم الكتاب المقدَّس في العهد القديم من جهة الطبيعة الأساسية للروح القدس
نجدها بلا شك واضحة ومحدَّدة ومتَّفق عليها بالإجماع، أن للروح القدس جوهراً
إلهياً.

ولكن
من حيث فرادة شخصيته أو أقنومه، فمن الوجهة العمومية نفهم ذلك أيضاً على وجه القطع
والتحديد، ولكن ليس بالوضوح الكافي سواء كان في الأسفار الأُولى أو الأخيرة،
فالعهد القديم ينسب للروح القدس شخصية مفردة قائمة بذاتها مع الله نفسه حاضرة
وفعَّالة في العالم أو في الإنسان، أمَّا تعاليم المسيح والرسل فبالرغم من نسبة
الصفات الشخصية للروح القدس، فإنها تمتد فتميِّز الروح القدس عن الآب
والابن([4]).

كما
يُفهم من أسفار العهد القديم عن الروح القدس أنه هو «الله الفعَّال بالقوة»، وفي
هذا المجال فالروح له شخصية ذات صفات خاصة، كما تنسب إليه أعمال شخصية، فالروح في
العهد القديم شخص في نطاق أنه هو الله،
وبالإضافة إلى ذلك فإن الروح القدس يظهر بصفات شبه مستقلة أحياناً، التي تقترب من
حدود الشخصية المتميِّزة، خصوصاً عندما يُذكر في الأسفار “الكلمة”
و“الروح”
معاً في مقارنة. ولكن هذا التمايز ينطبق فقط على النشاطات الخارجية “للكلمة
والروح” كقوتين، ولكن يبقى الكشف عن التمايز بينهما في ذات الوجود في الله إلى عصر
متأخر من العهد القديم.

+ «أرسل نورك وحقك هما يهديانني ويأتيان بي إلى جبل
قدسك وإلى مساكنك.» (مز
3: 43)

+
«يرسل الله رحمته وحقه.» (مز 3: 57)

+
«أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب.» (مز 7: 139)

+
«تحجب وجهك فترتاع. تنزع أرواحها فتموت. وإلى ترابها تعود. تُرسل روحك
فتُخلَقُ.
وتجدِّد وجه الأرض.» (مز 104: 29و30)

+
«أرسل كلمته فشفاهم …» (مز 20: 107)

+
«لم أتكلَّم من البدء في الخفاء. منذ وجوده أنا هناك (الكلمة) والآن السيد الرب
أرسلني وروحه.» (إش 16: 48)

+
«في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته (الكلمة) خلَّصهم … ولكنهم تمرَّدوا وأحزنوا روح
قدسه.
» (إش 63: 9و10)

 

ثانياً: من خلال الأسفار القانونية الثانية

Duetero-canonical المدعوة بالأبوكريفا

 

قدَّمت
هذه الأسفار فكرة قوية وواضحة عن شخصية الروح القدس معبَّراً عنه دائماً “بحكمة
الله”، مما جعل بعض كُتَّاب الكنيسة الأوائل يخلطون بين المسيح “حكمة الله” والروح
القدس “حكمة الله”، وحدا ببعضهم إلى القول بأن المسيح هو نفسه الروح القدس قبل
تجسُّده.

وهذا
نشأ أيضاً بسبب عدم وضوح الفارق بين “الروح” و“الكلمة” من جهة الوحي والرؤيا في
مواضع كثيرة من العهد القديم … فنقرأ أن كلمة الله كانت على نبي فتنبَّأ … ثم
نقرأ بنفس المعنى أن روح الله كان على آخر فتنبَّأ.

وقد
ظل الاعتقاد بأن حلول الكلمة، أي كلمة الله، مساوٍ لحلول الروح القدس على الأشخاص
للتنبُّوء والوحي، ظل مستمراً في الكنيسة الأُولى، حتى أننا نرى في قدَّاس
سيرابيون، والقديس أثناسيوس نفسه في شرحه للإفخارستيا يقول، عند التحوُّل، إن الذي
يحل على الخبز فوق المائدة المقدَّسة ليحوِّله إلى جسد الكلمة هو “الكلمة” ذاته،
ولم يتحدَّد القول بحلول الروح القدس إلاَّ في أواخر القرن الرابع في سورية([5]) .

بل
ونجد صدى هذا التوازي أو التساوي بين حلول الكلمة وحلول الروح القدس وعملهما في
بعض الرسائل، فنسمع من بطرس الرسول:

+
«مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحيَّة الباقية.»
(1بط 23: 1)

كذلك
في رسالة يعقوب الرسول:

+
«شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه.» (يع 18: 1)

ومعروف أن الميلاد الثاني من السماء هو من الماء والروح
القدس فالكلمة هنا حلَّ محل الروح القدس.

+
«وكانت كلمة الرب عزيزة في تلك الأيام، لم تكن رؤيا كثيراً.» (1صم 1: 3)

+
«فيحل عليك روح الرب فتتنبَّأ معهم وتتحوَّل إلى رجل آخر.» (1صم 6: 10)

+
«وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلاً …» (1صم 10: 15)

+
«فأخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه في وسط إخوته وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم
فصاعداً.
» (1صم 13: 16)

+
«كان كلام الرب إلى ناثان قائلاً …» (2صم 4: 7)

+ «روح الرب تكلَّم بي وكلمته على لساني …
إليَّ تكلَّم صخرة إسرائيل.» (2صم 2و3: 23)

+
«ثم صارت كلمة الرب إليَّ قائلاً …» (إر 11: 1)

+
«الكلمة التي صارت إلى إرميا من قِبَلِ الرب قائلاً …» (إر 1: 7)

تتلخَّص أعمال الروح القدس في الكتب القانونية الثانية بأنه
يملأ الكون، ويحب البشرية، ويعلِّم ويطهِّر أفكار الإنسان وقلبه. انظر:
(
Sir. I: 7;
XII: 1; I: 4, 5, 6; IX: 17
) = (سفر يشوع ابن سيراخ).

العصور المتأخِّرة من الفكر اليهودي:

وقد
مال الفكر اليهودي في أواخر الأيام طبعاً من جراء بُعده عن الله
وتمسُّكه بالعالم والمال والأرض إلى التقليل من شأن الروح القدس، حتى
إذا ما وصلنا إلى الصدوقيين في أيام المسيح نجدهم يحذفون أصلاً ومن الأساس كل
اعتقاد بوجود الروح «لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح
وأمَّا الفريسيُّون فيقرُّون بكل ذلك.» (أع 8: 23)

وبدخول
المسيحية انهار الفكر اليهودي جملة وتفصيلاً من جهة الروح القدس، حتى أننا نجد
فيلو الفيلسوف اليهودي الذي أراد أن يحيي التراث الروحي اليهودي يقصر مفهوم الروح
على مجرَّد حكمة الله الموهوبة للحكماء أو مجرَّد قوة يؤثِّر بها الله على الموحى
إليهم([6]).
وأصبح هذا المفهوم هو الاعتقاد السائد والثابت في القانون اليهودي.

وقد تسرَّب هذا الفكر اليهودي الخاطئ إلى الفكر المسيحي عند
بعض المنحرفين حتى أيام غريغوريوس
النزينزي فنسمعه يتكلَّم عن جماعة في أيامه
يعتبرون الروح القدس مجرد “قوة
™nڑrgeia([7])
.

 

ثالثاً: بداية العصر المسيحي

 

يبدأ
العصر المسيحي بتقدُّم هائل في التعرُّف على الروح القدس وأعماله؛ حتى أننا نجد
الإنجيل يضع الروح القدس في صدر العهد الجديد، فهو أداة التجسُّد.

«الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تظلّلكِ فلذلك
أيضاً القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله» (لو 35: 1)،
وهنا تجدر الإشارة بأن
الوحي الإلهي يفرِّق بين شخص (أقنوم) الروح القدس و“قوة” العلي، إمعاناً في الكشف عن الخطأ السائد في الفكر اليهودي
آنذاك أن الروح القدس مجرَّد
قوة.

وفي
إنجيل القديس متى، يقول الملاك صراحة ليوسف: «يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ
مريم امرأتك لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس» (مت 20: 1)، فالروح القدس
أداة التجسُّد، فالجسد المولود هو بالتالي جسد إلهي، وقول الملاك تعقيباً على
أنه مولود من الروح القدس أنه يدعى ابن الله يوضِّح ماهية الروح
القدس بالنسبة لله.

وبعد
ذلك نجد الروح القدس في حياة المسيح فعَّالاً سواء في المسحة الأُولى على نهر
الأُردن لبدء الخدمة «كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة» (أع 38: 10)، أو
متمِّماً لكل الأعمال، «إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت
الله.» (مت 28: 12)

وتجدر
الإشارة هنا أن المسيح باعتباره التجديف على الروح القدس خطية عُظمى لا تُغفر،
يشير بوضوح وتحديد أن الروح القدس “شخص” له هيبته وكرامته الإلهية.

ثم
نجد كيف يبني المسيح كنيسته على أساس أنها خلقة جديدة بالروح القدس بالولادة من
فوق من الروح القدس والماء، وأنها تعيش وتعمل في العالم بقوة الروح القدس:

ففي
تعاليم المسيح يركِّز على الروح القدس (يو 1: 38) باعتباره واسطة دخول
ملكوت الله، وباعتباره القياس الوحيد للعبادة بالسجود “بالروح” والحق، وأنه
المصدر الوحيد لإرتواء الإنسان لكي لا يعطش إلى تراب الأرض بل يصير في الإنسان
ينبوع حياة أبدية! وأن قبول الروح القدس بهذا الوصف يتوقَّف على الإيمان بالمسيح
أولاً «مَنْ آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي، قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون
به
مزمعين أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد، لأن يسوع لم يكن
قد مُجِّد بعد (الصليب)» (يو 7: 38و39)، وأنه هو الباراكليت أي المعزِّي والشفيع
للإنسان (يو 16: 14).

وأن
الروح القدس في التلاميذ وفي أولاد الله سيبكِّت العالم، أي يقف فينا ضد قوى الشر
مؤازراً لنا ومحامياً عنَّا (يو 16: 711).

وأنه
مصدر قوة البشارة، فمتى حلَّ على المختارين ينالون في الحال قوة من الأعالي
للشهادة (أع 8: 1).

 

رابعاً: عصر الرسل

1 – إعلان الروح القدس عن نفسه عملياً للرسل.

2 – استعلان الرسل للروح القدس لاهوتياً.

 

تمتلئ
صفحات أعمال الرسل والرسائل بالإشارات القوية جدًّا والواضحة غاية الوضوح عن شخصية
الروح القدس وفاعليته، سواء من الوجهة العقائدية الوصفية لشخصه أو الوجهة العملية
لعمله، وأصبح هذا كله تراث الكنيسة الذي يبني عقيدتها في الروح القدس:

 

1 إعلان الروح القدس عن
نفسه عملياً للرسل

أعمال
الرسل

 

يبتدئ
سفر الأعمال بوضع الروح القدس موضعه الجديد وتحديد عمله الشخصي في الكنيسة عوض
المسيح تماماً «وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد» (يو
16: 14)، هذا المعزي لا يقول ولا يعمل ولا يرشد إلاَّ بما هو من المسيح ولأجل
المسيح فهو «لا يتكلَّم من ذاته بل يأخذ مما لي ويخبركم». فسفر الأعمال يقدِّم
الروح القدس لاستمرار عمل المسيح في الكنيسة وبدونه يستحيل على الكنيسة أن تتكلَّم
أو تتحرَّك أو تعلن المسيح: «لا يبرحوا من أُورشليم، بل ينتظروا موعد الآب الذي
سمعتموه مني … لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أُورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى
أقصى
الأرض.»
(أع 1: 48)

المسيح
سيبقى في السماء ولكن الروح القدس سيدوم في الكنيسة على الأرض إلى حين انتهاء هذا
الدهر والمجيء الثاني للمسيح: «ويُرسِلَ يسوعَ المسيحَ المُبشَّرَ بِهِ لكم قبلُ.
الذي ينبغي أن السماء تقبلهُ، إلى أزمنة ردِّ كل شيءٍ (تكميل) التي تكلَّم عنها
الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر» (أع 3: 20و21). فالروح القدس هو في
الحقيقة شخص الاتصال الدائم والحي والفعَّال بين المؤمنين وبين المسيح، فإذا كان
المسيح واضحاً في القلب وكانت علاقة المؤمن بالمسيح صادقة وقوية وحيَّة وفعَّالة
كانت هذه علامة على وجود وعمل الروح القدس فيه.

فالروح
القدس يعمل الآن عمل المسيح ويكمِّله فينا أي يمنحنا الخلاص والفداء الذي أكمله
المسيح من أجلنا، يهبه لنا ويثبِّتنا فيه.

والروح
القدس نفسه يصفه بولس الرسول من جهة هذا بأنه “روح المسيح” إمعاناً في التأكيد أنه
يملك كل ما للمسيح ويدرك كل ما للمسيح، وقادر أن يعطينا كل ما للمسيح وما عمله
المسيح، لذلك فبدون الروح القدس يستحيل الإيمان بالمسيح ولا معرفة أسرار المسيح
ولا نوال قوة الخلاص والفداء اللذين أكملهما المسيح لنا.

بل إن بولس الرسول يقول في ذلك باختصار: «أمَّا أنتم فلستم في
الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكناً فيكم، ولكن إن كان أحد ليس له روح
المسيح فذلك (أي المسيح) ليس له.
» (رو 9: 8)

(أع 1: 211و1618): هبوب الريح العاصف
وألسنة النار الحالَّة على رؤوس التلاميذ والتي رافقت أول حلول للروح القدس على
الكنيسة هي نفس علامات ظهور الحضرة الإلهية على جبل سيناء([8])؛
ثم موهبة النطق بلغات جديدة التي أعطاها الروح القدس للتلاميذ هي نفس عطية الله
قديماً للأنبياء أن ينطقوا بكلمات الله والتنبُّؤ، وإن كان بلغة العبرانيين، ولكن
كانت لغة رصينة وبعضها كان بالشعر الموزون مع أن الأنبياء كان منهم الأميون.

وهكذا
كان الوعد الذي قيل بيوئيل النبي أن يكون حلول الروح القدس على الجميع “على كل
بشر”، وإعطاء موهبة التنبُّؤ والآيات والرؤى والأحلام للبنين والبنات والشباب
والشيوخ والعبيد والإماء، كل مَنْ يدعوه الرب ويتوب ويعتمد باسم يسوع المسيح
لغفران الخطايا، فإنه يقبل العطية ذاتها لأن
الموعد القدوس للجميع للقريبين والبعيدين، أي لكل الأجيال الآتية بدون تفريق زمني.

(أع 31: 4): «ولمَّا
صَّلوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه وامتلأ الجميع من الروح القدس وكانوا
يتكلَّمون بكلام الله بكل مجاهرة».

هنا
تزعزع المكان يذكِّرنا بزعزعة جبل سيناء علامة أكيدة على الحضرة الإلهية، ثم
المجاهرة العلنية بالبشارة، والشهادة للمسيح هي القوة الموعود بها من الأعالي، تتم
للمرة الثانية.

(أع 33: 4): «بقوة
عظيمة كان الرسل يؤدُّون الشهادة
بقيامة الرب يسوع ونعمة عظيمة كانت على جميعهم».

هذه
القوة تنتظر الكنيسة في كل أزمنة الضيق، ولقد عاشها أثناسيوس وأثبت صدق الوعد، بل
أثبت قوة الروح القدس التي فيه وفي الكنيسة.

(أع 4: 5و9): «أنت لم تكذب على الناس بل على الله»، «ما
بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب».

يُلاحَظ
هنا في كلام بطرس الرسول لحنانيا أنه اعتبره قد كذب على الله، وفي مواجهة
سفيرة امرأته كرَّر اللوم، أنهما يجرِّبان أو يكذبان على “روح الرب”، وهنا
يكشف الوحي على فم بطرس عقيدة الكنيسة من جهة الروح القدس أنه هو الله من جهة
الكيان أي الجوهر الواحد.

وكان
عقاب الكذب على الروح القدس هو أنهما وقعا وماتا في الحال، وهذا يكشف عن عقيدة
الكنيسة بالنسبة لخطورة عمل الروح القدس التأديبي، فما تمَّ لحنانيا وسفيرة بالجسد
جهاراً يتم بالروح سرًّا للذين يستهينون
بسلطان إشراف الروح القدس على تدبير الكنيسة حتى في الأمور المالية.

ثم
إن موت أريوس فجأة قبل دخوله الكنيسة للصلاة هو مطابقة عملية لقصة حنانيا وسفيرة.

(أع 32: 5): «ونحن شهود
له بهذه الأمور والروح القدس أيضاً الذي أعطاه الله للذين يطيعونه».

هنا يوضِّح الرسل شخصية الروح القدس، التي يحسون بوجودها
معهم، قائمة بذاتها حتى أنهم يستطيعون أن يميِّزوا بين شهادتهم وشهادة الروح القدس
داخلهم بالرغم من أنها تخرج من أفواههم شهادة واحدة،
غير أن شهادة الروح
القدس تميِّزها بالإضافة قوة خاصة داخلهم وإجراء معجزات علنية بواسطتهم.

(أع 10: 6): «ولم يقدروا
أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلَّم به».

ارتباط
الحكمة مع الروح القدس الذي اختبرته الكنيسة في الشهيد استفانوس صار تطبيقاً
عملياً للتقليد القديم أن الروح القدس “روح
حكمة” لتدبير الكنيسة، ولا يمكن فصل الروح القدس عن الحكمة.

(أع 51: 7): «يا قساة
الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان، أنتم دائماً تقاومون الروح القدس كما
كان آباؤكم كذلك أنتم
»…

قساة
الرقاب يعني بها عدم الطاعة لله، عدم ختانة القلب يعني بها الشر والنجاسة المبيَّت
عليهما داخل الضمير، وعدم ختانة الآذان يعني بها عدم القدرة على سماع صوت الله
ومقاومة الكلمة، مقاومة الروح القدس يعني بها مقاومة الشهادة للمسيح والحق.

(أع 17: 15): «اللذين
لمَّا نزلا صليا لأجلهم لكي يقبلوا الروح القدس لأنه لم يكن قد حلَّ على
أحد منهم غير أنهم كانوا معتمدين باسم الرب يسوع، حينئذ وضعا الأيادي عليهم
فقبلوا الروح القدس
».

صار
هذا في عمق خبرة الكنيسة وتراثها أن الروح القدس يحل مع المعمودية بواسطة وضع
الأيادي، الذي تسميه الكنيسة الآن بمسحة الميرون، ووضع يد الأسقف أو الكاهن، حيث
يتحتَّم الصلاة من أجل قبول الروح القدس.

وفي
تسجيلات أعمال الرسل ربما يحل الروح القدس بعلاماته وقوته قبل المعمودية فتتم
المعمودية بناء على حلوله، وذلك تشجيعاً لدخول الأُمم أو تشجيعاً للتلاميذ لقبول
بولس شاول مضطهد الكنيسة المرعب، كما حدث لبولس الرسول (أع 9: 17و18)، وكما حدث
لكرنيليوس الأُممي وأهل بيته الذين تكلَّموا بألسنة قبل المعمودية (أع 10: 4448).

ولكن
معمودية الروح القدس ومواهبه لا تُغني عن معمودية الماء، بل في هذه الأمثلة
الاستثنائية كانت معمودية الروح القدس مؤهِّلاً قوياً لإجراء معمودية الماء بدون
خوف.

وقد
فسَّر بطرس الرسول حلول الروح القدس على كرنيليوس وأهل بيته وموهبة التكلُّم
بالألسنة التي نطقوا بها قبل معمودية الماء بأنها معمودية الروح القدس المباشرة
بدون واسطة:

+ «فلما ابتدأت أتكلَّم حلَّ الروح القدس عليهم كما
علينا أيضاً في البداءة،
فتذكَّرت كلام الرب كيف قال إن يوحنا عمَّد بماء وأمَّا أنتم فستعمَّدون
بالروح القدس

(أع 11: 15و16)

ويُلاحَظ
كلمة الرب التي يذكرها هنا بطرس الرسول «ستعمَّدون بالروح القدس» حيث
ستعمَّدون مبني للمجهول أي المعمودية تتم بواسطة آخر غير الرسل وغير
الإنسان عموماً، وهنا يذكر الرب ويتذكَّر بطرس قول الرب أن الشخص الذي سيعمِّد هو
الروح القدس نفسه أو الله، أي أن المعمودية ستتم بواسطة الله بالامتلاء من الروح
القدس، ولكن يتحتَّم تكميل المعمودية بالماء. كما يُلاحَظ أن بحلول الروح القدس
كانوا ينطقون بألسنة جديدة تأكيداً أنه هو الروح القدس الناطق في الأنبياء وهذا
كشف واضح لشخصيته الإلهية.

(أع 27: 11و28): «وفي تلك الأيام انحدر أنبياء من أُورشليم إلى أنطاكية وقام واحد منهم اسمه
أغابوس وأشار بالروح أن جوعاً عظيماً كان عتيداً أن يصير على جميع
المسكونة».

هنا
استمرار لعمل الروح القدس الأول منذ القديم أنه ناطق بالنبوَّة في الأنبياء، حيث
لا الأنبياء ولا النبوَّة انقطعت بمجيء المسيح وحلول الروح القدس، بل امتدت لتشمل
الأمور السمائية المزمعة وحياة الدهر الآتي، أي البشارة بملكوت السموات والحياة
الأبدية، لتصير هي اللون الطاغي لعمل الروح القدس بالنبوَّة في العهد الجديد.

(أع 2: 134):
«وبينما
هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل
الذي
دعوتهما إليه … فهذان إذ أُرسلا من الروح القدس انحدرا إلى سلوكية …»

الروح القدس يقتحم الخدمة ويتجلَّى هنا كمدبِّر للخدمة،
والداعي للخدَّام، والمرسِل للخدام بصورة شخصية واضحة منقطعة النظير، إنما في إطار
من الصوم والصلاة والاجتهاد في الخدمة.

وهكذا
يتضح أن الروح القدس صار هو قائد الخدمة، أي البشارة بالمسيح، ومدبِّرها
والمتولِّي شئونها في الكنيسة.

(أع 9: 1311):
«وأمَّا
شاول الذي هو بولس أيضاً فامتلأ من الروح القدس وشخص إليه (إلى عليم
الساحر) وقال: أيها الممتلئ كل غش وكل خبث، يا ابن إبليس، يا عدو كل بر، ألا تزال
تُفسد سبل الله المستقيمة؟ فالآن هوذا يد الله عليك فتكون أعمى لا تُبصر الشمس إلى
حين. ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة فجعل يدور ملتمساً مَنْ يقوده بيده».

هنا الروح القدس يقتحم الموقف،
ويتجلَّى في الخدَّام والخدمة كحارس للإيمان وصحة العقيدة، مؤدِّب بقسوة كل محاولة
لإفساد طريق المسيح، إنما ببرهان ومعجزة وليس بمجرَّد سطوة الإنسان.

(أع 8: 1823):
«ولمَّا
رأى سيمون أنه بوضع أيدي الرسل يُعطَى الروح القدس، قدَّم لهما دراهم
قائلاً: أعطياني أنا أيضاً هذا السلطان حتى أي مَنْ وضعت عليه يديَّ يقبل الروح
القدس. فقال له بطرس لتكن فضتك معك للهلاك لأنك ظننت أن تقتني موهبة الله بدراهم.
ليس لك نصيبٌ ولا قرعةٌ في هذا الأمر. لأن
قلبك ليس مستقيماً أمام الله. فتُبْ من شرِّك هذا واطلب إلى الله عسى أن يُغفَر لك
فكر قلبك. لأني أراك في مرارة المر ورباط الظلم».

وهذه
الحادثة قد رسخت في عمق أعماق اللاشعور بل والشعور أيضاً في الكنيسة كلها وعلى مدى
كل العصور، وأسمت هذه المصيبة العظمى أي شراء المواهب بدراهم “بالسيمونية”. وهكذا
وضع الروح القدس في قانون الكنيسة لوضع اليد بالمال أو بالطرق الأخرى الملتوية
لنوال الأسرار الكنسية المختلفة، تحذيراً لا
يمحي وسابقة خطيرة أسماها بطرس الرسول: «مرارة المر ورباط الظلم».

(أع 52: 13): «وأمَّا
التلاميذ فكانوا يمتلئون من الفرح والروح القدس».

علامة
مميِّزة لم تفارق خدَّام المسيح الأتقياء المملوئين من الروح القدس حتى وفي أشد
الأحزان والأهوال والضيقات، وهذه العلامة هي الملء من الفرح مع الملء من الروح
القدس، فيستحيل أن يحل الروح القدس في الخدَّام الأمناء إلاَّ ومعه الفرح.

(أع 28: 15و29): «لأنه قد
رأى الروح القدس ونحن
أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة أن
تمتنعوا عمَّا ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا …».

هنا يقف الروح القدس بشخصه محسوساً على رأس مجمع التلاميذ،
كمقرِّر أعلى لقانون السلوك المسيحي للأُمم الداخلين في الإيمان، ويبرز الرسل
شخصية الروح القدس كما أحسوه كمن يرى ويسمع ويتكلَّم ويقرِّر بمسئولية القاضي
والمشرِّع للكنيسة الجديدة.

(أع 6: 16و7): «وبعدما
اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلَّموا بالكلمة في
أسِيَّا، فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينية فلم يدعهم الروح».

هنا المنع بلغ حد الحصار إمعاناً في ظهور تدخُّل الروح
القدس السافر كمقتحم خطة الخدمة بأكملها.

هنا يبرز الروح القدس بصورة قائد ومشرف أعلى يعطي السماح
للخدَّام بالكلام أو يمنعه، ويعطي التصريح للخدَّام بالمسير أو يمنعه،
شيء مذهل
للعقل، فالروح القدس يضطلع بمهمة لا ترقى إلى العقل البشري، لأنه إذ يرى
الحوادث المستقبلية ويكشف المخبأ في الطريق، يتصدَّر مسيرة الخدَّام كقائد لا مثيل
له في البشر، مكمِّلاً عجز الإنسان وفقدانه رؤيته البعيدة، ليحفظ الخدَّام والخدمة
من المهالك، ويمنع الخدَّام عن الكلام في غير زمانه أو مكانه حتى لا تُلام الخدمة
أو تُحتقر.

وكل
المطلوب من الخدَّام إنما هو شدة الحساسية لطاعة صوته أولاً بأول، وهذه إحدى خصائص
الممتلئين من الروح القدس المعيَّنين من الروح وبالروح للخدمة، إذ يكونون محمولين
بالروح دائماً يسيرون ويقفون، يتكلَّمون ويصمتون، بتدبير النعمة.

(أع 9: 16و10): «وظهرت
لبولس رؤيا في الليل رجل مكدوني قائم يطلب إليه ويقول اعبر إلى مكدونية وأعنا. فلما رأى الرؤيا للوقت طلبنا أن نخرج
إلى مكدونية متحقِّقين أن الرب قد دعانا لنبشِّرهم».

كلمة: «متحقِّقين» تكشف عن تدخُّل قوي للروح القدس.

الروح القدس يتحوَّل سريعاً من قائد يحرِّك قافلة الخدمة
علناً في الصحو بروح النبوَّة الناطق في التلاميذ، إلى قائد يحرِّكها بالرؤيا في الليل
أثناء النوم؛ فطرق قيادة الروح القدس لا يمكن حصرها وهو الذي يختار الأنسب بالنسبة
للزمان والمكان وحالة الإنسان نفسه،
وهكذا انتقلت الرؤيا من
العهد القديم إلى العهد الجديد كإحدى وسائط التوجيه والإرشاد للروح القدس.

(أع 22: 20و23): «والآن ها
أنا أذهب إلى أُورشليم مقيَّداً بالروح لا أعلم ماذا يصادفني هناك، غير أن الروح
القدس يشهد في كل مدينة قائلاً إن وثُقاً وشدائد تنتظرني
».

الروح
القدس يقيِّد الخادم كما تُقيَّد الذبيحة ويسوقه إلى إكليل آلامه بحسب الخطة التي
يرسمها لمجد المسيح والكنيسة؛ هكذا اقتيد المسيح بالروح بعد الملء والمسحة على
الأُردن ليُجرَّب وحيداً على الجبل من إبليس، وهكذا يُجرَّب خدام المسيح لغاية
وحيدة «رئيس هذا العالم يأتي ولكن ليس له فيَّ شيء»، أي لتتجلَّى حياة الخادم أنها
بلا لوم ولا شكوى أمام الله هنا يبرز الروح القدس كشخص يقتاد بولس
بالقوة.

(أع 28: 20): «احترزوا
إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا
كنيسة الله التي اقتناها بدمه».

بهذا
القول صار راسخاً في إيمان الكنيسة أن الروح القدس هو الذي يقيم الأسقف وإلاَّ
فقيامه باطلاً، والروح القدس يقيم الأسقف ليرعى “كنيسة الله” وليس كنيسة الأسقف،
والله الذي اقتنى لنفسه الكنيسة واشترى رعيتها بدمه المسفوك على الصليب يغير عليها
جدًّا، على أسقفها وعلى رعيتها معاً كما يغير على دمه لأنه يثمنها بدمه أي بحياته.

الروح
القدس تسجَّل في القانون الكنسي بحسب منطوق طقس الرسامة أنه هو المدبِّر للنظام
الكنسي يختار أعضاءه ويقودهم باعتبار أن
الكنيسة أسقفاً ورعيةً هي كنيسة الله المقتناة بالدم الإلهي.

وبولس
الرسول يحذِّر الأساقفة أن يحترزوا، أي يخافوا ويرتعبوا، لأنفسهم لئلاَّ يزدروا
بالدم الإلهي ويُحسبوا مقاومين للروح القدس إذا ازدروا أو أهملوا واجبات قداسة
أنفسهم أو أهملوا واجبات الرعية من جهة التعليم ومعاضدة الضعفاء؛ أو ذهبوا وراء
شهوة الذهب والفضة ويذكرهم بقانون المسيح: «لأنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من
الأخذ»، ونجد كل هذا في الوصايا التي تُتلى على الأسقف عند الرسامة.

(أع 21: 10و11): «… نبي
اسمه أغابوس، فجاء إلينا وأخذ منطقة بولس وربط يدي نفسه ورجليه وقال: هذا يقوله
الروح القدس الرجل الذي له هذه المنطقة هكذا سيربطه اليهود
في أُورشليم
ويسلمونه إلى أيدي الأُمم».

بنفس
طريقة العهد القديم في التنبُّؤ بالحوادث الآتية التي تخص الكنيسة، كان الروح
القدس يعمل باهتمام شديد وبلا هوادة لكي يعلن أن كل شيء في الكنيسة مكشوف وعريان
أمام عيني الله، وأن كل الكنيسة وخدَّامها الأمناء إنما يسيرون طبق خطة إلهية سبق
فعيَّنها لنكون مشابهين صورة ابنه.
فبولس الرسول يجوز نفس ما جازه المسيح نفسه
سواء من جهة التنبُّؤ بما سيحدث في أُورشليم وربما بنفس الكلمات أو في ما تمَّ
بالفعل. وصار هذا جزءًا هاماً في تراث الكنيسة ووعيها، فالشهيد أعلى رتبة من
القديس.

(أع 25: 28): «حسناً كلَّم
الروح القدس
آباءنا بإشعياء النبي».

هنا
اعتقاد الكنيسة الراسخ منذ عهد الرسل حتى اليوم أن كل الأنبياء في القديم إنما
كتبوا ونطقوا مسوقين من الروح القدس، فالروح القدس كان يمهِّد للخلاص والفداء الذي
بدأ يبني عليه كنيسة المسيح في العهد الجديد.

 

2 استعلان الرسل للروح
القدس لاهوتياً

في
الرسائل

(أ) الروح محيي:

(رو 3: 1و4): «عن ابنه الذي صار من نسل داود من
جهة الجسد، وتعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من
الأموات».

هنا
يضع بولس الرسول “الروح القدس” الذي في المسيح والعامل فينا بالقوة التي استُعلنت
في ذروتها بإقامة يسوع المسيح من الأموات، مقابل الجسد الذي صار للمسيح والذي أخذه
من نسل داود. “فالروح القدس” الذي استُعلن بقوة في المسيح بالقيامة من الأموات،
هو استعلان للاهوت المسيح،
تماماً كاستعلان تجسُّده من العذراء من نسل داود.

فإن
كان قد تعيَّن ابن داود بتجسُّده من نسل داود فهو تعيَّن ابناً لله بقيامته
من الأموات بقوة الروح القدس الذي فيه. وسيان أن نقرأ أن الله أقامه «الله الآب
الذي أقامه من الأموات» (غل 1: 1)، أو أن قيامته كانت بقوة من جهة روح القداسة، أو
أنه قام بذاته «لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها»؛ فالقيامة هنا هي إعلان
مباشر عن لاهوته، ولاهوت المسيح هو واحد فيه وفي الآب وفي الروح القدس.

وفي
موضع آخر يقول بولس الرسول مشيراً إلى الاتحاد والتساوي القائم بين المسيح وبين
الروح القدس عند تقديم ذبيحته إلى الله أبيه هكذا: «فكم بالحري يكون دم المسيح
الذي بروح أزلي، قدَّم نفسه لله بلا عيب يُطهِّر ضمائركم من أعمال ميتة
لتخدموا الله الحي.» (عب 14: 9)

هنا المسيح كرئيس كهنة يتقدِّم حاملاً دمه بالروح القدس
الأزلي
إلى الله أبيه لتطهير وتقديس شعبه.

وهنا
“دم المسيح بالروح القدس” عامل تطهير وتقديس واحد لا ينفصل، ويعمل لتوصيل
الحياة الأزلية التي فيه (بروح أزلي) إلى الذين يؤمنون به.

– (رو 9: 8): «وأمَّا
أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكناً فيكم. ولكن إن
كان أحدٌ ليس له روح المسيح (روح أزلي) فذلك ليس له».

– (رو 11: 8): «وإن كان روح الذي
أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم
المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم».

هنا
ينتقل بولس إلى الإيمان بأن الروح القدس الذي أقام المسيح من الأموات إذا سكن فينا
فنحن نصير أحياء “في المسيح” بالروح، ونكون من خاصته، وأننا حتماً سنقوم من
الأموات، بل والآن نحسب أننا أموات بالجسد وأحياء بالروح بسبب بر المسيح الذي
يُحسب لنا من الآن.

وهكذا
يؤمن بولس الرسول، وكل الكنيسة معه، أن المسيح الذي قام من الأموات يكون حاضراً
فينا إذا سكن الروح القدس فينا الذي هو أيضاً روح المسيح، فنحن نعيش الآن قيامة
المسيح بالروح القدس أفراداً وكنيسة، وهذا هو اتحادنا، وهذا عين ما يقوله بطرس
الرسول أيضاً:

+
«مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاءٍ حي
بقيامة يسوع المسيح من الأموات.» (1بط 3: 1)

فقيامتنا
من الأموات مع المسيح التي ننالها بسكنى الروح القدس تجعلنا شركاء الآن في حياته،
أي شركاء في مجده وفي بنوته للآب بالتبني كهبة، لأننا نصير بواسطة الروح القدس
متحدين به كأعضاء في جسده وهو كالرأس لنا، فلا نعود نحيا نحن بل المسيح يحيا فينا
بالروح القدس.

(ب) الروح القدس يلد (يخلق ثانية) الإنسان ويتبناه لله:

– (رو 8: 1417): «لأن كُلَّ الذين
ينقادون بروح الله، فأُولئِكَ هُم أبناءُ اللهِ. إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً
للخوفِ، بل أخذتم روح التبنِّي الذي به نصرخُ: يا أَبَا الآبُ! الروح نفسه أيضاً
يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنَّا أولاداً فإننا ورثةٌ أيضاً، ورثةُ الله
ووارثون مع المسيح. إن كنَّا نتألَّم معه لكي نتمجَّد أيضاً معه».

هنا
الاتحاد بالمسيح نشأ من سكنى الروح القدس ونوال حالة القيامة من الأموات، والاتحاد
مع المسيح في قيامته يصوِّره بولس الرسول أنه أنشأ حالة تبني لله أيضاً، لأن هبة
القيامة من الأموات تعني حالة مصالحة مع الله الآب أي انتقالاً من عبودية إلى
بنوَّة. ليلاحظ القارئ الربط الذي يهدف إليه بولس الرسول وكأنما يقول بولس: “لأن
الروح القدس هو الذي أقام يسوع المسيح من الأموات وبالقيامة من الأموات تعيَّن في
الحال أن المسيح هو ابن الله أي تبرهن لاهوته”.

كذلك
فإنه بسكنى الروح القدس فينا ننال حتماً القيامة من الأموات مع المسيح، أي الحياة
الأبدية، ونُحسب في الحال أننا أبناء مع المسيح ولكن بالتبني، أي أننا نصير
بالنعمة شركاء الطبيعة الإلهية، وهذا ما يسميه الآباء “بالتألُّه”، وفي هذا قال
المسيح إن الروح القدس يلدنا لله: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا
يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يو 5: 3). وبولس الرسول ينتقل من الميلاد إلى المسير
فيؤكِّد أن: «المنقادون بروح الله أُولئك هم أبناء الله.» (رو 14: 8)

+
«ثم بما أنكم أبناءٌ أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً: يا أبَا الآبُ. إذاً
لستَ بعدُ عبداً بل ابناً. وإن كنتَ ابناً فوارثٌ لله بالمسيح.» (غل 4: 6و7)

 (ج) الروح القدس يحرِّرنا ويتدرَّج بنا في الكمال المسيحي
بالاستنارة:


(2كو 17: 3و18): «وأمَّا الرب فهو الروح وحيث روح الرب فهناك حرية، ونحن جميعاً
ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف (بدون برقع الناموس) كما في مرآة نتغيَّر إلى تلك
الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح».

هنا
يقارن الرسول بولس بين عمل الناموس وعمل الروح القدس في الإنسان، فالناموس أسماه
خدمة الموت، وخدمة الدينونة، خدمة الحرف، والحرف يقتل، خدمة الزائل.

والروح
القدس أسماه خدمة المجد بالأولى، وخدمة البر في مجد، خدمة الروح القدس، والروح
يحيي، وخدمة الدائم.

فإن
كان وجه موسى لمع من جراء خدمة الناموس لدرجة أن الشعب طالبه بوضع برقع حتى ينظروا إلى وجهه، فإن قلوبنا يشرق فيها الروح القدس
لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع (2كو 6: 4)

وإن
كان شعب إسرائيل لم يستطع النظر إلى وجه موسى الزائل بسبب لمعانه من جراء خدمة
الناموس فنحن ننظر مجد الرب بوجه مكشوف (بدون برقع) كما في مرآة ونتغيَّر إلى تلك
الصورة عينها (أي وجه المسيح) من مجد إلى مجد كما من الرب الروح (أي بالروح القدس
الساكن فينا). وأننا غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى (وجه موسى) بل إلى التي لا
تُرى (وجه المسيح)، لأن التي تُرى وقتية (زائلة) وأمَّا التي لا تُرى فأبدية (2كو
18: 4).

وكما
أن موسى كان عليه أن ينزع البرقع حينما يدخل لمقابلة الرب للتكلُّم معه (خر 34:
34)، كذلك الآن يسقط البرقع من قلوبنا أي الناموس والحرف عندما يشرق الروح القدس
فينا باستنارة معرفة مجد الله الذي في وجه يسوع فنتخاطب معه كبنين «يا أبا الآب».

نلاحظ
هنا أن بولس الرسول يسمّى الرب الذي كان موسى يدخل ويتكلَّم معه بالروح القدس
«وأمَّا الرب فهو الروح»،
وأنه الآن يعمل ويشرق في قلوبنا لحساب المسيح،
وبالتالي لحساب الله الآب: [لإنارة معرفة “مجد الله” في “وجه يسوع
المسيح”
].

(د) الروح القدس يوحِّد
المؤمنين في جسد المسيح فيصيروا

جميعاً أعضاءً فيه كنيسة واحدة بالروح
القدس:


(1كو 13: 12):
«لأننا جميعاً بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسد واحد …
وجميعنا سقينا روحاً واحداً».


(1كو 26: 12): «فإن كان عضو واحد يتألَّم فجميع الأعضاء تتألَّم معه وإن كان عضو
واحد يكرَّم فجميع الأعضاء تفرح معه».


(1كو 27: 12): «وأمَّا أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً».

كيفية جمع الأعضاء وجوهر هذا الجسد
الواحد:

+ «صَعِدَ أيضاً فوق جميع السماواتِ، لكي يملأ الكُلّ. وهو
أعطى البعضَ أن يكونوا رُسُلاً، والبعضَ أنبياءَ، والبعضَ مبشِّرينَ، والبعضَ
رُعاةً ومعلِّمينَ، لأجل تكميل القديسين، لعمل الخدمةِ، لبنيانِ جسد المسيح، إلى
أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى إنسانٍ كاملٍ. إلى قياس
قامة ملء المسيح.» (أف 4: 1013)

تأمين وحدة الجسد:

+
«كي لا نكون في ما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر
إلى مكيدة الضلال، بل صادقين في المحبة ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس
المسيح، الذي منه كل الجسد مركَّباً معاً ومقترناً بمؤازرة كل مفصل حسب عمل (يعمل)
على قياس كل جزء يُحصِّل نمو الجسد لبنيانه في المحبة.
» (أف 4: 14
16)

هنا الروح القدس يوظِّف المواهب في الأفراد لحساب ربط
الأعضاء وعملها وبنيانها لتكوين وحدة روحية عضوية للكنيسة كاملة في الإيمان والحب
تنمو وتتحرَّك وفق مشيئة الرأس المسيح!

 تأمين عمل الروح القدس:

+
«وتتجدَّدوا بروح ذهنكم وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة
الحق … لأننا بعضنا أعضاء البعض. اغضبوا ولا تخطئوا … ولا تحزنوا روح الله
القدوس الذي خُتم ليوم الفداء.» (أف 4: 2325و30)

تزييف عمل الروح القدس بالوحدة والفرح على أساس الخمر:

+
«ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروحِ. مكلِّمين بعضكم
بعضاً
بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب. شاكرين
كل حينٍ على كل شيءٍ في اسم ربنا يسوع المسيح، لله والآب. خاضعين بعضكم لبعض في
خوف الله
» (أف 18: 521) حيث مخافة الله هنا هي خاصية الوحدة كدليل
على وجود الروح القدس.


(أف 2: 16و1822): «ويُصالِحَ الاثنين في جسدٍ واحدٍ مع الله بالصليبِ،
قاتلاً العداوةَ به … لأن به لنا كلينا قدوماً في روحٍ واحدٍ إلى الآبِ.
فلستم إذاً بعد غُرباءَ ونُزلاً، بل رعيَّةٌ مع
القديسين وأهلِ بيتِ
الله، مبنيِّين على أساسِ الرسل والأنبياءِ، ويسوعُ
المسيح نفسه حجرُ الزاويةِ، الذي فيه كل البناءِ مركَّباً معاً، ينمو
هيكلاً مقدَّساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيُّونَ
معاً، مسكناً للهِ في
الروحِ».

(أف 4: 3و4): «مجتهدين أن تحفظوا وحدانية
الروح
برباط السلام. جسدٌ واحِدٌ، وروحٌ واحِدٌ، كما دعيتم أيضاً في رجاءِ
دعوتكم الواحد».


(1بط 5: 2):
«كونوا
أنتم أيضاً مبنيِّينَ كحجارةٍ حيَّةٍ بيتاً روحيًّا،
كهنوتاً مقدَّساً، لتقديم ذبائح روحيَّةٍ
مقبولةٍ عند الله بيسوع المسيح».


(1كو 16: 3و17):
«أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن
كان أحد يُفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدَّس الذي أنتم هو».

هذه
العقيدة صارت هي الأساس في مفهوم قداسة الكنيسة وهيبتها، وهي السر في أن أبواب
الجحيم لن تقوى عليها، لأنها «جسد المسيح السرِّي»، والروح القدس هو الذي يملأها
ويجمع ويوحِّد الأعضاء فيها ويضمهم إلى شركة القديسين المعتبرين «أهل بيت
الله».

فالروح
القدس بعد أن يوحِّد المؤمن في جسد المسيح يوحِّد المؤمنين معاً في هذا الجسد
الواحد مع جميع القديسين، فالروح القدس يهب المؤمن شخصيته المسيحية ثم يعود
الروح القدس ويهب الكنيسة شخصيتها الإلهية وأخلاقيتها.

(ه) الروح القدس يوزِّع المواهب على المؤمنين باعتبارهم
أعضاء في جسد واحد، لتصير المواهب جميعاً لخدمة الجسد الواحد (الكنيسة) بمشيئة الروح القدس الواحد، أي لمجد المسيح! «ذاك يمجِّدني»:


(1كو 4: 12):
«فأنواع
مواهب موجودةٌ، ولكن الروح واحدٌ».


(1كو 7: 1213): «ولكنه لكل واحدٍ يُعطَى إظهار الروح للمنفعة.
فإنه لواحِدٍ يُعطى
بالروح كلام حكمةٍ، ولآخر كلام عِلمٍ بحسب الروح الواحد،
ولآخر إيمانٌ (ينقل الجبال) بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاءٍ بالروح الواحد.
ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوَّةٌ، ولآخر تمييز الأرواح، ولآخر أنواع ألسنةٍ، ولآخر
ترجمة ألسنةٍ. ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسماً لكل واحدٍ
بمفرده، كما يشاء.
لأنه كما أن الجسد هو واحد وله أعضاء كثيرة، وكل أعضاء
الجسد الواحد إذا كانت كثيرة، هي جسد واحد؛ كذلك المسيح أيضاً، لأننا جميعنا
بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسد واحد،
وجميعنا سُقينا روحاً واحداً …».


(1كو 27: 12و28):
«وأمَّا أنتم فجسد المسيح، وأعضاؤه
أفراداً. فوضع الله أُناساً في
الكنيسة (جسده) أولاً رُسلاً، ثانياً أنبياءَ،
ثالثاً معلِّمين، ثم قوَّات، وبعد ذلك مواهب شفاء، أعواناً تدابير (قوة على
التدبير)، وأنواع ألسنة».

وهكذا
من مجموع المؤمنين غير المنسجم وغير المؤتلف، يصنع الروح القدس شخصية الكنيسة
المنسجمة المؤتلفة العاملة بالروح الواحد والشاهدة بفم واحد. هنا شخصية الروح
القدس الفريدة تظهر للوجود.

(و) الروح القدس يضطلع
بحفظ الوديعة الصالحة
، أي التقليد المسلَّم

في الكنيسة بالإيمان، وذلك من خلال سكناه في الأفراد الأمناء
له:


(1تي 14: 2): «احفظ الوديعة الصالحة (التقليد
par£dosij) بالروح القدس الساكن فينا».

وهكذا
بعد أن يبني الكنيسة بالمواهب المتآزرة من داخل الأفراد وكأنها هيكل روحاني ذو
أعضاء مترابطة، يضطلع بحفظ التقليد الإيماني الموحى به للرسل، بواسطة موهبة خاصة
يهبها لبعض الأفراد الأمناء الساكن فيهم!! لضمان عمل الكنيسة في وحدة الإيمان
لبنيان الخدمة حتى تنتهي الكنيسة إلى ملء قامة المسيح.

(ز) الروح القدس بعد أن يستودع مواهبه
في قلوب المؤمنين الساكن فيهم، ينتظر منهم أن يضرموها بالصلاة والأعمال الصالحة
لكي تعمل عملها في الكنيسة
لأن المواهب الروحية تحتاج إلى الصلاة والأعمال
الصالحة لتظل متأجِّجة:

هنا
شخصية الروح القدس لا تبتلع شخصية المؤمن ولكن تجلِّيها بالموهبة.

(1تي 14: 4و15): «لا تهمل الموهبة التي فيك
المعطاة لك بالنبوَّة مع وضع أيدي القسوسية، اهتم بهذا وكن فيه
لكي يكون تقدمك
ظاهراً في كل شيء».


(2تي 6: 1):
«فلهذا السبب أُذكِّرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التي فيك
بوضع يديَّ».

(تي 5: 38): «لا بأعمال في برٍّ
عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلَّصنا بغُسْلِ الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس،
الذي سكبه علينا بغنى بيسوع المسيح مخلِّصنا، حتى إذا تبرَّرنا بنعمته نصير ورثة
حسب رجاء الحياة الأبدية. صادقة هي الكلمة وأريد أن تقرِّر هذه الأمور لكي يهتم
الذين آمنوا بالله أن يمارسوا أعمالاً حسنة فإن هذه الأمور هي الحسنة والنافعة
للناس
».

(رو 11: 12): «غير متكاسلين في الاجتهاد،
حارِّين (ملتهبين) في الروح،
عابدين الرب».

(ح) الروح القدس يظل يشهد للمسيح في
الكنيسة داخل المؤمنين بواسطة المواهب التي يمنحها للأفراد، وبواسطة الآيات
والمعجزات التي يجريها بواسطتهم إنما حسب إرادته هو:


(عب 4: 2):
«شاهِداً
الله معهم بآياتٍ وعجائب وقواتٍ متنوِّعةٍ ومواهب الروح القدس حسب إرادته».

(رو 18: 15و19): «لأني لا أجسر أن أتكلَّم عن
شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأُمم بالقول والفعل بقوة آيات
وعجائب بقوة روح الله».

(1كو 4: 2): «وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام
الحكمة الإنسانية المُقنِع، بل ببرهان الروح والقوة».


(1تس 5: 1):
«إن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً
وبالروح القدس وبيقين شديد».

(ط) التنكر لشركة الروح
القدس والازدراء بها، تنكرٌ
للاهوت
المسيح شخصياً وبمثابة صلبه ثانية والتشهير
به:

فالشهادة
للاهوت المسيح شهادة للروح القدس والازدراء بالدم الإلهي ازدراء بالروح القدس
والعكس صحيح، ولا يمكن فصل تكريم أو إنكار المسيح عن الروح القدس. فارتباط الشخصين
في ذاتهما وفينا لا يمكن الفصل بينهما، وهذا ما فهمه القديس أثناسيوس تماماً في
موضوع التجديف على الروح.


(عب 29: 10
):
«فكم عقاباً أشر تظنون أنه يُحسب مستحقاً مَنْ داس ابن الله وحَسِبَ دم العهد الذي قُدِّس به دنساً،
وازدرى بروح النعمة
».

(عب
4: 66):
«لأن الذين استُنيروا مرَّة (المعمودية) وذاقوا الموهبة
السماوية (التجديد والخلقة والميلاد من فوق) وصاروا شركاء الروح القدس
(قبلوا حلول الروح القدس بالمعمودية) وذاقوا كلمة الله الصالحة (الإنجيل) وقوات
الدهر الآتي (معونة الملائكة) وسقطوا، لا يمكن تجديدهم أيضاً للتوبة إذ هم
يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويُشَهِّرُونَه
».

 

خامساً عصر ما بعد الرسل

 

بقيت
صحة تعاليم الرسل واضحة في ما يختص بشخص الروح القدس ضمن الكيان أو الجوهر اللاهوتي للثالوث في تسليم قانون التعميد، «عمدوهم
باسم الآب والابن والروح القدس». وقد اكتشفت قوانين التعميد المبكِّرة جدًّا في
تقليد القرون الأُولى وهي تحمل طابع الإيمان والتعليم بوحدة
الثالوث([9]).

كليمندس الروماني:

وبجوار
قوانين التعميد المحلية في الكنائس تصلنا من الرسالة الأُولى إلى كورنثوس للقديس
كليمندس الروماني وهو تلميذ الرسل صورة أصيلة مطابقة
لتعليم الرسل من جهة “انسكاب” الروح القدس، ومن جهة “شخص” الروح
القدس، ومن جهة “الجوهر الإلهي” للروح القدس:

[لقد
وُهبتم جميعاً سلاماً عميقاً وفيراً وشوقاً غير محدود نحو عمل الصلاة بينما انسكب
الروح القدس عليكم بفيض
].

[بهذا
نحتمي برحمته من الدينونة القادمة. لأنه أين يهرب كل منا من يده القادرة؟! أي عالم
يمكنه أن يختفى هارباً من وجه الله؟! إذ يقول الكتاب: «أين أذهب من روحك، ومن
وجهك أين أهرب؟!
إن صعدتُ إلى السموات فأنت هناك، وإن فرشتُ في الهاوية فها
أنت» (مز 139: 7و8).

أين
يمكن لإنسان أن يهرب ممن يحتضن كل شيء؟!]

[حي
هو الله، وحي هو يسوع المسيح وحي هو الروح القدس وحي هو إيمان ورجاء المختارين.]
(الرسالة الأُولى لكليمندس الروماني 2و28و58)

كذلك
فإن تعاليم كليمندس تأتي في كمال انطباقها على علاقة الروح القدس بقانون الأسفار
المقدَّسة (انظر: الرسالة الأُولى لكليمندس الروماني 45و8و13و16و22و42).

برناباس:

ونقابل
في رسالة برناباس بصورة مميِّزة استمرار التعليق على الإلهام الموجود في الأسفار
(910) كذلك موضوع انسكاب الروح القدس على الكنيسة كلها (1).

إغناطيوس الأنطاكي:

في
رسائله المختصرة نجده يسمِّي الروح القدس واحداً مع الآب والابن مع تمييز خاص
لشخصه (ماغنيزيا: 13)، كذلك موضوع انبثاقه من
الآب (فيلادلفيا: 7)، وإرساله بواسطة الابن (أفسس:
17)، وعمله في الحمل
الإلهي الإعجازي للعذراء (أفسس: 18)، وفي تقديس (مسحة) أعضاء المسيح (أفسس: 9،
سميرنا: 13)، كما نجد في حالة استشهاده ذكره للروح القدس في تمجيده لله، كذلك نجد
عين الأمر في استشهاد القديس بوليكارب (استشهاد القديس بوليكارب 1422)
(استشهاد القديس إغناطيوس 71).

الأسقف “راعي هرماس”:

ولكن من بين كل ما وصلنا من كتابات عصر ما بعد الرسل للآباء
الرسوليين، فإنه يندرج ما خلفه لنا “راعي هرماس” تحت أكثر الكتابات خصوبة في
الإشارات للروح القدس. ولو أن طريقة عرضه لموضوع الروح القدس تجعلنا في حيرة من
تحديد صلاحيتها العقائدية، إلاَّ أنه أحياناً يشير إلى أرواح كثيرة مرسلة بواسطة
الروح القدس منوط بها تعليم وإنارة بصيرة الناس، ونحن نجد إشارة إلى مثل هذا
المعنى في رسالة يوحنا الأُولى: «أيها الأحباءُ، لا تصدِّقوا كل روحٍ، بل
امتحنوا الأرواح:
هل هي مِنَ الله؟ لأن أنبياءَ كذبةً كثيرينَ قد خرجوا إلى
العالم. بهذا تعرفون روح الله: كل روحٍ يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في
الجسد فهو مِنَ الله … مِنْ هذا نعرف روح الحقِّ وروح الضلال.» (1يو 4: 16)

كذلك
نجد إشارة إلى هذا المعنى أيضاً في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي: «يوحنا إلى السبع
الكنائس التي في أسِيَّا. نعمة لكم وسلام من الكائن والذي كان والذي يأتي ومن السبعة
الأرواح التي أمام عرشه.
» (رؤ 4: 1)

وراعي
هرماس يؤمن بشدة أن روح النبوَّة لا يزال مستمراً في عمله في الكنيسة، ويشير إلى
أنه حائز لهذه العطية الخاصة بالإلهام.

ويعتقد
بعض العلماء مثل “جبهارت” و“هارناك” أن راعي هرماس لم يكن يفرِّق بين الروح القدس
وبين المسيح قبل تجسُّده([10]).

القرن الثاني:

ابتدأ
الزمن يتباعد عن منبع التقليد الرسولي نوعاً ما، وبظهور جماعة المدافعين عن
الإيمان المسيحي بلاهوت الكلمة وبتحقيق أن كلمة الله هو هو المسيَّا يسوع المسيح
المتجسِّد في ملء الزمان، بدأ ثقل الحوار والتركيز ينصبُّ على لاهوت الأقنوم
الثاني، وبدأت الأنظار والمحاورات تبتعد عن مركز الروح القدس إلى الدرجة التي فيها بدأوا ينسبون “للكلمة” الصفات والأعمال
الشخصية للروح القدس.

الرسالة إلى ديوجنيتس: وفيها نقرأ أن “الكلمة
هو الذي يختار الأشخاص كيفما يشاء ويتكلَّم فيهم”، “وأنه بالكلمة تخصب الكنيسة
وتنمو باستمرار”.

أمَّا
ثيئوفيلس الأنطاكي: فيمتد ليرى أن إلهام الأنبياء في العهد القديم هو من
عمل الأقنوم الثاني: الكلمة: “الكلمة لأنه هو روح الله الذي كان يحل على الأنبياء
ويتكلَّم بواسطتهم”
([11]).

أمَّا يوستين، فإنه يحسب أن الحمل الإعجازي للعذراء هو من
عمل “الكلمة” نفسه
([12]).

ولقد
ظل هذا المفهوم عالقاً في فكر الكنيسة عند كثيرين من مستقيمي الرأي حتى منتصف
القرن الرابع ويُقرأ بوضوح في المواضع التالية([13]):

1 إيرينيئوس 1: 5.

2 ترتليان: بركسيا: 26.

3 كبريانوس: .de Idol van

4 إيلاريون: على الثالوث: 24: 2و26.

كذلك
نجده عالقاً في تقليد الليتورجية في أنافورا سيرابيون، حيث نجد حلول الكلمة على
الخبز والخمر وليس حلول الروح القدس.

ويعزِّز
هذا التقليد ما ورد عن القديس أثناسيوس وغيره (انظر كتاب: “الإفخارستيا والقداس”
للمؤلِّف صفحة 680و681).

ثيؤفيلس الأنطاكي: ولكن من جهة أخرى
تُعتبر الكنيسة مدينة لهذا المدافع الشهيد بأول تسجيل للإصطلاح اللاهوتي الشهير
“الثالوث
tri£j”،
في ما يختص باللاهوت في ذاته!
]إن الثلاثة أيام السابقة قبل أن يصير
النور هي مثال للثالوث، الله وكلمته وحكمته
[، وهذا نصه باليوناني:

[aƒ tre‹j ¹mڑrai
prص tîn fwst»rwn gegonu‹ai tعpoi e„sˆn tءj tri£doj toà Qeoà kaˆ toà lزgou aظtoà
kaˆ t¾j sof…aj aظtoà.]

وهنا
يذكر الثالوث بوضوح مشيراً إلى الشخصين الواضحين: “الكلمة” و“الحكمة”، باعتبار
الحكمة هي الروح القدس حسب التقليد القديم الموروث. ويستمر هذا الكاتب الرسولي
الملهم في توضيح تحديد الأشخاص في الثالوث إنما في وحدة مطلقة.

يوستين: ولكن يخرج يوستين بفكرة جديدة تُعتبر بداية
انحراف خطيرة، فهو يقول: “نحن نضع روح النبوَّة في المرتبة الثالثة
™n tr…tV t£xij لأننا نكرِّمه مع الكلمة”، ويقصد بروح النبوَّة نفس الروح القدس([14]).

وهو
صاحب نزعة غير سليمة على الإطلاق في جعل الروح القدس خاضعاً وأدنى مرتبة من
الكلمة، وهو الوحيد الذي يزعم أن الروح القدس “ملاك الله وقوة الله التي أُرسلت
لنا بواسطة يسوع المسيح”([15]).

وقد
وردت على لسانه في كتاباته جملة مبهمة خطيرة بلا أي معنى ولا أصل معطياً فيها “الملائكة”
المخلوقين
درجة من الكرامة ليست أقل من التي يعطيها للروح القدس([16]).

تلميذ يوستين المدعو تاتيان: لقد فاق معلِّمه في
الخروج عن التقليد اللاهوتي الصحيح المسلَّم من الرسل فإنه يضع الروح القدس
“كخادم” للمسيح([17]).

أثيناغوراس: هنا نبتدئ نقترب مرَّة أخرى من العقيدة
الكنسية السليمة التي بدأت تأخذ قوتها وصحتها مرَّة أخرى من جهة الثالوث الأقدس
المتساوي.

ولكن
أثيناغوراس رأى في الروح القدس عملاً غريباً على المفهوم التقليدي وهو اضطلاعه
بوظيفة رباط الوحدة في اللاهوت([18]). (وهذا الاتجاه رفضته الكنيسة بالرغم من أخذ القديس
أغسطينوس به).

والذي
رفضه بشدة ووضوح هو القديس أثناسيوس في حديثه الثالث ضد الأريوسية:

[وإن الروح القدس لا يوحِّد الكلمة بالآب، لأن الكلمة لا
يشترك في الروح القدس حتى يصير في الآب، ولا الابن يستقبل أو يستلم الروح القدس بل
بالحري يعطيه بنفسه للجميع، فالروح لا يوحِّد الكلمة بالآب … فالابن هو في الآب
لأنه كلمته وشعاعه.]
([19])

كذلك
فإن أثيناغوراس صاحب الفضل في توضيح جديد لعقيدة الانبثاق الجوهري للروح القدس من
الله فهو يقول:

[إنه
منه ينبثق وإليه يعود كشعاع الشمس أو كالنور المنبعث من النار.]([20])

أمَّا
خارج الكنيسة، أي لدى مجموعات الهراطقة، فكانت هناك قوتان تتصارعان معاً بشدة ضد
الكنيسة: جماعة المونتانيين وجماعة الغنوسيين.

أمَّا
جماعة الغنوسيين، فأخذوا شيئاً ما بما تقوله الكنيسة من جهة الروح القدس،
وإنما بصورة مشوَّهة وعلى اتساع تحليلي، وكان زعيمها الأول “سيمون” وهو ساحر سفر
الأعمال، وكان قبل عماده يُدعى من جميع الشعب «قوة الله العظيمة» (أع 10: 8)، لِما
كان يأتيه من معجزات. وكان قد تلقَّى بعض تعاليم الرسل في ما يختص بأن القوة
الإلهية إنما تتصل مباشرة باسم الروح القدس كما هو مدوَّن بوضوح في سفر الأعمال
(أع 9: 819)، ولكنه عاد من بعد عماده (من أيدي الرسل) وعزله عن
الكنيسة، فادَّعى أن شريكته هيلانة هي “الباراكليت” وأن القوة التي تنبثق من الله
هي قوَّة مؤنَّثة.

وجاءت
جماعة “أوفيت
Ophite” وقالت صراحة إن هذه القوة المؤنَّثة هي الروح القدس، وهي تتميَّز
عن فكر الله، يقصدون بذلك “كلمته”([21])،
وأن الكلمة مولود منها، وهي التي كلَّمته على الأردن.

أمَّا في نظام باسيليدس، فقد اعتبروا الروح
القدس روحاً خادماً، وليس متحداً جوهرياً بالابن أو مساوياً له، وهكذا صارت بلبلة
في الفكر خارج المحيط الكنسي.

أمَّا في نظام فالانتين، فقالوا بانبثاق الروح
القدس ولكن ليس بصورة مباشرة من الله([22])،
وإنه مساوي للمسيح؛ ولكنهم تبنُّوا كل الهرطقات التي ظلَّت متداولة حتى القرن
الرابع والتي فنَّدها القديس أثناسيوس([23]).

أمَّا
جماعة المونتانيين، فيُشك أنهم أخذوا بشيء من عقيدة الروح القدس في
الكنيسة، لأن العالم الألماني نياندر([24])
قد أشار إلى أن موقف “مونتانس” و“ماكسيملا” في ما يختص بالروح القدس عندهم كان من
وجهة نظر العهد القديم أكثر منه في العهد الجديد، وأنه لم يكن للفكر المونتاني
تأثير كبير على الكنيسة، وسرعان ما انحل تحت ضغط الاضطهاد.

أمَّا جماعة اليهود المتنصرين، الذين ظلوا متمسكين
بتقاليدهم العتيقة ورفضوا التقليد الرسولي من جهة الإيمان بالثالوث الأقدس، وهم في
هذا الموضوع جماعة الناصريين
Nazarenes، أخذوا برأي الغنوسيين فقالوا إن الروح القدس هو أيضاً قوة
مؤنَّثة وأنها هي التي ولدت المسيح على الأُردن وأن الباراكليت هو أم المسيح([25]).

والعجيب
أن هذا الفكر أخذت به أيضاً جماعة هراطقة الإيبونيم اليهودية المتنصِّرة بزعامة
كيرنثوس المبتدع، وقال إن الروح القدس قوة مؤنَّثة، وهكذا ظلَّت هذه السفاهة
العقلية التحليلية الشيطانية عالقة بالكنيسة حتى القرن السابع (وكان
بعض أئمة هؤلاء الهراطقة قاطنين شبه الجزيرة العربية واليمن. لذلك فقد سمع بها
القرآن وسُئل فيها فجحدها وقال فيها إن الله لم يلد ولم يولد ولم يكن له صاحبة،
والقرآن على ضوء هذه الهرطقات محقٌ في ما قال).

وجماعة هراطقة المونوأرخيين (أي وحدة الرأس أو
الصدر)، وهي قريبة من جماعة الإيبونيم يهودية متنصِّرة، وكان على رأسها ثيئودوتس
المبتدع فكانت أصلاً مشغولة بجحد لاهوت المسيح وإنكار الثالوث، وزعماؤهم براكسياس
ونوئيتوس وبيرللوس (بلاد العرب) وسابيليوس، فهؤلاء جميعاً جحدوا الثالوث القائم
على أقانيم متميِّزة، وقد تزعَّم براكسياس حسب شرح ترتليان (براكسياس:
9) فكرة أن الروح القدس هو أصل وجود الآب والابن.

بل في روما ذاتها قام كاليستوس بابا روما، وألغى
شخصية الروح القدس المتميِّزة في الثالوث، وأعطى اسم الروح القدس ليعبِّر
عن جوهر الله الذي قد يسمَّى الآب أو يسمَّى الابن أو يسمَّى الكلمة
([26]).

ومن
هنا نشأت أيضاً بدعة السابلية التي امتدت وأعطت الروح القدس شخصية. ولكن كان عندهم
الروح القدس قادراً أن يظهر نفسه في أي من الأقانيم الأخرى فهو إمَّا يظهر كآب أو
كابن أو كالروح القدس([27]).

بولس الساموساطي المبتدع: وهذا المبتدع يعتبر
الروح القدس ليس استعلاناً لشخص أو أقنوم وإنما “خاصية”…

وبولس الساموساطي لم ينكر انبثاق وإرسال الروح القدس، وإنما
حلله إلى مجرَّد تأثير، وإنما تأثير غير مشخَّص أو غير شخصي. فالروح القدس عند
بولس الساموساطي ليس أقنوماً بل مجرَّد نعمة
نزلت على الرسل([28]).
وكان حذراً في الدخول إلى التفاصيل الخاصة بعقيدة الكنيسة في هذا الموضوع، ففلت من
جهة هذا الأمر من ملاحظة المجمع المقدَّس الذي حكم عليه في تعاليمه الأخرى وجرَّم
إيمانه وقطعه.

تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية في تلك
الحقبة،

أي أواخر القرن الثاني حتى منتصف القرن
الثالث:

إيرينيئوس: وهو يمثل معاً تعاليم مدرسة آسيا الصغرى
المنحدرة من القديس يوحنا الرسول، بجوار تعاليم جنوب شرق بلاد الغال (فرنسا الآن).

وهو
يُعتبر من أوائل معلّمي هذه الفترة الزمنية، وهو يجحد بشدة في كل أقواله أخطاء
فالنتينوس المبتدع الذي خلط بين إرسالية الروح القدس المحدَّدة زمنياً بيوم الخمسين
وبين انبثاق الروح القدس من الله أزلياً، أي خلط بين عمل الروح القدس في البشرية
وعلاقة الروح القدس جوهرياً بالله([29]).

ولكن
إيرينيئوس يرفض أحد التعبيرات عن الاصطلاح بالانبثاق
emisso = probol»([30]). إذ تراءى له أن هذا التعبير يحمل ضمناً نوعاً ما من الانفصال في جوهر الله
الواحد، ولذلك فإنه فضَّل أن يترك كيفية “الانبثاق” الإلهي بدون شرح
([31])، مكتفياً بتوضيح ذلك بالتصوير، فيقول عن الابن وعن الروح
القدس أنهما يدا الله، الأول ابن
progenies أمَّا الروح القدس فهو الصورة figuraties للآب، الابن هو “كلمة” الله والروح القدس هو “حكمة” الآب([32])،
ليس من خارج الله ولكن من داخله([33]).
(يُلاحَظ هنا أن إيرينيئوس لا يتبع الخط الفكري الآبائي القديم الذي يشدِّد أن
الكلمة هو حكمة الله).

ويبتدئ
إيرينيئوس يخترع أوصافاً ومسميات أخرى للتعريف بما لا يقبل التعريف، دون أن يحترس
ليمسك بخط التقليد، فينحرف ويضع بدايات خطيرة لأفكار يمكن أن تكون كفرية، فيقول
إن الابن والروح القدس يخدمان الآب.
ثم يطبِّق تطبيقاً غير منسجم، فيقول: كما
تخدم اليدان والفكر في الإنسان، ثم يعود إذ يحس بخطورة الوصف فيصحِّح هكذا: ليس
كالفكر المخلوق كأنه خارج عن حياة الله، لأن روح الله ليس زمنياً، ولكنه روح
أزلي كالله نفسه
([34]).

ويستشهد
إيرينيئوس بما جاء في إشعياء أصحاح 57 آية 15و16 (الترجمة السبعينية) هكذا: “لأنه
هكذا قال العلي الساكن في الأعالي إلى الأبد، القدوس في الأقداس اسمه، العلي
المستريح في القديسين المعطي صبراً للمنسحقين وحياة لمنكسري القلوب، لأني لن أنتقم
إلى الأبد ولا أغضب عليكم دائماً لأن روحي التي تنبثق مني تحيي كل نفس.
(إش 15و16: 57 سبعينية)

وإيرينيئوس
يعطي تصوراً للعلاقة بين الروح القدس والابن هكذا:

[إننا
بالروح القدس نرتفع إلى الابن، وبالابن نصعد إلى الآب.]([35])

وبذلك
فإن عطية الروح القدس لنا هي إحدى نتائج التجسُّد.

والذي
ليس له الروح القدس فليست له شركة في حياة يسوع المسيح([36]).

كذلك
فإن إيرينيئوس يرى أن نفخ المسيح في تلاميذه وإعطاءهم الروح القدس (يو 22: 20) هو
برهان على لاهوت المسيح([37]).

وبخصوص
وظيفة الروح القدس التعليمية كالأقنوم الثالث، فعقيدة إيرينيئوس سليمة وكاملة فهي
واضحة في إلهام الأنبياء والرسل([38]).

غير
أن إيرينيئوس يعود في مواضع أخرى ليثبت أن إلهام الأنبياء كان من عمل الكلمة سواء
في العهد القديم أو الجديد([39]).

كذلك
فإن الروح القدس هو الذي يضطلع بعمل استنارة لذهن الكنيسة بصورة مستمرة([40])،
ويؤكِّد أنه في حضن الكنيسة فقط يمكن أن يستمتع المسيحي بنور الروح القدس، وأن
الروح القدس ينطلق عمله في سري المعمودية والإفخارستيا([41]).

ترتليان (160240م):

صوت
مدوي يظهر مبكِّراً من شمال إفريقيا في نهاية القرن الثاني، يمثِّل تعبيراً حراً
ومستقلاً، هو صوت ترتليان، وذلك في معرض
كتاباته ضد الموحدين
Monarchians وكان يمثلهم آنئذ براكسياس.

وترتليان
يُحسب كواضع لأساس التعليم الجامعي بخصوص الانبثاق.

ولكن نجد في كتاباته ما يفيد تعبير الكنيسة الرومانية الآن:
أن انبثاق الروح القدس هو من الآب والابن([42]).

كما نجد في مواضع أخرى بكل وضوح تعبيره الآخر وهو
الأرثوذكسي السليم أن: [الروح
القدس منبثق من الآب في الابن: Spiritum non aliunde pute quam a Patre per
Filium
.]([43])

كما
يقول إن الروح القدس يأخذ دائماً من الابن، كما أن الابن يأخذ دائماً من الآب، وهكذا
فإن الثلاثة متحدون معاً في حياة إلهية واحدة:
[الآب في الابن والابن في البراكليت ثلاثة متحدون …]

[Ita connexus patris in Filio et Filii in paracleto tres officit
cohaerentes alterum ex altero
]([44])

ولكن
يشط ترتليان في فهم العلاقة الأقنومية التي تربط بين الآب والابن والروح القدس.
فبالرغم من عقيدته أن جوهر أو طبيعة الأقانيم واحد،
إلاَّ أنه يقول بخضوع الروح القدس للآب والابن([45])
. وكأنما يُفهم مما سبق أن قال به إيرينيئوس من أن الروح القدس والابن يخدمان
الآب، أن الخدمة هي تدني في الدرجة الوظيفية بين الأقانيم، والتسلسل في الانحراف
واضح، فإيرينيئوس يقول بخدمة الابن والروح القدس للآب، ويقول ترتليان إن الروح
القدس هو الذي يخضع للآب والابن.

(الروح هو “اسم ثالث للاهوت”،([46])

و“الدرجة الثالثة هي في الباراكليت”([47])).

(There is a “tertium nomen divinitatis”

.(&
a “tertium gradus in Paracleteto”

ويعود
ترتليان فيضع ضوابط لهذا التدرُّج حتى لا ينقسم الجوهر هكذا:

(Yet the persons are “tres non statu sed gradu nec substantia
sed forma nec potestat sed specie”).

[الأقانيم
هم: “ثلاثة ليس في الكيان بل في الدرجة،

ليس
في الجوهر بل في الهيأة،

ليس
في القدرة بل في النوع”.]([48])

أمَّا
في ما يختص بعمل الروح القدس، فيتكلَّم ترتليان عن يقين كجزء لا يتجزَّأ من
الإيمان، إن الروح القدس أُرسل ليملأ مكان صعود المسيح، وذلك لكي يقدِّس
الكنيسة.
ففي المعمودية ينزل الروح القدس من السماء ويقدِّس الماء معطياً
للماء قوة التقديس([49]).

ثم
إن حضور الروح القدس يُستدعى بالإضافة إلى تقديسه الماء ليحل بوضع الأيادي الذي
يتبع طقس العماد([50]).

كبريانوس ( 258م):

يُعتبر
كبريانوس أكبر تلاميذ ترتليان. وهو يذكر موضوع أقنوم الروح القدس عبوراً([51])،
ولكنه يؤكِّد وحدة الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس، أي توحيد الله
هكذا:

“De unitate Patris et Filii et spiritus sancti plebs adunata”

[إن
أفضل ذبيحة لدى الله هي سلامنا وتوافقنا الأخوي، (وظهور) وحدة الآب والابن
والروح القدس في تآلف الشعب
(المسيحي).]([52])

ولكن
يركِّز كبريانوس كثيراً على علاقة الروح القدس بالكنيسة كجسد وكأفراد في الجسد، أمَّا
ما يتبع هذا من نمو أو فقدان في النعمة فهذا يرجع في عقيدة كبريانوس، إلى سلوك
الفرد.

وعن الروح القدس يقول: Totus infunditur se qualiter sumitur كله يُفاض بقدر ما يُقبل([53]).

ولكن لكي تكون المعمودية ذات مفعول يتحتَّم أن تُجرى بواسطة
إنسان يكون هو نفسه يملك الروح القدس
([54]).

والكنيسة الجامعة باعتبارها عروس
المسيح الوحيدة هي وحدها التي لها القوة على ميلاد (تجديد) أولاد الله
([55])، لأنها هي وحدها التي تملك ينابيع المياه الحية (يقصد التعاليم المحيية
السليمة)
([56]).

ويتبع
كبريانوس خط ترتليان في تأكيده أن وضع الأيادي بعد المعمودية يكمل بالضرورة طقس
المعمودية لإعطاء الروح القدس([57]).
كذلك فإن كبريانوس يتبع خط ترتليان في كون الروح القدس هو مصدر الإلهام للأنبياء
والرسل وكتابة الأسفار جميعاً([58]).

هيبوليتس([59]) (160258م):

وإذ كان هيبوليتس أسقفاً على بورتس رومانو (ربما بعد رعاية
إيرينيئوس لها فترة من الزمن)([60])،
قيل إنه كان أول أساقفة روما ثم ضخَّموا الأسقفية
إن كانت هي أسقفية روما
فقالوا بابا روما!! وقد فرح مؤرِّخو اللاتين بهذا الإلتباس في النساخة وقالوا إنه
فعلاً بابا روما لأنهم اكتشفوا أخيراً جدًّا أن كتاباته في تقليد الرسل عن
الليتورجيا يطابق ليتورجية روما، ثم إذ لم يجدوا ما يبرهنون به على صحة تزييف
نسبته لروما قالوا إن بورتس رومانو كانت قرية بجوار روما؛ وللأسف أثبتت السجلات
أنه لم توجد قط أسقفية بجوار روما بهذا الاسم ولا وُجِدَ بابا لروما بهذا الاسم،
ولمَّا اكتشفوا في آثار روما كرسيًّا حجرياً وتمثالاً لا يحمل اسم هيبوليتس وبدون
ذكر أي لقب بابوي عليه ولكن وجد على ظهر الكرسي مؤلَّفات هيبوليتس اعتبروا هذا
دليلاً على صدق امتلاكهم لشخصية هيبوليتس، وقالوا بلاتينيَّتهُ ونسبته لروما.
والحقيقة إن هذا العالم إسكندري الجنس وكان أسقفاً على عدن كل أيام حياته. وبسبب
صراعه ضد بابا روما، وتصحيحه لهراطقة اثنين من هؤلاء الباباوات وبما أنه كان أيضاً
أسقفاً على مدينة تحت الولاية الرومانية، اعتبروه رومانياً. وكان صراعه هذا ضد هرطقة
البابا زفرينوس (199
217م)
والبابا كالليستوس (217
222م)،
كما قاوم انحراف البابا فابيانوس. وإن تسمية مؤلَّفات هيبوليتس الليتورجية باسم
“نظام الإسكندرية في الرسامات القبطية” منذ أقدم العصور لهو دليل كافٍ لتدعيم
علاقة هيبوليتس بالإسكندرية وليس بروما.

أمَّا كل ما يعرفه تاريخ العقيدة والإيمان عن علاقة
هيبوليتس بروما فهو مهاجمة هيبوليتس لهرطقة زفرينوس وكالليستوس وفابيانوس باباوات
روما، حيث كانت روما في ذلك الوقت هي مرتع ومهد هرطقة المونوأرخيزم
([61])، أي “منكري الثالوث” كما كتب أيضاً هيبوليتس ضد نوئيتس Noetus.

ولكن
كتابات هيبوليتس عن الروح القدس جاءت قليلة، ولكنه أكَّد على لاهوت الروح القدس
بوضوح حيث يقول:

[إنه يستحيل أن نمجِّد الله دون أن نتجه مباشرة إلى
الاعتراف بكل أقنوم في الثالوث الأقدس.
di¦ g¦r t¾j tri£doj taعthj pat»r dox£zetai بواسطة هذا
الثالوث يتمجَّد الآب].

[ونحن
عن طريق تجسُّد الكلمة صرنا نعبد ونكرِّم (
proskunoàmen) الروح القدس، كذلك فإنه يستحيل علينا أن نكوِّن فكرة عن الوحدة
أو الوحدانية في الله إلاَّ بالإيمان بالآب والابن والروح القدس (كونهم في اتحاد
مطلق).]([62])

وهيبوليتس
يدحض فكرة خضوع الروح القدس للمسيح بقوله:

[إن
الآب أخضع كل شيء للابن المتجسِّد ما خلا الآب والروح القدس.]([63])

ولكن
للأسف لم يستطع هيبوليتس أن يرقى للتساوي المطلق بين الروح القدس والآب أو الابن،
فهو يقصر تسمية الأقنوم أو الشخص أو الوجه
prزswpon في الثالوث كصفة شخصية على الآب والابن فقط، أمَّا الروح
القدس فيقصر عليه صفة النعمة، أمَّا الثالوث فهو متساوي في التدبير:

[prزswpa de dعo, o„konom…v de tr…thn t»n c£rin toà،g…ou pneعmatoj أقنومان، وبالتدبير نعمة الروح القدس
هي الثالثة.
]([64])

ويهتم
هيبوليتس بتحديد الصفة أو الوظيفة الخاصة للروح القدس في التدبير الإلهي بالإنارة
أو الاستنارة هكذا:

[`O g¦r keleعwn pat»r, ذ de
طpakoعwn uƒصj, tص d
e sunڑtizon ¤gion pneàma … pat»r g¦r
¹qڑlhsen, uƒصj ™po…hsen, pneàma ™fanڑrwsen

لأن الآب هو الذي يأمر، والابن هو الذي يطيع، والروح القدس
يوحِّد. لأن الآب أراد، والابن صنع، والروح أنار.
]([65])

كما
يقول هيبوليتس أيضاً إن الأنبياء يظهرون دائماً مؤيَّدين بروح النبوَّة ومكرَّمين
من جهة الابن الكلمة ذاته([66])،
وإن إلهامهم ينبع من قوة الآب:

[tءj
patrèaj dun£mewj ¢pزnoian l£bontej
]([67])

ديونيسيوس الروماني (269م):

في
احتجاجه ضد الذين انحرفوا نحو فصل الثلاثة أقانيم وضد مبادئ سابيليوس، أوضح
ديونيسيوس الروماني عقيدته عن الروح القدس بالنسبة لعلاقته بأقنومي الآب والابن في
الثالوث قائلاً إنه ينبغي أن لا نقسم الوحدة الإلهية القائمة في الثالوث إلى ثلاثة
أقانيم منفصلة.

ولكن
سقط ديونيسيوس هو الآخر في فهمه الخاطئ لوضع الروح القدس في الثالوث بقوله إن
أقنوم الابن وأقنوم الروح القدس هما، من جهة الأصل والمنبع، خاضعان لله الآب. على
أن ديونيسيوس يقول إن الابن متحد بالآب والروح القدس قائم (ساكن) فيه، فالثالوث
الأقدس ينجمع في ذات واحدة حيث الآب مصدر ورأس فائق، وفي نفس الوقت يشدِّد أن
ننتبه حتى لا نفرِّق الوحدة إلى ثلاثة آلهة، حيث يلزم جدًّا أن نحتفظ بوحدة الأصل
وهكذا نحتفظ ونُقيم حقيقة الإيمان بالثالوث في المعمودية الآب والابن والروح
القدس؛ أمَّا الذي نقل لنا ذلك عن ديونيسيوس الروماني فهو القديس أثناسيوس([68]).

 

كنيسة الإسكندرية

 

والآن
نأتي إلى تعليم مدرسة الإسكندرية في ما يتعلَّق بالروح القدس:

كليمندس الإسكندري:

بالرغم
من أن الكثير من مؤلفات كليمندس الإسكندري قد فُقدت، من بينها كتابان عن كل ما يتعلَّق بالتعاليم الخاصة بالروح القدس عن شخصه ومواهبه:
الأول “عن النبوَّات”، والثاني “عن النفس”؛
غير أنه قد تبقَّى لنا أجزاء
هامة قام بفحصها ونشرها العالِم كوتيلييه
Cotelier، والتي يُظن أنها
تتبع أحد هذين الكتابين المفقودين([69])،
وتدور حول معنى الانبثاق
™kpزreusij بالنسبة للروح القدس:

[مبارك
الإنسان الذي عرف عطية الآب من خلال انبثاق الروح كلي القدس.

di¦ ™kporeعsewj toà panag…ou pneعmatoj]([70])

[مبارك
الإنسان الذي عرف وتقبَّل الروح القدس الذي هو عطية الآب الذي منحه على هيأة
حمامة، الروح الذي بلا شائبة عديم الغضب والمرارة، الكامل المنطلق من
قلب (أعماق) الآب.
¢pص
spl£gcnwn ‡diwn proژڑmenoj

ليدبر
الدهور ويعلن غير المنظور، فهو الروح القدس الحق الآتي من الآب
tص ¢p’
aظtoà proelqزn
الذي هو قدرته
وإرادته، المستعلن لتكميل ملء مجده. أمَّا الذين ينالونه فإنهم ينطبعون بطابع الحق
بكمال النعمة.
]([71])

وفي
بقية أعمال كليمندس الإسكندري يعلن بوضوح لاهوت الروح القدس([72])،
حيث ينتهي كتاب المعلِّم بدعاء النعمة لتمجيد الآب والابن مع الروح القدس، وهو
يفرِّق بين وحدانية الروح القدس وبين تعدُّد مواهبه.

كذلك فإن كليمندس يعتبر أن حضور الروح القدس في المؤمنين
يشكِّل نوعاً جديداً من الطبيعة البشرية.

كذلك
فإنه يصف مواهب الروح القدس الإلهية أنها هي العطر الذكي المكوَّن من الروائح
السمائية التي يمنحها المسيح لأحبائه([73]).

وكليمندس
يقرن أحياناً بين الكلمة والروح حينما يتكلَّم عن إلهام الأنبياء([74]).

كذلك
فإن كليمندس يؤكِّد على دور الروح القدس في إنارة الكنيسة بصورة مستمرة وكذلك
الأفراد فيها([75]).

كما
يضيف أن كل مَنْ يؤمن “بالكلمة” فإن نفسه تتحد بالروح القدس([76]).

والإنسان العارف بالله بالحقيقة true gnostic هو المؤمن حقا والتلميذ بالفعل للروح القدس([77])، وهو بهذا
يتمكَّن أن يسبر أعماق الكتاب المقدَّس ويطَّلع على أعماق المعنى المخفي فيها بالإضافة
طبعاً إلى اتِّباعه التقليد في ما يخص قانون الإيمان
([78]).

وكليمندس
يشير إلى عمل الروح القدس في سلوك الكنيسة من نحو الماديات، ويربط بين أعمال الروح
القدس وبين سر المعمودية فيقول:

[نحن
المعمَّدين إذ قد تخلَّصنا من خطايانا التي كانت بمثابة ضباب يحجب نور الروح
الإلهي، أصبحنا نملك عيناً روحية محرَّرة غير منطمسة ممتلئة نوراً، بها نحدِّق في
الإلهيات، وصرنا منفتحين على خفايا الأسرار، والروح القدس ينسكب علينا من السماء.]([79])

ويشرح
كليمندس التدرُّج من درجة الموعوظين التي فيها تقود التعاليم المبدئية إلى
الإيمان، والإيمان حينما تلحق به المعمودية يتهيَّأ لقبول تعاليم الروح القدس:

[p…stij de ¤ma
bapt…smati
،g…J
paideعetai pneعmati
]

أمَّا
في ما يختص بالإفخارستيا وعلاقتها بالروح القدس فهو يشير إلى هذه العلاقة ولكن
يذكر أيضاً الكلمة، ولا يتضح تماماً ما إذا كان التقديس يتم بالروح القدس أو
بالكلمة:

[™n tù pneعmati tù aظtoà kosm»sein
lڑgei tص sîma toà lزgou ésper ¢mele‹ tù aظtoà pneعmati ™kqrڑyei toعj peinîntaj
tزn lزgon
.]([80])

أوريجانوس:

كان أوريجانوس من بعد ترتليان أول مَنْ قام بمحاولة دراسة
موضوع الروح القدس دراسة علمية.

وقد
علَّم أوريجانوس بأن الروح القدس مساوٍ في الكرامة والمجد للآب والابن([81]).

وأول
مَنْ أكَّد بيقين أن الروح القدس منبثق من الآب انبثاقاً أزلياً، حاله كحال الابن([82]).

وأن
الروح القدس صالح صلاحاً كلياً ومطلقاً([83]).

وأن
عمل الروح القدس المميَّز غير عمل الآب والابن، فهو يختص بنفوس المؤمنين([84]).

وأنه
بالرغم من أن عطاياه متعدِّدة فجوهره واحد غير منقسم([85]).

وأن
الروح القدس العامل في الأنبياء في العهد القديم هو هو نفسه العامل في العهد
الجديد في القديسين، غير أنه بعد الصعود صارت إرساليته ممتدة وشاملة ومتسعة([86]).

والمؤمنون
باشتراكهم في الروح القدس يصيرون روحيين وقديسين، والذي يشترك في الروح القدس
يشترك في الثالوث، لأن الثالوث غير مفترق لأنه ليس هيولياً أي مادياً([87]).

والقدرة
على استخلاص المعاني الروحية العميقة بالإلهام يرجع إلى كون الكتب المقدَّسة
مكتوبة بإلهام الروح القدس([88]).

بل
وإن كل حرف هو بمقتضى الحال يكشف عن أثر الحكمة الإلهية([89]).

وللأسف
فإنه بعد كل هذه التعبيرات عن لاهوت الروح القدس فإن كلاًّ من جيروم وإبيفانيوس
يتهمان أوريجانوس بأنه قال إن الروح القدس مخلوق([90])،
بل والقديس باسيليوس كاد أن يصادق هو أيضاً على هذه التهمة بالنسبة لأوريجانوس([91]).

وكل
هذا جاء بسبب خطأ في فهم الفرق بين:

genhtصj ہ ¢gڑnhtoj & gennhtصj ہ £gڑnnhtoj([92])(انظر شرح ذلك صفحة 361)

ولكن
خروج أوريجانوس عن تقليد الكنيسة ولغتها الملهمة واضح جدًّا في شرحه لإنجيل يوحنا،
فهو يضع الروح القدس في درجة أقل من الابن، لا بالنسبة للكرامة بل بالنسبة
للأصل
origin، فهو يقرِّر أن الابن وحده هو من الآب فقط، ولكن الروح القدس هو
من الآب بواسطة الابن
(هنا بداية خطأ الكاثوليك الآن في قولهم إن
الروح القدس منبثق من الآب والابن
Filioque الذي يشير مباشرة أن الروح القدس أقل
من الابن
والتي أخذوها عن أوغسطين الذي أخذها بدوره عن أوريجانوس).

كذلك
عندما بدأ أوريجانوس يشرح قول إنجيل يوحنا (2: 1): «كل شيء به كان (
p£nta
di’ aظtoà ™gڑneto
)» أي أن الكلمة
خلق كل شيء، تساءل أوريجانوس في غفلة قائلاً: أليس يلزم أن يكون الروح القدس أيضاً
بين هذه الموجودات أي الخليقة
genht£؟

وهكذا
يعتبر أوريجانوس أن الروح القدس، بمفهوم ما، يستمد خلقته أو وجوده
Genesis بواسطة الابن، ويعود بلا جدوى يمنح الروح القدس الكرامة فوق كل
الخليقة
genht£، ولكن هيهات! فقد أسقط أوريجانوس الروح القدس عن المساواة الكاملة
في الثالوث وهو يمعن في هذا الفكر الخاطئ بقوله:

[وحتى
وإن كان الروح القدس فوق كل الخليقة في الكرامة فهو بحسب الفكر يتحتَّم أن
يُحسب بين الخليقة، لذلك فهو يُعتبر أقل من الابن الذي بواسطته يستمد وجوده!!
]

وهكذا
لم تسعف العبقرية الفكرية هذا المفكِّر العملاق، لأنه لم يلتزم بالتقليد واستخدم
المنطق الذي أوقعه في الخطأ، ومهَّد دون أن يدري لبدعة أريوس الذي تمادى في إنكاره
الكامل للاهوت الروح القدس.

تلاميذ أوريجانوس وامتداد الخطأ:

من
بين تلاميذ أوريجانوس الذين تمسَّكوا بهذا المفهوم الخاطئ من جهة درجة الروح القدس
بييريوس (
Pierius)، الذي يتهمه فوتيوس بأنه وضع الروح القدس أقل في
المجد والكرامة من الآب والابن.

وقد
وقع ثيئوغنسطس
Theognostus في نفس الخطأ([93])
باعتماده على تعاليم أوريجانوس.

وقد قام القديس باسيليوس([94]) باتهام
ديونيسيوس بابا الإسكندرية (سنة 247م) بنفس الخطأ
من جهة درجة الروح القدس، ولكن العجب أن باسيليوس نفسه
يستشهد بكتابات ديونيسيوس
الإسكندري نفسه في إثبات تساوي الثالوث، كما
يذكره ديونيسيوس في الذكصا أي تمجيد الثالوث في ختام أقواله دائماً “والمجد لله
الآب والابن مع (
sعn)
الروح القدس” حيث
sعn
تفيد المعية في المساواة.

وفي
كتابات ديونيسيوس بابا الإسكندرية إلى سميِّه بابا روما توجد أقوال واضحة تتنافى
مع هذا الاتهام ومع أي مماحكة لأريوس الذي قال إنه يقتبس من
ديونيسيوس الإسكندري وقد أوردها القديس أثناسيوس في دفاعه عن البابا
ديونيسيوس لإثبات صحة إيمانه.

[إن
كل اسم من الأسماء الآب والابن والروح القدس غير منفصل قط عن ما يليه … لذلك
حينما يُذكر الروح القدس فإني في الحال أتذكَّر انبثاقه من الآب بواسطة الابن
pزqen
kaˆ di¦ t…noj آken
فإن طبيعة
الآب ليست غريبة عن الابن ولا يمكن أن يفترق الابن عن الآب والروح القدس فيهما (في
أيديهما).
]([95])

ولا
تخلو هذه الحقبة نهاية القرن الثالث من شاهد قوي لتقليد
الكنيسة اللاهوتي بالنسبة لدرجة الروح القدس ولاهوته معاً، وهو ميثوديوس
Methodius أسقف صور، الذي قال صراحة إن الروح القدس مساوي للآب في الجوهر ذmooعsion pneàma([96]).

 

القرن الرابع … قرن المتاعب والتصفيات

 

أريوس والأريوسية:

لقد
تخصَّصت الأريوسية في بادئ الأمر في مهاجمة الابن، ولكنها لم تستثنِ من حين لحين
الروح القدس من التنكُّر والمهاجمة، ففي صلب “الثاليا”، وهي أنشودة الكفر التي
ألَّفها أريوس وتعني “الوليمة” يقول:

[“إن
جوهر الأقانيم الثلاثة الآب والابن والروح القدس هي من جهة طبيعتنا منفصلة عن
بعضها وغريبة عن بعضها ومتميِّزة” … “وكل أقنوم في الثالوث أكرم وأمجد من الآخر
بالتسلسل وهذا التدرُّج في المجد والكرامة هو إلى ما لا نهاية”.]([97])

ولكن
لم يركِّز مجمع نيقية إلاَّ على لاهوت الابن ومساواته للآب بسبب الخطورة المحدقة
بالخلاص والفداء آنئذ، من جراء إنكار لاهوت الابن، واكتفى المجمع بقوله: «ونؤمن
بالروح القدس». ولمَّا طُرح هذا التساؤل في ما بعد بخصوص عدم توضيح المجمع لماهية
الروح القدس، جاء الرد مفحماً بالعدل والحق حينما قال كل من غريغوريوس اللاهوتي
وإبيفانيوس أسقف قبرس أن ذكر المجمع “ونؤمن بالروح القدس” لم تأتِ منفصلة عن
الثالوث، أي عن الله، بل جاءت في معرض تقرير قانون الإيمان بالله الواحد
([98]).

أمَّا
إحجام المجتمعين في مجمع نيقية أي أساقفة العالم كله من
جهة التعرُّض لشرح لاهوت الروح القدس، فكان بسبب انصباب الهجوم كله وبكل كثافة على
لاهوت الابن، حيث لم يكن في جميع الكنائس وبين جميع الشعوب حديث آخر في تلك الحقبة
الزمنية العصيبة سنة 325م إلاَّ عن لاهوت الابن، أمَّا الروح القدس فلم يتعرَّض له
الأريوسيون إلاَّ لماماً وبدون تخصيص([99]).
وكما يقول القديس باسيليوس إن الأريوسيين في بدء المعركة بذروا فقط بذور إنكار
لاهوت الروح القدس ضمن تعبيراتهم المبهمة عمداً، ولم تنضج هذه البذار ولم تأتِ
بحصادها المسموم وبصورة متخصِّصة تجاه الروح القدس إلاَّ بعد خمسين عاماً تقريباً([100]).

وهكذا
بين سنة 325م أي زمن انعقاد المجمع الأول، وسنة 360م، واتت فرص كثيرة لدى
الأريوسيين، وخاصة جماعة اليوسابيين (يوسابيوس النيقوميدي)، لكي يشرحوا وجهة نظرهم
تجاه إنكارهم للاهوت الروح القدس بصورة مستترة ضمن تعبيراتهم وقوانينهم الكثيرة
التي خرجوا بها للعالم بعد المجامع التي عقدوها. وهي توضِّح دهاء السياسة التي
انتهجوها آنئذ في مقاومتهم لمقررات مجمع نيقية بألفاظ منتخبة ومتقنة ومن الكتاب
المقدَّس، إنما مفرَّغة عمداً من أية إشارة لأزلية الروح القدس أو لاهوته بدون
تصريح علني، مكتفين بوضع أقنوم الروح القدس في درجة أقل من الآب والابن، موضِّحين
فقط ما يختص بإرساليته الزمنية أي إرساله يوم الخمسين، حاذفين ما يخص وجوده السابق
(أزليته) ودون ذكر لأي تعبير يمُتُّ إلى كيانه أي لاهوته([101]).

وإليك
مختصر لتعبيرات الأريوسيين عن الروح القدس:

[ونحن نؤمن بالروح القدس، الباراكليت، روح الحق، الموعود به
من الأنبياء ومن الرب،
وأُرسل إلى الرسل ليعلِّمهم كل شيء وليعزِّي
ويقدِّس ويكمِّل المؤمنين. والابن هو الذي منح الروح القدس للكنيسة بحسب إرادة الله (
patrikù
boul»mati
). لذلك نحن نحرم كل من يقول إن الروح القدس هو إله غير مخلوق (واضح
هنا الكفر)، ونحرم كل من يخلط بين شخص الروح القدس وشخص الابن أو يقول إنه من
الآب، أو يقول إنه من الابن
الذي الروح القدس هو به
(وليس منه)، أي أُرسل به إلى العالم
per filium est = (di’ uƒoà ¢postale‹n) ونحن نرفض الاصطلاح غير الكتابي “جوهر واحد” للآب والابن
والروح القدس.
]([102])

وبينما
كان يستخدم الأريوسيون كل هذا الحذق وكل هذا الدهاء في الاكتفاء بالأوصاف الناقصة
أو السلبية للروح القدس ليخفوا حقيقة إنكارهم للاهوت الروح القدس، نجد أن أشخاصاً
مسئولين وكثيرين من أفراد الشعب بدأوا بسرعة وبدون دهاء يعلنون ويؤكِّدون كفرهم
بلاهوت الروح القدس صراحةً وعلناً.

فنجد
مثلاً لوسيفر سنة 358م وهو أسقف كاجلياري يوجه اتهاماً علنياً للإمبراطور قسطنطيوس
يقول فيه إن الإمبراطور لا يؤمن أن الباراكليت هو بعينه “روح الله”([103]).

وفي
هذا الصدد أعلن القديس أثناسيوس مرات عديدة منذ البداية ردًّا على محاولات
الأريوسيين في تشويه الإيمان بالروح القدس قائلاً:

[إنه
يستحيل الإيمان بالروح القدس إيماناً صحيحاً طالما يخفق الإيمان بأن الابن واحد مع
الآب في الجوهر.]([104])

ولقد
ظلَّ الأرثوذكس في كافة أنحاء العالم متمسكين بمقررات مجمع نيقية تجاه الإيمان الصحيح
بالابن وبالروح القدس إزاء محاولات الأريوسيين، سواء كان ذلك في الغرب الذي وضح في
مجمع سرديكا سنة 347م أو في مجمع أريمينيم مع الشرقيين سنة 359م.

أمَّا
القديس أثناسيوس فقد بدأ في تفنيد آراء الأريوسيين من جهة الروح القدس بصورة واضحة
ومحدَّدة سنة 360م، حينما أصدر أول شرح مستفيض عن شخص الروح القدس موضِّحاً أنه “منبثق
من الآب”.

ومنذ
ذلك التاريخ أصبح أمام الكنيسة ضرورة مُلحَّة في توضيح كل ما يتعلَّق بالروح القدس
لتفنيد كفر الأريوسيين! وبينما كان القديس أثناسيوس في منفاه هارباً من وجه
مضطهديه في صحراء طيبة وصلت إلى يديه أول رسالة من القديس سيرابيون أسقف تمّي،
يخبره أنه في إيبارشيته (في الدلتا) وجد ضمن الراجعين إلى الكنيسة بعد أن جحدوا
الأريوسية لا تزال جماعة من المنحرفين عن العقيدة الصحيحة من جهة الإيمان بالروح
القدس، تسمَّى جماعة المتقِّلبين
tropici، وهم ينادون بأن الروح مخلوق وأنه روح خادم لا يختلف عن الملائكة
إلاَّ في الدرجة وحسب([105]).

وبعودة
أثناسيوس إلى الإسكندرية بعد منفاه، بدأ فوراً بالتحضير لمجمع الإسكندرية الذي
أصدر منشوراً مجمعياً سُمِّي بطومس الأنطاكيين، لأنه أُرسل إلى أنطاكية بنوع خاص،
يحمل أول حكم بالإدانة تصدره الكنيسة ضد عدم الإيمان بلاهوت الروح القدس، محذِّراً
أن كل مَنْ يريد أن يعود إلى الكنيسة من جماعة الأريوسيين عليه أن يجحد أولاً كل
مَنْ يقول بأن الروح القدس مخلوق أو أنه منفصل عن جوهر الآب والابن.

وبمجرَّد وصول هذه الوثيقة التاريخية الهامة إلى أنطاكية،
قبلها الأسقف بولينوس المرسوم جديداً بكل فرح، ووقع عليها بإمضائه وأضاف إليها
اعترافه الخاص الذي فيه يحرم كل مَنْ لا يقول بما جاء فيه.

ويقرِّر
كل من المؤرِّخ سوزومين وسقراط وروفينوس أن مجمع الإسكندرية هذا أعلن بوضوح أن
الروح القدس واحد في الجوهر مع الآب والابن([106]).

¢dia…reton tءj oظs…aj toà uƒoà kaˆ
patrزj

وتحاشى
الخطاب ذكر كلمة الهوموؤسيوس حتى لا يثير مشاكل عند النصف أريوسيين، الذين كانوا
قد قبلوا الهوموؤوسيوس بصعوبة في ما يتعلَّق بالابن وتعذَّر عليهم فهم
الهوموؤوسيون بالنسبة للروح القدس.

وقد
انبرى في هذه الحقبة مقدونيوس وماراثونيوس
Marathonious،
اللذان رفضا بشدة القول بلاهوت الروح القدس، وظلاَّ يعلِّمان أن الروح القدس مخلوق
وخادم لله، ولذلك دُعيا هما وجماعتهما بمحاربي الروح القدس =
pneumatom£coj، الذين حرمتهم الكنيسة
آنئذ
([107]). ولكنهم لم
يقووا على مقاومة الكنيسة كثيراً ففي مدى عشرين سنة استسلموا وخضعوا للإيمان
الصحيح
([108]).

وفي
سنة 363م عقد القديس أثناسيوس مجمعاً آخر في الإسكندرية، أعاد فيه التأكيد على
عقيدة ألوهية الروح القدس، حيث أصدر المنشور المجمعي باسم الإمبراطور جوفيان يدين
فيه الذين يحاولون إحياء هرطقة أريوس من جديد، منكرين إيمان مجمع نيقية الذي
يتظاهرون بالاعتراف به ولكنهم يحرِّفون معنى الهوموؤوسيون ويجدِّفون على الروح
القدس قائلين: إن الابن خلقه، في حين أن واضعي قانون الإيمان في مجمع نيقية
يمجِّدونه مع الآب والابن ضمن الإيمان بالثالوث الأقدس([109]).

في روما …

ولكن
للأسف وقعت روما في حبائل مقدونيوس وأتباعه، إذ أرسل إلى البابا ليبريوس بعثة من
مجمعه الخارج على الإيمان، المُسمَّى بمجمع لمباسكوس سنة 365م ونجح مقدونيوس في
إقناع البابا ليبريوس وكل أساقفة إيطاليا،
واكتسبهم أنصاراً له في ما يخص تعاليمه المغشوشة عن الروح
القدس([110])،
مدعياً أنه يتمسَّك بقوانين مجمع نيقية المقدَّس.

وبهذه
المناسبة نذكر بالأسى أنه بعد موت هذا البابا حدثت مذبحة قُتل فيها 137 شخصاً من
الشخصيات المتزاحمة بسبب انقسام معركة الانتخابات بين داماسوس ويورسينوس
Ursinus المزاحم له، حتى بلغت حد الحصار في الكنائس واقتسام النفوذ عليها.
وقد تمَّ بالفعل رسامة كل منهما بابا، داماسوس
بابا روما في كنيسة القديس لورنزو ويورسينوس بابا روما في كنيسة بازليكا يوليوس([111]).

ولكن
في سنة 366م بعد اعتلاء البابا داماسوس وهو أسباني الأصل (304384م)
كرسي روما([112])،
افتضح الأمر واكتشف الغرب أخيراً الفخ الذي سقطوا فيه وذلك بفضل ومضات النور
المنبعثة من فنار الإسكندرية أثناسيوس اللاهوتي الذي لم
يهدأ ولم ينثنِ أن يفضح الظلام شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً سواء بالرسائل الخاصة
أو بإعلان مقرَّرات المجامع التي عقدها في الإسكندرية لهذا الغرض (360363م).

واستيقظت
روما متأخرة جدًّا على رائحة الهرطقة التي دخلت كنيستها وتغلغلت فيها بسبب غفلة
البابا ليبريوس المذكور، وبدأ الأساقفة في الاجتماع وعقد المجامع المتتالية برئاسة
داماسوس أسقف روما، وذلك بمساعدة الإمبراطور فالانتينيان الأول، لدحض هذه الهرطقة
بلا توقُّف. ويذكر لنا المؤرِّخ المشهور هِفِلي أنه لم تهدأ روما من سنة 368381م
وهي تقيم المجامع الواحد تلو الآخر، الأول سنة 369م، والثاني سنة 374م، والثالث
سنة 380م([113]).
وفي هذه المجامع استعادت روما أرثوذكسيتها وقرَّرت بكل وضوح وتأكيد أن:

1
الروح القدس غير مخلوق.

2 – أنه في كرامة واحدة وجوهر
واحد (أوسيا) وقدرة واحدة مع الآب والابن.

3 – أزلي عالِم بكل شيء (كلِّي العلم)، موجود في كل
الوجود، متميِّز بشخصه، معبود من الكل (كلِّي العبادة)، منبثق من الآب فقط، واحد
مع الآب والابن باتحاد كامل مطلق.

وحرمت
بالتالي أريوس ومقدونيوس وإينوميوس وكل مَنْ أنكر أزلية الروح القدس وانبثاقه من
الآب =
De Patre esse
vere ac proprie
(فقط) (لاحِظ هنا
أيها القارئ أن إيمان روما كان أرثوذكسياً صحيحاً سليماً في ما يخص انبثاق الروح
القدس من الآب فقط في القرن الرابع).

كذلك
حرمت كل مَنْ يقول إنه مخلوق أو إن الابن خلقه، حتى ولو كان أرثوذكسياً في كل
نواحي الإيمان الأخرى.

وأعلنت
روما إيمانها (بعد وفاة أثناسيوس بخمس سنوات وعلى هدى مقرَّرات مجامع الإسكندرية) بالثالوث الأقدس، لاهوت واحد
قدرة واحدة وكرامة ومجد واحد، وسُمِّي هذا: “طومس داماسوس” ولاقى قبولاً في
أنطاكية ووقَّع عليه 146 أسقفاً اجتمعوا في مدينة أنطاكية سنة 378م بحسب تحقيقات
العالِم والمؤرِّخ هِفِلي([114]).

ماذا في قيصرية وتعاليم أسقفها يوسابيوس المؤرِّخ الشهير
(264340م):

يُعتبر
من القلائل الذين عاصروا عصر ما قبل نيقية (وكان عضواً في جماعة النصف أريوسيين)،
وعصر ما بعد نيقية، وواحد من أكثر المتحمِّسين لأوريجانوس([115]).

لقد
كان غير دقيق في تعبيراته اللاهوتية، حتى أنه يمكن بسهولة وضعه ضمن المتقدِّمين في
الهرطقة الأريوسية([116]).

فكان
يوسابيوس يؤمن ويعلِّم بأن الروح القدس هو ثالث في الكرامة والمجد وفي الدرجة
أيضاً أي في الجوهر([117]).

فكان
يصف “الروح القدس بأنه يستقبل نوره من (الكلمة)، كالقمر في فلك اللاهوت وأنه يستمد
كل كيانه وصفاته من الابن”.

وبذلك
كان يحسبه أنه ليس إلهاً ولا حتى بمستوى الابن، أي ليس غير مخلوق، وكونه لا يستمد
أصله من الآب كالابن فيتحتَّم أن يكون واحداً من الأشياء التي خُلقت بواسطة الابن
وبالنص الحرفي هكذا([118]):

[ote qeزj, ote uƒزj, ™pˆ m¾ ™k toà patrصj ذmo…wj tù uƒù kaˆ aظtص t»n gڑnesin
e‡lhfen ›n dڑ ti tîn di¦ toà uƒoà genomڑnwn
].([119])

ثم
يعود يوسابيوس ويستدرك هذا الشطط، لعلَّه يعيد للروح القدس شيئاً من هيبته
الإنجيلية فيقول: وبالرغم من أنه مخلوق إلاَّ أنه أعلى وأفضل جميع المخلوقات …
وهيهات فأي كرامة لمخلوق؟ كما يتبيَّن من أقوال يوسابيوس هذا، أن انبثاق الروح
القدس مرتبط فقط بإرساليته، أي كحدث زمني.

وماذا في أُورشليم عند كيرلس الأورشليمي

صاحب التعاليم المشهورة للموعوظين (315386م):

لقد
عاش هذا الأسقف حتى شاهد ختام المعركة اللاهوتية ضد الأريوسيين التي بدأت في صبوته
المبكِّرة. والمعروف عن منهجه اللاهوتي أنه جاز عدة تطورات وتصحيحات على طول المدى([120])،
ولقد كتب مقالة عن الروح القدس في بكور حياته (347348م).

وكان
من الآباء النادرين الذين تمسَّكوا بتعليم الكتاب المقدَّس والتقليد والتزم الصحة
في التعبيرات اللاهوتية في ما يخص الروح القدس، بسبب ما كان يجري أمامه من المعارك
اللاهوتية وتعاليم أثناسيوس التي أنارت الشرق والغرب، وبسبب شدة تعلقه بالأسرار
الكنسية وخاصة المعمودية التي اعتبرها الأساس في التعليم والبناء الروحي، لذلك صار
هذا الأسقف نموذجاً رائعاً للتمسُّك بالتقليد وبالأسرار كمصدر استنارة لإدراك
اللاهوت وتجنُّب الأخطاء اللاهوتية، وإن كانت تعاليمه جاءت غامضة في ما نحن بصدده
ولكن يمكن استشفاف الأفكار الآتية من تعاليمه عن الروح القدس كالآتي:

1
يرفض فكرة أوريجانوس في ما يخص خلقة الروح القدس بواسطة الابن.

2
يعتبر الروح القدس مساوٍ في الكرامة للآب والابن.

3
يحدِّد شخصية الروح القدس ويؤكِّد على وحدانيته المتميِّزة عن
ظهوراته المتعدِّدة (بالمواهب المتعدِّدة).

4
لا يحدِّد انبثاقه وكيفيته ولكن يكتفي بالقول أن الابن يمنح الروح
القدس ما يستلمه هو من الآب، وهنا يظهر بنوع ما الانحراف في فهم درجة طبيعة الروح
القدس([121]).

pat¾r m‌ڑn
d
edwsin uƒù kaˆ uƒصj metad…dwsin،g…J pneعmati”.

ثم
يقف هنا حائراً ويقول إنه لا يليق بنا بعد ذلك أن نفحص أموره أكثر من ذلك.

5
وأهم ما يجيء في تعاليم كيرلس الأورشليمي عن الروح القدس هو مفاعيله
ومواهبه وأعماله كالآتي:

(أ)
يقدِّس ويؤلِّه
qeopoiزn بنعمته الخاصة كل ذي طبيعة عاقلة أو
مفكِّرة كضرورة حتمية للاقتراب من الله، ولا يُستثنى من ذلك الملائكة ورؤساء
الملائكة([122])
(يقرِّر هذا القديس أثناسيوس بوضوح).

(ب)
ألهم الأنبياء، وحلَّ على الرب، وأُعطي للرسل، يُمنح للمعمَّدين في المعمودية
في لحظة العماد
([123]).

tص kaˆ nàn kat¦ tصn kairصn toà bapt…smatoj sfrag…zon sou
t¾n yuc»n
.

كذلك فإنه يُعطَى لنا أيضاً لحظة التثبيت([124]) (وضع
اليد = الميرون).

(ج)
الروح القدس يقدِّس ويحوِّل الإفخارستيا([125]).

(د)
يوحي إلينا بكل الأفكار المقدَّسة([126]).

(ه)
الروح القدس هو النار الإلهية التي تُفني الخطية وتنير النفس التي تتقبَّل نعمته([127]).

وهكذا
يغطِّي كيرلس الأورشليمي مفهوم الروح القدس للمعمّد العادي، ولكنه على المستوى
اللاهوتي يقف عاجزاً عن فهم الجوهر الواحد الذي للآب والابن والروح القدس، أي
التساوي المطلق في الثالوث الذي بدونه يستحيل الإيمان بوحدانية الله.

كما يقف عاجزاً عن فهم الانبثاق من الآب فقط (كانبثاق
الشعاع من الشمس) كصفة جوهرية لأقنوم الروح القدس، الذي بدون ذلك يستحيل فهم
مساواته للابن أو الآب في الجوهر والكرامة.

 

القديس أثناسيوس الرسولي

وإرساء القواعد الثابتة للاهوت الروح القدس

ووحدة الثالوث

 

إلى
القديس أثناسيوس يعزى منهج التعريف اللاهوتي للروح القدس على أصول البحث المنهجي
العلمي بما لا يقل دقة وأصالة عن منهجه في التعريف بالابن. وبدراسة الرسائل
المتبادلة بينه وبين القديس سيرابيون أسقف تمي في ما يخص الروح القدس، كذلك بدراسة
كل ما جاء في دفاعه ضد الأريوسيين، يتضح هذا المنهج بخطواته وعمقه واستشهاداته
والتزامه بالفكر التقليدي الكنسي الإسكندري على المستوى الكتابي والروحي وبإلهام
واضح. فهو يقول لسيرابيون أسقف تمي هكذا:

[إن
هذا هو التعليم الذي استلمته الكنيسة من الرسل.] (إلى سيرابيون 32: 28)

[لنتأمَّل
في تقليد الكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها منذ البدء التي أعطاها الرب، وكرز
بها الرسل، وحفظها الآباء. على هذه تأسَّست الكنيسة، ومن يسقط منها لا يعتبر
مسيحياً … هكذا ينادَى بإله واحد في الكنيسة، الذي على الكل، وبالكل
وفي الكل. “الترجمة الأصح: الذي هو كلِّي الأصل (على) وكلِّي السبب (ب)
وكلِّي التنفيذ (في)، وهي الصفات الخاصة المتكاملة بالآب والابن والروح القدس، حيث
كلمة (كل) لا تفيد الأشياء أو المخلوقات بل تفيد معنى الكلية، أي المطلق،
أي الله في ذاته الكلية المطلقة” على الكل كآب، كبداية، كينبوع؛ بالكل
أي بالكلمة، في الكل أي في الروح القدس … فإن كنتم تفصلون وتعزلون الروح
القدس عن اللاهوت، لا يكون لكم ذلك الذي هو في الكل، وإن فكَّرتم في ذلك
فإن طقس الانضمام إلى الكنيسة (المعمودية والتثبيت) الذي تدَّعون أنكم تمارسونه لا
يكون في اللاهوت قطعاً.] (إلى سيرابيون 28: 1و29)

والقديس
أثناسيوس يواجه أخطاء جماعة المتقلبين “
tropici” في عجزهم عن فهم
ما هية الثالوث في وحدانية الله، بتوضيحه أن اختلاط الطبائع يستحيل أن يستقيم مع
وحدانية الثالوث غير المنفصل؛ فالروح القدس كونه في الثالوث يستحيل أن يكون بطبيعة
غير طبيعة الآب والابن عينها. ومن هنا يستحيل أن يُقال أن في الثالوث خالق ومخلوق،
بل إله واحد.

e„
kt…sma أn, oظ sunet£sseto tح tri£di سlh g¦r eŒj qeزj ™stin

وفي
معرض دفاعه يوضِّح علاقة الروح القدس بالآب والابن، وهكذا يقدِّم القديس أثناسيوس
ولأول مرَّة في تاريخ الكنيسة اللاهوتي منهجاً تعليمياً مفصَّلاً عن عقيدة
الانبثاق، فهو في الأساس يقرِّر بوضوح:

[إن
الروح القدس منبثق من الآب
™kpزreuma
toà patrزj
]([128])

ثم
يضع هذا الاصطلاح اللاهوتي الجوهري مراراً كثيرة هكذا: “الذي من الآب ينبثق” وهو
تجميع للآيتين: يو 26: 15، 1كو 12: 2 =
tص ™k toà patrزj
™kporeuزmenon

ويضيف
أثناسيوس عن عقيدة إرسال الروح القدس هكذا:

[الروح
القدس الذي ينبثق من الآب فهو دائماً عند (في يدي) الآب الذي يرسله والابن الذي
يوصِّله والذي به يملأ كل شيء.]([129])

[لأنه
إذا استقام تفكيرهم (المجدِّفين على الروح القدس) عن “الكلمة”، استقام
تفكيرهم أيضاً عن الروح المنبثق من الآب، الذي بفضل علاقته (أي علاقة الروح
القدس) بالابن أعطاه للتلاميذ وكل مَنْ يؤمن به. وهم بأخطائهم هذه لا
يستقيم إيمانهم بالآب أيضاً لأن الذين “يقاومون الروح” كما قال الشهيد العظيم
استفانوس (أع 51: 7و52) ينكرون الابن أيضاً، والذين ينكرون الابن ليس لهم الآب
أيضاً (1يو 23: 2).]([130])

أولاً: علاقة الروح القدس الجوهرية بالكلمة:

وإزاء
محاولة جماعة المتقلِّبين جحد لاهوت الروح القدس في الوقت الذي يعترفون فيه بلاهوت
الابن، يبدأ ينتحي ناحية فرعية أثناء دفاعه عن لاهوت الروح القدس في وصف علاقة الروح القدس الجوهرية بالابن خاصة، فيقول: إن الروح القدس حتى
قبل التجسُّد كان “الكلمة” يعطيه باعتباره أنه أي الروح القدس
له خاصة وأنه هو الباراكليت:

[عندما
حلَّ الكلمة على الأنبياء تنبَّأوا بالروح.] (إلى سيرابيون 3: 4)

[وبكل
تأكيد فإن الكلمة قبل أن يتأنَّس كان يعطي الروح القدس للقديسين باعتباره له أو
كخاصته (
as
his own =
‡dion)
كذلك لمَّا صار إنساناً فإنه يقدِّس الجميع بالروح القدس ويقول لتلاميذه “اقبلوا
الروح القدس”.]([131])

[هل
الروح القدس “واحد” والباراكليت “آخر”، حيث يكون الباراكليت هو بعد الروح
القدس، وهل الباراكليت لم يذكر في العهد القديم؟ حاشا! … فكما أن “الكلمة
والابن”
هما واحد كذلك “الروح والباراكليت” والرب نفسه قال هكذا:
“والباراكليت الذي هو الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي” (يو 26: 14) وهكذا
يتكلَّم الرب عن الواحد نفسه.]([132])

ملاحظة هامة:

وبسبب
هذه الهرطقة التي نشأت منذ القرن الثاني القائلة بأن الباراكليت لم يكن موجوداً في
العهد القديم، وأن الروح شيء والباراكليت شيء آخر، وقد تبنَّاها جماعة المتقلِّبين
والأريوسيين؛ لذلك اهتم مجمع أفسس أن يقرِّر عن الروح القدس أنه: “الناطق في
الأنبياء”،
وقد انبرى قبل أثناسيوس يوستين، الذي كان أول مَنْ أعطى صفة “روح
النبوَّة” للروح القدس
التي نردِّدها الآن في الأجبية
profhtikزn عندما كان يتكلَّم
عن المعمودية([133])،
كذلك تعرَّض لها أوريجانوس
أيضاً([134]).
يقول القديس أثناسيوس:

[إن الكلمة صار جسداً لكي يقدِّم جسده عن الجميع ولكي
إذا نحن اشتركنا في الروح
القدس نصير
شركاء الطبيعة الإلهية (نتألَّه). هذه العطية التي كان يستحيل علينا نوالها إذا

لم يكن لبس جسداً من جسدنا المخلوق،
ولكننا بنوالنا الروح القدس لا نفقد طبيعتنا الخاصة.
]([135])

كذلك
فإن أثناسيوس قبل أن يصل بالقارئ إلى المساواة الكاملة للروح القدس في الثالوث مع
الآب والابن، يبدأ أولاً يوضِّح العلاقة الجوهرية المتساوية في كل شيء بين الروح
القدس والكلمة، حتى ينفي قطعياً قول الهراطقة أن الابن خلقه فيقول:

[كما
أن الابن هو في الآب والآب فيه وأنه من جوهر الآب
‡dioj tءj toà patrزj oظs…aj كذلك فإن الروح القدس هو في الآب والابن فيه، ولذلك لا يمكن أن
يُقال إن الروح القدس مخلوق أو يوجد منفصلاً عن الكلمة.]([136])

[وكما أن الابن هو في (من) الآب، لذلك هو من جوهر الآب.
كذلك بالتالي فإن الروح
القدس لأنه في (من) الله فإنه يتحتَّم أن يوجد
جوهرياً مع الابن
‡dioj kat’
oظs…an
.]([137])

[عندما
افتقد “الكلمة” العذراء القديسة مريم، دخل الكلمة ومعه الروح القدس إليها =
sun – e„j – »rceto
وصاغ الكلمة جسده بالروح القدس
™n
tù pneعmati œplaite tز sîma

وشكَّله لذاته، إذ أراد أن يوحِّد فيه كل البشرية
(اتحاد) بالله ويحضرها إليه بواسطة نفسه.] (إلى سيرابيون 31: 1)

[لا
يمكن أن يتجزَّأ الثالوث، هذا نراه في ما قيل للقديسة مريم نفسها، فإن رئيس
الملائكة جبرائيل لمَّا أُرسل لكي يعلن حلول الكلمة عليها قال: «الروح
القدس يحل عليكِ»، عالماً أن الروح القدس قائم في “الكلمة”. وبعد ذلك
مباشرة يقول: «وقوة العلي تظلِّلك (تسكن فيكِ)» لأن المسيح هو قوة الله
وحكمة الله.] (إلى سيرابيون 6: 3)

[لذلك
كم يكون مستحيلاً أن يُقال إن الروح القدس خارج عن أو غريب من الكلمة
™ktصj toà lزgou لأنه كونه في الكلمة فهو في الله = ™n tù lزgJ شn ™n tù qeù di’ aظtoà
™stin
”.]([138])

[إن
الروح القدس هو التعبير الكياني
morf» والصورة e„kèn الموضّحة للابن كما أن الابن هو التعبير الكياني وصورة الآب.]([139])

وأثناسيوس
يستخلص من هذه العلاقة الجوهرية والمتساوية في كل شيء بين الكلمة والروح القدس
ردًّا مفحماً لجماعة المتقلِّبين، الذين يقولون بلاهوت الكلمة وينكرون لاهوت الروح
القدس قائلين إن الكلمة خلقه.

ولكن
لا يغيب عن بالنا أن همّ أثناسيوس الأساسي في إثبات لاهوت الروح القدس ليس من
صفاته أو علاقته بالكلمة فحسب، بل ومن عمله في الخليقة القديمة والخليقة الجديدة
هكذا:

[بينما
أن الخليقة كلها هي مجال عمل الروح القدس المتعدِّد الجوانب، فإنه يعمل بصورة
خاصة جدًّا وفائقة في المعمَّدين الذين يوحِّدهم في الله:

tح toà pneعmatoj metocح sunaptزmeqa tح qeزthti

وبسبب
هذه الوحدة يصيرون بحالة ما مؤلهَّين “
qeopoioàntai = deified”.]([140])

(1) التقديس:

[إذن
فالروح القدس، الذي لا يتقدَّس هو بشيء خارجاً عن نفسه، ولا يستمد قداسته بالشركة
بل هو نفسه ينبوع القداسة وفيه تتقدَّس كل الطبائع المخلوقة، كيف يمكن أن
تكون طبيعته مثل طبيعة المخلوقات التي تتقدَّس به؟] (إلى سيرابيون 23: 1)

(2) طقس الانضمام للكنيسة (العضوية في جسد المسيح):

[لقد أوصى تلاميذه قائلاً: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم
وعمِّدوهم باسم الآب والابن
والروح القدس»، لكي بالروح القدس
وفيه تكمل معرفتنا بالله
=
qeolog…a، ويتم طقس الانضمام
للكنيسة (المعمودية والتثبيت معاً)، ويكمل اتحادنا بشخصه وبالآب.
] (إلى سيرابيون)

(أ) الروح القدس لحظة العماد:

[فماذا
قبلوا (لمَّا آمنوا) إلاَّ الروح القدس الذي يُعطى للذين يؤمنون ويُولَدون
ثانيةً
«بغسل الميلاد الثاني» (تي 5: 3).] (إلى سيرابيون 4: 1)

(ب) الروح القدس لحظة وضع اليد (الميرون =
التثبيت):

[كذلك أيضاً بوضع أيدي الرسل كان الروح القدس يُعطى لمَنْ
وُلِدُوا ثانية.
] (إلى
سيرابيون 6: 1)

[ومتى
تمَّ هذا إلاَّ عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بالنعمة؟ فروحنا تجدَّدت
يقول الله إن روحه هو الذي به
تتجدَّد أرواحنا
¢nakain…zw.] (إلى سيرابيون 9: 1)

(3) ثم يشير أثناسيوس إلى عمل الروح القدس الأساسي
في رسامة الأساقفة في الكنيسة:

[كما
قال بولس الرسول: «التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة الله
التي اقتناها بدمه»
(أع 28: 20).]

(4) يمتد
أثناسيوس بمفهوم قوة التقديس في الثالوث إلى عملها الخاص بالروح القدس، ويستنتج
مباشرة أن الروح القدس من جوهر الثالوث أي اللاهوت لأنه يقدِّس الإنسان:

[إن الروح القدس يُدعى روح القداسة (المسيح هو القدوس ابن
الله)، وأمَّا المخلوقات فهي تحتاج بطبيعتها إلى
التقديس، أمَّا هو فلا ينال القداسة من آخر بالمشاركة بل يمنحها باشتراكه هو مع
الخليقة (الجديدة)، لذلك كيف يمكن أن يُقال أنه يعتبر واحداً من الخليقة؟] (إلى
سيرابيون 23: 1)

(5) كذلك
يستخدم أثناسيوس سر قدرة الروح القدس على إعطاء الحياة (المسيح هو الحياة) في
إثبات لاهوته:

[إنه
يُدعى الروح المحيي (و «روح الحياة في المسيح يسوع»، لأن منه تنال
المخلوقات الحياة؛ علماً بأن الابن هو نفسه الحياة
ويُدعى في الإنجيل رئيس الحياة، فكيف يُحسب الروح
القدس ضمن المخلوقات وهو الذي فيه تنال المخلوقات
الحياة بواسطة الكلمة؟] (إلى سيرابيون 23: 1)

(6) وهكذا
يرى أثناسيوس أن علاقة الابن بالروح القدس علاقة (“الابن” وروح البنوَّة)؛
(“قدوس”، وروح القداسة)؛ (“حياة” وروح محيي). كذلك يراها (“مسيح”، ومسحة)؛
(“وكلمة” وختم)؛ (“وطيب”، ورائحة زكية):

[لهذا
فكما أن الرب يُدعى ابناً هكذا يُدعى الروح القدس روح البنوَّة (روح
التبني)، كذلك أيضاً كما أن الابن يُدعى “الحكمة” و“الحق”، فالروح القدس
يُدعى “روح الحكمة” و“روح الحق”، وكما أن الابن هو قوة الله ومجد الآب
(رب المجد) فالروح القدس يُدعى روح القوة والمجد:

+
«لو عرفوا لما صلبوا رب المجد.» (1كو 8: 2)

+ «إذ لم تأخذوا روح العبودية (الناموس) أيضاً للخوفِ، بل
أخذتم روح التبنِّي.» (رو 15: 8)

+
«أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً: يا أبَا الآبُ.» (غل 6: 4)

+ «إن عُيِّرتُم باسم المسيح، فطوبى لكم، لأن روح المجدِ
والله
يحلُّ عليكم» (1بط 14: 4)

+
«المعزي … روح الحق» (يو 14: 26و17).] (إلى سيرابيون 25: 1)

[الروح
يُدعى المسحة
Cr…sma،
ويُدعى أيضاً الختم
sfr£gij،
وبه تُختم وتُمسح الخليقة (الجديدة)، فإن كان الروح هو المسحة وهو الختم الذي
به يَمسَح “الكلمة”
الجميع ويختمهم، فأية
مشابهة تكون بين المسحة والمخلوق الذي يُمسح، أو بين الختم والمختوم.
يستحيل أن يكون الختم من عداد المختومين به أو تكون
المسحة من عداد الممسوحين (الختم
شيء
والمختوم شيء آخر، المسحة شيء والممسوح شيء آخر، هذه قوة الطبيعة الإلهية الواهبة

وهذه ضعف الطبيعة القابلة) إنه الروح الخاص
بالكلمة وبه يُمسح ويُختم (المعمَّدون).] (إلى سيرابيون 23: 1)

(7) ويؤكِّد أثناسيوس أن الروح القدس هو روح المسيح الخاص،
ويستدل على ذلك من أن الذين يُمسحون به تصير لهم رائحة المسيح الزكية لله والذين
يُختمون به تنطبع عليهم صورة المسيح الكلمة:

[المسحة
Cr…sma لها نفس رائحة الذي يُمسح
بها، ولذلك فالذين يقبلون المسحة يقولون: «نحن رائحة المسيح الزكية لله».] (إلى
سيرابيون 23: 1)

(8) [والختم sfr£gij يحمل نفس صورة المسيح الذي يختم، ولذلك فالذين يُختمون تصير لهم
شركة هذه الصورة، ويتحوَّلون إليها بحسب كلمات الرسول: «يا أولادي الذي أتمخَّض
بكم (الميلاد الجديد) إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم (بالروح القدس)».] (إلى سيرابيون
23: 1)

(9) [وحينما
نُختم بالروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية (طبيعة الختم والخاتم) بحسب كلمات
بطرس الرسول، وهكذا تصبح الخليقة (الجديدة) شريكة الكلمة في الروح القدس.] (المرجع
السابق
)

(10) وينتقل
أثناسيوس سريعاً ليصل بالاتحاد الذي يتم بالكلمة في الروح القدس إلى الاتحاد الذي
يتم في الثالوث أي الله الواحد:

[وحيث أننا نصير بالروح القدس شركاء المسيح وبالتالي شركاء
الله، يتبرهن من ذلك أن المسحة والختم الذي فينا لا يُحسب أنه من طبيعة الكائنات
المخلوقة، بل من طبيعة الابن الذي بواسطة الروح الذي فيه يوحِّدنا مع
الآب.] (إلى سيرابيون 24: 1)

(11) [فإن كان الآب هو الذي يخلق ويجدِّد الجميع
بواسطة الكلمة في الروح … فإن الروح الذي فيه يخلق الجميع، كيف يكون هو مخلوقاً؟

إن
قبول مثل هذا الافتراء يضطرنا أن نقول مثل هذا بالتالي عن الابن بل وعن الآب نفسه
أيضاً.] (إلى سيرابيون 24: 1)

ثانياً: علاقة الروح القدس الجوهرية بالآب والابن في
الثالوث:

[الثالوث
كله إله واحد …، ولا موضع فيه لشيء غريب عن الله.] (سيرابيون 17: 1)

[هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة، لأن الرب أسَّسها في
الثالوث وأصَّلها فيه عندما قال لتلاميذه: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم وعمِّدوهم
باسم الآب والابن والروح القدس».] (إلى سيرابيون 6: 3)

يبتدئ
أثناسيوس ليثبت وحدة الروح القدس مع الآب والابن، معتمداً كلية على الكتاب
المقدَّس مقدِّماً الآيات تلو الآيات، معتبراً أن إعلان الله في الكتاب المقدَّس
هو المصدر الوحيد لفهم ماهية الروح القدس، مؤكِّداً إن وحدة الأقانيم الثلاثة هي
وحدة جوهر ثم وحدة في صفات وفي أعمال، فكل ما يعمله الروح القدس إنما يعمله من
خلال وحدته بالآب والابن.

فهو يعتمد على بولس الرسول مثلاً في قوله: إننا في الروح
القدس تستنير عيوننا (انظر: أف 17: 1و18)،
وإننا جميعاً سُقينا
روحاً واحداً (انظر: 1كو 13: 12). ثم يطبِّق ذلك على ما جاء عن الآب فيقول إن
الكتاب المقدَّس يقول إن الآب نور وينبوع، وكذلك الابن أيضاً الذي يتصل بالآب كما
يتصل النهر بالينبوع أو الشعاع بالنور (انظر: عب 1).

[وحيث
أن الآب نور والابن بهاء هذا النور، فنحن في الابن ننال الروح الذي به نستنير،
وحينما نستنير بالروح القدس يكون المسيح نفسه هو الذي ينير علينا لأنه هو النور
الذي يضيء لكل إنسان آتٍ إلى العالم.

وبالمثل من حيث أن الآب هو الينبوع، والابن كنهر، يُقال
إننا نشرب الروح …، وحينما نشرب الروح فنحن في الواقع نشرب من
المسيح،
لأنه هكذا قيل عن شعب إسرائيل في البرية إذ كانوا يشربون من صخرة
روحية
كانت تتبعهم والصخرة كانت المسيح.] (إلى سيرابيون 19: 1)

ومن
نفس هذه الوحدة بين الأقانيم الثلاثة نحن نقبل روح التبني:

[حيث
أن المسيح هو الابن الحقيقي (بالجوهر)، فنحن حينما نقبل الروح القدس نصير
أبناءً “بالروح”.
ولكن حينما نصير أبناء، فمن الواضح أن ذلك يتم في
“المسيح”، لذلك نُدعى أبناء “لله”
(بالتبني).] (سيرابيون 19: 1؛ ضد الأريوسية
19: 3)

ثم
من نفس هذه الوحدة في الثالوث نتقبَّل روح الحكمة:

[حيث
أن الابن هو حكمة الله، فنحن حينما نقبل روح الحكمة، فنحن نقبل في الحقيقة الابن
الذي به نصير حكماء.] (نفس المرجع السابق)

ثم
بنفس هذه الوحدة في الثالوث يصير حلول الأقنوم الواحد، أي الروح القدس، لا بمعنى
أنه يكون بديلاً عن الابن أو الآب بل أننا به نحقِّق حلول الآب والابن:

[«إن
أحببنا بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا. بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا
أنه أعطانا من روحه». وحيث أن الله يثبت فينا، فالابن أيضاً يكون فينا،
لأنه هو نفسه يقول ذلك «إليه نأتي أنا وأبي وعنده نصنع
منزلاً».] (نفس المرجع السابق)

هكذا
نرى أن جميع الأعمال المنسوبة للروح القدس تكون في الواقع هي أعمال المسيح نفسه:

[كل
ما كان الابن يعمله، كان يقول إن الآب الحالَّ فيه هو الذي يعمله. وهكذا على هذا النمط كل ما كان بولس الرسول يعمله بالروح كان يدعوه
عمل المسيح فيه.] (نفس المرجع السابق)

ومن
ذلك يخرج أثناسيوس بالنتيجة الآتية:

[فحيث
أن الثالوث المقدَّس يمتاز بمثل هذه الوحدة وهذا الاتحاد، فمن ذا يستطيع أن يفصل
الابن عن الآب، أو الروح القدس عن كل من الآب والابن؟ ومَنْ ذا يجسر أن يتكلَّم عن
اختلاف أو مفارقة في طبيعة الثالوث كأن يقول إن الابن من جوهر مخالف لجوهر الآب أو
إن الروح القدس غريب عن الابن؟] (سيرابيون 20: 1)

هكذا
يصل أثناسيوس إلى الحقيقة أن وحدة الروح القدس بكل من الآب والابن هي من نفس نوع
الوحدة الكائنة بين الآب والابن، أي وحدة الجوهر والطبيعة. وهكذا يفحم أثناسيوس
المعترضين على لاهوت الروح القدس بنفس برهان التحدِّي الذي قدَّمه مراراً
للأريوسيين، أن الأحرى بهم أن يفصلوا الشعاع من النور أو الحكمة من الحكيم إن
أرادوا أن يفصلوا الروح القدس عن الآب والابن([141]).

[يقولون مستنكرين كيف بمجرَّد أن
يكون الروح القدس فينا يُقال إن الابن أيضاً فينا؟ أو حينما يكون الابن فينا يكون
الآب أيضاً فينا؟ ثم يستطردون: إن كان الثالوث حقا من ثلاثة أقانيم،
فكيف يكون وجود الواحد منهم كافياً لوجود الثالوث كله؟ إن مَنْ يتساءل مثل هذه
الأسئلة فالأحرى به أن يفصل الشعاع من النور أو الحكمة من الحكيم!!] (إلى سيرابيون
20: 1)

[كما
أن الابن حالٌّ في الروح القدس كما في صورته الخاصة، هكذا الآب حالٌّ في الابن.]
(نفس المرجع السابق)

ويوضِّح
أثناسيوس هذه التعبيرات الخاصة بالعلاقة بين الأقانيم قائلاً:

[إن
الكتاب المقدَّس يستخدم مفاهيم الصورة والشعاع والنور والينبوع والنهر … إلخ لكي
يسهِّل علينا التعبير عن هذه الحقائق الفائقة، ولكي نؤمن أنه لا يوجد إلاَّ تقديس
واحد للنفس وهو الذي يأتي من الآب بالابن في الروح القدس =

›na eچnai tزn،giasmزn, tزn ™k
patrزj di’ uƒoà ™n pneعmati
،g…J genزmenon]

وهذا
الاصطلاح يعتبر تلخيصاً سهلاً لكل ما أجاب به أثناسيوس على استنكارات المنكرين
لوحدة الأقانيم معاً مع احتفاظ كل أقنوم بمميزاته الشخصية، لأن وحدة القوة
المقدَّسة في الثالوث هي التي تفسِّر لنا أنه
بمجرَّد حلول أحد الأقانيم الثلاثة، يُقال في الحال إن الثالوث كله يكون موجوداً:

[لكي
نعتقد أن هناك قداسة واحدة مستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وكما أن الابن
مولود وحيد الجنس، هكذا فإن الروح القدس واحد غير متعدِّد، ليس واحداً من كثير
(المواهب المتعدِّدة التي له)، بل روح وحيد. وكما أن الابن الكلمة الحي وحيد هكذا
ينبغي أن يكون (روح الابن) القوة الحية والعطية، الذي به يقدِّس وينير، ينبغي أن
يكون وحيداً كاملاً تاماً، وهو الذي قيل إنه ينبعث من الآب، لأنه من الكلمة
المعترف أنه من الآب، وهو الذي قيل إنه يشرق ويرسل ويعطي وكما أن
الابن أُرسل من الآب، كذلك الابن يُرسِل الروح القدس «إن ذهبت أُرسل الباراكليت».]
(إلى سيرابيون 20: 1)

[ووحدة
الثالوث
كاملة، لأن الآب يصنع كل شيء بواسطة الابن في الروح القدس.]
(إلى سيرابيون 28: 1)

وهنا
نستطيع أن نفهم سر إصرار بولس الرسول حينما يتكلَّم عن مواهب الروح القدس كيف يرجع
كل شيء إلى الله الآب (1كو 6: 12) وهذا يأخذه أثناسيوس ويشرحه:

[فما يقسمه الروح القدس لكل واحد، يكون الآب هو الذي يمنحه
بواسطة الكلمة، لأن كل ما للآب هو للابن، وبالتالي فالمواهب التي يمنحها الابن في
الروح القدس هي أصلاً مواهب الآب.]
(إلى سيرابيون 30: 1)

ثم
إن هذه الوحدة الكائنة بسبب التساوي المطلق في الثالوث وحدانية الله
هي التي تفسِّر لنا العمل الواحد والتواجد المشترك للأقانيم فينا:

[حينما يكون الروح فينا يكون الكلمة الذي يمنح
الروح هو أيضاً فينا وفي الكلمة يكون الآب نفسه].

هكذا
يؤكِّد القديس أثناسيوس أن الأقانيم الثلاثة متلازمون، ولا يمكن الفصل بينهم كما
لا يمكن الفصل بين النور والشعاع أو بين الشعاع وقوته …

وهنا
يكمن سر البركة المتلازمة العمل والفاعلية للثالوث التي يصر عليها بولس الرسول:
«نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم.» (2كو 14: 13)

[إن
النعمة التي يمنحها الثالوث هي بالضرورة من الآب بواسطة الابن في الروح القدس.
فكما أن النعمة تأتي من الآب بواسطة الابن، هكذا أيضاً لا يمكننا أن ننال شركة
فيها إلاَّ في الروح القدس، فحينما ننال شركة الروح تكون لنا بالتالي محبة الآب
ونعمة الابن.
] (إلى سيرابيون 30: 1)

[ومن
هذا يظهر أن عمل الثالوث واحد، فالمواهب التي يتكلَّم عنها الرسول لا يقول عنها
إنها تُعطى من كل واحد من الأقانيم الثلاثة على حدة، بل يقول إنها معطاة في
الثالوث، وإن جميعها من الله الواحد … فالروح القدس إذن، وهو متحد بالابن، لا
يوجد شيء يعمله الابن إلاَّ ويكون معمولاً في الروح. كما أن الابن وهو متحد بالآب
يصنع كل ما يصنعه الآب، فالروح إذن غير منفصل عن الابن، حتى أنه حينما تتم كلمة
الرب
«وإليه نأتي أنا وأبي وعنده نصنع منزلاً» يكون الروح معهما
بالضرورة يأتي ويسكن فينا كما يسكن الابن تماماً.] (إلى سيرابيون 31: 1)

وهكذا
فإن القديس أثناسيوس، في معرض دفاعه عن لاهوت الروح القدس، يكون قد استوفى أصعب
وأدق موضوع وهو علاقة الأقانيم معاً وخاصة الروح القدس في الثالوث
وفي نفس الوقت يكون قد استوفى أيضاً عمل الروح القدس فينا من داخل الثالوث.

وهو
في ذلك بينما يقدِّم تعاليمه كرجل لاهوت، لا يفوِّت علينا قط أن نلمح أنه إنما
يشرح خبرته الروحية العميقة وعقيدته الإيمانية التي يعيش بها خلاصه وحياته الأبدية

 

مسحة المسيح بالروح القدس وقت العماد

والنعمة التي نلناها من هذه المسحة

 

لقد
تطرَّق أثناسيوس إلى هذا الموضوع لينفي عن “الابن” احتمال قبوله للروح القدس،
موضِّحاً أن الابن لم يقبل الروح القدس لأن الروح القدس قائم في الابن والابن قائم
في الروح القدس، لأن جوهر الابن والروح القدس واحد. فالروح القدس والابن هما واحد
مع الآب لاهوتياً؛ أي بحسب الكيان الإلهي الذاتي الواحد. ولكن
الروح القدس حلَّ على الجسد بملء اللاهوت، لكي نأخذ من هذا الملء إذا اتحدنا
بالجسد،
وأثناسيوس يقول بوضوح إن هذه المسحة إنما هي لنا، وليست للابن، والابن
لم يتقدَّس من آخر بل هو الذي قدَّس ذاته (الجسد):

[وإن
ما قالته المزامير (الأشعار) المقدَّسة، توضِّح المعنى “الأرثوذكسي” الذي
يحرِّفه الأريوسيون، مع أنه واضح بكل تقوى لدى صاحب المزامير فهو يقول:

+
«عرشك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب البر هو قضيب مُلكك، لقد أحببت البر
وأبغضت الإثم، لذلك فالله وهو إلهك قد مسحك بزيت البهجة أعلى من رفقائك
(شركائك).» (مز 44: 7و8 سبعينية)

انظروا أيها الأريوسيون واعرفوا الحق، فالمرنِّم يتكلَّم
عنَّا نحن كرفقاء أو شركاء للرب،
ولكن لو كان المسيح (الابن) هو واحد من
المخلوقات التي جاءت من العدم (كما يقول الأريوسيون)، لكان يُحسب واحداً من هؤلاء
الرفقاء أو الشركاء، ولكن المزمور يُسبِّح له أنه هو الله الأبدي «عرشك يا الله
إلى دهر الدهور»، وأن كل المخلوقات تأخذ منه وتشترك فيه، فماذا نستخلص من هذا في
النهاية، غير أنه متميِّز بوضوح عن المخلوقات جميعاً، لأنه هو كلمة الآب الحق
وبهاؤه وحكمته، الذي منه تأخذ وتشترك كافة الخليقة التي تتقدَّس به في الروح
القدس.
لذلك يقول هنا إنه “مُسح”، لا ليصير إلهاً لأنه هو إله حقا من قبل، ولا
لكي يصير ملكاً، لأن له الملكوت منذ الأزل باعتباره صورة الله كما
تقول الأسفار المقدَّسة ولكن هذا إنما كُتب من أجلنا نحن، لأن ملوك
إسرائيل عندما كانوا يُمسحون يصيرون ملوكاً، كونهم لم يكونوا ملوكاً سابقاً كداود
وحزقيا ويوشيا والباقين، أمَّا في ما يخص المخلِّص فهو على النقيض من ذلك
فإنه وهو إله وملك قائم على ملكوت الآب وهو أيضاً الذي يَمنح الروح
القدس،
يقول المزمور بالرغم من ذلك أنه “مُسح” على
أساس أنه صار إنساناً. فهو على هذا الاعتبار مُسح بالروح القدس لكي يمدَّنا نحن
البشر ليس فقط بالقيامة والرفعة إلى الأعالي (معه)، بل وبسكنى الروح القدس
والأُلفة والمودَّة معه.

علماً
بأن الرب قال من فمه في الإنجيل: «أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا
ذاتي، ليكونوا هم أيضاً مقدَّسين في الحقِّ» (يو 17: 18و19)، وبقوله هذا يكون قد
أوضح أنه لم يتقدَّس من آخر، بل هو الذي يقدِّس نفسه (الجسد) حتى نتقدَّس نحن
في “الحق”.

والذي
قدَّس نفسه هو هو إله التقديس والقداسة، ولكن كيف حدث هذا وما معناه؟:

(أنا
كوني كلمة الآب وقد صرت إنساناً أُعطي لنفسي الروح القدس، فأنا إذ
صرت إنساناً فكإنسان أتقدَّس فيه (أي في الكلمة)، حتى فيَّ

وأنا أيضاً الحق
يتقدَّس الجميع!! “كلمتك هو الحق”).

فإن
كان قد قدَّس نفسه من أجلنا، وهذا صنعه لمَّا صار إنساناً، فإنه يكون الواضح أن
حلول الروح القدس عليه في الأُردن كان حلولاً علينا، لأنه كان حاملاً جسدنا، وهذا
كله حدث
في الأُردن ليس لحساب الكلمة،
ولكن من أجل تقديسنا، حتى يتسنَّى لنا أن نشترك في مسحته.
وحينئذ يصح فينا
القول: «أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم.» (1كو 16: 3)

لأن الرب عندما اغتسل في الأُردن كإنسان
فالذي اغتسل هو نحن الذين اغتسلنا فيه وبه، وحينما تقبَّل الروح القدس فنحن الذين
تقبَّلنا به الروح.

ولكن، وأكثر من ذلك، فإنه لم يُمسح بالزيت كهارون أو داود أو
الباقين، وإنما بطريقة أخرى أعلى من رفقائه (رفقائه في الكهنوت والملوكية)،
«بزيت البهجة» الذي يشرحه المسيح نفسه بأنه الروح القدس قائلاً بفم النبي: «روح
السيد الرب عليَّ لأن الرب مسحني»
(إش 1: 61)، وكما قال الرسول أيضاً: «كيف
مسحه الله بالروح القدس»
(أع 38: 10). ثم متى قيل هذا عنه إلاَّ عندما جاء في
الجسد واعتمد في الأُردن وحلَّ عليه الروح؟

والحقيقة
أن الرب نفسه قال: “إن الروح سيأخذ مما لي”، “وأنا سأرسله”، كما قال لتلاميذه:
«اقبلوا الروح القدس»، والمُعطِي الروح للآخرين يُقال إنه يتقدَّس: «لأجلهم
أُقدِّس أنا ذاتي»،
وما ذلك إلاَّ لأنه صار بشراً، وأن الجسد الذي يقدِّسه
هو جسده حتى أننا نحن منه ابتدأنا نأخذ المسحة والختم، كما يقول يوحنا: «وأنتم لكم
مسحة من القدوس»
والرسول يقول: «وقد خُتمتم بروح الموعد القدوس».

لذلك
فمن أجلنا وبسببنا قيلت هذه الأقوال، أو ما هو الترقِّي والتقدُّم أو الفضيلة التي
صارت، أو حتى السلوك الذي ظهر، كنتيجة لحصول الرب على هذه (المسحة)؟ لأنه إن لم
يكن أصلاً إلهاً وصار إلهاً أو إن لم يكن ملكاً وتزكَّى ليكون ملكاً، لكانت تصبح
مجادلاتكم مقبولة شكلاً، ولكن إن كان هو إلهاً وإن كان قضيب ملكه أزلياً، فبأي حال
من الأحوال يمكن أن يُقال إن الله ترقَّى أو تقدَّم (بنوال المسحة)؟ أو ما هو الذي
كان يعوزه ذلك الذي هو جالس بالفعل على عرش مملكة أبيه؟

فإن
كان الرب نفسه هو الذي قال إن الروح القدس هو له خاصة، وإن هذا الروح يأخذ منه،
وإنه الذي يرسله، إذن فلا يمكن أن يكون الكلمة ككلمة وحكمة هو الذي مُسح بالروح،
لأنه هو الذي يعطيه، بل الجسد الذي اتخذه الرب لنفسه هو الذي مُسح فيه وبه لكي
التقديس الذي صار للرب كإنسان ينتقل منه لكل الناس، والمسيح يقول إنه ليس من نفسه
يتكلَّم الروح إنما “الكلمة” هو الذي يُعطي الروح للمستحق!

وهذا
يطابق ما قاله الرسول: «الذي إذ كان في صورة الله (وهو كائن في هيئة الله) لم يحسب
خلسة (لم يعتبره امتيازاً) أن يكون معادلاً لله (أن يكون متساوياً مع الله)، لكنه
أخلى نفسه وآخذاً صورة (هيئة) عبد». هكذا أيضاً يخدم داود الرب (بالتسبيح) معتبراً
إيَّاه الإله والملك الأزلي.

لكنه
أُرسل إلينا وأخذ جسدنا المائت، وهذا هو المعنى في المزمور: “رائحة ثيابك لها عطر
المر والصبر والكاسيا (السليخة)” (إشارة إلى الجسد المائت). وهذا ما اتضح بواسطة
نيقوديموس ومريم ومَنْ معها من النسوة حينما جاء الأول حاملاً مزيجاً من المر
والصبر نحو مئة رطل والأخريات الحنوط التي حضَّرنها لدفن جسد الرب.

والآن
ما هو الامتياز الذي صار لغير المائت (بطبيعته) حينما أخذ لنفسه (الجسد) المائت؟
أو ما هو التقدُّم والترقِّي الذي صار للأبدي حينما لبس (الجسد) الزمني؟ نعم، ما
هو العوض أو المكافأة التي نالها الإله والملك الأزلي الكائن في حضن أبيه من هذه
المسحة؟ ألا ترون إذن أن هذه (المسحة على الأُردن من الروح القدس) إنما صارت
وكُتب عنها: “لنا ومن أجلنا نحن”، حتى يحضرنا الرب نحن الزمنيين والمائتين إلى
ملكوته السمائي الأبدي؟

لأنه
حينما أتى الرب يسوع المسيح إلينا وصار في وسطنا، حصل لنا نحن الامتياز والترقِّي،
إذ قد أُنقذنا من الخطيئة، أمَّا هو
فبقي كما هو ولم يتغيَّر قط عندما صار بشراً، بل كما كُتبَ: «إن كلمة الله =
lزgoj تثبت (تسكن) إلى
الأبد» (إش 8: 40).

وبكل
تأكيد، فإن “الكلمة” وقبل أن يصير إنساناً (أي في العهد القديم) منح القديسين روحه
باعتباره له خاصة، كما منحه بعد أن صار إنساناً ليقدِّس الجميع بالروح، فيقول
لتلاميذه: «إقبلوا الروح القدس». كما أعطى موسى والسبعين الآخرين. وداود أيضاً
من خلال الابن (الكلمة) يصلِّي إلى الآب قائلاً: «روحك القدوس لا
تنزعه مني»! فبالمقابل نجده بعد أن تأنَّس قال: «سأرسل لكم المعزي روح الحق»، وقد
أرسله بالفعل وهو الكلمة لأنه صادق.

لذلك فيسوع المسيح: «هو أمساً واليوم وإلى الأبد»، باقٍ غير
متغيِّر، وفي نفس الوقت وبآن واحد يعطي (المسحة) ويأخذ (المسحة)، يُعطي باعتباره “كلمة
الله”،
ويأخذ كإنسان. فليس الكلمة إذن الذي يُرى كأنه نال امتيازاً (بالمسحة)،
لأنه ككلمة له كل شيء
وكل شيء له دائماً، ولكن
البشر هم الذين يأخذون أصلهم
¢rc» منه وفيه.

إذن فحينما يُقال الآن إنه نال المسحة كإنسان فنحن الذين
فيه نكون قد مُسحنا، حيث أيضاً حينما اعتمد فنحن أيضاً الذين اعتمدنا فيه.
والرب
والمخلِّص يعطي ضوءًا كثيراً على كل هذا حينما يقول للآب: «وأنا أعطيتهم المجد
الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد» (يو 22: 17).

ولذلك حينما طلب هو المجد لنفسه يكون قد طلبه لنا، وكذلك كل
ما قيل عن كونه “أخذ” و“أعطى” و“ارتفع إلى الأعالي”؛ حتى فيه “نأخذ” نحن و“نُعطَى”
و“نرتفع”، لأنه أيضاً لأجلنا قال إنه يقدِّس ذاته حتى نتقدَّس فيه([142]).

ولكن
الأريوسيين حينما يحاولون الانتفاع في غشِّهم من كلمة “لهذا”
«لهذا مسحك الله إلهك» (وكأنها مكافأة)، لخدمة أغراضهم، فينبغي على هؤلاء
المبتدئين في فهم الأسفار المقدَّسة والأساتذة المتعتقين في الكفر أن
يعرفوا أن كلمة “لهذا” لا تتضمَّن معنى المكافأة من أجل الفضيلة أو السلوك في حياة
الكلمة، بل تحمل ضمناً السبب الذي من أجله نزل إلينا، ومسحة الروح التي تمَّت
فيه من أجلنا.

هذا
هو سر كلمة “لهذا” التي جاءت في المزمور، لأنه لم يقل المزمور: «لهذا مسحك
الله لكي تصير إلهاً أو ملكاً أو ابناً أو كلمةً»، لأنه هو كذلك قبل ذلك وهو كائن
كذلك إلى الأبد. وإنما معنى المزمور: “لأنك إله وملك لهذا مُسحتَ، لأنه ليس أحد
آخر سواك يمكن أن يوحِّد
unite الإنسان بالروح القدس، ولأنك أنت صورة
الآب والذي فيك خُلقنا منذ البدء وأنت الذي له الروح القدس”
لأن طبيعة
المخلوقات يستحيل عليها أن تتكفَّل بعمل مثل هذا:

فالملائكة
تعدُّوا =
¢ggڑlwn
m
en par£ntwn

والبشر
عصوا =
¢nqrèpwn de
parakous£ntwn

لذلك
أصبحت الحاجة الوحيدة إلى الله، و“الكلمة” هو هو الله.

فالذين
وقعوا تحت اللعنة يأتي هو بنفسه ليطلق سراحهم، … فكما أننا أتينا إلى الوجود جميعاً بواسطته، كذلك أيضاً الآن، فيه، يمكن للجميع
أن يُفتدوا من خطاياهم وبه يتدبَّر الكل.

وهذا
هو السبب في المسحة التي تمت فيه، والتي سبق صاحب المزامير فرآها وحيَّاها، حينما
رأى أولاً لاهوته وملكوته اللذين له مع الآب: «عرشك يا الله إلى دهر الدهور
قضيب البر هو قضيب ملكوتك». ثم بعد ذلك يعلن نزوله إلينا، «لهذا مسحك الله
إلهك بزيت الابتهاج أعلى من شركائك».

فما
الذي يستحق الاستغراب من هذا، أو ما هو الداعي هنا لعدم الإيمان إن كان الرب الذي
يعطي الروح القدس يُقال هنا عنه أنه “مُسِحَ” بالروح القدس، في حين أنه لم يرفض
من جهة بشريته أن يدعو نفسه أنه أقل من الروح القدس؟

لأنه
حينما كان يخرج الشياطين وقال اليهود عنه إنه ببعلزبول يُخرج الشياطين، ردَّ عليهم
لكي يكشف تجديفهم قائلاً: «إني بروح الرب أُخرج الشياطين». فانظروا هنا كيف أن
الذي يعطي الروح القدس يقول إنه بالروح يُخرج الشياطين، وهذا لم يقُلْه إلاَّ بسبب
جسده! … لأنه بسبب أن الطبيعة البشرية ليست قادرة من ذاتها أو
بمفردها على إخراج الشياطين بل بقوة الروح فقط، لذلك قال كإنسان:
«ولكن إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين.» (مت 28: 12)

وهنا في الحقيقة يعني المسيح أيضاً أن التجديف من نحو الروح
القدس هو أكبر من التجديف تجاه بشريته،
عندما قال: «من قال
كلمة على ابن الإنسان يُغفر له، وأمَّا مَنْ قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي» (مت 32:
12)، [لأن الواقفين كانوا يدركون بشريته فقط، مثل الذين قالوا: «أليس هذا ابن
النجار؟» (مت
55: 13)].

ولكن الذين يجدِّفون على الروح القدس وينسبون أعمال “الكلمة”
(وليس ابن الإنسان) إلى الشيطان، فهؤلاء حتماً سينالون عقوبة.
(أثناسيوس
يشرح ذلك بدقة وبتوسُّع في الرسالة الرابعة لسيرابيون). هذا ما قاله الرب لليهود
بصفته إنساناً، ولكنه أعلن لاهوته جهاراً
لتلاميذه مُظهراً مجده ككلمة مشدِّداً أنه، على هذا
المستوى، ليس أقل من الروح
القدس، بل مساوياً له حينما أعطاهم الروح القدس
قائلاً: «اقبلوا الروح القدس» (يو 22: 20)، كما قال: “إني أُرسله”، و“إنه
سيمجِّدني”، و“إن كل ما يسمعه يتكلَّم به”.

وهنا
أيضاً فالرب الذي يعطي الروح القدس لا يمتنع عن أن يقول إنه بالروح القدس يخرج
الشياطين كإنسان، كذلك وهو الذي يعطي الروح القدس أيضاً لم يمتنع أن يقول: «روح
السيِّد الرب عليَّ لأن الرب مسحني» (إش 1: 61)، باعتبار أنه قد صار جسداً؛ كما
قال يوحنا، حتى يتضح من هذين الموقفين الخاصين أننا نحن الذين نحتاج نعمة الروح
في تقديسنا وأننا أيضاً غير قادرين على إخراج الشياطين بدون قوة الروح.

فبواسطة
مَنْ؟ ومِمَن يليق أن يُعطَى الروح إلاَّ بواسطة الابن الذي الروح هو له خاصة؟

ومتى
استطعنا أن نتقبَّله ونأخذه إلاَّ بعد أن صار الكلمة إنساناً؟

وكما
يقول الرسول إننا لم نكن لنُفتدى أو نرتفع إلى الأعالي إن لم يكن هذا الذي هو صورة
الله قد اتخذ صورة عبد!

هذا
أيضاً ما أوضحه داود، أنه لم تكن وسيلة أخرى بها يمكن أن نشترك في الروح ونتقدَّس،
إن لم يكن هذا الذي له أن يعطي الروح القدس، أي “الكلمة” ذاته يتكلَّم عن نفسه
كممسوح بالروح من أجلنا، وبهذا نلنا الروح في يقين وأمان؛ لأنه إذ قيل إنه مُسح
بالجسد، وبهذا تقدَّس الجسد أولاً فيه، فبسبب ما قيل عنه بصفته
إنساناً إنه قبل الروح من أجل الجسد (الإنسان)، فبالتبعية نلنا
نحن أيضاً بالتالي نعمة الروح «من ملئه»
: «ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا،
ونعمة
فوق نعمة» (يو 16: 1).]([143])

وفي
موضع آخر يشدِّد أثناسيوس على أهمية نوال الرب للمسحة كنعمة موهوبة للبشرية في
جسده الخاص هكذا:

[وبالرغم
من أنه لم يكن في حاجة إلى شيء، لكن قيل عنه إنه تقبَّل ما تقبَّله (المسحة)
بشرياً، حتى من الجهة الأخرى يصبح ما يكون قد تقبَّله الرب من عطية تسكن فيه في
أمان، وتصير النعمة محفوظة ومؤكَّدة لحسابنا.
لأن الإنسان العادي إذا تقبَّل
شيئاً، فإنه يفقده ثانية (كما وضح في آدم لأنه تقبَّل وفقد)، ولكن لكي تكون
النعمة غير قابلة بعد للفقدان وتُحفظ في أمان لدى البشر، من أجل هذا تقبَّلها
المسيح في ذاته …
]([144])

[فالبشرية إذن قد تكمَّلت فيه واستعادت وجودها كما كانت منذ
البدء وإنما بنعمة أعظم.]([145])

وأثناسيوس
في موضع آخر يوضِّح أن “المسحة” التي نالها جسد المسيح لحسابنا هي بعينها
اللاهوت، فهو أي “الكلمة” لاهوتياً هو الذي أعطى جسده
المسحة:

[“أنا
الكلمة”: “المسحة”
والذي أخذ المسحة مني هو (أنا) “الإنسان”.]([146])

وفي
هذا يوضِّح أثناسيوس طبيعة الروح القدس التي هي واحد مع الطبيعة الإلهية للكلمة.
وبسبب هذا يكون “الكلمة” و“الروح القدس” هما واحد جوهرياً أو طبيعياً.

ولهذا
لا يُقال إن الكلمة نال المسحة من الروح القدس، بل الجسد (الإنسان) كما سبق
الشرح:

[لكن
أعمال الجسد لم تكن تتم بدون اللاهوت، ولا أعمال اللاهوت تتم بدون الجسد؛ بل على
العكس فإن كل أعماله صنعها الرب الواحد (إشارة واضحة إلى اتحاد الطبيعتين) الذي
أكمل كل شيء في سر نعمته … فعندما نرى أعمال الجسد نتعجَّب ونرى فيها القوة
الإلهية التي تعمل؛ هذا هو إيمان الكنيسة.]([147])

 

مفهوم التجديف على الروح القدس

كما يراه القديس أثناسيوس

 

الرسالة الخامسة لسيرابيون([148]):

+
«هذا (المسيح) لا يُخرج الشياطين إلاَّ ببعلزبول رئيس الشياطين» (مت 24: 12).

+
«إن كنت بروح الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله.» (مت 28: 12)

+
«كل خطية وتجديف يُغفر للناس. وأمَّا التجديف على الروح القدس … فلن يُغفر له
… لا في هذا العالم ولا في الآتي.» (مت 31: 12و32)

يقول
القديس أثناسيوس مفسِّراً هذا الكلام هكذا:

[لماذا
يُغفر التجديف على الابن ولماذا لا يُغفر التجديف على الروح القدس لا في هذا الدهر
ولا في الدهر الآتي أيضاً؟

لقد قرأت ما كتبه الآباء وبالذات الحكيم المجاهد أوريجانوس
والعجيب المجاهد ثيئوغنسطس([149])
(تُوفِّي
سنة 282م) واطَّلعت على كتبهم لأرى ماذا قالوا بخصوص هذا الموضوع.

وكلاهما
قال إن التجديف على الروح القدس يحدث عندما يعود الذين حصلوا على نعمة الروح
القدس في المعمودية
إلى الخطية. ولذلك يتفق كلاهما مع الآخر على عدم وجود
مغفرة، مستندين إلى ما ذكره بولس في رسالته إلى العبرانيين (4: 66).
عند هذه النقطة كل منهما يتحدَّث مثل الآخر تماماً. ولكن بعد ذلك كل منهما له رأيه
الخاص.

يشرح
أوريجانوس سبب دينونة هؤلاء بهذه الكلمات: “الله الآب يحل في كل شيء ويضبط كل
الكائنات الحية وغير الحية، أي التي لها نعمة العقل والتي ليس لها نعمة العقل.
أمَّا الابن فهو يشمل بقوته الذين لهم نعمة العقل فقط، مثل الموعوظين والوثنيين
الذين لم يأتوا بعد إلى الإيمان. أمَّا الروح القدس فهو يسكن فقط في الذين قبلوه
في المعمودية. ولذلك عندما يخطئ الموعوظون أو الوثنيون فإن خطيتهم هي ضد الابن
فقط، لأنه هو فيهم كما ذكر أوريجانوس ولذلك يمكنهم
الحصول على المغفرة عندما يكرمون بنعمة الميلاد الثاني. ولكن عندما يخطئ المعمد
فإن الخطية بعد المعمودية موجَّهة ضد الروح القدس الذي يسكن في الذين عُمِّدوا،
ولذلك لا مناص من العقاب”.

 أمَّا
ثيئوغنسطس فهو كما ذكرت يتبع شرح أوريجانوس ويقول: إن الذي يتخطَّى الحاجزين الأول
والثاني يستحق عقوبة أقل. ولكن الذي يتخطَّى الحاجز الثالث لا يمكن أن يحصل على
مغفرة. وهو يدعو التعليم الخاص بالآب والابن بالحاجزين الأول والثاني. أمَّا
الحاجز الثالث فهو التعليم الذي يُقال في المعمودية الخاص بالروح القدس، ولكي
يؤكِّد ثيئوغنسطس هذا الشرح اقتبس كلمات الرب للتلاميذ «إن لي أُموراً كثيرة أيضاً
لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأمَّا متى جاء ذاك، روح الحق، فهو
يُرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلَّم من نفسه، بل كلُّ ما يسمع يتكلَّم به
ويُخبركم بأمور آتية» (يو 12: 1613). وقد قال ثيئوغنسطس عن هذه
الكلمات إن المخلِّص تحدث مع أُناس لا يمكنهم أن يقبلوا التعاليم الكاملة، ولذلك
نزل إلى مستواهم غير الكامل. أمَّا الذين تكمَّلوا فهم الذين قبلوا الروح القدس في
المعمودية، والتعليم الكامل هو من نصيب الذين حلَّ فيهم الروح القدس.

لكننا
نحذِّر كل مَنْ يقرأ هذه الكلمات من عدم فهمها بصورة سليمة، إذ لا يجب أن يظن أحد
أن التعليم عن الروح القدس هو “ختم الكمال”. كما علينا أيضاً أن نحذِّر من الظن
بأن الروح القدس أسمى من الابن طالما أن التجديف على الروح بلا مغفرة. ولكن
المغفرة لغير الكاملين (غير المعمَّدين)، أمَّا الذين ذاقوا الموهبة السماوية
وصاروا كاملين فلا مغفرة لهم ولا صلاة يمكنها أن تسهِّل لهم المغفرة. هذا ما ذكره
هذان الكاتبان المجاهدان.

أمَّا
عن نفسي فحسب ما تعلَّمت، أعتقد أن رأى كلٍّ منهما يتطلَّب فحصاً ومراجعة دقيقة
لأن كلمات الإنجيل الخاصة بالتجديف عميقة.

في
الحقيقة واضح أن الابن في الآب، وبالتالي فهو في الذين فيهم الآب أيضاً. والروح
القدس ليس غائباً عن الآب والابن، لأن الثالوث القدوس المبارك غير منقسم. وزيادة
على ذلك إذا كان كل شيء قد خُلق بالابن (يو 3: 1) وفيه كل الأشياء توجد (كو 17:
1)، فهو ليس كائناً خارج الأشياء التي جاءت إلى الوجود بواسطته. فكل المخلوقات
ليست غريبة عنه. هو بالطبيعة في كل شيء، وبالتالي كل مَنْ يخطئ ويجدِّف على الابن
يخطئ ويجدِّف على الآب والروح القدس. ولو كان حميم الميلاد الثاني قد أُعطي باسم
الروح القدس فقط، لكان من المعقول أن نقول إن الذي عُمِّد إذا أخطأ بعد المعمودية
يخطئ ضد الروح القدس وحده. ولكن لأن المعمودية تُعطى باسم الآب والابن والروح
القدس، فكل معمَّد يقبل المعمودية باسم الثالوث، وبذلك يصبح واضحاً أن كل مَنْ
يجدِّف بعد المعمودية يكون قد جدَّف على الثالوث الأقدس، وهذا هو التعليم الحقيقي
الذي يجب أن نقبله.

ولو
كان هؤلاء الذين تحدَّث معهم الرب، أعني الفريسيين، قد قبلوا حميم الميلاد الثاني
وحصلوا على نعمة الروح القدس، لكان التفسير السابق لكل من أوريجانوس وثيئوغنسطس
مقبولاً، لأن الرب لم يكن يتكلَّم مع أُناس ارتدوا وجدَّفوا على الروح القدس،
لأننا إذا تذكَّرنا، لم يكن هؤلاء الناس أي الفريسيُّون
معمَّدين، بل حتى معمودية يوحنا احتقروها ورفضوها (مت 25: 2127). فكيف
يمكن اتهامهم بالتجديف على الروح القدس وهم لم يحصلوا عليه بعد؟! ولذلك لم ينطق
الرب بهذه الكلمات لكي يعلِّم عن الخطية بعد المعمودية، كما أنه لم يكن كذلك
يهدِّد بعقوبة أُولئك الذين سيخطئون في المستقبل بعد المعمودية، بل قال هذه
الكلمات بطريقة مباشرة وصريحة ضد الفريسيِّين لأنهم أذنبوا فعلاً وسقطوا في هذا
التجديف الفظيع. لقد اتهمهم الرب بطريقة واضحة بالتجديف وهم لم يقبلوا المعمودية.
فإن هذه الكلمات ليست موجَّهة ضد الذين يخطئون بعد المعمودية، خصوصاً وأن الرب لم
يكن يشتكيهم بخطايا عامة ولكن بالتجديف بالذات، وهناك فرق بين الذي يخطئ ويتعدَّى
الناموس والذي بسبب عدم تقواه يجدِّف على الله نفسه.

وقبل
ذلك اتهم الرب الفريسيِّين بخطايا أُخرى مثل محبة المال التي من أجلها أبطلوا
الوصية الخاصة بالوالدين، ورفضوا كلمات الأنبياء وجعلوا بيت الله بيت تجارة، وفي
كل هذا انتهرهم المخلِّص لكي يتوبوا. أمَّا عندما قالوا إنه ببعلزبول يُخرج
الشياطين لم يقل لهم ببساطة إنهم يخطئون بل إنهم يجدِّفون بصورة شنيعة تستوجب
العقاب وتجعل المغفرة مستحيلة، لأنهم تمادوا إلى حيث لا حدود لخطئهم.

وزيادة
على ذلك، لو كانت هذه الكلمات موجَّهة ضد الذين يخطئون بعد المعمودية وهؤلاء لا
مغفرة لهم، فكيف أظهر الرسول محبة نحو التائب في كنيسة كورنثوس؟ (2كو 8: 2). وماذا
عن الغلاطيين الذين ارتدُّوا (غل 9: 4)، والذين تألَّم الرسول لكي يولدوا ويتكوَّن فيهم المسيح مرَّة ثانية (غل 19: 4)؟ وكيف
نلوم نوفاتس (249250م
Novatian) الذي يمنع التوبة ونعترض على قوله بأن الذين
يخطئون بعد المعمودية لا مغفرة لهم طالما أن هذه الكلمات الإنجيلية تؤيِّد تعليم
نوفاتس وهي موجَّهة إلى الذين يخطئون بعد المعمودية.

وحتى
كلمات الرسالة إلى العبرانيين (4: 66) لا تمنع توبة الخطاة بل تشير
إلى أن معمودية الكنيسة الجامعة تُعطَى مرَّة واحدة، ولا يمكن أن تتكرَّر. ويجب أن
نلاحظ أنه للعبرانيين بالذات كتب الرسول هذه الكلمات لأنه خاف عليهم من التظاهر
بالتوبة وأنهم بسبب تمسكهم الشديد بالناموس الموسوي وشريعة التطهير سيظنون أنه
توجد فرصة لمعموديات يومية متكرِّرة كما في مرقس 3: 74، ولذلك
يشجِّعهم على التوبة ويعلن أن التجديد في المعمودية هو تجديد فريد لا يعاد. وفي
رسالة أخرى يقول: «إيمانٌ واحِدٌ، معموديةٌ واحِدةٌ» (أف 5: 4). وهو لا يقول إنه
من المستحيل أن يتوب الساقط بل من المستحيل أن نصنع نحن تجديداً لأنفسنا بالتوبة،
والفرق كبير، لأن مَنْ يتوب يكف عن الخطية ولكن
آثار جروحه تظل ظاهرة بعكس مَنْ يعتمد يخلع العتيق ويتجدَّد (كو 9: 310)،
بل ويولد مرَّة ثانية بنعمة الروح القدس (يو 3: 3).

وعندما
أفكِّر في هذه الأشياء أجد في الكلمات السابقة عمقاً عظيماً. ولذلك بعد أن صلَّيت
بلجاجة للرب الذي جلس عند البئر (يو 6: 4) ومشي على المياه (مت 25: 14)، أعود إلى
تدبير الخلاص الذي تمَّ راجياً أن أكون قادراً على أن أملأ دلوي من معاني الكلمات
الإنجيلية التي نبحثها.

كل
الكتب الإنجيلية، وبالذات إنجيل يوحنا، تخبرنا عن التدبير الإلهي: “الكلمة صار
جسداً وسكن فينا” (يو 14: 1). وبولس عندما يكتب: «الذي إذ كان في صورة الله، لم
يحسب (مساواته) خُلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبدٍ،
صائراً في شبه الناس» (في 6: 28). ولأنه الإله الذي أخلى ذاته وصار
إنساناً، أقام الموتى وشفى المرضى، وبكلمته حوَّل الماء خمراً … وهذه كلها أعمال
ليست من قدرة البشر، ولكنه جاع وعطش وتألَّم لأنه أخذ جسداً وكل أعمال الجسد ليست
من صفات اللاهوت. كإله قال: «أنا في الآب والآب فيَّ» (يو 10: 14)، ولأنه أخذ
جسداً حقا وبكل يقين، انتهر اليهود قائلاً: «الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد
كلَّمكم بالحق الذي سمعه من الله» (يو 40: 8). ورغم كونه إلهاً إلاَّ أنه لم يقم
بهذه المعجزات مرَّة واحدة لأنه تجسَّد وكان عليه أن يواجه الاحتياجات والظروف
المرتبطة بحياته كإنسان.

لكن
لم تكن أعمال الجسد تتم بدون اللاهوت ولا أعمال اللاهوت كانت تتم بدون الجسد، بل
على العكس، فإن كل أعماله صنعها الرب الواحد، الذي أكمل كل شيء في سر نعمته. وعلى
سبيل المثال، بصق على الأرض كما يبصق كل الناس، لكن لعابه وحده كان فيه قوة إلهية
لأنه وهب به البصر لعيني المولود أعمى (يو 6: 9). ورغم أنه الإله إلاَّ أنه تكلَّم
بلغة بشرية وقال: «أنا والآب واحد» (يو 30: 10)، وبإرادته منح الشفاء (مت 3: 8).
ولكن عندما مدَّ يده الإنسانية، أقام حماة سمعان بطرس من الحُمَّى (مر 31: 1)
وبنفس اليد أقام من الموت ابنة رئيس المجمع (مر42: 5).

وقد
أخطأ الهراطقة كلٌّ حسب مقدار جهله، البعض منهم نسب كل ما حدث من الرب لجسده (أي
كإنسان) وتعاموا عن القول الإلهي: «في البدء كان الكلمة» (يو 1: 1)، والبعض نسب ما
حدث إلى لاهوته فقط، ولم يفهموا القول: «والكلمة صار جسداً» (يو 14: 1). لكن
المؤمن الذي يتبع تعليم الرسل يعرف غنى الرب ومحبته للبشر. وعندما يرى أعماله
العجيبة الإلهية يمجِّد الرب الذي ظهر في الجسد. وعندما يرى أعمال الجسد
يتعجَّب ويرى فيها القوة الإلهية التي تعمل.
هذا هو إيمان الكنيسة، ولذلك إذا
ثبَّت البعض عيونهم على الجانب الإنساني في حياة الرب، وشاهدوه يختبر الجوع والتعب
والألم، يتحدَّثون عنه بدون تقوى كمن يتحدَّث عن إنسان فقط، فيخطئون بذلك خطية
عظيمة. وبلا شك إن لم يتأخَّروا في التوبة يمكنهم الحصول على المغفرة، لأن ضعفهم
الإنساني هو عذر لهم. وحتى الرسول يمنحهم المغفرة، وبطريقة ما يمد يده إليهم، لأنه
بالحق يقول: «وبالإجماع، عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد» (1تي 16: 3).

عندما
يرى البعض أعمال اللاهوت يتردَّدون في الاعتراف بإنسانيته وهذا خطأ
بالغ ويتوهَّمون عندما يقرأون أن الرب يأكل ويتألَّم أنه خيال، هؤلاء
إذا لم يتأخَّروا في التوبة سيغفر لهم يسوع لأنهم لا يفهمون أعماله الفائقة التي
أتمها في الجسد. وإذا فحصنا جهل هؤلاء وأولئك، أي الذين يخطئون ولهم معرفة
بالناموس مثل الفريسيِّين أو الذين يستسلمون للجنون وينكرون وجود الكلمة في الجسد،
أو يذهبون إلى أبعد من هذا عندما ينسبون أعمال اللاهوت إلى الشيطان وجنوده؛ فإنه
من العدل أن تكون عقوبة عدم تقواهم هي عدم المغفرة، لأنهم اعتبروا الشيطان مثل
الله،
وحسبوا أن مَنْ هو بالحقيقة الله لا شيء في أعماله يدل على ألوهيته، بل
إنه الشيطان يستخدم أعوانه. وإلى هذه الدرجة السفلى من عدم التقوى انحدر اليهود في
ذلك الزمان، وبالذات الفريسيُّون منهم. ورغم أن الرب كان يقوم بأعمال الآب
علانية،
فهو أقام الموتى ومنح النظر للعميان وجعل العرج يمشون وفتح آذان الصم
وجعل الخرس يتكلَّمون، معلناً أن الخليقة العاقلة وغير العاقلة خاضعة له، لأنه هو
الذي أمر الريح ومشي على البحر، والجموع عاينت هذا وامتلأت بالدهشة ومجَّدت الله،
إلاَّ أن الفريسيِّين قالوا إن هذه أعمال بعلزبول ومن فرط جنونهم
لم يخجلوا من أن يعطوا الشيطان قوة الله. وأمام هذا أعلن الرب بالحق أن تجديفهم
بلا مغفرة،
لأنهم عثروا في كل ما يختص بإنسانيته وكان لهم، في المسيح كإنسان،
رأى شرير، إذ قالوا: «أليس هذا ابن النجَّار» (مت 55: 13)، وكيف هذا يعرف الكتب
وهو لم يتعلَّم (يو 15: 7)، وما هي المعجزات التي «تصنع لرنى ونؤمن بك» (يو 30:
6)، «فلينزل الآن عن صليبه فنؤمن به» (مت 42: 27). وقد احتمل الرب كل هذا، وسمَّى
الإنجيل مثل هذه الأقوال بالتجديف على ابن الإنسان، وتألَّم الرب من قساوة قلوبهم
(مر 5: 3)، وقال: «لو علمتِ … ما هو لسلامكم؟» (لو 42: 19).

وغفر
الرب لبطرس عندما تكلَّمت معه الجارية عن يسوع كإنسان فأجاب بطريقة لا تختلف عن
رأي الجارية وكلامها، ولكن الرب غفر له عندما بكى بدموع.

أمَّا
عندما سقط الفريسيُّون إلى أدنى من كل هذا وتفوَّهوا بما هو أشر من كل ما سبق، حتى
أنهم قالوا إن أعمال الله هي أعمال بعلزبول، لم يتحملهم لأنهم جدَّفوا علىروحه
بقولهم إن مَنْ يعمل هذه الأعمال ليس الله ولكنه بعلزبول. ولهذا السبب استحقوا
عقوبة أبدية. وفي الحقيقة إن جرأتهم زادت عن الحد، وعندما رأوا ترتيب العالم
والعناية به نسبوا الخلق إلى بعلزبول، حتى أن الشمس صارت بحسب قولهم تحت سلطان
الشيطان وأصبح الشيطان هو الذي يحرِّك النجوم في السماء، لأن كل أعمال الآب كخالق،
عملها يسوع؛ فإذا قالوا إن أعمال يسوع هي أعمال بعلزبول، فكيف إذاً يفهمون القول
الإلهي: «في البدء خلق الله السموات والأرض» (تك 1: 1). ولكن مثل هذا الجنون ليس غريباً
عنهم لأن آباءهم أظهروا نفس الطباع، فبعد خروجهم من مصر صنعوا العجل الذهبي في
البرية ونسبوا إليه المعجزات والبركات التي أخذوها من الله وقالوا: «هذه آلهتك يا
إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر» (خر 4: 32). وبسبب هذا التجديف الذي ارتكبه
أُولئك المجانين تمَّ فناء الكل في البرية، وأعلن الله أنه في يوم افتقاده «سوف
يفتقد فيهم خطيتهم» (خر 34: 32). وعندما اشتكوا من انعدام الخبز والماء اهتم بهم
تماماً مثل المرضعة برضيعها، ولكنهم زادوا الشكوى إلى الحد الذي وصفه الروح القدس
في المزامير «أبدلوا مجدهم بمثال ثور آكل عشب» (مز 20: 106). وعندما اجترأوا على
ارتكاب مثل هذا العمل الذي لا مغفرة له ضربهم الرب، كما يقول الكتاب، بسبب العجل
الذي سبكه هارون (خر 35: 32). وتصرَّف الفريسيُّون بنفس الوقاحة، ولذلك أخذوا من
الرب عقوبة مماثلة بل هي عقوبة مثل عقوبة بعلزبول نفسه الذي تحدَّثوا عنه، كي
يحترقوا معه بنار أبدية.

ولم يكن الرب يقصد بما قاله في الإنجيل أن يقارن بين التجديف
الموجَّه ضدَّه، والتجديف الموجَّه للروح القدس؛
ولا أشار ولو من بعيد
أو بطريقة غير مباشرة إلى أن الروح القدس أسمى منه ولا لأن التجديف على الروح
أخطر، حاشا؛ نطق الرب بهذه الكلمات لأنه علم من قبل أن كل ما هو للآب فهو
للابن، وأن الروح يأخذ من الابن وبذلك يمجِّد الابن
(يو 14: 16و15). والروح
لا يعطي الابن بل الابن هو الذي يعطي الروح وقد أعطاه لتلاميذه،
وبهم لمن
يؤمنون به بواسطتهم. ولم يكن الرب يقارن نفسه بالروح عندما قال هذه الكلمات، كما
أنها لا تعني أن الروح أسمى من الرب، فهذا سوء فهم لكلمات المخلِّص. والتجديف
بنوعيه موجَّه بالضرورة للروح القدس. والنوع الأول محتمل أمَّا النوع الثاني فهو
خطير. وقد ارتكب الفريسيُّون نوعي التجديف لأنهم رأوه إنساناً فأهانوه بقولهم: «من
أين لهذا الحكمة؟» (مت 54: 13)؛ وقولهم: «ليس لك خمسون سنة بعد، أفرأيت إبراهيم؟»
(يو 57: 8). ورغم أنهم رأوا أعمال الآب فيه إلاَّ أنهم لم يرتضوا بألوهيته. وبدلاً
من هذا قالوا إن بعلزبول فيه، وأن هذه الأعمال هي أعمال بعلزبول، وبذلك أصبح
تجديفهم بنوعيه موجَّه ضدَّه. والنوع الأول أقل خطورة بسبب العذر الواضح وهو
إنسانيته، أمَّا النوع الثاني فهو أكثر خطورة لأنه إهانة موجَّهة إلى ألوهيته.
ومثل هذا التجديف الخطير هو الذي استدعى عقوبة عدم المغفرة. ومن الواضح أن الرب
كان يشجِّع التلاميذ عندما قال لهم: «إن كانوا قد لقَّبوا رب البيت بعلزبول» (مت
25: 10) وأكَّد هنا أنه رب البيت الذي جدَّف عليه اليهود.

أمَّا
اليهود فعندما قالوا عنه: “بعلزبول” لم يهينوا أحداً سوى الرب يسوع، وهذا واضح من
التعبير نفسه لأن كلمة “الروح” في نص الإنجيل تشير إلى الرب يسوع وإلى الروح
القدس، لأن “رب البيت” يُراد به المسيح أي رب الكون كله. وأنا أرجوك أن لا تتضايق
من هذا التكرار فهو لازم إذا كنا نحرص على الوصول إلى المعنى الدقيق للنص، ولذلك
سأعود إلى ما ذكرته سابقاً أن الجوع والتعب والنوم والإهانات كلها خاصة بناسوته،
أمَّا الأعمال الباهرة التي كان يقوم بها الرب، فلم تكن أعمال إنسان بل أعمال
الله.

لذلك إذا ما شاهد بعض الناس الأشياء الخاصة بالإنسان مثل
الجوع … إلخ وأهانوا الرب لأنه حسب ظنهم مجرَّد إنسان، فقد حُسبوا مستحقين
لعقوبة أقل من عقوبة أُولئك الذين ينسبون أعمال الله للشيطان.
لأن هؤلاء
لا يكتفون بإلقاء الأشياء المقدَّسة للكلاب (مت 6: 7)، بل يجعلون الله مساوياً
للشيطان ويدعون النور ظلمة (إش 20: 5). لذلك سجَّل مرقس أن تجديف اليهود بلا
مغفرة، «ولكن مَنْ جدَّف على الروح القدس، فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستحق
دينونة أبدية، لأنهم قالوا: إن معه روحاً نجساً (وذلك على أعمال لاهوته).» (مر 29:
3و30)

والرجل الأعمى منذ ولادته عندما أبصر، شهد بأنه لم يُسمع من
قبل أن أحداً فتح عيني مولود أعمى، ولذلك قال: «لو لم يكن هذا (الإنسان) من
الله
لم يقدر أن يفعل شيئاً» (يو 33: 9). حتى الجموع نفسها عندما امتلأت من
الإعجاب بما فعله الرب قالت: «ليس هذا كلام مَنْ به شيطان، ألعل شيطاناً يقدر أن
يفتح أعين العميان» (يو 21: 10). أمَّا هؤلاء الذين امتلأوا من معرفة الناموس، أي
الفريسيُّون وهم الذين يلبسون العصائب العريضة (مت 5: 23)، ومزهوُّون بمعرفتهم
بالناموس أكثر من باقي الناس (يو 24: 929)، كان من المفروض
عليهم بسبب
هذه المعرفة أن يخجلوا، ولكن كما هو مكتوب عنهم أنهم «تعساء لأنهم ذبحوا لأوثانٍ ليست الله» (تث 17: 32). وعندما
قالوا إن بالرب شيطاناً، وأن أعمال الله هي أعمال الشيطان؛ لم يكن لديهم أي أسباب مقنعة تدفعهم إلى هذا الاعتقاد،
والدافع الحقيقي لمثل هذا التجديف هو
رغبتهم في أن ينكروا أن الذي يعمل هذه الأعمال هو الإله ابن الله. وبالحقيقة لقد
أكل أمامهم وشاهدوا جسده وتأكَّدوا أنه إنسان فكان لديهم فرصة لأن يقتنعوا من
أعماله أن الآب فيه وأنه في الآب. أمَّا لماذا لم يقتنعوا؟ فلأنهم لم يشاءوا.

وفي الحقيقة لقد سكن بعلزبول في الفريسيِّين. وكان بعلزبول
هو الذي يتكلَّم فيهم. ولذلك قالوا عن المسيح: إنه مجرَّد إنسان، بسبب ناسوته، دون
الاعتراف به إلهاً بسبب أعماله التي هي أعمال الله. ولكن بهذه السقطة ألَّهوا
بعلزبول الذي سكن فيهم، والذي في النهاية سوف يعاقبون معه في النار إلى الأبد.

ودراستنا
للنص توضِّح لنا أنه يعني نوعي التجديف الذي أشرنا إليه سابقاً. ذلك أن المخلِّص أشار
إلى نفسه عندما قال: «ابن الإنسان»، ولكنه كان يعني أيضاً نفسه عندما تحدَّث عن
“الروح”.
والاسم الأول: «ابن الإنسان» يوضِّح تجسُّده، والاسم الثاني: “الروح”
يوضِّح طبيعته الروحية غير المادية ولاهوته.
وفي الواقع، إن الخطية التي يمكن
غفرانها هي العثرة الناتجة عن رؤية ناسوته، أي ما يتعلَّق به كابن الإنسان، ولكنه
أوضح أن التجديف الذي لا يمكن مغفرته هو التجديف على “الروح”، أي على الطبيعة الإلهية.

وقد
لاحظت أن التعبير “الروح” جاء بالمعنى الذي نتحدَّث عنه في إنجيل القديس يوحنا
عندما كان الرب يتحدَّث عن تقديم جسده. ولمَّا رأى أن كثيرين عثروا بسبب ما ذكره
عن جسده، قال لهم: «أهذا يعثركم؟ فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان
أولاً! الروح هو الذي يحيي أمَّا الجسد فلا يفيد شيئاً. الكلام الذي أُكلِّمكم به
هو روح وحياة
» (يو 6: 62و63). وقد تحدَّث الرب هنا عن “الجسد والروح”،
وكما هو واضح كان يتحدَّث عن نفسه. وميَّز بين الجسد والروح لكي يتمكَّن الذين
سمعوه من الإيمان بما يرون أي بجسده، وكذلك الإيمان بغير المنظور، أي الروح أو
لاهوته، لكي يؤمنوا أن ما يتكلَّم عنه ليس الجسديات بل الروحيات.

ولنسأل
كم عدد البشر الذين يمكن أن يقدِّم لهم جسده المادي؟ وماذا عنه كغذاء للعالم كله؟
لهذا السبب تحدَّث عن صعود ابن الإنسان إلى السماء لكي يبعد عن أفكارهم كل
التصورات المادية عن جسده، ولكي يفهموا جيداً بدون أي تصورات مادية أن جسده الذي
يتكلَّم عنه هو طعام سمائي يأتي من فوق كغذاء روحي يعطيه هو بنفسه. وحقًّا قال:
«الكلام الذي أُكلِّمكم به هو روح وحياة» (يو 63: 6)، أي أن ما أعلنه، وما سيعطيه
لخلاص العالم هو جسده، ولكن هذا الجسد عينه بما فيه من دم سوف يُعطى لكم
بواسطتي روحياً، وكطعام، وبطريقة روحية سوف يوزَّع على كل واحد منكم لكي يصبح
عربون القيامة والحياة الأبدية.

واستعمال
كلمة “روح” جاء بنفس المعنى في حديث الرب مع السامرية عندما وجَّه فكرها إلى
المعنى الروحي ورفع نظرها إلى الأمور غير المادية بقوله لها: «الله روح»
(يو 24: 4)، لكي يستقر في قلبها الفهم الصحيح عن الله، أنه ليس من طبيعة مادية
محصورة في مكان بل إنه روح. وهذا ما يعنيه كلام التعليم الذي يقول عندما يتأمَّل
الكلمة وقد تجسَّد: “روح الإيمان هو المسيح الرب”، وحتى لا يعثر أحد ما بالشكل
الخارجي الملموس ويظن أن الرب هو مجرَّد إنسان، جاءت كلمة: “الروح” لتؤكِّد أن
الذي في الجسد هو الله.

وهكذا
يبدو لنا شيئان ظاهران تماماً: الأول هو حالة مَنْ يرى الرب في الجسد ويعتبره
مجرَّد إنسان ويقول بعدم إيمان: “من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟” (مت 54: 13)،
وكل مَنْ يتكلَّم بهذا يخطئ بدون شك ويجدِّف على ابن الإنسان؛ والثاني يرى أعماله
التي تتم بالروح القدس ويقول إن صانع هذه
الأعمال ليس الله ولا ابن الله وينسب هذه الأعمال لبعلزبول،
مثل هذا ينكر لاهوته، وهذا ما يظهر واضحاً عدة
مرَّات في الإنجيل لا سيما في النص الذي نشرحه.

ومرَّة
أخرى، نكرِّر، عندما يوصف الرب بأنه «ابن الإنسان» فهو نفسه يستخدم هذا اللقب
لتأكيد بشريته، ولكن عندما يتحدَّث عن الروح أي الروح القدس الذي به يصنع كل هذه
الأعمال والذي هو (الروح) أيضاً فيه، يقول بعد إتمامه أعماله الباهرة: «إن كنت لست
أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي ولكن إن كنت أعمال، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا
بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيَّ وأنه فيه» (يو 38: 10) …]([150])
(انتهى)

وملخَّص
عقيدة القديس أثناسيوس في هذا الموضوع كالآتي:

1
إن الموضوع لا يختص إطلاقاً بامتياز أقنوم عن آخر في الثالوث،
فالتجديف على الروح القدس هو تجديف على الآب والابن أيضاً.

2
والتجديف لا يختص بالمعمودية ونوال الروح القدس فيها، لأنها تتم باسم
الآب والابن والروح القدس إله واحد. فكل مَنْ يُخطئ ويجدِّف بعد المعمودية فهو
يخطئ ويجدِّف على الله الثالوث الآب والابن والروح القدس. لذلك فالرب لم يكن يقصد
بالتجديف الخطية بعد المعمودية.

3
إن الخطية بل كل الخطايا بعد المعمودية تُغفر جميعها بالتوبة، ولا
توجد خطية قط يمكن أن يُقال إنه من المستحيل غفرانها.

4
المعمودية هي التي لا يمكن بل ويستحيل أيضاً أن تتكرَّر، وهي التي
تسمَّى بالتجديد أو الميلاد الثاني فهي معمودية واحدة.

5
كذلك هناك فرق بين الخطايا كتعدِّي على الوصايا وبين التجديف على
الله نفسه.

6
إن الالتباس الظاهر في فهم عب 4: 66 راجع إلى أن بولس
الرسول يخاطب اليهود (العبرانيين) الذين اعتادوا أن يتخلَّصوا من خطاياهم بالتطهير
بالماء كل يوم، وكلما أرادوا (حتى الزنا كان في عرفهم يمكن التخلُّص منه
بالاستحمام بالماء)، فنبَّههم أن المعمودية في المسيحية ليست تطهيراً بالماء،
ولكنها موت عن الإنسان العتيق وخطاياه وولادة روحية من فوق بإنسان جديد، ولا تتم
إلاَّ مرَّة واحدة فقط بنعمة الروح القدس.

7
العنصر الجوهري في عدم غفران خطية التجديف على الروح القدس هو
المتعلِّق بالذين ينسبون أعمال اللاهوت التي كان يعملها المسيح إلى أنها أعمال
الشيطان.

8
وعلى نفس المستوى، فالذين يعتبرون المسيح أنه مجرَّد إنسان كان يعمل
المعجزات بقوة الشيطان فهذا هو التجديف على روح الله أي الروح القدس، لأن المسيح
كان يعمل كل الأعمال بروح الله.

9
وعلى نفس المستوى كل مَنْ يجدِّف على لاهوت المسيح معتبراً أن المسيح
مجرَّد إنسان، وأن أعماله كانت مجرَّد أعمال شيطانية (سحرية كما يقول اليهود الآن)
وليست أعمالاً إلهية، فهذه تعتبر خطية تجديف غير قابلة للمغفرة.

10
وهنا يقرِّر أثناسيوس أنه لا فرق بين التجديف على الروح القدس
والتجديف الموجَّه ضد لاهوت المسيح.

 

النعمة عند القديس أثناسيوس

أساس
التعليم بالنعمة عند القديس أثناسيوس يبدأ من الخلق. فالله، مع فعل الخلق الذي خلق
به العالم من لا شيء، أعطى المخلوقات فعلاً آخر حافظاً للعالم المخلوق من الزوال،
لأنه بحكم كونه مخلوقاً من العدم فهو ينزع بطبيعته نحو اللاشيء.

[«أنت
يا الله منذ البدء أسَّست الأرض والسموات هي عمل يديك هي تبيد وأنت تبقى»، بقوله
هنا: «هي تبيد» لا يقصد أن الخليقة تعيَّنت للإبادة ولكن هذا قيل للتعبير عن طبيعة
الأشياء المخلوقة ونزوعها (نحو الفناء) الذي تميل إليه، فالأشياء التي هي قابلة
للهلاك، بالرغم من أنها لا تهلك بسبب النعمة الموهوبة لها من خالقها،
إلاَّ أن
هذا لا ينفي أنها خُلقت من لا شيء، وهي بذاتها تشهد أنها لم تكن يوماً ما موجودة.]([151])

هذا الفعل الحافظ من الزوال هو فعل بركة أو نعمة، هذه البركة
أو هذه النعمة التي وهبها الله للعالم المخلوق ليحفظه من الانحدار نحو العدم، تركت
عليه سمات الخالق وبصماته الإلهية كطابع خاص، حتى أن الله أصبح يُرى ويُحس في
الخليقة
لأنها
صارت حاملة لفعله الدائم في كل دقائق كيانها.

وأثناسيوس يعتبر هذه النعمة القائمة والدائمة في العالم
المخلوق هي بعينها حضور الابن الكلمة في صميم العالم:

+
«كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان … فيه كانت الحياة … في
العالم كان والعالم به كوِّن
ولم يعرفه العالم.» (يو 1: 3و4و10)

وأثناسيوس
يركِّز على أن كل ما قاله بولس الرسول في الرسالة إلى رومية بخصوص ذلك إنما يخص
“الكلمة”.

[يقول
بولس الرسول: «إن أموره (الكلمة) غير المنظورة تُرى بوضوح منذ خُلق العالم،
أمَّا قدرته السرمدية ولاهوته، فهي تُدرَك بواسطة الأشياء المخلوقة».
فإذا
درسنا النص تدركون أن “الابن” هو المقصود هنا، لأنه بعد أن ذكر الخليقة يبدأ
يتكلَّم عن القوة التي أعطت هذه المخلوقات طابعها المميَّز،
هذه القوة أقول
إنها هي “كلمة الله” الذي به كان كل شيء … لذلك كل مَنْ يتأمَّل في الخليقة
عن صحة فهو إنما يتأمَّل “الكلمة” الذي شكَّلها (أعطاها طابعها المميَّز)،
ومن خلال الكلمة يبدأ الإنسان يدرك الآب، لأنه لمَّا سأل فيلبُّس: «أرنا الآب
وكفانا» (يو 8: 14)، لم يقل له الرب تأمَّل الخليقة، بل قال له: «الذي رآني فقد
رأى الآب» (يو 9: 14).]([152])

وأثناسيوس
إذ يتأمَّل بالفعل في الخليقة ويرى جمالها وحسنها: «ورأى الله كل ما عمله فإذا هو
حسن جدًّا» (تك 31: 1)، يُعزي ذلك الجمال والحُسن إلى حكمة الكلمة كختم وطابع شمل
جميع المخلوقات.

[ولكي
كل ما يأتي إلى الوجود لا يكون موجوداً وحسب بل ويكون حسناً، كانت مسرَّة الله أن
حكمته الخاصة تتنازل لمعونة المخلوقات
sugkatab»nai وذلك لكي تمنحها خاتم وشبه صورتها بالنسبة لها جميعاً ولكل فرد
فيها، حتى لكي يكون كل ما جاء إلى الوجود (من العدم) يصير عملاً حكيماً جديراً
بالله خالقه.

ومن
حيث أن كلمة الله هو الحكمة، لذلك فالحكمة المزروعة فينا هي صورة (الحكمة) التي
بواسطتها نحصل على القوة والفكر لإدراك (الكلمة) الحكمة الكلية (التي صاغت ونظَّمت
الخليقة) الذي به ندرك الآب.]([153])

ويبدأ
أثناسيوس يركِّز على خلقة الإنسان الأول بنوع خاص، ويوضِّح نوع النعمة الخاصة التي
خصَّه بها في الخلق الأول كتمهيد لازم وأساسي لنوع النعمة المزمع أن يكمِّل بها
أخيراً خلقة الإنسان الجديد كامتياز فائق للحياة الأبدية.

[يقول
بولس الرسول: «بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله حتى لم يتكوَّن
ما يرى مما هو ظاهر.» (عب 3: 11)

لأن
الله صالح، وبالتالي لابد أن يكون هو مصدر الصلاح، والصلاح لا يضنُّ بشيء، لذلك
فإنه لا يضنُّ بنعمة الوجود على أي شيء، لذلك خلق كل الأشياء من العدم “بكلمته”
يسوع المسيح ربنا.

وفضلاً
عن ذلك فإنه أظهر محبة خاصة للجنس البشري دون سائر المخلوقات على الأرض، إذ رأى
ضعف الإنسان بحسب طبيعة تكوينه وامتناعه عن أن يبقى على
حال واحدة منحه نعمة جديدة، إذ لم يكتف بمجرَّد خلقته كما فعل بباقي
المخلوقات غير العاقلة على الأرض بل خلقه على صورته ومثاله، وأعطاه نصيباً في
قوة كلمته، لكي يستطيع
وهو العاقل، وله انعكاس قوة الكلمة فيه
أن يبقى في السعادة الأبدية ويحيا الحياة الحقيقية حياة
القديسين في الفردوس.

ولكن
لعلمه أيضاً أن إرادة الإنسان يمكن أن تميل إلى إحدى الجهتين (أي الخير والشر)، سبق
فدعم النعمة المعطاة له بالوصية،
بالإضافة إلى المكان (الجيد أي الفردوس) الذي
أقامه فيه، لأنه أتى به إلى جنته وأعطاه وصية حتى إذا حفظ النعمة واستمر
صالحاً استطاع أن يحتفظ بحياته في الفردوس بلا حزن ولا ألم ولا هم، بالإضافة
إلى الوعد بعدم الفساد في السماء،
(لاحظ أثناسيوس هنا يشير إلى إمكانية انتقال
الإنسان إلى عدم الفساد في السماء).

أمَّا
إذا تعدَّى الوصية وارتدَّ وأصبح شريراً، فليعلم أنه جلب على نفسه الفساد بالموت
الذي كان يناسبه بحسب الطبيعة ويصبح غير لائق للحياة في الفردوس بل ويُطرد منه من
ذلك الوقت لكي يموت ويبقى في الموت والفساد.]([154])

ومرَّة
أخرى يشدِّد أثناسيوس على امتياز خلقة الإنسان ليدوم أصلاً في عدم الفساد:

[لأن
الإنسان إذ خُلق من العدم فإنه زائل بطبيعته، غير أنه بفضل خلقته على
صورة الله
الكائن الدائم كان ممكناً أن
ينجو من الفساد الطبيعي ويبقى في عدم الفساد لو أنه احتفظ بتلك الصورة، أي بإبقاء
الله في معرفته كما تقول الحكمة: «حفظ الوصايا هو تحقيق لعدم الفساد»
(سفر
الحكمة 19: 6). وكونه على غير فساد آنئذ فقد كان ممكناً أن يعيش كالله.

منذ ذلك الوقت، وإلى هذا يشير الكتاب المقدَّس على الأرجح
عندما يقول: «أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم، لكن مثل الناس تموتون وكأحد
الرؤساء تسقطون.» (مز 82: 6و7)

لأن الله لم يكتفِ بأن يخلقنا من العدم ولكنه أيضاً وهبنا
مجاناً بنعمة الكلمة حياة منسجمة مع الله.

ولكن
البشر إذ رفضوا الأمور الأبدية وتحوَّلوا إلى الأمور الفاسدة بمشورة الشيطان،
صاروا سبباً لفساد أنفسهم بالموت، لأنهم بالطبيعة زائلون، ولكنهم تعيَّنوا للخلاص
من حالتهم الطبيعية هذه وذلك بنعمة اشتراكهم في الكلمة([155])
إن ثبتوا في الصلاح. ولأن الكلمة سكن فيهم فحتى فسادهم الطبيعي لم يجسر أن يقترب
منهم كما تقول الحكمة أيضاً: «الله خلق الإنسان على غير فساد وصنعه على صورة
أزليته، ولكن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس»
(سفر الحكمة 2: 23و24) وعندما
تمَّ ذلك بدأ البشر يموتون.]([156])

وليلاحظ
القارئ هنا أن القديس أثناسيوس يرى عمل النعمة يؤازر الإنسان جدًّا من بدء
خلقته كشركة في الكلمة …
وكان ممكناً لو هو تمسَّك بمعرفة الله وطاعته، أي
احتفظ بفاعلية صورة الحكمة التي زُرعت فيه منذ بدء خلقته التي كُني عنها بصورة
الله فيه، كان ممكناً أن يستحق الانتقال إلى حالة الخلود في السماء.

وهنا
يتضح أمامنا أن محبة الله للعالم وبذل ابنه الوحيد لفداء الإنسان لم تأتِ من فراغ،
فالإنسان حاصل على نعمة أصيلة من الله واشتراك حقيقي في الكلمة وذلك في صميم خلقته
وكيانه منذ البدء الذي يظهر بوضوح في حكمة الإنسان وذكائه وفهمه ومعرفته وتأمله
وميله الغريزي إلى التأمُّل في الإلهيات منذ البدء أيضاً.

كما
نلاحظ أن أثناسيوس يعتبر الوصية التي أمر الله بها آدم في الفردوس هي
نعمة،
وأنها كانت كفيلة لو تمسك بها آدم أن تحفظه من الهلاك بغير موت أو فساد
وتؤهِّله لتكميل الوعد بالخلود في السماء مع الله. لأن أثناسيوس يؤكِّد أن الإنسان
تعيَّن منذ خلقته الأُولى للخلاص.

ثم
ينقل إلينا أثناسيوس هنا قولاً من سفر الحكمة، هو في الحقيقة مطلع صلاة الصلح في
قدَّاس القديس باسيليوس، ليؤكِّد لنا به صدق عقيدته هذه أن الإنسان معيَّن منذ
خلقته الأُولى للخلاص وعدم الفساد كنعمة فائقة من الله،
وأن الموت دخيل علينا
وهو من عمل حسد العدو المهلك الذي أوقف فاعلية هذه النعمة فينا.

وهذا
يعتبره أثناسيوس تمهيداً رائعاً بل سبباً محكماً وبليغاً لتجسُّد “الكلمة” في جسد
الإنسان ليرفع عن الإنسان ما أصابه من موت وفساد وهلاك، ويعيد إلينا هذه النعمة
عينها إنما بصورة أعظم وأبقى وأضمن!!
بالروح القدس بالإيمان به وبالمعمودية
والتناول من جسده ودمه.

[عندما
كان يمسح الإسرائيليون أعتاب أبواب بيوتهم بالدم كانوا يترجُّون المعونة ضد
الملاك المهلك،
ولكننا نحن الآن إذ نأكل “كلمة الآب” نختم أعتاب قلوبنا بدم
العهد الجديد، معترفين بفضل النعمة التي أُعطيت لنا من المخلِّص
الذي قال من
جهة هذا: «ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوة العدو»
(لو 19: 10).]([157])

[فالبشرية إذن تكمَّلت فيه واستعادت وجودها كما كانت منذ
البدء وإنما بنعمة
أعظم.]([158])

وأثناسيوس
يقارن بين النعمة التي أخذها آدم بالخلقة والتي صارت لنا في يسوع
المسيح، هكذا:

[وبالرغم
من أنه (المسيح) لم يكن في حاجة ما إلى أي شيء إلاَّ
أنه قيل عنه إنه تقبَّل ما تقبَّله (المسحة) بشرياً حتى
من الجهة الأخرى (لاهوته) فإنه بسبب ما تقبَّله الرب من عطية، وقد سكنت فيه
بأمان فإن النعمة تصير محفوظة وثابتة لحسابنا،
لأن الإنسان العادي إذا تقبَّل
شيئاً فإنه يفقده ثانية (كما وضح في آدم لأنه تقبَّل وفقد). ولكن لكي تكون
النعمة غير قابلة للفقدان، وتُحفظ في أمان (ثابتة) لدى البشر، من أجل ذلك تقبَّلها
المسيح في ذاته (لنا).
]([159])

[فإذ
تقدَّس الجسد أولاً فيه، صارت لنا بالتالي نعمة الروح القدس نأخذها من ملئه.]([160])

أثناسيوس يشرح كيف يتحد الإنسان بالروح
القدس (مفاعيل النعمة)

وكيف يفارق الروح القدس الإنسان إذا
استسلم للشرير:

[…
ويوحنا يكتب قائلاً: «بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا: أنه قد أعطانا مِنْ
روحهِ» (1يو 13: 4)، لذلك بسبب نعمة الروح القدس التي أُعطيت لنا نصير فيه ويصير
هو فينا.

ولأنه
هو روح الله، لذلك فبسبب أنه يصير فينا نصبح بحق في الله، إذ يكون لنا الروح
القدس، ويصير الله بذلك فينا.

ولكن
ليس كما يكون الابن في الآب نكون نحن في الآب، لأن الابن لا يشترك في الروح القدس
ولا يتقبَّله، بل بالحري يعطيه للجميع …، أمَّا نحن فبدون الروح القدس نكون
بعيدين وغرباء عن الله! ولكن بالشركة في الروح القدس نصير موثقين وملتحمين
knit بالله (اللاهوت)، وهكذا يصبح وجودنا
وكياننا في الله الآب ليس منا، ولكن من الروح القدس الذي يكون فينا والذي يسكن
فينا، الذي باعترافنا الحسن الصادق نحتفظ به داخلنا كما يقول يوحنا الرسول: «مَنِ
اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله.» (1يو 15: 4)

والمسيح
يطلب (في صلاته في يوحنا 17) أن نقبل الروح القدس، حتى إذا استلمناه يكون لنا روح
الكلمة الذي هو في الآب، فنصير نحن بسبب الروح واحداً في الكلمة ثم في الآب بواسطة
الكلمة. وإن كان المسيح يقول: «كما نحن» فهذا لا يخرج عن كونه توسُّلاً، حتى
تصير نعمة الروح القدس عندما تُعطى للتلاميذ تكون بدون إخفاق أو رجوع
(
revocation) (كما حدث سابقاً لآدم).

لأن كل ما للكلمة في الآب بالطبيعة هو يرغب أن يكون لنا
بواسطة الروح القدس “بدون رجوع”،
كما يقول الرسول: «مَنْ سيفصلنا عن محبة
المسيح، لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة.» (رو 35: 8، 29: 11)

إذن،
فالروح الذي هو في الله يكون فينا وليس من أنفسنا (نكون في الله)، وإنه يُقال إننا
أبناء وآلهة بسبب “الكلمة” الذي يكون فينا، وهكذا نكون في الابن وفي الآب
ونُحسب أننا واحد في الابن وفي الآب، لأن الروح يكون فينا وهو نفسه في الكلمة وفي
الآب.

فإذا
سقط الإنسان من الروح بسبب أي شر وندم وتاب عن سقطته، فإن النعمة تظل فيه بلا
رجعة (نكوص) حسب تمسُّك إرادتهما
أمَّا إذا لم يتب فإنه
بسقوطه لا يصير بعد في الله. لأن الروح القدس المعزِّي الذي في الله يفارقه (أي
يفارق غير التائب)، ويظل الخاطئ في الذي أسلم نفسه له (الشيطان)
كما حدث في
حالة شاول الملك لأن روح الله فارقه ودهمه روح شرير.]([161])

[إن
نعمة الروح القدس المعطاة في المعمودية ستُرفع عن الأشرار في الدينونة الأخيرة.]

(شرح
المزامير 13: 75 “الترجمة السبعينية”)

[وبكل
تأكيد لأنهم ليسوا أبناءً (لله) بالطبيعة (كعلاقة الله الابن بالله الآب) لذلك
فإنهم حينما تغيَّروا (عن عهدهم) أُخذ منهم الروح القدس وفقدوا ميراثهم؛ ولكن عند
توبتهم فإن الله الذي أعطاهم النعمة في البداية يقبلهم ويعطيهم نوراً ويدعوهم
أبناءً مرَّة أخرى.]([162])

هنا
يمتاز القديس أثناسيوس بالوضوح التام كيف أن التوبة تعيد النور وتعيد النعمة وتعيد
عطية الروح وتعيد البنوَّة وتعيد الميراث.

 

ملخَّص الفصل العاشر

الروح القدس وكمال استعلان الثالوث

عند القديس أثناسيوس

 

 §أثناسيوس هو أول لاهوتي
في العالم دافع عن لاهوت الروح القدس
وذلك جاء ردًّا على
جماعة المتقلِّبين والأريوسيين الذين قالوا بأنه مخلوق!

 §يقوم دفاعه أساساً على
إثبات الوحدة القائمة بين الثلاثة أقانيم الآب والابن والروح القدس،
وقد جاء
دفاعه متفرِّقاً في مقالاته ضد الأريوسية ثمَّ مركَّزاً في أربع رسائل موجَّهة
للأسقف سيرابيون عن الروح القدس.

 §سار منهج التعريف
بالروح القدس منذ بدء عصر الرسل حتى أثناسيوس في خطَّين متوازين:

أولاً: خط الرسل والآباء المنقادين بروح الله الذي يعطي
الإيمان الواضح المحدَّد عن شخص الروح القدس الإله الكامل في الثالوث المساوي للآب
والابن في المجد والكرامة والعمل.

ثانياً: خط طبقة المفكِّرين في الكنيسة الذين حاولوا
باجتهادهم وتصوُّرواتهم بدون قيادة الروح القدس وبدون الاعتماد على التسليم
الرسولي أن يعرِّفوا بالروح القدس فانحرفوا عن الخط الرسولي الواضح والبسيط.

§ ما عمله
أثناسيوس هو أنه امتد بالخط الأول في منهج مدرسي مساوٍ تماماً لفكر الرسل والإنجيل
البسيط المعاش عن الروح القدس، كما عرفته الكنيسة وعاشته حتى ذلك الوقت، مستقطباً
كل الهرطقات والانحرافات ومنهياً عليها إلى الأبد.

§ تعاليم العهد القديم عن الروح القدس تتلخَّص في أنه روح الله
القدوس، ذو الصلاح المطلق والوجود الكلِّي في كل مكان، ومن حيث أعماله فهو:

1
العامل الفعَّال في الخلق.

2
يُعطَى للمختارين من الله بوضع اليد والمسحة وبوسائل أخرى فيهبهم
نعمه المتعدِّدة.

3
القوة الفعَّالة في الأبطال المدافعين عن إسرائيل.

4
قوة الإلهام الذي يدبِّر حكام إسرائيل.

5
إلهام الأنبياء للنطق بكلمة الله.

6
قوة التقديس وقوة الدينونة في القضاء.

7
بصيرة التنبُّؤ عن أواخر الدهور.

8
علامات حضوره تعلن عن حضرة الله.

9
هو التعبير عن جوهر الوجود الإلهي على مدى الأسفار. فهو “الله
الفعَّال بالقوة”، ويُذكر أحياناً في أسفار العهد القديم بصفة شبه مستقلة في حدود
الشخصية المتميِّزة عندما يُقارَن “الروح” مع “الكلمة”.

§ قدَّمت الأسفار القانونية الثانية أيضاً فكرة قوية وواضحة عن
شخصية الروح القدس معبَّراً عنه بحكمة الله.
وتتلخَّص أعماله فيها
بأنه يملأ الكون ويحب البشرية ويعلِّم ويطهِّر أفكار الإنسان وقلبه.

§ في العصور
المتأخِّرة من الفكر اليهودي اقتصر مفهوم الروح القدس عندهم بأنه حكمة الله
الموهوبة للحكماء، أو مجرَّد قوة يؤثِّر بها الله على الموحَى إليهم. وقد تسرَّب
هذا المفهوم الخاطئ إلى الفكر المسيحي حتى القرن الرابع.

§ يبدأ العصر المسحي بتقدُّم هائل في التعرُّف على الروح القدس
وأعماله حسب الأناجيل:

1
– أداة التجسُّد: “الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تظلِّلُكِ”.

2
– الفعَّال في حياة المسيح، في مسحته الأُولى على نهر الأُردن لبدء الخدمة، وفي كل
أعماله.

3
– به بنى المسيح كنيسته على أساس أنها خليقة جديدة مولودة من فوق من الروح القدس
والماء، وأنها تعيش وتعمل في العالم بقوة الروح القدس.

4
– الروح القدس هو عطية المسيح لتلاميذه: «اقبلوا الروح القدس». وهو الساكن في
أولاد الله لتبكيت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة.

5
– وهو قوة البشارة للشهادة للمسيح إلى أقصى الأرض.

6
وقد أظهره المسيح بوضوح كأقنوم له هيبته الإلهية حتى أنه اعتبر
التجديف على الروح القدس خطية لا تُغفر.

§ عصر الرسل هو عصر إعلان الروح القدس عن نفسه عملياً:

1
– بحلوله على التلاميذ في يوم الخمسين بصورة محسوسة.

2
في استعلان شخصيته في كل تدبير الكنيسة وحياتها بعد ذلك، عاملاً عمل
المسيح في الكنيسة ومكمِّلاً فينا الخلاص والفداء، وواهباً إيَّانا القداسة والبر
التي بها نثبت في المسيح ونحيا فيه، فهو يأخذ مما للمسيح ويعطينا، لذلك دعاه بولس
الرسول «روح المسيح».

3
في قوة شهادة الرسل، الذين أحسوا به كشخص متميِّز بشهادته في داخلهم
بجانب شهادتهم هم أيضاً.

4
في سلطانه التأديبي على المستهينين بتدبيره للكنيسة.

5
في حلوله على المؤمنين قبل معموديتهم، كما حدث مع كرنيليوس وأهل بيته
مبيِّناً بذلك أن الروح القدس هو الذي يعمِّد.

6
في إشرافه الشخصي على تدبير عمل الكرازة وإرسال المعيَّنين للخدمة.

7
في إعلانه لأمور آتية لأنبياء العهد الجديد.

8
في حراسته للإيمان وصحة العقيدة ببرهان ومعجزة، مؤدِّباً بقسوة كل
محاولة لإفساد طريق المسيح لحماية الكنيسة من كل انحراف.

9
في اقتران الملء به بالامتلاء بالفرح الذي لا يُنطق به.

10
في حضوره الشخصي في أول مجمع للرسل لإقرار السلوك المسيحي للأُمم
الداخلين جديداً في الإيمان، كقاضٍ ومشرِّع للكنيسة الجديدة.

11
في إقامته للأساقفة والكهنة لرعاية كنيسة الله التي اقتناها بدمه.

§ في عصر الرسل أيضاً تمَّ استعلان الرسل للروح القدس لاهوتياً في
رسائلهم:

1
فهو الروح المحيي الذي أقام المسيح من الأموات والذي سيُحيي أجسادنا
أيضاً بروحه الساكن فينا.

2
وهو روح التبني الذي يلد الإنسان ويتبنَّاه لله، وبه نصرخ نحو الآب
وندعوه “أبانا”.

3
وهو الذي يحرِّرنا ويتدرج بنا في الكمال المسيحي بالاستنارة.

4
وهو يوحِّد المؤمنين في جسد المسيح ليصيروا جسداً واحداً فيه بالروح
الواحد.

5
ويوزِّع المواهب على المؤمنين لخدمة الجسد الواحد لمجد المسيح.

6
يضطلع بحفظ الوديعة الصالحة أي التقليد المسلَّم في الكنيسة بالإيمان
وذلك من خلال سكناه في الأفراد الأمناء له.

7
لا يلغي شخصية المؤمن، لذلك ينتظر
منه إضرام الموهبة بالصلاة والأعمال الصالحة لحساب الكنيسة.

8
يظل يشهد للمسيح في الكنيسة داخل المؤمنين بالمواهب والآيات.

9
التنكُّر لشركة الروح القدس والازدراء بها تنكُّرٌ للاهوت المسيح شخصياً.

§ في عصر ما بعد الرسل بقيت تعاليم الرسل واضحة في ما يختص بشخص
الروح القدس ضمن الجوهر اللاهوتي للثالوث في تسليم قانون التعميد:

1
ففي كتابات الآباء الرسوليين كليمندس الروماني، وإغناطيوس الأنطاكي،
وبرناباس، وكتاب “الراعي” لهرماس، نجد مطابقة لتعليم الرسل في كل ما يختص بشخص
الروح القدس.

2
في القرن الثاني ابتدأ التباعد عن منبع التقليد الرسولي نوعاً ما
بسبب انشغال المدافعين عن الإيمان بالتركيز على لاهوت الابن، حتى أنهم بدأوا
ينسبون للكلمة الصفات والأعمال الشخصية للروح القدس.

3
ابتدأت تظهر انحرافات خطيرة تضع الروح القدس في المرتبة الثالثة
كخادم للمسيح، وكرباط الوحدة بين الآب والابن. كان هذا من داخل الكنيسة!!

4
أمَّا خارج الكنيسة فكانت هناك قوتان من الهراطقة تتصارعان معاً بشدة
ضد الكنيسة هما: جماعة المونتانيين، وجماعة الغنوسيين الذين قالوا عن الروح القدس
إنه قوة مؤنَّثة والدة للمسيح! ثم جماعة المونوأرخيين الذين جحدوا الثالوث القائم
على أقانيم متميِّزة، ومنها خرجت بدعة السابلية وبدعة بولس الساموساطي المنكرة
لشخصية الروح القدس كأقنوم.

§ تتمثَّل تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية في أواخر القرن الثاني حتى
منتصف الثالث في الآباء:

1
– إيرينيئوس: ولكنه أخفق أيضاً إذ تصوَّر الابن والروح القدس بأنهما يدا الآب،
إلاَّ أنه يحس بخطورة هذا الوصف فيصحِّحه.

2
ترتليان: ولكنه يخطئ في القول بانبثاق الروح القدس من الآب والابن،
وأن الروح القدس خاضع للآب والابن، إلاَّ أنه يعود فيضع ضوابط لهذا التدرُّج حتى
لا ينقسم الجوهر.

3
كبريانوس تلميذ ترتليان: وهو يؤكِّد على وحدة الأقانيم وعلى علاقة
الروح القدس بالكنيسة كجسد وكأفراد في الجسد.

4
هيبوليتس: أكَّد على لاهوت الروح القدس بوضوح، ولكنه رغم دحضه لفكرة
خضوع الروح القدس للمسيح لم يستطع أن يرقى للتساوي المطلق بين الأقانيم الثلاثة،
فأعطى الروح القدس صفة النعمة، وقصر صفة الأقنوم على الآب والابن.

5
ديونيسيوس الروماني: ولكنه أخطأ في اعتباره أن الابن والروح القدس
خاضعان للآب من جهة الأصل والمنبع، مع أنه يؤكِّد على وحدة الثالوث.

§ أمَّا كنيسة الإسكندرية في تلك الفترة فيمثِّلها:

1
– كلمندس الإسكندري: وهو يعلن بوضوح لاهوت الروح القدس، ويشدِّد على وحدانية الروح
رغم تعدُّد مواهبه. ويعتبر حضور الروح القدس في المؤمنين أنه تشكيل لطبيعة بشرية
جديدة، ويؤكِّد على دور الروح القدس في إنارة الكنيسة ككل وكأفراد، وأن المؤمن هو
العارف الحقيقي بالله الذي اتحدت نفسه بالروح القدس وتتلمذ لتعاليم الكلمة
بواسطته.

2
أوريجانوس: علَّم بأن الروح القدس مساوٍ في الكرامة والمجد للآب
والابن، وأكَّد بأن الروح القدس منبثق من الآب
انبثاقاً أزلياً. وميَّز عمل الروح القدس عن عمل الآب والابن بأنه
مختص بنفوس المؤمنين، مؤكِّداً أيضاً أن الشركة في
الروح القدس هي شركة في الثالوث غير المفترق.

إلاَّ
أنه في شرحه لإنجيل يوحنا أخطأ في وضع الروح القدس في درجة أقل من الابن، لا
بالنسبة للكرامة بل بالنسبة للأصل، لأنه قال إن الابن فقط هو من الآب أمَّا الروح
القدس فهو من الآب بواسطة الابن، وهذا هو بداية خطأ الكاثوليك في قولهم: إن الروح
القدس منبثق من الآب والابن. وتمادى في خطئه عندما اعتبر الروح القدس أقل من الابن
الذي بواسطته يستمد وجوده! ولكونه لم يلتزم
بالتقليد واعتمد على المنطق سقط في الخطأ، ومهَّد دون أن يدري لبدعة أريوس.

3
– امتد خطأ أوريجانوس لتلميذيه بييريوس وثيئوغنسطس.

§ في القرن الرابع، أعلن الأريوسيون إنكارهم للاهوت الروح القدس في
سياق كفرهم بلاهوت المسيح. ولكن ظل الأرثوذكس في أنحاء العالم متمسِّكين بمقرَّرات
مجمع نيقية تجاه الإيمان الصحيح بالابن والروح القدس:

1
– بدأ القديس أثناسيوس تفنيد آراء الأريوسيين من جهة الروح القدس بصورة واضحة سنة
360م في أول شرح مستفيض عن شخص الروح القدس وانبثاقه من الآب.

2
– ثم أصدر منشوراً مجمعياً من الإسكندرية لأنطاكية عن لاهوت الروح القدس سُمِّي:
“طومس الأنطاكيين”، قبله بولينوس الأسقف بكل فرح.

3
– وقعت روما برئاسة البابا ليبيريوس في حبائل جماعة “محاربي الروح القدس” التي كان
على رأسها مقدونيوس وماراثونيوس، الذين حرمتهم الكنيسة. إلاَّ أن البابا داماسوس
الذي جاء بعده استطاع دحض هذه البدعة في ثلاثة مجامع كان آخرها سنة 380م؛ كما
أقرَّ بأن الروح القدس منبثق من الآب فقط.

4
– في قيصرية كان الأسقف يوسابيوس المؤرِّخ والمعاصر لما قبل نيقية
حتى بعد نيقية يعلِّم بأن الروح القدس ثالث في الكرامة والمجد
والدرجة أيضاً … وأن انبثاقه مرتبط فقط بإرساليته، كحدث زمني!!

5
– في أُورشليم تمسَّك كيرلس الأورشليمي بالكتاب المقدَّس والتقليد في ما يخص الروح
القدس، وإن كان قد عجز عن شرح ما يؤمن به.

§ أمام هذا كله يرجع الفضل للقديس أثناسيوس في إرساء القواعد
الثابتة للاهوت الروح القدس ووحدانية الثالوث هكذا:

1
– هذا التعليم استلمته الكنيسة من الرسل ومن الرب نفسه.

2
وحدانية الثالوث تحتِّم المساواة في وحدانية جوهر الأقانيم.

3
الروح القدس منبثق من الآب والذي يعطيه هو الابن.

4
لا يمكن أن يتجزَّأ الثالوث؛ فكما أن الآب في الابن كذلك الروح القدس
هو في الآب والابن، وكل ما يعمله الروح القدس إنما يعمله من خلال وحدته بالآب
والابن.

5
وحدة الثالوث كاملة لأن الآب يصنع كل شيء بواسطة الابن في الروح
القدس.

6
الروح القدس هو ينبوع القداسة لكل الكائنات، لذلك فهو من جوهر
الثالوث، لأنه لا يوجد إلاَّ تقديس واحد للنفس وهو الذي يأتي من الآب بالابن في
الروح القدس.

7
علاقة الابن بالروح القدس هي علاقة الابن بروح البنوَّة، والقدوس
بروح القداسة، والحياة بالروح المحيي، والمسيح بالمسحة، والحق بروح الحق، ورب
المجد والقوة بروح المجد والقوة، فالروح القدس إذن هو روح المسيح الخاص.

8
بالروح القدس المسحة والختم نصير شركاء
المسيح، وبالتالي شركاء الطبيعة الإلهية.

9
بالروح القدس يتم انضمامنا
للكنيسة (بالمعمودية والتثبيت) وتكميل معرفتنا بالله واتحادنا به.

10
الروح القدس هو الذي يقيم الأساقفة ليرعوا رعية الله.

11
الروح القدس حلَّ على المسيح وقت العماد، لكي بنواله
المسحة كإنسان نكون نحن الذين في جسد بشريته قد مُسحنا فيه، حتى يتم
ما قاله المسيح: «لأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدَّسين في الحق» (يو
19: 17). فالابن لم يتقدَّس من آخر بل هو الذي قدَّس ذاته حتى نتقدَّس فيه.

12
خطية التجديف على الروح القدس التي لا تُغفر لا تعني إطلاقاً امتياز
أقنوم عن آخر في الثالوث، فالتجديف على الروح القدس هو تجديف على الآب والابن
أيضاً.

13
العنصر الجوهري في عدم غفران خطية التجديف على الروح القدس هو بسبب
نسبة أعمال اللاهوت التي كان يعملها المسيح إلى أنها أعمال الشيطان! أي التجديف
على لاهوت المسيح هو تجديف على الروح القدس.

النعمة عند القديس أثناسيوس هي:

1
نعمة الوجود من العدم.

2
النعمة الحافظة للمخلوقات من الانحدار نحو العدم الذي تميل إليه.

3
نعمة إضافية للإنسان بخلقته على صورة الله ومثاله، أي الاشتراك في
“كلمته” الذي هو صورة الآب ورسم جوهره.

4
نعمة الوصية التي أمر الله بها آدم في الفردوس لتدعيم النعم السابقة.

5
الغرض من تجسُّد الكلمة هو إعادة النعمة المفقودة بمخالفة الوصية،
وإنما بصورة أعظم وأبقى وأضمن.

6
فالمسيح تقبَّل نعمة الروح القدس لنا، وإذ سكنت في جسده المأخوذ منا
بأمان صارت محفوظة وثابتة لحسابنا غير قابلة للفقدان.

7
بقبولنا للمسيح بالإيمان به وبالمعمودية والتناول من جسده ودمه، نقبل
الروح القدس، فيكون لنا روح الكلمة الذي هو في الآب، فنصير بسبب الروح واحداً في
الكلمة ثم في الآب بواسطة الكلمة.

8
إذا سقط الإنسان من الروح بسبب أي شر وندم وتاب عن سقطته فإن النعمة
تظل فيه، أمَّا إذا لم يتب يفارقه روح الله. أي أن التوبة تعيد النعمة وتعيد عطية الروح
والبنوَّة والميراث.



([142]) هنا في الحقيقة ينقل لنا
أثناسيوس بحسب التقليد الرسولي مبدءًا آبائياً ضخماً
ومدروساً، يقوم على أساس أن الرب قد تفضَّل وتنازل ليكون وساطة سببية
مباشرة لإعطاء حياة لكل فرد مسيحي.

ومبدأ أثناسيوس هنا يمكن مهاجمته
لأول وهلة، إذ يكون السؤال هو أيَّة علاقة يمكن أن تقوم بين تقديس المسيح لبشريته
وبين تقديسنا نحن؟ إذ كيف يمكن أن يُفهم أن الطبيعة البشرية تتقدَّس عندما يتقدَّس
نموذج لها أو عيِّنة ممتازة منها في المسيح؟

يرد على هذا السؤال يوحنا ذهبي الفم:

[إنه
لم يكن إرضاءً لنفسه أن يصير إنساناً ولا أن يتألَّم بضرب السياط ولا أن يقدِّم
ذاته ذبيحة،
وإنما قصده أن
يحتوينا في نفسه
¢nafعrei ™n
aظtù ¹m‹n
ليس بمجرَّد الإيمان وحسب، وإنما “بالحق وبالفعل” إذ صيَّرنا
جسده.
] (John Chrysostom, Hom. in Matt. LXXXII. 5)

وأيضاً يقول ذهبي الفم في موضع آخر:

[إننا
قد امتزجنا
¢nakerasqîmen في هذا الجسد ليس بواسطة مجرَّد المحبة، وإنما “بالحق وبالفعل” إذ صيَّرنا جسده.] (Ibid., Hom. in John.
46. 3)

وكذلك يكتب القديس كيرلس الكبير ضد
نسطور:

[وإذ قد برهنَّا أن المسيح هو الكرمة، وأننا نحن
الأغصان المتحدون به بالاشتراك فيه، ليس على مجرَّد المستوى الروحي – وحسب – وإنما
جسدياً،
فلماذا هذا – نسطور – يشوِّش علينا عبثاً قائلاً: بما أننا
نلتصق به ليس جسدياً بل بالإيمان فقط وبعاطفة المحبة بحسب الناموس، لذلك فإنه ليس
جسده الذي يدعوه الكرمة وإنما لاهوته.
] (St. Cyril, in Johann., Lib, 10, cap. 2, cited by N. & P.N.F., vol.
IV, p. 333
)

وهنا يلاحظ أن الآباء جميعاً لا
يقصدون بالاتحاد بالكرمة الامتزاج المادي بين مادة جسده وبين مادة أجسادنا، ولكن
الامتزاج والشركة هما مع قوة وتأثير وفعل الحياة الإلهية التي في جسده والموت
والضعف والخطية التي في أجسادنا، بحيث أن الحياة التي في جسده (ودمه) تسري في
أجسادنا (الميتة)، فتحييها بالسر المقدَّس وتلحمها وتثبتها في جسده.

كما يقول بولس الرسول:

+
«كذلك المسيح أيضاً، لأننا
جميعنا بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسد واحد … وجميعنا سُقينا روحاً واحداً
(عصير الكرمة).»
(1كو 12:12و13)

+
«كأس البركة التي نباركها أليست
هي شركة دم المسيح، الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح. فإننا نحن الكثيرين
خبز واحد جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد.»
(1كو 16:10و27)

+
«وأمَّا أنتم فجسد المسيح
وأعضاؤه أفراداً.»
(1كو 17:12)

وبهذين السرين المقدَّسين (المعمودية والتناول) لا يصير
مانع من الامتزاج والشركة الحقيقية والفعلية بالروح القدس في جسده، وإنما على
مستوى السر غير المنظور، حتى أننا نُحسب بالحق الآن أعضاءً من جسده = «من لحمه ومن
عظامه»
(أف
30:5)، على مستوى القيامة وعلى مستوى لبس الفاسدِ عدمَ الفساد والمائتِ عدمَ
الموت، بل ونصير بالنهاية حسب قول بولس الرسول: «صعد أيضاً فوق جميع السموات
لكي يملأ الكل، .. لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية
الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح … صادقين في
المحبة ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح الذي منه “كل الجسد مركَّباً
معاً” ومقترنا بمؤازرة كل مفصل الذي يعمل بحسب قياس كل جزءٍ، يحصِّل نمو الجسد
لبنيانه في المحبة.» (أف 10:416)

ويقول في ذلك القديس أثناسيوس:

[حيث
أيضاً حينما وُلد الجسد من مريم والدة الإله (ثيئوتوكس)، قيل وهو “الكلمة” أنه
“وُلِد” مع أنه هو الذي يمنح الآخرين أصل وجودهم؛ وهذا تمَّ لكي يحوِّل أصلنا إلى
نفسه ونصير نحن بعد ذلك
لا من
مجرَّد تراب، بل ملتحمين بالكلمة السمائي
(كالأغصان بالكرمة) لكي نُحمل إلى السماء بواسطته] .

[لذلك
فنحن لا نموت بعد بحسب أصلنا السابق في آدم، بل من الآن وصاعداً
فإن أصلنا وضعفنا الجسديين إذ قد تحوَّل إلى
“الكلمة” نقوم من الأرض، ولعنة الخطية تُرفع عنا بسبب وجوده هو فينا، ذاك الذي صار
لعنة من أجلنا. وهذا له علَّة، لأنه كما أننا جميعاً من الأرض ونموت في آدم، هكذا
وُلدنا ثانية من فوق، من الماء والروح في المسيح، وهكذا نحيا، لأن الجسد ليس هو
بعد أرضياً بل صار “كلمة” (لوغس)
logwqe…shj tءj sarkزj بسبب “كلمة” الله الذي
من أجلنا صار جسداً.
] (Athanas., C. Ar.,
III. 33
)

وهذا الكلام
بالرغم من صعوبته وخطورته اللاهوتية، إلاَّ أنه يصبح مفهوماً وسهلاً إذا عدنا إلى
مثل المسيح الذي قاله عن علاقتنا به وما صرنا بواسطته في مَثَل الكرمة والأغصان،
حينما قال إنه
هو الكرمة ونحن الأغصان، ثم ماذا تُحسب الأغصان إلاَّ كرمة؟