علم

الفصل السادس



الفصل السادس

الفصل
السادس

الجهاد
حتى المنفى الرابع والخامس

 

مجمع الإسكندرية صيف سنة 362م

(ملخَّص من خطاب أثناسيوس للأنطاكيين)

“المسمَّى بطومس أنطاكية”([1])

لقد
قضى أثناسيوس على كرسيه زمناً سلامياً قصيراً للغاية، ثمانية أشهر قبل أن يأتيه
الأمر الصارم بالنفي الرابع.

ولكن
أثناسيوس اشتغل هذه الفترة بأقصى جهد لاستتباب أمور الكنيسة ليس في مصر فقط بل
امتد عمله وبسرعة إلى خارج مصر، فأرسل خطاباً مجمعياً (صادراً من مجمع الإسكندرية)
هاماً للغاية إلى أسقف وشعب أنطاكية بخصوص الاضطراب الحادث هناك.

وأول
عمل قام به أثناسيوس هو إقامة مجمع في الإسكندرية لترتيب وتوضيح أمور كثيرة في
الكنيسة، وبذل مجهودات سلامية أصبحت الكنائس في أشد الحاجة إليها.

وقد
سُمِّي مجمع الإسكندرية هذا الذي حضره 21 أسقفاً “بمجمع القديسين والمعترفين”
لأن كلهم حضروا إمَّا من نفي أو تعذيب!!

ولكن
للأسف الشديد لم نعثر في جدول أسماء الأساقفة الذين حضروه على اسم سيرابيون (فهل
كان مريضاً؟).

وكان
من الحاضرين استريوس أسقف بترا (البطراء الآن) ببلاد العرب، أبوليناريوس أسقف
اللاذقية، الكاهن بولينوس الذي كان يرعى رعية يوستاثيوس الأسقف الأنطاكي في أثناء
نفيه، كذلك يوسابيوس أسقف فرشللي، ووفد يمثِّل لوسيفر أسقف كلاريس، مع أساقفة مصر
المشاهير مثل دراكونتيوس (صاحب الرسالة) أسقف هرموبوليس الصغرى (
Hermopolis)، وأدلفيوس أسقف أونوفيس، وهؤلاء الأساقفة جميعاً كانوا رسلاً
لأثناسيوس في كل مكان أثناء نفيه، وكان معهم ثلاثة أساقفة من آسيا الصغرى.

وكانت
أهم الأمور التي عُرضت على المجمع:

1 مشكلة أساقفة مجمع أريمينم الذين يريدون
العودة إلى الإيمان المستقيم:

أصبح
يوجد الآن عددٌ كبيرٌ من الأساقفة الذين يتأسَّفون من أعماق قلوبهم على ضعفهم وعلى
اللامبالاة التي سلكوا بها في مجمع أريمينم، فما هو الوضع الصحيح للتعامل معهم
كمبدأ عام يكون من السهل تطبيقه في جميع كنائس العالم؟ (فصل 3و8).

2 – مشكلة انقسامات أنطاكية:

لأنطاكية
ارتباطات عقائدية وودية مع الإسكندرية، ومع أثناسيوس بالذات، تجاه
“اليوستاثيوسيين”، والآن قد أصبح من الضروري إعطاء نصائح لبولينوس ورعيته في أنطاكية،
ثم تقرير وضع سلامي بين الفريقين المتنازعين هناك خاصة بعد تدخُّل لوسيفر لغير
صالح السلام.

ولأن
عودة ميليتس قد خلقت مشكلة، فبولينوس بسبب احترام إيوزويوس له لأنه كان ذا أخلاق
عالية
([2])،
قد أُعطي له أو رضي أن يخدم في كنيسة صغيرة في حدود
“المدينة الجديدة”، مع أن ميليتس يحتل كنيسة الرسل في المدينة العتيقة على نهر
أورونتس
Orontes.

3 اصطلاح الهيبوستاسس (الأقنوم) Hypostasis:

الآن
أصبح هناك فريقان يتنازعان على معنى كلمة “هيبوستاسس”([3])،
فعدد كبير وخاصة الذين تخرَّجوا من جماعة
“النصف أريوسية” تعوَّدوا أن يؤيِّدوا بها المعنى: “ ثلاثة هيبوستاسس” في
الله
.

ولكن
الأغلبية لا تزال متمسِّكة بالمعنى القديم الذي يؤكِّد أن في الله “هيبوستاسس
واحد”.

فالجماعة
الأخيرة صاحبة “الهيبوستاسس الواحد”([4])
تتهم السابقين بالأريوسية، والسابقون يتهمون الآخرين بالسابيلية.

فهل
من عملٍ يُعمل لكي يمنع الانقسام؟

4 ظهرت جماعة تريد التقليل من مفهوم التجسُّد
إلى اتحاد بين الكلمة وبين فرد
ذي بشرية مقدَّسة([5]):

في
حين أراد آخرون أن يختزلوا العنصر البشري في سر التجسُّد وذلك بأن يختزلوا من
بشرية المسيح “النفس العاقلة”.

والعمل
المطروح الآن أمام المجمع هو التوفيق والمصالحة، وهو عمل على غاية من المناسبة كما
يقول غريغوريوس النزينزي في خطابه لأثناسيوس ولأساقفة الغرب.

وقد
تقرَّر في المجمع:

أ
إن كل مَنْ خسروا حقوقهم في شركتهم في الكنيسة الجامعة يمكنهم
استعادتها وذلك بالاعتراف بقانون إيمان نيقية.
وبجحد كل هرطقة ظهرت في تلك الأيام (الفصل 3،8)،
وأن يعترفوا بالروح القدس أنه غير مخلوق وأنه من جوهر الآب والابن ضمن
الثالوث (فصل
3).

ب
أمَّا بخصوص الجماعات التي تسكن في المدينة القديمة في أنطاكية أتباع
ميليتس الأسقف، فهي عليها أن تتحد مع الجماعات الأخرى (تتصالح بالمعنى الأوضح)
(فصل 3) المحسوبين أنهم أتباع يوستاثيوس بقيادة بولينوس.

[ولكن
للأسف الشديد لقد تسرَّع لوسيفر وبدون تروِّي، وبالرغم من نصائح أثناسيوس ونصائح
يوسابيوس زميله في النفي، أن لا يتدخَّل في شئون أنطاكية، فقد ذهب إلى هناك
متحمِّساً للفريق الأرثوذكسي بقيادة الكاهن بولينوس وأخذه ورسمه أسقفاً فأشعل
نيران الفُرقة بينه وبين الأسقف ميليتس
وإيوزيوس (الأريوسي سابقاً)، فجاء عمل أثناسيوس وتحكيمه الحكيم بعد فوات الوقت!!
بسبب حماقة أسقف قليل الدراية بسلامة النفوس وراحتها، سريع المدِّ ليده بالرسامة
دون مشورة
الروح.]([6])

ج
أمَّا بخصوص اصطلاح الهيبوستاسس، فالإيضاحات والاستفسارات المتبادلة
(خاصة بين فئات أنطاكية المتنازعة) أقرت أن الفارق في المعنى هو نتيجة عدم فهم،
فالذين يقولون “بالهيبوستاسسات الثلاثة” كانوا يقصدون [الثلاثة “أقانيم” الموجودة
حقا]، والذين قالوا بالهيبوستاسس الواحد كانوا يستخدمون الاصطلاح الخاص بالجوهر
Essence([7]) osia، والمجمع يقترح ببساطة ضرورة استخدام لغة مجمع نيقية (الهيبوستاسس
= الجوهر)([8])
لكلا الجماعتين، فإن الابن مساوي للآب في الجوهر، وإن الروح القدس غير مفترق من
جوهر الآب والابن، والاعتراف بالثالوث الأقدس ووحدانية جوهر الله.

د
أمَّا بخصوص التجسُّد، فبعد الفحص وجدنا أنه لا يوجد تدبير خاص
لإنكار التجسُّد الحقيقي للكلمة عند أي فريق، ولا هناك أي اتجاه يقلِّل من كمال
وتمام الناسوت الذي اتخذه المسيح كما ذهب إليه الأريوسيون (فصل 7).

كذلك
تحقَّقنا من اعترافهم أن المخلِّص لم يأخذ جسداً خالياً من نفس أو حواس وعقل، لأنه
لا يمكن عندما صار الرب إنساناً من أجلنا أن جسده يكون بدون عقل،
والخلاص الذي حدث بواسطة الكلمة ذاته لم يكن
خلاصاً للجسد فقط بل خلاصاً للنفس أيضاً!!

فهو
“ابن الله” حقا، وصار “ابن الإنسان”،

وهو
ابن الله “الوحيد”، صار “بكراً” بين إخوة كثيرين.

5 بخصوص الروح القدس:

كان
مجمع نيقية قد اكتفى بالإيمان بالروح القدس بعد ذكر الآب والابن، باعتبار أن
لاهوته أمر مفروغ منه لأن العماد المقدَّس يتم باسم ثالوث واحد آب وابن وروح قدس،
ولم ينشغل مجمع نيقية بتفصيلات ذلك كما يقول
أثناسيوس، لأن الكتاب المقدَّس يشهد بوضوح عن لاهوت الروح
القدس.

كما
لم يحدث أي نزاع أو إنكار بهذا الخصوص، إلى أن قام مقدونيوس أسقف القسطنطينية كصوت
جديد من أصوات الأريوسيين وأذاع هذا الغضب الجديد. ولذلك قرَّر مجمع الإسكندرية
لاهوت الروح القدس ضمن وحدة جوهر الآب والابن موضِّحاً الثالوث لأول مرَّة بصورة
قاطعة.

ويقول
العالِم وليم برايت:

[إن
الخطاب المجمعي
Synodical Letter هذا، والمسمَّى: ب“طومس الأنطاكيين” الذي أرسله أثناسيوس
إلى أنطاكية، أي للأسقف بولينوس ورعيته، يعتبر من أنبل الوثائق التي خرجت من
المجامع طرًّا.]([9])

كذلك
يقول القديس جيروم عن هذا المجمع:

[إنه
بأسلوبه السلامي الحكيم انتشل العالم كله من فك الشيطان.]([10])

ويعود
روبرتسون مقرظاً أيضاً هذا المجمع ويقول:

[نعم
إذا كان حدث هذا حقا ولو بأي مقياس، وأنه فعلاً ألغى الذلة والحقارة التي تسبَّب
فيها المجمعان التوأمان في الشرق (سلوقيا) وفي الغرب (أريمينم) سنة 359م، فالكرامة
لهذا الإنجاز العظيم هي لأثناسيوس وحده.

لقد
أدرك أثناسيوس فعلاً أن الانتصار لا يُستحوذ عليه بالعنوة ولا بضرب الناس على
وجوههم، الذين صاروا على استعداد للمصالحة والسلام، حتى لا تفرُّ من أيدينا قضية
المسيح وتتباعد بسبب قصفنا للقصبة المرضوضة؛ وكتم الفتيلة المدخِّنة بدل إشعالها!
…]([11])

ويُلاحِظ
الإنسان من هذا الخطاب الحكيم، ومن شدة الاتزان والهدوء اللذين صيغ بهما، أن
أثناسيوس ليس هو المحارب الذي يشغف بالحرب بغية الانتصار وحسب، بل هو محارب يمهِّد
الحقل للانتصار ليزرع فيه الوفاق والسلام في حينه الحسن!!

وهذا
المجمع السلامي هو في الحقيقة أُولى ثمرات “رسالة المجامع” التي تُعتبر
الخطوة الحاسمة التي وضعت أثناسيوس على قمة القوى العاملة لوحدة الشرق المسيحي،
هذه القوى التي بعد أن وُهبت رئاسة متميِّزة في “أب الأرثوذكسية”، صارت قادرة
بنجاح أن تقاوم فلول الأريوسية التي عادت وانتعشت تحت سياسة الإمبراطور فالنس إلى
أن طرحتها نهائياً بعيداً عن الكنيسة!!

وإن
هذا المجمع بحكم العدل يعتبر تاجاً لأعمال أثناسيوس من جهة قراراته ومن جهة رسالته
إلى أنطاكية، التي لا نخطئ إذا أكَّدنا أنها صادرة منه، ومنه وحده!!

وكان
لا يستطيع أحد في الوجود غير أثناسيوس أن يسوس ويلطِّف النار المتقدة في صدور
جماعة الأساقفة المجتمعين الذين جاءوا من مرارة النفي والتعذيب، حتى يستطيعوا أن
يفرِّقوا في قراراتهم بين متطلّبات زمان الحرب ومتطلّبات زمان السلم.

 

أثناسيوس في النفي الرابع والخامس

21 فبراير سنة 362م أول فبراير
سنة 366م

[النفي 362363 الإمبراطور يوليان، 363
366 الإمبراطور فالنس]

حدث
قبل أن يعقد القديس أثناسيوس مجمعه في الإسكندرية، أن كان قد وصل إلى ولاة
الإسكندرية رسالة الإمبراطور يوليان الجاحد (رسالة 26) ينبِّههم فيها أنه أمر
برجوع الأساقفة إلى بلادهم وليس إلى كراسيهم!!
(حجَّة)، وأن أثناسيوس هذا الذي حُكم عليه عدة مرَّات كان ينبغي
له أن يستأذن في العودة، وعليه في الحال أن يغادر لا
المدينة فقط بل مصر كلها، وإلاَّ ستوقع عليه الغرامات.

ولكن
عندما سمع كبار رجال الإسكندرية هذا أرسلوا رجوات كثيرة للإمبراطور دون جدوى
وبناءً على هذا الأخذ والعطاء بين أهل الإسكندرية والإمبراطور استمر أثناسيوس
مطمئناً، وعقد مجمعه المشار إليه، وبقي مختبئاً في قبر أبيه ستة شهور.

وفي شهر أكتوبر على ما يبدو وصل
من الإمبراطور خطابٌ آخر يعنِّف فيه الوالي أكريكوس أوليمبوس، مهدِّداً بغرامة
شديدة إذا لم يغادر أثناسيوس (عدو الآلهة) لا الإسكندرية بل مصر كلها، هذا
الذي تجرَّأ
في عهدي وعمَّد سيدات شريفات، أي رجعن من الوثنية إلى الإيمان بالله (رسالة 6).

ثم
عاد وأرسل الإمبراطور رسالة أخرى (رسالة 51) إلى شعب الإسكندرية ممتدحاً الإله
أبيس (هكذا) ومعنِّفاً العبادة المسيحية وآمراً بطرد أثناسيوس في موعد أقصاه أول
ديسمبر([12])!
ناعتاً أثناسيوس “بهذا الزميل القصير الحقير”، معبِّراً بذلك عن شعوره
الممتعض نحو أثناسيوس “أنه وقف ضد قسطنطيوس كملك يحارب ملكاً!”([13])،
وأنه أصبح في مصر قوة أعظم من قوته وصاحب سلطان يفوق سلطانه!

مع
أنه في الحقيقة لم يُواتَ أحد هذه الفرصة السياسية ولم يستغلها قط كما فعل
أثناسيوس، فبالرغم من هذا الاعتراف المغري على الثورة فعلاً، إلاَّ أن أثناسيوس،
في هدوء، أحنى رأسه للعاصفة وانسحب من الإسكندرية أيضاً في الوقت المناسب (23
أكتوبر سنة 362م) قبل أن يقتحمها الوالي بجنوده كما فعلوا في الماضي، ولكنهم لم
ينتصحوا أبداً…

ووقف
أصدقاؤه يتوسَّلون إليه أن لا ينثني أمام هذا الطغيان، ولكنهم كانوا مخطئين فأثناسيوس
يرى ما وراء الغيوم، ورد عليهم “إنها سحابة وسوف تنقشع”([14]).

وركب
قاربه النيلي الخفيف واتجه مسرعاً نحو أعالي الصعيد، هذا الطير الرشيق ابن الخمسة
والستين عاماً! ولكن كان الجواسيس يتتبَّعون! فلمَّا أحس هو بذلك وكان في عمق
النيل قفل راجعاً فقابلهم في النيل وهم يسعون خلفه مُجدِّين مُجدِّفين! فلمَّا
سألوه عن أثناسيوس رد عليهم بنفسه “أسرعوا وراءه هو لا يزال أمامكم ليس بعيداً
عنكم”، وترك كلاب الصيد تجري وتجري بلا طائل، وهذا المشهد الساخر يصفه أثناسيوس
بنفسه([15])،
أمَّا هو فقفل راجعاً ونزل في مدينة قرب ممفيس تُدعى كايرو
Chaereu([16]).

وبعد
أن توقَّف الخطر ورآهم وقد عادوا مخذولين وبات سعيهم عبثاً كالمعتاد، انطلق هو
أيضاً في قاربه السحري بقيادة الرهبان الباخوميين الأشداء والأتقياء إلى أعالي
النيل مرَّة أخرى … إلى مدينة هرموبوليس ومدينة أنتينوبوليس (أنصنا).

وبينما
هو هناك حدثت هذه القصة المملوءة حقيقة كالخيال، ولكن إبداعها فطري منسجم يتوافق
تماماً مع ما نعلمه عن بعض فئات الرهبان الموهوبين.

 

كيف عاد أثناسيوس من منفاه بناءً على رؤيا

 

قصة الراهبين ثيئوذوروس وبامون بخصوص عودة أثناسيوس مع
تحقيقاتها وتفرعاتها:

[هذه
قصاصة من مخطوطة تحتوي على تقرير مثير لقصة رواها أثناسيوس لآمون أسقف باخنيمونيس
Pachnemunis (مدينة عاصمة لمقاطعة فرع النيل المسمَّى سابي نيتيك أي: فرع شبين
وهي المنوفية غالباً)([17])،
وهو من الأساقفة الذين حضروا مجمع الإسكندرية الأخير، ونحن نضعها هنا
في قصة هروب أثناسيوس أثناء منفاه الرابع لأهميتها بالنسبة لتنقلات
أثناسيوس سنة 363م.

وقد
اقتبسها العالِم “مون فاكون” عن تقرير مُرسل من الرئيس (أبا) ثيئودور إلى ثاوفيلس
أسقف الإسكندرية (385412م) بواسطة شخص اسمه “آمون”، وهذا كان
أثناء الكتابة أسقفاً (وُلِدَ سنة 335، ترهَّب ابن 17 سنة، وأثناء مطاردة أثناسيوس
بواسطة سيريانوس نزل واستقر في نتريا ثم عاد بعد زمن كثير إلى
الإسكندرية وصار كاهناً ورُسم أسقفاً حوالي 356م([18])
أو سنة 362 حيث كان عمره آنئذ 28 سنة).

والقصة
رويت كما يذكرها آمون عن أثناسيوس بعد حوالي 15 سنة من كتابتها. (وهذه واحدة من
التنبؤات الكبيرة التي يحملها التاريخ بخصوص موت يوليان الجاحد).

وهذا
الخطاب أو التذكار (الميمر) المأخوذ منه هذه القصة كان قد سجَّله الإخوة
البولاندست من مخطوطة تحمل في داخلها كل أسباب الأصالة والصحة.]

القصة:

[إني
أعتقد أن قداستكم كنت حاضراً وسمعت بنفسك البابا الطوباني أثناسيوس في حضور
إكليروس الإسكندرية وحقارتي في الكنيسة الكبرى، كيف أخذ يقص علينا خبر ثيئوذوروس
لأمونيوس المطوَّب أسقف إليأرخيا وحرمون أسقف بوباسطيس.

وأنا
الآن أكتب فقط لأذكركم بأهمية ما قيل.

فحينما
كان الأساقفة المشهورون مجتمعين عند المطوَّب أنطونيوس كيف قال لهم أثناسيوس بحضور
أنطونيوس لأن أنطونيوس كان كثيراً ما يلازم أثناسيوس: ]

حديث أثناسيوس:

[لقد
رأيت أيضاً في هذه الأيام (أيام الهروب والنفي) رجال الله الذين
تنيَّحوا أخيراً ثيئوذوروس الذي كان رئيس رهبان طبنسيا، وكذلك أب
رهبان الجهات المحيطة بأنتينوا واسمه أبا بامون، لأني بينما أنا مُطارَد بواسطة
رجال يوليان الذي كان يتوقَّع ذبحي، لأن أخباره بلغتني بواسطة أصدقاء أمناء، وإذ
قد جاء إليَّ هذان الراهبان في ذلك اليوم نفسه في أنتينوا وقد خطَّطوا أن أختبئ مع
ثيئودور، فنزلت في مركبه الذي كان كله مغطَّى من الداخل، بينما كان أبا آمون
مرافقاً لنا.

فلمَّا
صار الريح معاكساً صرت قلقاً وبدأت أصلِّي، واضطر الرهبان الذين مع ثيئودور أن
يرسوا المركب على الشاطئ ويربطوه (الريح المعاكس في النزول إلى الصعيد يجعل
الإبحار جنوباً من المستحيل لأن تيار مياه النيل يكون ذا قوة شديدة بالإضافة إلى
الريح ..).

وبينما
أبا آمون يشجِّعني أن لا أقلق قلت له: “صدِّقني كما أقول لك إن قلبي دائماً يكون
في هدوء واثق في أوقات الاضطهاد أكثر من أيام السلام، لأني أثق ثقة حسنة أني
باحتمالي الآلام من أجل المسيح وأنا متشدِّد برحمته حتى ولو ذبحت، فإني سأجد رحمة
عنده …”

وبينما
أنا أقول ذلك لاحظت ثيئودور يثبت عينه على أبا آمون وابتسم، وإذا بالآخر أيضاً
يكاد يضحك! فقلت لهما لماذا تضحكان على كلامي، هل تريدان إقناعي بالجبن؟ فقال
ثيئودور لأبا آمون: “قل له لماذا ابتسمنا”، وإذا بالآخر يقول له: “يلزم أن تقول له
أنت”.

فقال ثيئودور: “إن في هذه الساعة مات يوليان ذبحاً في
فارس”!! … (26 يونيو سنة 363م) “لأنه هكذا أعلن الله مسبقاً بخصوصه:
“الإنسان المستعلي والمحتقر والمنتفخ سوف لا ينجز شيئاً” (حبقوق 5: 2
سبعينية)، وسوف يقوم إمبراطور مسيحي مشهور ولكنه لن يعيش طويلاً ”.

فلا
تزعج نفسك بالنزول إلى الصعيد، ولكن اذهب سرًّا إلى بلاط الإمبراطور لأنك ستقابله
في الطريق، وهو سيقابلك ببشاشة ورفق، وحينئذ تعود إلى كنيستك! أمَّا هو فسيأخذه
الله سريعاً.]

وهكذا
قد تمَّ .. ثم يستطرد أثناسيوس قائلاً:

[ومن هذا أنا أعتقد أن كثيرين بالرغم من أنهم يعيشون غير
مذكورين من الناس ولكن يعيشون في رضا الله خاصة بين
الرهبان! ومن هؤلاء الرجال آمون المطوَّب والقديس
ثيئوذورس الذي من جبل
نتريا، وهذا الرجل العجوز السعيد بامون (كان وقتها لا يزال حيًّا).]([19])

انتهت
الرواية

وإليك
أيها القارئ العزيز نص أخبار رحلة البابا أثناسيوس (أثناء هروبه) إلى صعيد مصر
وتواجده في كل الأديرة هناك، واستقبال الأساقفة له على شاطئ النيل، بالتفصيل كما
وردت في كتاب تاريخ باخوميوس المطبوع صفحة 164165:

[وفي
عروض ذلك وفد الأب أثناسيوس الباباس إلى مدينتي أنتينوا وأرموبوليس اللتين كانتا
صقب (بجوار) أديرة الكنونيون لافتقاد الشعب بهما، وسمع أثناسيوس النبأ الطيِّب
الساير عن الأب تادرس وكيف وهو حار بالروح نشيطاً في الاهتمام بما عاد بمصالح إخوة
الأديرة وبخلاص أنفسهم وأنه يُكثر من تعليمهم من غير ملل ولا كلل، فسُرَّ بذلك
كثيراً وابتهجت نفسه وقال للأساقفة الذين معه: ألا ترون أب هؤلاء الإخوة الكثيرين
الملتئمين في هذه الديارة من أماكن شاسعة كيف يجاهد عنهم ويعظهم ويحرص في خلاص
أنفسهم أكثر من حرصه على خلاص نفسه. أمَّا نحن آباء الشعب فمن منا يحرص على خلاص
شعبه كحرصه هذا أو يجاهد جهاده، لقد فاز الشعب الذي هو أبوهم، الحاملون صليب
المسيح طوعاً، المهتمون بخلاص أنفسهم، الذين تعبهم يفضي إلى راحة تكون لهم إذ
يتوجون من الإله باريهم. ثم أنه شاء أن يبصر أديرة الكنونيون وترتيبها ونظامها
لأنه لم يكن أبصرها نظراً بل سمع عنها خبراً، ولمَّا فرغ من افتقاد شعب المدينتين
المذكورتين بارك عليهم وانفصل عنهم وتوجَّه إلى زيارة الديارة ولمَّا حصل فيها
وطاف جميعها وأبصر الكنائس التي فيها وبيوت الموائد والمخابز وبيوت الضيافات
والبيمارستانات (أماكن استشفاء المرضى) حتى وبيوت الماء التي للحاجة الضرورية
(دورات مياه صحية) فأعجبه حسن ترتيبهم واختبر اعتقادهم فوجدهم على الاعتقاد
المستقيم فسُرَّ بذلك جدًّا ومضى إلى الدير الكبير “بافو” حيث كان الأب
تادرس، وطافه بجملته وأبصر الهياكل التي فيه وسائر قلاليه وبيوت الصنائع، وعاين زي
الإخوة وتمسُّكهم واتضاعهم ووداعتهم وأُعجب من كل شيء وبالأخص اتفاق أخلاقهم،
وأبصر سيرتهم وترتيبهم ولم يكن ظهر في العالم بعد أُناس أرضيون كملائكة سمائيين،
فقال لتادرس قد كانت تصل إلى مسامعي أخباركم وحميد سيرتكم وجميل تصرُّفكم والآن قد
شاهدت بالبصر ما ينيف ويعلو على الخبر، بالحقيقة أقول لك لقد اخترع الأب
باخوميوس هذا الإبداع الحميد واستنَّ هذا التصرُّف السديد والمذهب الرشيد ما قد
ضاهى به أعمال الرسل الأماثل والتلاميذ الأفاضل إذ جعل النفوس مسكناً لروح الله
([20])،
وها أنت قد صرت بعده سالكاً آثاره مقتفياً نظامه لأنني عاينت كافة الآباء الإخوة
الذين هم اليوم تحت أمرك وطاعتك وهم عجيبون جدًّا في سائر أمورهم ورسومهم ونعمة
الله حالة فيهم بواسطة الكبير أبيهم وسفارتك أيها الأخ تادرس وحسن اهتمامك بهم
والكل يبصرونك مثل المسيح، فثق إذاً وتأيَّد بالله وجاهد ولا تمل، ثم أنهم عملوا
“أغابي” واستعملوا غدا وقال الباباس لتادرس: الفصح المقدَّس قرب وأشاء أن أكون عند
أصحابي وأنت فكن معافى مع رهبانك واذكرني في صلواتك ثم رام الانفصال عنه. وأمَّا
تادرس فلم يفارقه بل سار معه مشيعاً إيَّاه إلى البحر، ولمَّا أبصر أن المركب الذي
كان معه مثقَّل أعطاه مركب الدير لمسيره وراحته، ووصَّى الإخوة خدَّام المركب
قائلاً أينما شاء امضوا معه لأن له سلطة على أجسادكم أيضاً فضلاً عن السفينة.

ولمَّا
كان الوداع قال الباباس لتادرس: أنا حزين إذ لم أبصر الأب أورسسيوس لأن على ما
سمعت أنه في دير منخوسين، وإذ كان هذا الدير منفرداً عن باقي الديارة وبمعزل عن
طريقنا لا أمضي إليه بل خذ كتابي وأوصله إلى قدسه والإخوة المقيمين معه، ثم
أنه جلس وكتب ما هذا فحواه لا يحزن قدسك وقدس الجماعة
حرسكم الله
علىَّ إذ لم أجيء إلى عندكم لأبصركم وآخذ صلواتكم
التي أنا أسأل الله أن يمنحني إياها أينما كنت لأن ديركم بعيد جدًّا
وعيد
الفصح المقدَّس قد قرب، لكنني تمتَّعت برؤية الأخ تادرس خليفتك أيها الأب أورسسيوس
ومساعدك والنائب عن أبوَّتك، وبنظري إليه كأني رأيت الأب باخوميوس وسررت حقا عند
مشاهدتي بقية الإخوة أولاد البيعة الطاهرة، الله يبارك عليهم ويجزل ثوابهم، وعند
وداع الأخ تادرس إياي قال لي اذكرني في صلواتك ولجماعة الإخوة ولا تخلينا منها
فأجبته أنا بما قال الروح في المزمور إن نسيتك يا أُورشليم أنسى يميني ويلصق لساني
بحنكي إن لم أذكرك، فاذكرنا أنت والجماعة في
صلواتكم. وانكفى تادرس بعد مسير الأسقف
إلى
عند الأب أورسسيوس وأوصل كتاب الأسقف إليه وتلا جميع ما جرى له معه من الخطاب

عليه.]

dUd

(أ)
وحيث يذكر البابا أثناسيوس للأب ثاؤدوروس أنه قد قرب الفصح وأنه يود أن يكون في
الإسكندرية في هذا الميعاد.

(ب)
ثم حيث أن القديس ثاؤدوروس تنيَّح أثناء هذا الفصح بالذات سنة 363م([21]
إذن يبدو لنا أن القصتين قصة أثناسيوس ورؤيا بامون وقصة زيارة أديرة
بافو وملاقاة تادرس لابد أن يكون في ذات السنة بل وفي نفس الموسم.

ثورة أنطاكية وموت يوليانوس الجاحد

1 – يوليانوس الجاحد في أنطاكية وأُورشليم:

جمع هذا الإمبراطور المبتز كثيراً من أموال المسيحيين بحجة
إعداد حملة ضد الفرس، وإمعاناً في الابتزاز فقد أصدر قانوناً أثناء وجوده في
أنطاكية بتخفيض أسعار المعيشة لكي يستطيع أن يموِّن جيشه قبل الارتحال بأرخص
التكاليف. ولكن هذا أدى إلى كساد البلاد، لأن كثيراً من التجار تركوا تجارتهم.
لأنه
ليس
فقط أن هبوط الأسعار أثر في القدرة الشرائية للمموِّلين، بل وجود الجيش وابتلاع
البضائع والأغذية مرَّة واحدة وبكثافة
كبيرة أورد جميع الأسواق في المديرة وخارجها موارد البطالة والإفلاس!

فقام
الأنطاكيون بمظاهرات صاخبة لأنه شعب لا يحتمل الإثارة، وعملوا صورة لذقن
الإمبراطور (وكانت طويلة جدًّا بحسب الوصف) وأخذوا يصرخون بضرورة جَزِّها لعمل
حبال للمدينة لأن الحبال أخذها الجيش!

وكان
الإمبراطور قد صك نقوداً تحمل صورة ثور بقر (عجل أبيس رمز الإله الذي نادى
الإمبراطور بعبادته)، فأخذوا يصرخون أن هذه علامة شؤم أن الثيران سوف تختفي من
العالم لأن الجيش لم يُبقِ طبعاً على عجل أو ثور
بالإضافة إلى الذبائح الكثيرة التي أصبح يقدِّمها الإمبراطور على مذبح الإله أبيس!

 

العملة النقدية التي سكَّها الإمبراطور
يوليانوس الجاحد

الوجه
الأول: صورة يوليانوس (القسطنطينية 361363)

الوجه
الثاني: عجل أبيس

وأراد
الإمبراطور أن يُظهر أمام الشعب أن ذبائح الثيران للآلهة ليست أمراً غريباً،
فاليهود كانوا يقدِّمون الثيران إلى الله الذي هو إله المسيحيين أيضاً، وهكذا
استدعى اليهود وطلب منهم ضرورة بناء هيكل سليمان وإصلاح المذبح القديم لتقديم
الذبائح، وحالما سمع اليهود ذلك أسرعوا بكل غيرة وحماس وقوة لتنفيذ أمر الإمبراطور
الذي هو منتهى شهوتهم، خاصة وأن الإمبراطور أمر بأن جميع مصاريف إعادة بناء الهيكل
تكون على حساب الخزانة العامة للدولة. وهكذا استطاع اليهود بمعونة الدولة في تجهيز
كل أدوات البناء.

ولكن
ما أن بدأوا البناء إلاَّ وقد حدثت زلزلة هدمت ما كان قد بقي من أسوار عالية سواء
للمدينة أو الهيكل، فارتعب اليهود حول الركام المتهدِّم وإذا بنار تخرج وتحرق كل
الأدوات والأخشاب التي أُعدَّت للبناء وظلَّت النيران مشتعلة يوماً كاملاً([22]).

وقد
عزا اليهود ذلك إلى وجود مقابر للمسيحيين بجوار الهيكل ملاصقة لجدرانه، فأشاروا
على مندوبي الإمبراطور بإزالة المقابر وحرق الجثث، ولعلم المسيحيين بأهمية هذا
التراث أعطوا نقوداً لرجال الإمبراطور وحملوا أجساد القديسين ومنها أليشع النبي
ويوحنا المعمدان وكانا في قبر واحد وحملوها إلى الإسكندرية وقدَّموها لأثناسيوس([23])،
وليس صحيحاً بالمرَّة ما يدَّعيه البعض أن الأجساد لحقتها آثار النيران.

2 – موت يوليانوس الجاحد بسهم في جنبه في 26 يونية سنة 363م:

وقبل
الربيع أتم يوليانوس الحملة واتجه نحو الفرس واجتاح جزءاً كبيراً منها أمامه
هادماً القلاع والحصون واستولى على مدن كثيرة، ولمَّا طلب ملك الفرس الهدنة
والتسليم رفض لأن حكماءه أوحوا إليه أن روح الإسكندر الأكبر حلَّت عليه، مما دعاه
للكبرياء والصلف، فتقدَّم هو بجيشه راكباً على حصانه بدون دروع، وإذا بسهم يصيبه
في ذراعه وينغرس في جنبه، فأخذ ينزف حتى مات!! ولكن من سخرية النفس الجاحدة
وشعورها بالانغلاب، لا بيدٍ ولا برمح، بل بقوة الرب الذي طالما شتمه وعيَّره، أخذ
يوليانوس قبل أن يموت مباشرة حفنة من دمه وقذفها ناحية السماء قائلاً: “قد غلبتَ
أيها الجليلي.”([24])

تعيين الإمبراطور جوفيان

[إمبراطوراً لمدة ثمانية أشهر فقط]

اجتمع
ضبَّاط الجيش وهم في ارتباك عظيم بسبب المعركة الدائرة وأسرعوا في انتخاب
“جوفيان”، وكان برتبة جنرال، ونادوا به إمبراطوراً لروما. وهو رجل نبيل موطناً
وميلاداً.

وإزاء
هذه الحالة الخطرة التي كان يواجهها جيش روما، اضطرَّ جوفيان لعقد معاهدة صلح
مدتها 30 سنة فَقَدَت فيها الإمبراطورية الرومانية كل حدودها شرق نهر
دجلة مع مدينة نصيبين، وانسحب من بلاد فارس دون فقدان مُذلٍّ للشرف العسكري([25]).

الأمر بعودة الأساقفة المنفيين وخطاب خاص لأثناسيوس:

كان
معروفاً عن جوفيان منذ البدء أنه أمين لعقيدة نيقية، موقِّر للإيمان بالمسيح في ضوء
مفهوم “الهوموؤسيون”، فبمجرَّد عودته إلى أنطاكية أصدر أمراً بعودة الأساقفة
المنفيين في أيام يوليانس أو قسطنطيوس، وأمر بإلغاء مراسيم الدولة للعبادة
الوثنية، كما أرسل خطاباً خاصاً ودياً وتشجيعياً للقديس أثناسيوس يدعوه فيه للعودة
إلى كرسيه وتدبير شئون الكنيسة([26]).

أثناسيوس يعود إلى الإسكندرية فوراً([27]):

دخل
أثناسيوس إلى الإسكندرية ليلاً وبقي فيها سرًّا، ووصله على وجه السرعة خطاب من
الإمبراطور الجديد جوفيان يطلب منه أن يباشر خدمته ويكتب قانون الإيمان في صورة
كاملة ليكون هو “الإيمان العام” أو الإيمان الجامع “الكاثوليكي”.

فعقد أثناسيوس مجمعه في الإسكندرية في الحال وحرَّر خطاباً
مجمعياً أي “سينوديقيا” فيه كل الإيمان النيقاوي بالتفصيل، مؤيَّداً من الأسفار
المقدَّسة، وهو لا يزال حتى اليوم يُتلى في كثير من كنائس العالم عامة ومنها
بريطانيا بوجه خاص،
وأخذه معه وسافر.

أثناسيوس يسافر إلى أنطاكية:

وأخذ
أثناسيوس طريقه عبر هيرابوليس إلى إدسا ليقابل جوفيان الإمبراطور الجديد حاملاً
معه خطابه المجمعي (6 سبتمبر سنة 363م الجدول الفصحي)، وقابله الإمبراطور هناك
بترحاب كثير وعاد معه إلى أنطاكية التي غادرها الإمبراطور في 21 ديسمبر سنة 363م،
وواصل أثناسيوس السفر إلى الإسكندرية بعد ذلك، فوصلها في 14 فبراير سنة 364م (حسب
الجدول الفصحي)، حاملاً معه خطابات الإمبراطور ليضع يده على كل الكنائس.

وهكذا
نجد أن نفيه الرابع استغرق 15 شهراً واثنين وعشرين يوماً([28]).

أعمال أثناسيوس في أنطاكية:

من
مجريات الحوادث يتبيَّن لنا أنه مكث في أنطاكية ما يقرب من أربعة شهور ونصف
كل الشتاء ويبدو أن زيارته لأنطاكية كانت هامة، ونجد في سرد هذا
الخبر من الجدول الفصحي والتاريخ غير المعنون (
Hist. Aceph.) ومن وصية بامون الراهب، أن أثناسيوس كان في سباق مع الزمن (أسرع
وقابل الإمبراطور الجديد)، لذلك نجده يعبر على الإسكندرية، ولا يمكث بها بل يضطر
أن يدخلها متخفياً تحاشياً للتعويق، كما اتخذ الاحتياط الكافي بأخذه عدداً من
الأساقفة المعيَّنين وآخرين يمثلون الأغلبية القائمة في كنيسة مصر
أمَّا سر هذا كله فلأن الأريوسيين لمَّا سمعوا بخبر الإمبراطور الجديد، أسرعوا هم
الآخرون لإرسال وفد كبير يمثِّلهم (من مصر) للشكوى أيضاً ضد أثناسيوس، ويطلبون
لأنفسهم أسقفاً (على الإسكندرية)، وقد رافقهم الأسقف النصير لهم لوقيوس، فكانت
رحلة أثناسيوس النشطة مباراة ناجحة جاءت في سرعتها في وقتها الحسن. فقد حاز
أثناسيوس احتراماً وترحاباً فوق العادة، كما يقول سوزومين([29])،
وعلى خطاب موجز من جوفيان يأمره فيه بالعودة إلى كرسيه ليباشر جميع اختصاصاته، كما
سلَّم أثناسيوس بدوره إلى الإمبراطور الرسالة السينوديقية التي يشرح فيها موقفه
الثابت من قرارات مجمع نيقية، كما رتبها في المجمع في الإسكندرية، وخاصة في ما
يتعلَّق بلاهوت الروح القدس([30]).

لماذا تأخر أثناسيوس في أنطاكية:

لمَّا تأكَّد أثناسيوس أن الأريوسيين يحاولون تغيير وجهة
الإمبراطور جوفيان الجديد، ارتضى أن
يمكث
أكثر في أنطاكية لتكميل مصالحة يرجوها، وبالأكثر لمراقبة الأريوسيين وإفساد
مساعيهم عن كثب.

لقد
حاول الأريوسيون باستماتة الضغط على الإمبراطور جوفيان، ولكن على حد تعبير
“جواتكن” استخدم معهم الإمبراطور الخشونة العسكرية، كما كان بادِيَ الإزدراء من
جهتهم!

الأريوسيون يلحُّون:

يا
سيادة الإمبراطور “أي إنسان آخر غير أثناسيوس”!!

الإمبراطور جوفيان:

“لقد
قلت لكم إن موضوع أثناسيوس قد انتهيت منه نهائياً”!

إلحاح
الأريوسيين …

الإمبراطور جوفيان للعساكر الواقفين:

“استخدموا
العصي”!

وقد
هزأ الأنطاكيون من لوقيوس في مرأى من الإمبراطور([31])!

ولقد
انتهز أثناسيوس فرصة وجوده في أنطاكية وحاول ما أمكن لعمل مصالحة بين الفريقين
المتنازعين، كما ذكرنا عنهما سابقاً، كما عمل كثيراً في تنظيم شئون الكنيسة([32]).
وهنا لا يفوتنا أن ننبِّه أن أثناسيوس كان له تأثير ليتورجي على كنيسة أنطاكية كما
حدث في روما أيضاً، لأنه ظل يصلِّي بالقداس القبطي (باللغة اليونانية) مدة أربعة
شهور في أنطاكية مع أساقفته.

موت الإمبراطور جوفيان المفاجئ:

لم
يمكث هذا الإمبراطور الطيب القلب الذي أحبه جميع ضباطه وكل الهيئات المدنية
والسياسية بالإضافة إلى الكنيسة التي توسَّمت فيه حكماً سلامياً يهيئ الفرصة
لتضميد الجراح.

ولكن
للأسف بعد سفر جوفيان من أنطاكية في 21 ديسمبر 363م وصل إلى طرسوس، وهناك أدَّى
مراسيم التجنيز اللازمة نحو يوليان سلفه بحسب الأصول الرومانية لأباطرتها
المتوفين، ومن طرسوس صوَّب ناحية آسيا الصغرى، واستراح في مدينة داداستانا على
الحدود بين غلاطية وبيثينية، وهناك تقدم ولاقاه فيلسوف الإمبراطور مع السناتو أي
الشيوخ المرابطين في القسطنطينية، وقرأوا أمامه خطبة التنصيب، والتي أُعيد قراءتها
في القسطنطينية بعد ذلك. ولكن قبل أن يصل الإمبراطور إلى القسطنطينية، وهو لا يزال
في داداستان، داهمه مرض مفاجئ يُقال إنه انسداد في الأوردة مباشرة، ويُقال إنه نام
في غرفة حديثة البياض بالجير وأن مواقد الفحم كانت كثيرة فتشبَّعت الجدران بأول
أكسيد الكربون، ومات في يوم 17 فبراير 364م([33]).

تنصيب فالانتينيان Valentinian إمبراطوراً على الغرب

وتعيين أخيه فالنس على الشرق

بعد
موت جوفيان غادرت الحامية التي ترافقه إقليم غلاطية ووصلت إلى مدينة نيقية العتيقة
في بيثينية حالاً، واستغرقت مسيرتها سبعة أيام مشياً على الأقدام، وهناك أعلن
الضباط بصوت واحد فالانتينيان إمبراطوراً في 25 فبراير سنة 364م.

وكان
مولده في بانونيا (ما بين يوغوسلافيا والنمسا) من مدينة سيباليس، وهو ضابط ماهر
وكان راجح العقل جدًّا يبدو عظيماً بل أعظم من أي تكريم كان يقدَّم إليه، وكان
وفياً بالإيمان الأرثوذكسي موقِّراً لمقررات مجمع نيقية، وبمجرَّد تنصيبه تقدَّم
إلى القسطنطينية مع فرقته.

وبعد
ثلاثين يوماً من تنصيبه إمبراطوراً عيَّن أخاه فالنس زميلاً في الحكم وكان
أريوسياً، وذلك لأنه كان قد تعمَّد على يدي إفدوكسيوس أسقف القسطنطينية الأريوسي،
وكان كلٌّ منهما الإمبراطور وأخوه يناصر فريقه بشيء من
الحماس الزائد.

وانطلق
فالنتينيان نحو الغرب، واستقر فالنس في القسطنطينية يدير شئون الإمبراطورية في
الشرق.

بدء الاضطهاد على أيام فالنس:

بمجرَّد
توليه الحكم في الشرق أصدر فالنس أمره إلى المقدونيين أتباع الهرطقة الأريوسية
ليقيموا مجمعاً ويصحِّحوا فيه العقيدة، ظاناً بذلك أنه يستطيع أن يوحِّد صفوف
الأريوسيين مع أكاكيوس وإفدوكسيوس.

وفي
نفس الوقت أسرع إلى أنطاكية ليطمئن على حدود البلاد إزاء معاهدة الصلح مع الفرس،
وهناك بدأ يضطهد أصحاب عقيدة نيقية، فنفى ميليتس وكل أتباعه، وكل مَنْ رفض الشركة
مع إيوزويوس وأخرجهم من كنائسهم وعاقبهم وسلبهم أموالهم، وأمر بإغراق بعض منهم في
نهر الأورونتس([34]).

 

اضطهاد فالنس لأثناسيوس والنفي الخامس والأخير

5 مايو سنة 365م 1 فبراير سنة 366م

[أقل وأهدأ فترة نفي في تاريخ أثناسيوس]

 

لم
يكد يجلس أثناسيوس على كرسيه ليلتقط أنفاسه ويتراءى وسط شعبه الذي أحبه، من 14
فبراير سنة 364 إلى 5 مايو سنة 365م، حتى وصل الإسكندرية منشور من الإمبراطور
الجديد فالنس الأريوسي يأمر جميع الأساقفة الذين أصابهم النفي في حكم يوليان بأن
يعودوا إلى منفاهم مع التهديد بالغرامة الثقيلة.

ولم
يرحموا هذا الأسقف الذي وإن لم تكن قد أضنته الاضطهادات فقد أضنته السنون،
فأثناسيوس الآن عمره 67 سنة! لعن الله الأريوسية واليوم الذي اشتغل
فيه الأباطرة بالدين!!

هبَّ
الشعب غاضباً ومهدِّداً، وأمام كثافة التجمُّع والتهديد وعدهم الحاكم برفع مظلمة
سريعة للإمبراطور([35])
في يوم 8 مايو سنة 365م.

ولكن
في اليوم الخامس من أكتوبر وصل الأمر الإمبراطوري سرًّا، وكالعادة الدنيئة لسلوك الحكومات
العاجزة هجمت فرقة كاملة من الحرس على كنيسة القديس ديونيسيوس ليلاً بحثاً عن
الأسقف “إيَّاه”، ولكن أثناسيوس بحسه المرهف وروحه الشفافة وخبرة الدهر في تنسُّم
رائحة الصيَّادين من بُعد، كان قد غادر الإسكندرية في الميعاد المناسب بل في تلك
الليلة عينها! والتجأ إلى بيت ريفي له على “النهر الجديد”([36])،
في حين أن سقراط يقول إنه اختبأ أربعة أشهر في مقبرة أبيه([37])،
ويقول إن هذا “النهر الجديد” يفصل الإسكندرية عن ضواحيها في الغرب (ربما موقع ترعة
المحمودية الآن).

ولكن
الشعب لم يحتمل هذا العسف المريع، فقامت في الخريف ثورة في كل الشرق، ولكن كانت
ثورة الإسكندرية عارمة لا تُضبط، ولم تستطع قوات الإمبراطورية التصدِّي لها، وبلغت
المدينة حالة الخطر، وفي أول فبراير سنة 366م وقف براسيداس مسجِّل الإمبراطورية
على المنصة وأعلن للشعب أمر الإمبراطور بعودة أثناسيوس!! وذهب براسيداس بنفسه مع
قوة من رجال الإدارة إلى ضاحية الإسكندرية وأحضروا أثناسيوس بكل كرامة حتى كنيسة
ديونيسيوس([38]).

وكان
في ذلك اليوم فرح عظيم لدى كل الشعب أول فبراير / 7 أمشير سنة 366م.

سنين أثناسيوس السلامية الأخيرة

أول فبراير سنة 366م 2 مايو سنة 373م

دخل
أثناسيوس في السبعينات من عمره، ولم يكدر صفو هذه السبع سنوات الأخيرة منها إلاَّ
حادثان صغيران:

الأول: سنة 367م، قام لوقيوس
الأسقف الدخيل الأريوسي الذي رسموه في أنطاكية ليكون على الإسكندرية
بمحاولة مستميتة ليدخل الإسكندرية، وليستولي على إحدى الكنائس فيها ليروِّج للأريوسيين.

وصل
هذا اللص بالليل في العتمة يوم 24 سبتمبر، ولكن ما كاد يصبح الصباح حتى اشتمَّ شعب
الإسكندرية صاحب المزاج الانفعالي الحار رائحة هذا الذئب من خلف الجدران، وفي
الحال رتَّب الإسكندرانيون ومن تلقاء أنفسهم
ثورة انتقامية على غرار ما عملوه مع جورج منذ قليل من
السنين!

وعلى
آخر لحظة استطاعت القوة الحربية بكاملها أن تطوِّق مكانه وتنتشله بالقوة من وسط
هذا المشهد الخطير، وفي يوم 26 سبتمبر كان قد وُضع في مركب لترحل به بعيداً عن
البلاد([39]).

أمَّا الثاني: فقد حدث في السنة
السالفة لخروج لوقيوس من الإسكندرية مطروداً أن قام الوثنيون بإحراق كنيسة
السيزاريوم (القيصرية)، ولكن صدرت الأوامر الإمبراطورية في الحال بمعاقبة المعتدين
وإعادة بناء الكنيسة على حساب الدولة والتي تمَّ بناؤها في مايو سنة 368م([40]).

وفي
22 سبتمبر سنة 368 أيضاً ابتدأ أثناسيوس ببناء كنيسة في حي
Mendidium”. وقد يكون بمناسبة بلوغه 40 عاماً على كرسي الأسقفية([41])، والتي
تمَّ تدشينها في 7 أغسطس 370م، وتسميت بعد ذلك باسم أثناسيوس.

مجمع الإسكندرية سنة 369م:

ويبدو
فيه أثناسيوس حارس مجمع نيقية العجوز ابن الواحد والسبعين عاماً، لا يزال ديدباناً
لا ينام ولا يغمض له جفن، طالما بقي في الإسكندرية إصبع واحد للشيطان باسم
الأريوسيين.

فحينما
نما إلى علمه اعتلاء داماسوس سنة 366م لأسقفية روما خلفاً لليبريوس، وتأكَّد بعد
مضي ثلاثة أعوام أنه متباطئ في تأمين كاثوليكية الكنيسة في إيطاليا ذاتها،
متخاذلاً أمام أوكسنتيوس([42])
أحد زعماء مجمع أريمينم الكفري، مبقياً عليه متربِّعاً على أهم كنيسة في إيطاليا “ميلان”!!
وينفث في وسط الإكليروس والشعب سموم الأريوسية مجدَّداً؛ لم يطِقْ أثناسيوس ذلك
أبداً، وهو مدرك تماماً كما أدرك المؤرِّخ تيمون (400: 8)، أن داماسوس لا حول له
ولا سلطان، فمَنْ ذا الذي يقدر على خلع هذا النمر الكبادوكي من كرسيه، ولكن هذا
المنطق الانهزامي لا يفهمه أثناسيوس ولا يجيزه، ولا يخضع لقهره قط، فالإيمان
الأرثوذكسي لا يعرف الخوف ولا القهر ولا الأمر الواقع.

لذلك
فقد جمع تسعين أسقفاً من مصر وليبيا (فصل 10)، وأرسلوا احتجاجاً وتحذيراً وشرحاً
مفصلاً لجميع أساقفة مصر وأفريقيا (يقصد جميع الأجزاء الشمالية التابعة لإقليم
قرطاجنة)
([43])،
كما أرسلوا رسالة تشجيعية لداماسوس كي يتحرَّك فلم يتحرَّك .. وبقي هذا الأريوسي
على كرسيه إلى أن مات سنة 374م.

هذا
كان الغرض الأول من مجمع الإسكندرية سنة 369م، ولكن انتهزه أثناسيوس كعادته لكي
ينشر الوعي النيقاوي بالإيمان المسيحي الأرثوذكسي في كل أنحاء الغرب سواء شمالاً
في إيطاليا وأسبانيا أو في الجنوب على شوطئ إفريقيا الشمالية، لأن أخشى ما كان
يخشاه أثناسيوس أن يبقى مجمع أريمينم ومقرراته عالقاً في أذهان الإكليروس، لأنه
كان آخر مجمع كفري نشره الإمبراطور قسطنطيوس بالسلاح والقهر الأدبي
أو التصفية الجسدية كما يقولون الآن!!

لذلك
نجده في الفصول من (13) يقارن بين قوانين مجمع نيقية مع قوانين مجمع
أريمينم، كمعلِّم لا يمل من الشرح والتوضيح.

ثم
يعود كمن يتباهى بعظمة نيقية ومجمعها الإلهي يستطنب في مفهوماته الإلهية ويحقِّقها
على أصولها من الأسفار المقدَّسة، كمعلِّم حاذق يعرف كيف يرد الفروع إلى الأصول
وكيف يتعمَّق حتى الجذور (فصل 8: 4).

ثم
ينعكف مرَّة أخرى (فصل 5،6) على براهين ومماحكات الأريوسيين ويخليها من معانيها
ويجرِّدها ويعرِّيها من الإلهام ومن أي سند لاهوتي. ثم يعود في الفصل (6،9) يدافع
بقوة ونعمة أن مجمع نيقية لم يخترع شيئاً لا اصطلاحات ولا مفهومات كما يدَّعي
يوسابيوس، بل أنه تحصيلُ واقعٍ إنجيلي مسلَّم من الرسل والآباء.

ثم
يعود في فصل (7) يحاصر جماعة الهومويان أصحاب عقيدة التشابه
مجرَّد التشابه بين الآب والابن، ويصفها بفكرة “التذبذب”، وكأن اللاهوت فيه
حلُّ وسط بين التساوي وعدم التساوي في الجوهر!!

وأكثر
المواضيع حداثة والتي لم يطرقها أثناسيوس سابقاً بهذا العمق هو موضوع الأوسيا
oظs…a والهيبوستاسس طpزstasij، الذي جاء في مجمع الأريوسيين
في بلدة
Nike أو نيس بإقليم تراقيا وهذا في الفصل
(4) حيث عاد إلى الأسفار المقدَّسة مبتدئاً من الخروج 14: 3 (كما سبق وأشار في
كتاباته السابقة “على القوانين”: 22 و“على المجامع”: 29). ثم عاد وطبق على المفهوم
المقابل لهما في الاصطلاحين، والحقيقة أنه كان أشد قرباً من المفهوم الغربي لمفهوم
الاصطلاحين مما تعودنا أن نسمعه في التفسير الشرقي.

ومن
تباشير الفرح ما ذكر في نهاية هذا المجمع أن كل مصر صار يجمعها مرَّة أخرى الإيمان
الواحد، وقد أشار إلى ذلك في فصل (10) أن جميع الأساقفة صاروا فكراً واحداً وروحاً
واحداً، إلى الدرجة التي يمكن أن يوقع فيها أي أسقف عوض أسقف آخر اطمئناناً إلى
مدى الثقة التي صارت لدى الجميع في الروح الواحدة التي جمعت شمل الأساقفة في مصر
وليبيا([44]).

بقية أعمال أثناسيوس الأخيرة:

أمَّا
بقية أعمال أثناسيوس فلم يستطع المؤرِّخون أن يجدوا لها مصدراً واضحاً حتى الآن،
فكان اعتمادهم على الخطابات الهامة الستة (5964).

ومن
الأخبار القليلة الواردة عرضاً في كتاباته الأخيرة، مثل الخطابات إلى سينيسيوس
الليبي (خطاب 77)، التي تكشف لنا عن مدى وداعة وحكمة أثناسيوس في ربحه للنفوس
الضعيفة، ومدى قدرته على سرعة مداواة المواقف التي يمكن أن ينجم عنها نزاعات خطيرة
دون المساس بالإيمان.

قصة سيداريوس:

ضابط
شاب يتبع قوة الجيش المرابط في ليبيا في مأمورية مدنية، وكان أسقف المنطقة
(أريترم) ويُدعى أوريون في شيخوخة مضمحلة، وكان سكان القريتين الكبيرتين في
الإيبارشية في حزن ولهفة بسبب عدم الرعاية وكانوا يضجُّون في طلب أسقف لهم ويطلبون
رسامة سيداريوس.

وبناء
على ذلك قام أحد الأساقفة برسامته بمفرده، وكان يُدعى فيلو، غير مراعٍ قانون
الرسامة الذي ينص على حتمية وجود اثنين آخرين
للمساعدة، بل وبدون إخطار أثناسيوس وهو رئيس الأساقفة.

ولكن
بنظرة ثاقبة أدخل أثناسيوس في اعتباره الضرورة الملحة التي أجبرت الأسقف على
الرسامة، فتغاضى أثناسيوس عن المخالفة، بل ولكفاءة سيداريوس رقَّاه إلى رتبة
متروبوليتيس بتولمايس، وأضاف القريتين المذكورتين إلى أبروشيته بعد نياحة أوريون([45]).

والعجيب
أن أثناسيوس الذي أجاز مثل هذا التعدِّي على قوانين الكنيسة، إذ لم يكن عبداً
للقوانين، هو نفسه وفي نفس البلد والمدة حكم على أحد حكَّام ليبيا بالحرم الكنسي
بسبب سوء أخلاقه، وصار هذا أمراً معلوماً في طول الدنيا وعرضها!

صداقة باسيليوس أسقف قيصرية:

رُسم
باسيليوس سنة 370م على قيصرية الكبادوك وهي مسقط رأسه، (وهي الآن باسم قيصرية في
وسط تركيا)، ومنذ رسامته لم يكُف عن مراسلة القديس أثناسيوس، ولشدة الأسف فُقدت
جميع رسائل أثناسيوس لباسيليوس وبقيت رسائل باسيليوس فقط!

وكانت
معظم الرسائل تدور حول الانقسام القديم الحاصل في أنطاكية، وكان باسيليوس يسأل
بإلحاح أن يتدخَّل أثناسيوس، وإن كان يتعذَّر على أثناسيوس أن يؤثِّر على ميليتس
وأساقفته، فليس أقل من أن يستخدم نفوذه على بولينوس ويأمره بالتراجع. لأن ميليتس
كان يشعر بالمرارة بسبب مناصرة أثناسيوس الشديدة لبولينوس، ولكن بولينوس كان ضعيف
الاستجابة([46]).

ولكن
حصل أثناسيوس على مؤازرة ضخمة لباسيليوس وذلك بتوسُّطه عند أساقفة روما والغرب
بخصوص قضايا الشرق تجاه الأريوسيين، ولكن للأسف لم يكن أساقفة الغرب على مستوى
المسؤولية أبداً([47]).

تبادل الاحترامات:

كثيراً
ما عبَّر باسيليوس عن شعوره تجاه أثناسيوس بقوله:

[له
الاحترام الكلِّي والمديح بغير حدود!
صاحب الوعي العميق والمبادرة العملية
والرقة الإنجيلية، رأس الكنيسة، الرجل صاحب النفس الكبيرة الرسولية، الأب الروحي.]

كما
عبَّر أثناسيوس عن احترامه لباسيليوس تجاه مقاوميه الذين يحاولون التشكيك في
أرثوذكسيتة، فكان يعنِّفهم بقوله داعياً إيَّاه: [أسقف تتمنَّى كل كنيسة أن يكون
أسقفها.]([48])

نشاط حتى النفس الأخير: ضد أبوليناريوس أسقف اللاذقية:

وفي
سنة 372م كتب أثناسيوس كتابين ضد أخطاء أبوليناريوس في غاية الحذق والعمق والغنى
اللاهوتي، وهي الصفات التي ميَّزت كتبه منذ أن كتب إلى آخر ما كتب!

ولكنه
تحاشى أن يذكر اسم أبوليناريوس لأنه كان الصديق القديم!([49])،
بل وكان ممثَّلاً مع أثناسيوس في مجمع الإسكندرية سنة 362م بواسطة وفد رسمي من
قِبلِه، وختم ووقَّع على كل مقررات المجمع، ولكن للأسف زاغت روح أبوليناريوس
بعيداً عن روح الإنجيل.

ولأثناسيوس
ضد أبوليناريوس في هذين الكتابين عبارات لاهوتية جديدة وعميقة وشاملة وقاطعة كما
جاء في حديثه المطوَّل عن الأريوسية: أن المسيح: “إله حقيقي في الجسد، وجسد
حقيقي في الكلمة!!”
([50])

وظل
أثناسيوس يكتب ويشرح ويرد على رسائل ويتصرَّف كمستشار لكافة كنائس العالم، وكعون
لكل أسقف مضطهد، وكانت رسائله وتوسطاته ذات احترام بالغ لدى كافة أساقفة العالم.

وظل
بكامل صحته لم تكلّ عيناه ولا شاخ عقله قط، وببلوغه الخامسة والسبعين من عمره يكون
أثناسيوس قد قطع خمس وأربعين سنة في خدمة أسقفيته التي بحق
لا نستطيع أن نقول إنها كانت الإسكندرية أو مصر بل كانت العالم المسيحي!

لقد
تداعى أثناسيوس تحت ثقل السنين لتتلألأ عقيدة نيقية على ممر الدهور، لقد مات
أثناسيوس وبقيت “الهوموؤسيون” حيَّة إلى الأبد.

ومما
قاله العلماء عنه:

[إن
حياة أثناسيوس كانت استشهاداً متواصلاً.] تيمون

[إن
سرد تفاصيل حياة أثناسيوس هو بحد ذاته مديح تعز الألفاظ عن أن تصوِّرها.] موللر

[إن
الإنسان عندما يقرأ حياة أثناسيوس يتمنَّى لو لم يمت.] موللر

[توافق
المواهب: اتفاق مع معرفة مع تمييز.] نيومان

[عمق
الحق الذي يضيء كل كتاباته بإحساس من له علاقة بالمسيح فاديه،

الإصرار
الفائق مع أن طبيعته أصلاً شديدة الحساسية!

التعاطف
الذي جعل منه صديقاً، وصانع سلام حتى كسب الولاء الحار!

أغنى
بكتاباته كبار اللاهوتيين ورؤساء الكنيسة بقوة تفوق
عطاء البشر!

فلا
نغالي إذا قلنا إنه صاحب أكبر اسم في كنيسة ما بعد الرسل.] ستانلي

[إن
أثناسيوس عاش في الحق الذي لا يموت.]([51])

[ظل
أثناسيوس يزرع أشجاراً طوال حياته حتى تتمكَّن الأجيال القادمة أن تستظل تحتها.]([52])

عظة للقديس غريغوريوس النزينزي يمدح أثناسيوس الكبير

[حينما
أمدح أثناسيوس فأنا أمدح الفضيلة!

فالكلام
عن أثناسيوس ومديح الفضيلة هما عملان مترادفان!

فأثناسيوس
حاز الفضيلة بل واقتناها بل واحتواها،

ولا
نحزن فالذين عاشوا بوفاق الله مهما ارتحلوا عنَّا فهم لا يزالون يعيشون في الله!

من
أجل هذا يُسمَّى الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب لأنه ليس إله أموات بل إله أحياء.

ومرَّة
أخرى أقول إني عندما أمدح أثناسيوس فأنا أمدح الله! الواهب الفضيلة للبشر.]

[أمَّا
كل مَنْ استطاع أن يفلت من طوق المادة وحجاب هذا الجسد بواسطة نظرة العقل
والتأمُّل، وبلغ الشركة مع الله ورافقه قدر ما تحتمل أن تبلغ طبيعة الإنسان، عن
طريق “النور” الفائق الطهر، فطوبى لذلك الإنسان ولسعيد هو، سواء في ارتقائه من هنا
أو في تقبُّله التبني لله هناك، هذه هي هبات الفلسفة الحقة حينما يسمو الإنسان فوق
المادة عن طريق إدراك الوحدة القائمة في الثالوث!

أمَّا
كل الذين حُرموا من هذا بارتباطهم باللحم والدم وطغيان التراب عليهم، حتى أن
الواحد لا يستطيع مجرَّد التطلُّع نحو أشعة الحق أو يسمو فوق الأرضيات مع أنه
مولود من فوق ومدعو أيضاً لميراث العلا، فيا لبؤس هؤلاء مَنْ أصابهم العمى حتى ولو
كانوا على أعلى شهرة في ما يختص بأمور هذا العالم، والأدهى من هذا أنهم يدرِّبون
أنفسهم على المزيد من هذا الوهم باقتناع أن هذا شيء
جميل عوض الجمال الحقيقي، ويحصدون بذلك الفقر من فقر تدبيرهم، ويُخرِجون على
أنفسهم حكم البقاء في الظلام، وفي النهاية يرونه لهيب نار عوض أن يروه نوراً.

هذه
هي فلسفة بعض الناس قديماً وحديثاً.]

[ومع
أن الجميع هم صنعة يديه، فقليلون هم رجال الله، الذين بينهم المشترعون والكهنة
والأنبياء، والإنجيليون والرسل، والرعاة، والمعلِّمون، وكل زمرة الروحيين والذين
بينهم جميعاً مَنْ جئنا اليوم نمدحه!

مع
هؤلاء حُسب أثناسيوس مناظراً، فإزاء بعضهم يُحسب ممتازاً وتجاه آخرين
أقول متجرِّئاً يُحسب متفوِّقاً،

وبعض من هؤلاء أخذهم أثناسيوس نماذج لتفتُّحه الذهني،
وآخرين معياراً لنشاطه
والبعض
مثالاً لاتضاعه، وآخرين في الغيرة المتقدة أو لمواجهة المخاطر أو للارتقاء إلى
مستوى
الأدب الجم، جامعاً من هذا وذاك
كل أشكال الجمال الخلقي، وأخذهم جميعاً معاً في نفسه، فخرج لنا من هذا كله نموذجاً
متكاملاً في الفضيلة، متفوِّقاً بالفعل على كل أقرانه في الامتياز

الفكري …

هذا
الذي من أجل منفعتنا صار مثالاً لكل الآتين بعده!]

[ولكي
نتكلَّم عن أثناسيوس ونعطيه حقه تماماً من الكرامة سيكون عملاً أكثر مما يحتمله
الموقف الآن في حديثي معكم، لأن هذا يكون عملاً تاريخياً أكثر منه مديحاً كنسياً
للذكرى، ولكنني أشتهي بالفعل أن يكون موضوع اهتمامي مستقبلاً كتابة تاريخ له،
لمسرة ومنفعة الآتين بعدنا، كما كتب هو تاريخ أنطونيوس ذلك الرجل الإلهي الذي فيه
رسم قوانين الرهبنة على مستوى الرواية كقصة.

فأثناسيوس شب منذ حداثته على ممارسة الحياة الدينية وسيرة
التقوى، بعد دراسة مختصرة للآداب والفلسفة، الأمور التي لا ينبغي أن يكون جاهلاً
بها أو غير متمهِّر فيها، وهو سينقدها مستقبلاً!

أمَّا
بخصوص نفسه الوثَّابة التوَّاقة للعلا، فأبت أن تبقى منحصرة في الأباطيل، بل ظل
يهذ في كافة الأسفار للعهد القديم والعهد الجديد بعمق لم يبلغه أحد نظيره، فشبَّ
غزير التأمُّل والتفكير رصين السلوك وجمع هذا بذاك كما برباط ذهبي، قلَّما استطاع
أحد أن يجمع بينهما، مستخدماً السلوك في الحياة كمدخل للتأمُّل، والتأمُّل جعله
ختماً على الحياة كلها،
لأن مخافة الله بدء الحكمة، أي أن الخوف هو قماط
الحكمة الأول، ولكن متى قطعت الحكمة أقمطة الخوف الأُولى فإنها تنبثق إلى أعلى في
جو المحبة، فتجعلنا الحكمة أحباءً لله وأبناءً عوض عبيد.]

[وهكذا
شبَّ أثناسيوس متمرِّناً، كما ينبغي لكل مَنْ أراد الآن أن يرأس على شعب ويأخذ لنفسه
مهمة قيادة جسد المسيح (الكنيسة) بمقتضى مشيئة الله وعلمه السابق الذي هو قائم في
الأساس قبل كل أعمال الله العُظمَى!

لقد
سكب الله عليه هذه الخدمة الجليلة فجعلته واحداً من القريبين إلى الله، فاستأهل
الخدمة المقدَّسة وكرامتها، وبعد أن أكمل درجات التدبير بكل إخلاص (شماس وكاهن
بدرجاتهما) استؤمن على الرئاسة العليا للشعب أو بالحري مسؤولية العالم كله!

ولست
أعلم هل أخذ الكهنوت مكافأة للفضيلة التي حاز عليها، أو أخذ الكهنوت ليكون نبعاً
وحياة للكنيسة؟

فالكنيسة
صارت كإسماعيل على صدر أمه، فأُغمي على إسماعيل من العطش، وأمَّا الكنيسة فإلى
الحق! أو صارت كإيليا عندما احتاج إلى خرير نهر خابور عندما جفَّت الأرض من الجدب
فارتوى، لكي تبقى بذرة للصلاح حيَّة في إسرائيل وحتى لا نبقى نحن أيضاً مثل سادوم
ونشابه عمورة.

لذلك
فنحن حينما انطرحنا أرضاً، ارتفع أثناسيوس كقرن خلاص لنا وكحجر زاوية أبقى الله
عليه ليربطنا معاً وبنفسه، أظهره الله في حينه الحسن، أو قُل (أثناسيوس) هو النار
التي أرسلها الله ليطهِّر به الشر الذي بيننا، أو هو (أثناسيوس) المذراة التي جاء
بها الله لينقِّي أصحاب العقيدة الهشَّة المزعزعة من أصحاب العقيدة الراسخة
الثابتة!

لذلك
وجده المسيح الكلمة طريقاً له،

والروح
القدس وجد فيه مَنْ سيتنفَّس لحسابه!

وهكذا
ولهذا كله بصوت جميع الشعب وليس على طريقة الشر والغش التي ابتدعوها بعدئذ
(الهراطقة)، ولا بسفك الدماء والقهر، ولكن بأسلوب رسولي روحاني قادوه إلى الكرسي
الرسولي الذي للقديس مرقس ليخلفه في التقوى وليس أقل منه في الإدارة والخدمة!!]

غريغوريوس
اللاهوتي

 

تكملة عظة للقديس غريغوريوس النزينزي في مدح أثناسيوس

عظة في القسطنطينية في عيد نياحته سنة 380م

[
§كان
أثناسيوس في أعماله متسامياً وفي عقله وتفكيره متواضعاً،

 §لا يُضَارَع في
الفضيلة، ومنفتحاً لكل مقارع ومحاجج،

§ لطيفاً، متحرِّراً من روح الغضب، مترفِّقاً،

§ حلواً في الحديث، وحلواً أكثر في التدبير، ملائكي الطلعة،
وملائكياً أكثر في الفعل،

§ هادئاً عند التعنيف والمراجعة، مقنعاً في المديح، هذا وذاك دون أن
يكون مُسفاً في المزيد من الكيل،

§ سواء للذي يعنِّفه، فهو يعنِّفه كأب، أو الذي
يمدحه فهو يمدحه كرئيس ذي وقار،

وكان
في ترفُّقه غير مأخوذ بعواطفه، وفي تعنيفه غير مَسوق بمرارة القسوة. فكان في هذا
ذا وقار، وفي ذاك حكيماً متبصِّراً بالعواقب!

وفي
الاثنين حقا على مستوى التعقُّل!

§ وكان تدبيره كافياً لتمرين أولاده الروحيين بأقل حاجة إلى
الكلمات!

§ وكانت كلماته تغني كثيراً عن العصا!

§ وكان استخدامه للعصا يغني عن السكِّين (الحرم).]

[والله
وحده الذي أنا واقف أمامه أتكلَّم لحسابه قادر أن يعطيني ما يستحق أن يُقال في حق
نفس مثل أثناسيوس التي وُهبت قدراً كبيراً من النبالة وقدراً أقوى من سلطان الكلمة
…]

[هذا
هو أثناسيوس. عندما كان في وسطنا، كان عمود الكنيسة.]

[لقد
كان قسطنطيوس يرى أن قمع كل مسيحيي الأرض شيء سهل!!

ولكن
أمام قمع أثناسيوس أو قمع تعاليمه لنا وجد الأمر جِدَّ خطير!

وقنع
الإمبراطور في نفسه أخيراً أنه لا فائدة من تدبير خطط لانتصاره علينا جميعاً
طالماً هذا أي أثناسيوس له هذه القدرة على المقاومة
والمعارضة!!]



اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى