اللاهوت العقيدي

الفصل العاشر



الفصل العاشر

الفصل العاشر

أسئلة فى الكهنوت

105- الكهنوت والبركة: هل يمكن أن تؤخذ بركة من
إنسان؟ أليس أن الله هو مصدر البركة؟ أم نحن البشر الخطاة! فكيف يمكن لإنسان خاطئ
أن يمنح البركة لغيره؟

 

1- لا جدال أن الله الله هو مصدر كل بركة..

وهو الذي بارك آدم وحواء (تك 1: 28) وبارك نوحاً
وبنيه (تك 9: 1). ” وبارك الله اليوم السابع وقدسه ” (تك 2: 3). والله
هو الذي بارك أبانا إبرام، وقال له: “أباركك وأعظم اسمك.. وتتبارك فيك جميع
قبائل الأرض” (تك 12: 2 ن 3). وبارك الرب أيوب الصديق في آخرته (أى 42: 12).
كما أمر الله أن تتلى بركاته على جبل جرزيم أمام كل الشعب (تث 27: 12) ووردت قائمة
هذه البركات في سفر التثنية.

 

وفى العهد الجديد نرى السيد المسيح يبارك
تلاميذه (لو 24: 50). ونراه أيضاً يبارك الأطفال (مر 10: 16). ويبارك الخبز في سر
الافخارسيتا (مت 26: 26)

 

2- ولكن بركة الله لا تمنع مطلقا بركة البشر
للبشر..

وسنذكر أمثلة عديدة جداً في هذا المقال. وسنضرب
أولاً أمثلة من بركة الآباء البطاركة، أى رؤساء الاباء أمثال نوح وإبراهيم وإسحق
ويعقوب. وبركة رجال الكهنوت، وبركة الأنبياء والابرار الفقراء، وبركة الدعاء من كل
أحد، وبخاصة بركة الوالدين.

 

3- وسنرى أن البركة الممنوحة من رجال الله، هى
بركة ممنوحة من الله نفسه.

وستوضح ذلك الأمثلة التي سنذكرها إن شاء الله.

وبنفس الوضع: اللعنة التي كانت تصدر من رجال
الله، كانت تعتبر لعنة صادرة من الله نفسه. ومثال ذلك لعنة نوح لكنعان (تك 9: 25)،
التي ظلت سائدة عبر الأجيال، حتى في حديث السيد المسيح مع المرأة الكنعانية (مت 15:
22، 26).

 

2- ولكن بركة الله لا تمنع مطلقا بركة البشر
للبشر..

 

وسنذكر أمثلة عديدة جداً في هذا المقال. وسنضرب
أولا أمثلة من بركة الآباء البطاركة، أى رؤساء الآباء أمثال نوح وإبراهيم وإسحق
ويعقوب. وبركة رجال الكهنوت، وبركة الأنبياء والابرار. بل ايضاً بركة الفقراء،
وبركة الدعاء من كل أحد، وبخاصة بركة لوالدين.

 

3- وسنرى أن البركة الممنوحة من رجال الله، هى
بركة ممنوحة من الله نفسه.

 

وستوضح ذلك الأمثلة سنذكرها إن شاء الله.

 

وبنفس الوضع: اللعنة التي كانت تصدر من رجال
الله، كانت لعنة صادرة من الله نفسه. ومثال ذلك لعنة نوح لكعنان (تك 9: 25)، التي
ظلت سائدة عبر الأجيال، حتى في حديث السيد المسيح مع المرأة الكنعانية (مت 15: 22،
26).

 

106- بركة الآباء البطاركة في العهد القديم

4- لقد بارك أبونا نوح ابنيه سام وحام، ولعن
كنعان (تك 9: 26، 27). وكما قال هكذا كان.

أيجوز لنا أن نقول إن أبانا نوح قد تجاوز حدوده
حينما بارك سام وحام، وذلك لأنه بشر؟! حاشا..

 

5- وابونا إسحق بارك يعقوب، ثم أعطى بركة لعيسو.

وكلام أبينا إسحق كان كأنه صادر من فم الله نفسه،
وتم كما قال. وأتى السيد المسيح من نسل يعقوب، حسبما باركه أبوه إسحق قائلا: “الله
القدير يباركك.. ويعطيك بركة إبراهيم لك ولنسلك معك” (تك 28: 3).

 

هل أخطأ أبونا إسحق حينما قال ليعقوب: “حتى
تباركك نفسى قبل أن أموت” (تك 27: 4)؟! وحينما قال عنه أيضاً: “نعم،
ويكون مباركاً” (تك 27: 33).

 

لقد كانت بركة إسحق ليعقوب مطابقة لقول الرب
لرفقة وهى جبلى: “في بطنك أمتان. ومن أحشائك يفترق شعبان.. وكبير يستعبد
لصغير” (تك 25: 23).

 

ولهذا فيما كان القديس بولس الرسول يتحدث عن
رجال الإيمان، قال: “بالإيمان إسحق بارك يعقوب وعيسو من جهة أمور عتيدة”
(عب 11: 20).

 

6- وبالمثل ” بالإيمان يعقوب عند موته بارك
كل واحدد من ابنى يوسف ”

 

(عب 11: 21) ” وبفطنة وضع يديه” (تك
48: 14) اليمنى على راس افرايم الصغير ن واليسرى على راس منسى البكر. ولم يغير
الوضع حينما ساء ذلك في عينى يوسف أبيهما، أنا تكون اليد اليسرى على البكر.. وكما
فعل يعقوب هكذا كان إذن ” قدم افرايم على منسى” (وباركهما في ذلك
اليوم” (تك 48: 20).

 

وكما بارك يعقوب أولاده (تك 49) ويقول له: “البركة
من الله وحده “! كيف تؤخذ بركة من إنسان؟!

 

7- والاباء لم يباركوا فقط، إنما أيضاً كانوا
بركة:

وهكذا قال الله لأبينا إبراهيم، ليس فقط: “أباركك
وأعظم اسمك ” وإنما ايضاً: “تكون بركة” (تك 12: 2).

 

هكذا كان أبونا إبراهيم بركة للعالم كله. كما
كان إيليا النبى بركة في بيت أرملة صرفة صيدا (1مل 17). وكان اليشع النبى بركة في
بيت المرأة الشونمية (2مل 4). وكان يوسف الصديق بركة في بيت فوطيفار. ويقول الكتاب
هنا عبارة جميلة ودقيقة وهى:

 

” إن الرب بارك بيت المصرى بسبب يوسف”
(تك 39: 5).

 

ويكمل الوحى قوله عن بركة يوسف في بيت فوطيفار: “وكانت
بركة الرب على كل ما كان له في البيت وفى الحقل. فترك كل ما كان له في يد
يوسف”. عبارة ” تكونون بركة ” قالها الرب ايضاً لبيت يهوذا (زك 8: 13).

 

8- إن الذي يرفض البركة من رجال الله هو الخاسر

 

بل إنه لم يصل غلى مستوى عيسو الذى رفع صوته
وبكى، وقال فسحق ” باركنى أنا أيضاً يا ابى ” ” ألك بركة واحدة فقط
يا أبى. باركنى أنا أيضاً يا أبى” (تك 28: 34، 38). على الرغم من كل أخطاء
عيسو، كان يؤمن ببركة أبيه إسحق.

 

107- بركة الكهنوت

 

9- نذكر مثالاً هو بركة موسى وهارون الكاهنين
(مز 99: 6):

يقول الكتاب: “فنظر موسى جميع العمل، وغذا
هم قد صنعوه كما أمر الرب فباركهم موسى” (خر 39: 43). ونود أن نقول بالنسبة
إلى هارون وبنيه ملاحظة هامة:

 

10- كان هارون ووبنوه يباركون الشعب بأمر إلهى:

 

يقول الكتاب: “وكلم الرب موسى قائلا: كلم
هرون وبنيه قائلا ك هكذا تباركون بنى إسرائيل قائلين لهم: يباركك الرب ويحرسك. يضئ
الرب بوجهه عليك ويرحمك.. فيجعلون اسمى على بنى إسرائيل، وأنا أباركهم” (عد 6:
22 – 27).

 

11- إذن بركة الكهنة هى استمدام لبركة الله
علىالشعب:

 

يباركون الشعب قائلين له ” يباركك
الرب”. بركة الكهنة إذن هى صلوات إلى الله لجل الشعب.

 

12- وهم قنوات من خلالها يوصل الله بركته للشعب.
أو هم وكلاء الله يوصلون بركته للناس.

 

الله هو الذي القنوات بنفسه. وهو الذي أمرهم
بمباركه الشعب، ووضع على ألسنتهم البركة التي يقولونها. وأمرهم أن يوصلوا هذه
البركة قائلين للشعب: “يباركك الله”. وتكون هذه البركة من الله، من فم
الكاهن. تماماً ككلمة الحل والمغفرة، مع تنوع التفاصيل.

 

13- هل نحتج ونقول:

كيف يباركون الشعب وهم بشر؟! الله هو الذي أمرهم
بهذا.. أم هل نحتج ونقول: إذن ليسوا هم الذين يباركون وإنما الله. ليكن. ولكن الله
شاء أن تكون بركته عن طريقهم. وهو – تبارك اسمه الذى استخدام هذا التعبير: “هكذا
تبركو (الشعب.. وأنا أباركهم” (6: 22، 27).

 

ونفس المعنى نراه في مباركه ملكي صادق الكاهن
لأبينا إبراهيم:

 

يقول الكتاب عن ملكى صادق في مقابلته لإبرام: إنه
” أخرج خبزاً وخمراً، وكان كاهنا لله العلى. وباركه وقال: مبارك إبرام من
الله العلى مالك السموات والأرض” (تك 14: 18، 19).

 

ومعلمنا القديس بولس الرسول يتأمل هذا الحادث
التاريخى في عمق، ويستخرج منه عقيدة عن أفضلية الكهنوت الذي بطقس ملكى صادق على
الكهنوت الهرونى فيقول:

 

” لأن ملكى صادق هذا ملك ساليم، كاهن الله
العلى، الذي استقبل إبراهيم راجعاً من كسرة الملوك وباركه.. وبدون كل مشاجرة
الأصغلا يبارك من الأكبر” (عب7: 1، 7).

 

ملكى صادق بارك إبرام. وكيف باركه؟ نقول له: مبارك
أنت من الله إذن الله هو الذي يبارك، عن طريق الكاهن وصلاته. والكاهن قناة شرعية
لتوصيل البركة.

 

15- ورجال الكهنوت لا يباركون الأشخاص فقط،
وإنما السرائر المقدسة أيضاً وفى ذلك يقول القديس بولس الرسول:

 

“كأس البركة التي نباركها، أليست هى شركة
دم المسيح” (1كو 10: 16).

 

ذكرنا الان أمثلة من بركة رؤساء الاباء، وبركة
رجال الكهنوت، ننتقل إلى نقطة أخرى في مباركة اللبشر للبشر وهى:

 

108- بركة الأنبياء والأبرار

16- خرج شاول الملك لكى يباركه صموئيل النبى
(1صم 13: 10). ونقرأ أيضاً عن مباركة داود النبى لهدورام (1أى 18: 10). وقد ذكر
لنا الكتاب أن سليمان الملك بارك الشعب (1مل 8: 14، 2 أى 6: 3) طبعاً بصفته مسيحاً
للرب ونقرأ عن أن يا هو ” صادف يهوناداب بن ركاب يلاقيه، فباركه” (2مل
10: 15).

 

ولعل من الأمثلة الواضحة للبركة:

 

17- مباركة سمعان الشيخ للسيدة العذراء ويوسف
النجار:

وقيل عن سمعان الشيخ أنه كان باراً تقياً..
والروح القدس كان عليه (لو 2: 25). وأنه بارك العذراء ويوسف (لو 2: 33، 34).

 

18- ومن نصوص الكتاب الواضحة عن بركات البشر
للبشر:

 

” ببركة المستقيمين تعلو المدينة” (أم
11: 11). الرجل الأمين كثير البركات” (أم 28: 20).

 

109- البركة من مصادر أخرى

19- نذكر في المقدمة بركة الوالدين:

سواء قالوا البركة بألسنتهم، وأنال الابن بركة
إكرامهم. وفى ذلك يقول بولس الرسول: “إكرم أباك وأمك، التى هى اول وصية بوعد”
(أف 6: 2). ولعل المقصود هو البركة التي ذكرت في الوصايا العشر ” إكرم أباك
وأمك، لكى تطول ايامك على الرض” (خر 20: 12).

 

20- هناك بركة أخرى هى بركة خدمة الفقراء
والمساكين:

 

ولعل امثلتها قول أيوب الصديق فى حديثه عن خدمته
للمساكين: “بركة الهالك

 

حلت على” (أى 29: 13). أى أن الشخص الذي
كان يهلك، أو كان في حكم الهالك وانقذته، هذا بركته حلت على.

 

وهنا بركة، سواء كلمة دعاء من الفقير أو طالب
المعونة، تكون بركة للإنسان، أو مجرد بركة الخدمة ذاتها ولو في الخفاء..

 

21- بركة دعاء من أى أحد:

كقول الرسول: “باركوا على الذين يضطهدونكم.
باركوا ولا تلعنوا” (رو 12: 14). ولعله قد أخذ هذا من قول الرب في العظة لى
الجبل: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم ” مت 5: 44).

 

وفى هذا المعنى يقول القديس بطرس الرسول: “غير
مجازين عن شر بشر، أو عن شتيمة بشتيمة، بل بالعكس مباركين” (1بط 3: 9).

 

22- فإن كان الإنسان يمكن أن يتلقى كلمة بركة من
أى إنسان، حتى ممن قد أساء هو إليه، فكم بالأولى كلمة البركة من الكاهن الذي
استؤمن من الله على منح البركة.

 

إذن عبارة ” كيف نأخذ بركة من إنسان ”
لا تتفق مع الحق الإنجيلى. ومن ناحية أخرى، فإن مباركة الكهنة للشعب عبارة عن وصية
أمر بها الرب. وإن لم ينفذوها يكونون مقصرين ومخطئين.

 

23- و الجيب أن الذين يحتجون على منح الكاهن
للبركة، كثيراً ما يقول كل منهم لمن يخاطبه ” الرب يباركك”. وقد يقولها
في حديثه مع أحد الاباء الكهنة القسوس، وأو أحد الساقفة، ككلمة دعاء..

كيف ندعو بعض رجال الكهنوت بعبارة (سيدنا)

 

110- الكهنوت والسيادة: كيف ندعو بعض رجال
الكهنوت بعبارة (سيدنا)، بينما لا يوجد سوى سيد واحد هو الله. وقد قال السيد
المسيح: “أما أنتم فلا تدعوا سيدى، لأن معلمكم واحد هو المسيح” (مت 23: 8)؟

 

1- قال السيد المسيح هذه العبارة في مجال نقده
لكبرياء الكتبة والفريسيين، الذين ” يعرضون عصائبهم، ويعظمون أهداب ثيابهم،
ويحيون المتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، والتحيات في السواق،
وأن يدعوهم الناس سيدى سيدى” (مت 23: 5 – 7). ثم قال بعد ذلك مباشرة: “وأما
أنتم فلا تدعوا سيدى.. ”

 

قال لهم هذا، ليلغى قيادة الكتبة والفريسيين
وسيادتهم، تمهيداً لوضع نظام لقيادات كنيسة جديدة، لا علاقة لها بهؤلاء السادة
محبى الظهور..

 

2- وقال هذه العبارات لرسلة القديسين، وليس لكل
الشعب:

 

“لا تدعوا سيدى.. لا تدعوا معلمين. لا
تدعوا لكم أبا على الأرض” (مت 23: 8 – 10). فالرسل وخلفاؤهم من رؤساء الآباء،
ليس لهم على الأرض معلم أو أب أو سيد.. أما باقى الشعب فلهم..

 

وقد شرحنا هذه النقطة في الكلام عن رجال الكهنوت
كمعلمين وكآباء. ونتكلم الآن عن كلمة ” سادة “، فنقول:

 

3- إن السيادة منحها الله للإنسان منذ البدء،
لأنه صورته ومثاله (تك 1: 26).

 

فقال لآدم وحواء: “اثمروا واكثروا واملآوا
الأرض، واخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء.. ” (تك 1: 28). بل
قال الله قبل خلق الإنسان: “نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون..”
(تك 1: 26).

 

وهذه السلطة ذاتها، وهذه السيادة، كما منحها
الله لآدم وحواء، منحها أيضاً لنوح وأولاده، بعد الفلك (تك 9: 2).

 

الإنسان كصورة لله هو سيد، وكوكيل له على الأرض
هو سيد. وسيادة الإنسان لا تتعارض مع سيادة الله إطلاقاً، ولا تنافسها.

 

إنها منحة من الله، وليس منافسة له، وتمارس
باتضاع.

 

4- وأمامنا مثال هو يوسف الصديق، منحه الله
القاب السلطة والسيادة والأبوة دفعة واحدة، وسلك في ذلك باتضاع.

 

يقول يوسف الصديق إن الله ” جعلنى أبا
لفرعون، سيداً لكل بيته، ومتسلطاً على كل أرض مصر” (تك 45: 8).

 

وما أكثر الأمثلة في الكتاب المقدس، التي منح
فيها الله بعض أولاده أن يكونوا سادة بغير كبرياء..

 

5- هل تعجبون من أن الله جعل يوسف أبا لفرعون،
وسيداً لكل بيته؟! هوذا ما هو أكبر من هذه، أعنى قول الرب لموسى:

 

“أنا جعلتك إلها لفرعون” (خر 7: 1)
وقوله أيضاً لموسى عن هرون: “هو يكون لك فماً، وأنت تكون له إلها” (خر 4:
16).

 

طبعاً كلمة “إلها” هنا لا تعنى
اللاهوت الذي هو طبيعة الله وحده – تبارك اسمه – إنما تعنى السيادة، بأسلوب فيه
لون واضح من التمجيد.. فهل تتعجبون من هذا المجد الذي منحه الرب لعبده موسى، الذي
قال عنه في مجال آخر لتمجيده: “إن كان منكم نبى للرب، فبالرؤيا استعلن له في
الحلم أكلمه. أما عبدى موسى، فليس هو هكذا، بل هو أمين على كل بيتى. فماً إلى فم
وعياناً أتكلم معه.. وشبه الرب يعاين” (عد 12: 6 – 8)

 

6- نأخذ مثالاً للسيادة في البركة التي أخذها
يعقوب أبى الآباء، حيث قال له فيها:

 

” ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل. كن
سيداً لاخوتك، وليسجد لك بنو أمك” (تك 27: 29).

 

إنها سيادة، وسجود. ومع ذلك كانت بركة. ولم
تتعارض مع روح اللاتضاع ولا مع سلطان الله وسيادته الله وسيادته.

 

وطبعاً السجود هنا، هو سجود الاحترام، وليس سجود
العبادة.

 

ونلاحظ أن السيادة التي منحها الله ليعقوب على
اخوته، لم يستخدمها في كبرياء، ولا هى افقدته اتضاعه. بل انه – وهو السيد – سجد
إلى أخيه سبع مرات إلى الأرض (تك 33: 3)

 

7- السيادة إذن في الكهنوت، لا تمنع الاتضاع.
وهى نابعة من أن الأسقف هو وكيل لله (تى 1: 7). فكل احترام مقدم له، إنما هو مقدم
لمركزه هذا ووضعه أليس هو الشخص الذي بوضع يُنال الروح القدس؟

 

و السيادة هنا ما هى إلا طاقة للتنظيم في
الكنيسة، وليست مطلقا للتسلط، كما كان يحدث مع الكتبة والفريسيين.

 

111- سجود العبادة، وسجود الإكرام: هل يليق
السجود لإحدى رتب الكهنوت، كما يفعل البعض؟ أليس السجود هو لله وحده حسب تعليم
الكتاب؟

 

1- تعوَّد الناس أن يسجدوا للأسقف احتراماً،
باعتباره وكيل الله (تى 1: 7). فهم يسجدون لله في شخصه. ومثال ذلك:

 

ومثال ذلك انهم يستقبلون الأسقف بلحن إب أورو..
“يا ملك السلام، أعطنا سلامك” بينما ملك السلام هو المسيح. ولكنهم
يقولون هذا اللحن في وجود الأسقف، للترحيب به، باعتباره وكيلا للمسيح.

 

وبالمثل حينما يصلى الأسقف الإنجيل، يرتلون لحن
“أقسم الرب ولن يندم، أنك أنت هو الكاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق”
(مز 110) بينما هذا اللحن هو للسيد المسيح، وهذا المزمور نبوءة عنه. ولكن اللحن
يقال في وجود الأسقف باعتباره الوكيل الذي يمثل لرئيس الجمهورية، حتى لو كان ضابطا
صغيراً..

 

2- والسجود للأسقف هو سجود احترام، وله أمثلة في
الكتاب:

وكثير من الأساقفة يمتنعون عن قبول هذا السجود،
فيحترمهم الشعب بالأكثر بسبب تواضعهم، ويتمسكون بالسجود بالأكثر. فيضطر هؤلاء أن
يستسلموا لهذا الواقع، وفى قلوبهم يعتقدون أنهم تراب ورماد.

 

3- ولبحث الموضوع لاهوتيا وكتابيا نقول إن هناك
نوعين من السجود: سجود عباة وسجود احترام. وسجود العبادة هو الله وحده.

 

وعن سجود العبادة قال الكتاب عن الأصنام: “لا
تسجد لهن ولا تعبدهن” (تث 5: 9). وقال أيضاً: “الرب إلهك تسجد، وإياه
وحده تعبد” (مت 4: 10). وفى كلا النصين يقترن السجود بالعبادة والايات كثيرة.
ولا خلاف في أن سجود العبادة لله وحده.

 

أما سجود الاحترام، فأمثلته كثيرة في الكتاب.
وقد صدر من قديسين يعتبرون أمثلة عليا في الإيمان: سجدوا لغيرهم، وأقبلوا السجود.

 

112- قديسون يسجدون لبشر

5- أبونا إبراهيم مثلا، أبو الآباء والأنبياء: لما
اشترى من بنى حث ارضاً لمقبرة، ليدفن زوجته سارة، يقول الكتاب: “فقام إبراهيم،
وسجد لشعب الأرض لبنى حث” و”سجد إبراهيم أمام شعب الأرض” (تك 23: 7،
12)

 

فهل كان سجود أبينا إبراهيم لبنى حث ضد
الإيمان؟! فأبونا إبراهيم من أبرز الأمثلة في الإيمان بشهادة الكتاب (عب 11: 8 –
10).

 

6- وابونا يعقوب أبو الأباء “سجد إلى الأرض
سبع مرات، حتى اقترب إلى أخيه عيسو” (تك 33: 3). وكذلك سجدت زوجتاه وجاريتاه
وأولادهن لعيسو فهل خرجوا جميعاً عن الإيمان؟! حاشا.

 

7- وموسى النبى خرج لاستقبال حميه يثرون إن وسجد
وقبله (خر 18: 7).

 

8- وداود النبى سجد أمام شاول الملك لأنه مسيح
الرب (1صم 24: 8). وقال له: يا سيدى الملك. فهل أخطأ موسى النبى العظيم، وخرجا عن
الإيمان؟!

 

إن سجود آبائنا إبراهيم ويعقوب وداود وموسى،
أمام بشر، كان مجرد احترام وتوقير. ومن المحال أن نتهم إيمان هؤلاء الأنبياء
العظام الذين شهد لهم الرب بنفسه.

 

113- قديسون سجدوا لملائكة

9- وهناك قديسون سجدوا ايضاً لملائكة:

فإبراهيم أبو الاباء رأى ثلاثة رجال، فركض
لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض (تك 18: 2). وكانوا الرب وملاكين. وما
كان إبرام وقتذاك يعرف أن الرب بينهم، وإلا ما كان يقول لهم: “اغسلوا أرجلكم
واتكئوا تحت الشجرة، فآخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون” (تك 18: 4، 5).

 

10- ولما ” جاء الملاكان إلى سادوم مساء،
وكان لوط جالساً في بابا سادوم. لما رآهما لوط، قام لاستقبالهما، وسجد بوجهة إلى
الأرض” (تك 19: 1).

 

ولم يعترض الملاكان إطلاقا على سجود لوط لهما.

 

إنه سجود احترام. ولو كان سجود عبادة لمنعاه
حتما.

 

11- وبلعام لما ابصر ملاك الرب واقفاً ” خر
ساجداً على وجهه” (عد 22: 31). وحتى لو كان بلعام مخطئا، لم نسمع أن الملاك
منعه من السجود أو ربخه على ذلك، بل وبخه على أنه ضرب أتانه ” (عد 22: 32).

 

12- إن الملاك الذي سجد له يوحنا، امتنع تواضعاً.

 

ومن المحال أن تظن أن هذا الرسول العظيم الذي
كان من أعمدة الكنيسة، قد خرج عن الإيمان بسجوده للملاك! بل انه منعه الملا من
السجود له (رؤ 19: 10) عاد فسجد للملاك مرة ثانية (رؤ 22: 8)

 

114- أنبياء يتقبلون السجود

13- ورجال الله القديسون: كما سجدوا لغيرهم،
فإنهم أيضاً تقبلوا من غيرهم السجود، ولم يمتنعوا، ولم يعتبروا عبادة:

 

داود النبى العظيم: سجدت له إبيجايل (1صم 25: 23)،
وسجد له الرجل العماليقى (2صم 1: 2). وسجد له مفيبوشت بن ناثان (2صم 9: 6، 8).
وسجدت له المرأة التقوعية (2صم 14: 4). وسجد له صيبا غلام مفيبوشت (2صم 16: 4).
وسجد له شمعى بن جيرا (2صم 14: 4). وسجد له صيبا غلام مفيبوشت (2صم 16: 4). وسجد
له شمعى بن جيرا (1صم 19: 18). وسجدت له زوجته بثشبع (1مل 1: 16، 31).

 

سجد له كل هؤلاء احتراما، كمسيح للرب. وقبل داود
منهم هذا السجود، ولم يعتبره عبادة. بل سجد له ناثان النبى.

 

14- قيل عن ناثان النبى إنه: ” دخل غلى
أمام الملك (داود). ويسجد للملك على وجهة إلى الرض” (1مل 1: 23). وهنا نرى
نبيا يسجد أمام نبى آخر هو ملك ومسيح للرب.

 

فهل أخطأ هذان النبيان؟ أم أمه سجود احترام؟

 

15- وارونه اليبوسى سجد لداود ” فخرج ارونه،
وسجد للملك على وجهه إلى الأرض” (2صم 24: 20). وقيل ايضاً عن اخيمعص بن صادوق
الكاهن انه قال للملك داود: سلام، وسجد للملك على وجهه إلى الأرض ”

 

16- دانيال النبى قبل السجود من نبوخذ نصر الملك:

 

يقول الكتاب: “حينئذ خر نبوخذ نصر على وجهه،
وسجد دانيال” (دا 2: 46). ولم يمتنع دانيال عن قبول السجود.

 

17- وإيليا النبى قبل السجود من رئيس الخمسين
الثالث:

 

” فصعد رئيس الخمسين الثالث، وجاء وجثا على
ركبتيه أمام إيليا. وتضرع إليه وقال له: يا رجل الله، لتكرم نفسى وأنفس عبيدك
هؤلاء الخمسين في عينيك” (2مل 1: 13).

 

18- واليشع النبى قبل السجود من المرأة الشونمية:

 

وذلك بعد إقامته ابنها من الموت: “فأتت
وسقطت على رجليه، وسجدت إلى الأرض. ثم حملت ابنها وخرجت” (2مل 4: 37).

 

19- ومن أمثلة الاحترام، سجود الملك سليمان لأمه
بثشبع:

 

” دخلت بثشبع إلى الملك سليمان، لتكلمه عن
ادونيا. فقام الملك للقائها، وسجد لها. وجلس على كرسيه، ووضع كرسياً لأم الملك،
فجلست عن يمينه” (1مل 2: 19).

 

وسليمان الملك، وإن كان قد سجد لبثشيع لأنه امه،
فإنه من الناحية الأخرى اقتبل السجود من ادونيا، الذي رشحه البعض للملك (1مل 1: 53)

 

20- ويوسف الصديق سجود اخوته له:

 

” فأتى اخوة يوسف وسجدوا له بوجوهم إلى
الأرض” (تك 42: 6). وسجدوا له مرة أخرى (تك 43: 26)، ومرة ثالثة (تك 44: 14)
ومرة رابعة (تك 50: 18).

 

ولم يوبخهم على السجود، ولم يمتنع. كان ذلك شيئا
طبيعيا كعلامة احترام أما لو خرج عن هذا المعنى إلى العبادة، لرفضه يوسف الصديق
بلا شك.

 

115- سجود بأمر من الله

21- سجود اخوة يوسف له، كان بوحى من الله. وكان
مؤيداً برؤى إلهية حكاها يوسف لوالديه واخوته. فالأمر إذن متفق مع مشيئة الله،
وبتدبير منه.

 

قال لإخوته عن حلمه: “وإذا حزمتى قامت
وانتصبت، فاحتاطت حزمكم وسجدت لحزمتى” (تك 37: 7). وقال لأبويه: “حلمت
حلماً أيضاً. وإذا الشمس والقمر واحد عشر كوكباً ساجدة لى.. فانتهره أبوه قائلا: هل
نأتى أنا وأمك واخوتك ونسجد لك” (تك 37: 9، 10)

 

22- ومن البركة الإلهية التي نالها يعقوب ابو
ألاباء، ان يسجد له اخوته، وتسجد له شعوب وقبائل. هكذا كانت البركة:

 

“ليستعبد لك شعوب. وتسجد لك قبائل. كن
سيداً لاخوتك، وليسجد لك بنو أمك” (تك 27: 29).

 

23- ولئلا يظن البعض أن بركة سجود الغير، وأو
طاعته وخضوعه، كانت في العهد القديم فقط، نأخذ مثلاً واضحاً له في العهد الجديد،
في سفر الرؤيا. وذلك في الرسالة إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا، حيث قال الرب عن
القائلين إنهم يهود، وهم ليسوا يهودا بل يكذبون:

 

“هأنذ أصيرهم يأتون، ويسجدون أمام رجليك،
ويعرفون انى أنا أحببتك” (رؤ 3: 9).

 

ومادام هؤلاء سيسجدون لراعى كنيسة فيلادلفيا،
بأمر إلهى ومشيئة إلهية، إذن مثل هذا السجود ليس خطية.

 

116- أنواع سجود أخرى

24- وهناك سجود أمام الهياكل والمذابح والأماكن
المقدسة.

يقول داود النبى: “أمام الملائكة ارتل لك،
واسجد قدام هيكلك المقدس” (مز 137). ويقول أيضاً: “أما أنا فبكثرة رحمتك
أدخل إلى بيتك، واسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك” (مز 5: 7).

 

ونحن حينما نسجد أمام الهيكل أو المذبح، أترانا
الهيكل نعبد الهيكل أو المذبح؟! حاشا. وإنما هو احترام للمواضع المقدسة. كما قال
رئيس جند الرب ليشوع: “اخلع نعلك من رجليك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه هو
مقدس” (يش 5: 15).

 

25- هناك سجود آخر للتوبة أو للاعتذار:

 

مثل المطانيات، يسجد بها شخص لآخر اعتذراً، أو
يعبر بها عن توبته لله وهذا خارج نطاق الكهنوت.

 

26- الأسقف أو البطريرك الذي يسجد له الناس، هو
أيضاً يسجد لهم.

 

وذلك قبل بداية القداس قائلا للشعب:

أخطأت سامحونى”.

إذن ينبغى أن نفهم السجود، بالروح لا بالحرف،
لأن الحرف يقتل.

 

117- اهو سلطان للرسل فقط؟ بما نرد على القائلين
بأن السلطان أعطى للرسل فقط؟

فى الواقع ان هذا الأمر لا يستقيم إلا لو كانت
الديناة المسيحية هى العصر الرسل فقط، وليست لكل العصور.

 

و الذي يقول بهذا، إنما يهدم المسيحية دون أن
يقصد، ويوقف كل الممارسات والعقائد والتعاليم التي كانت موجودة أيام الرسل. وتكون
المسيحية قد انتهت بنياحة القديس يوحنا الإنجيلى، آخر من رقد من الإثنى عشر..

 

أما لو كانت المسيحية هى لكل العصور، فلا بد أن
يستمر ما كان يعمله الرسل. يسلمونه لخلفائهم، وهم للجيال التى بعدهم، بنفس السلطان.

 

وسنضرب عدة أمثلة في هذا الموضوع:

1- التعليم

2- الافخارستيا

3- المعمودية

4- منح الروح القدس

5- سلطان المغفرة والإرشاد والحل والربط

6- سلطان وضع اليد

7- الرسل هم الأساس

 

118- الكهنة والتعليم

السيد المسيح قال للرسل: “معلمكم واحد هو
المسيح” (مت 23). ولكن السيد المسيح المعلم، سلم التعليم للرسل، وقال لهم: “اذهبوا
وتلمذوا جميع الأمم.. وعلموهم أن يحفظوا خلفاءهم. بولس الرسول مثلا تلميذه
تيموثاوس، وتيطس، ولوقا، وتيخيكس، وآخرين. ثم قال لتيموثاوس مثلاً: “لاحظ
نفسك والتعليم، ودوام على ذلك” (1تى 4: 16) ” اعمل عمل المبشر. تمم
خدمتك” (2تى 4: 5). وكيف ذلك؟

 

” ما تسلمته منى بشهود كثيرين، أودعه أناسا
أمناء، ويكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضاً” (2تى 2: 2).

 

أى أن المسيح سلم التعليم للرسل. وبولس استلم من
الرسل ومن المسيح. بولس سلم تيموثاوس. وتيموثاوس أودع نفس التعليم لأناس أمناء.
وهؤلاء أمناء كانوا أكفاء أن يعلموا آخرين أيضاً وجيل يمضى، وجيل يجئ. والكنيسة
باقية بنفس التعليم.

 

119- الكهنة والافخارستيا

المسيح سلم الرسل هذا السر، قائلا لهم: “هذا
هو جسدى. هذا هو دمى. اصنعوا هذا لذكرى”. وسلم ذلك لبولس ايضاً. وبولس يقول: “لأننى
تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً..” (1كو 11: 23). وتسليم تقديم جسد الرب ودمه،
لازم لاستمرار السر.

 

وهذا الاستمرار هو أمر إلهى، قال فيه الرب: “اصنعوا
هذا لذكرى”. لا يمكن أن يصنعه إلا الذين ائتمنوا على هذا السر. وواضح أن الرب
سلمه لرسله القديسين، فينتقل بطبيعة الحال إلى خلفائهم، أى إلى رجال الكهنوت.

 

ومن المحال أن يكون جسد الرب ودمه لعصر الرسل
فقط.

 

وإلا تكون الإجيال كله قد حرمت من بركات هذا
السر ذكرناها في الباب السادس، ووردت في (يو 6). وكذلك من الناحية السلبية تتعرض
كل الأجيال لقول الرب: “الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان
وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” (يو 6: 53).

إذن اختصاص تقديم جسده ودمه، مستمر لاستمرار
التعليم.

ننتقل إلى نقطة أخرى، وهى:

 

120- الكهنة والمعمودية

من المحال أن تكون المعمودية قاصرة على العصر
الرسولى وحده، وذلك لعلاقتها بالخلاص ” من آمن واعتمد خلص” (مر 16: 16).

 

وأيضاً بسبب الانذار الذي ذكره الرب في حديثه
لنيقوديموس (يو 3: 5) ولعلاقتها بمغفرة الخطايا، حسب قول القديس بطرس لليهود في
يوم الخمسين: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح، لمغفرة
الخطايا..” (أع 2 ك 38). وكذلك لعلاقة المعمودية بالميلاد الثانى (يو 3: 5،
تى 3: 5).

 

فمادامت المعمودية لها علاقة بالخلاص، وبمغفرة
الخطايا، وبالميلاد الثانى، إذن لابد أن تستمر عبر الأجيال، ولا يمكن أن تكون
قاصرة على العصر الرسولى. والمعمودية لم يعهد بها الله إلا لرسلة، وبالتالى
لخفائهم لتستمر.

 

قال لهم: “تلمذوا جميع الأمم.. وعمدوهم.. وعلموهم”.
مت 28).

 

ولم يعهد بهذه المسئولية لعامة الشعب. فلكى
تستمر في خلفاء الرسل، وخلفائهم في المسئولية. ويكفى لأهمية استمرارها، قول الرسول
عن المعمودية:

 

” لأنكم جميعكم الذين اعتمدتم للمسيح، قد
لبستم المسيح” (غل 3: 27). هل يمكن حرمان الأجيال كلها من هذه البركة، حينما
يقول البعض إن وصايا المسيح للرسل كانت لعصرهم فقط؟! نضيف نقطة أخرى وهى:

 

121- الكهنة ومنح الروح القدس

هل يمكن أن جيلا من الأجيال يمكن أن يعيش بدون
الروح القدس؟! محال.. وكيف إذن كان يمنح الروح القدس؟ كان ذلك عن طريق الاباء
الرسل.

 

وليس أفراد الشعب، كما حدث بالنسبة إلى السامرة:

 

” ولما سمع الرسل.. أن السامرة قد قبلت
كلمة الله، أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا.. حينئذ وضعا الأيادى عليهم، قبلوا الروح
القدس” (أع 8: 14 – 17).

 

ولم نسمع اطلاقا أن عامة الشعب كانوا يمنحون
الروح القدس. ونفس الوضع، نراه منح الروح لأفسس (أع 19).

 

122- الكهنة وسلطان المغفرة والإرشاد، والحل
والربط

سلطان المغفرة الذي منحه السيد المسيح للآباء
الرسل (يو 20: 23) هل كان خاصا بعصر واحد يتمتع به.. يتمتع بالإرشاد الروحى،
واراحة النفوس عن طريق الاعتراف. وأما با قى العصور، فلا..!

 

إن المسيحية هى المسيحية، ديانة لكل الشعوب،
ولكل العصور..

 

و الذي اعطى الآباء الرسل، إنما اعطى لقيادة
الخدمة في أشخاصهم، لكى يتمتع به كل الناس..

 

كان لابد لتنظيم الكنيسة من سلطان الحل والربط،
ليس فقط من أجل المغفرة والعقوبة، إنما من أجل سلطة التقنين والتشريع، بما لا
يتعارض مع كتاب الله. وقام الرسل بواجبهم.

 

وفى كل جيل، تظهر أمور جديدة تحتاج إلى معرفة
رأى الذين فيها، وتحتاج إلى كلمة من الكهنوت الذي له سلطان الحل والربط (مت 18: 18)،
والذى ” من فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود”. ملا 2: 7).

 

فهل تبقى الكنيسة بلا قيادة بعد عهد الرسل؟! وهل
يبطل سلطان الحل والربط؟ وهل يبطل التقنين والتشريع؟ وهل نترك الشعب حيارى لا
يعرفون اين هو الخير، وأين هو الشر..؟ حاشا أن يحدث هذا في كنيسة الله، التي كل شئ
فيها يسير بلياقة وحسب ترتيب (1كو 14: 40).

 

إن كان الرسول قد قال لأهل كورنثوس: “أما
الأمور الباقية، فعندما أجئ أرتبها” (1كو 11: 34)، فإنه قال لتلميذه تيطس
اسقف كريت: “تركتك في كريت لكى تكمل ترتيب الأمور الناقصة، وتقيم في كل مدينة
قسوساً كما أوصيتك”. تى 1: 5).

يتضح من هنا أن سلطان الترتيب الذى كان للرسول،
قد اشترك فيه تلميذه أيضاً. وهنا جيل يسلم جيلاً.

 

123- الكهنة وسلطان وضع اليد

السيد المسيح بنفسه أقام خداماً. وتركتهم يقيمون
خداماً من بعده، يتولون مباشرة الاختصاصات التي عهد بهم إليهم. وهكذا وضعت اليد
على بولس وبرنابا (أع 13: 3). بولس وضع اليد على تلميذه تيموثاوس أسقف أفسس، قائلا
له: “أذكرك أن تضرم موهبة الله التي فيك بوضع يدى” (2تى 1: 6).
وتيموثاوس وضع اليد على آخرين. قال له بولس: ” لا تضع يدك على أحد بالعجلة،
ولا تشترك في خطايا الاخرين (1تى 5: 22)

 

وكما كلف بولس تلميذه تيموثاوس، أن يكون حريصاً
في وضع يده في إقامه القسوس، كذلك كلف تلميذه تيطس أسقف كريت، أن يقيم في كل مدينة
قسوساً (تى 1: 5).

 

وهكذا تسلسل وضع اليد من المسيح، إلى بولس، إلى
تيموثاوس وتيطس وغيرهما، إلى آخرين. وهكذا مع باقى الرسل.

 

كان لابد أن السلطان ينتقل من الرسل عبرالأجيال،
لكى تستمر الرئاسة الكنسية، ويستمر عمل الكهنوت، وتستمر الخدمة، وتستمر النعم
الإلهية التي تأتى عن هذا الطريق.

 

124- الرسل هم الأساس

جاء السيد المسيح يبنى الملكوت، ووضع أساسا هو
الرسل. ولكن لا يمكن أن يبقى الأمر عند مستوى الأساس فقط دون أن يكمل البناء، ولا
بد أن يستمر. وفى هذا يقول القديس بطرس الرسول:

 

” كونوا أنتم أيضاً مبنين، كحجارة حية،
بيتاً روحيا كهنوتيا مقدسا، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله ” (أف 2: 20).

 

إذن الرسل هم مجرد الأساس، وليسوا كل البناء ولا
يمكن ترك الأساس بدون بناء عليه.

 

من هنا انتقلت الاختصاصات من الرسل إلى خلفائهم،
ليتم البناء.

 

125- ويل لي إن كنت لا أبشر: لماذا تخصون الكهنة
بالتعليم؟ لماذا لا يقوم بالتعليم كل من له غيرة؟ ويقول ايضاً كما يقول الكتاب: “ويل
لى إن كنت لا أبشر” (1كو 9: 16).

الذى قال: “ويل لى إن كنت لا أبشر ”
هو بولس الرسول. وليس كل إنسان هو بولس الرسول.

ولماذا قال الرسول هذا الكلام؟؟ إنه يقول: “إن
كنت أبشر، فليس لى فخر، لأن الضرورة موضوعة على..” (1كو 9: 16). ونسأله: لماذا
يرى الضرورة موضوعة عليه، فويل له إن كان لا يبشر.

 

يجب الرسول: “قد استؤمنت على وكالة”
(1كو 9: 18).

 

إنه كوكيل لله، قد استؤمن منه على هذه العمل، أن
يبشر. ومن هنا كانت الضرورة موضعة عليه، من حيث مسئوليته كوكيل..

 

إذن لا تنتزع آية واحدة من فصل، دون أن نقرأ
الفصل كله، ونعرف من الذي يتكلم؟ ولماذا يقول هذا؟ وهل نحن فى نفس موقفة؟!

 

إسأل نفسك يا صاحب السؤال: هل استؤمنت على
وكالة؟

 

هل هناك ضرورة موضوعه عليك؟.. تقول: وماذا عن
الغيرة المقدسة ومحبة الناس؟

 

أقول لك: اذهب إلى الكنيسة لكى ترسلك، لكى يصبح
وضعك شرعياً 9 وهذا هو تعليم نفس الرسول إذ يقول:

 

“كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون
بلا كارز؟ وكيف يكرزون إن لم يرسلوا” (رو 10: 14، 15).

 

من هنا كانت خطورة من يكرز، دون أن ترسله
الكنيسة!

 

أولئك الذين يعلمون في الكرازة والتعليم، إذ قد
نصبوا أنفسهم لذلك ” دون أن يرسلوا”.

 

فإن حدث أن الكنيسة قد أرسلتك لكى تكرز، حينئذ
يمكنك أن تقول: “ويل لى إن كنت لا أبشر”. وإن لم ترسلك الكنيسة، استمع
لقول يعقوب الرسول:

 

وإن لم ترسلك الكنيسة، استمع لقول يعقوب الرسول:

 

” لا تكونون معلمين كثيرين يا اخوتى،
عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم، لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا” (يع 3: 1).

 

الذين يشتغلون في التعليم من خارج الكنيسة
” دون أن يرسلوا ” يمكن أن يقعوا في بدء وأخطاء، ويعثرون، ويأخذون
دينونة أعظم. هذا هو الحق الكتابى وتعليم الرسول.

 

ولم تقارن نفسك ببولس الرسول الذى أرسله المسيح
(أع 9: 15) وأرسلته الكنيسة (أع 13: 3)، وأرسل من الروح القدس (أع 13: 4)، وافرزه
الله من بطن أمه (غل 1: 15، 16).

 

وهنا أسأل: كيف يستريح ضميرك انك مرسل من الله؟

 

الذى ترسله الكنيسة يقول: الكنيسة التي أخذت
سلطانا من الله، هى قد أرسلتنى. ومن لا يسمع للكنيسة يكون كالوثنى والعشار (مت 18:
17).

 

قد يدعى شخص ويقول: الروح القدس هو أرسلنى!

 

من أدراك أن الروح القدس هو الذى أرسلك؟! وبخاصة
إن كنت تحطم عقائد الكنيسة..! إذن اسمع ماذا يقول الحق الكتابى.. بقول:

 

إن الروح القدس حينما أراد ارسال برنابا وشاول،
قال للرسل: افرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه (أع 13: 2).

 

حينئذ صاموا وصلوا ووضعوا عليهما الأيادى،
اطلقوها بسلام. فهذان إذ ارسلا من الروح القدس، انحدرا إلى سلوكية.. (أع 13: 3، 4).

هكذا كان الارسال من الروح القدس، عن طريق
الكنيسة.

فالذى يرسل هكذا، يقول: ويل لى إن كنت لا أبشر.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى