علم الله

الفصل السادس



الفصل السادس

الفصل السادس

اعتقاد
الإنجيليين في الكتاب المقدس

 

1 – ما هو ملخص تعليم الإنجيليين في أن الكتاب المقدس هو قانون
الإيمان؟

ملخصه
أن كلام الله في العهدين القديم والجديد هو القانون الوحيد الإلهي المعصوم للإيمان
والعمل، يعنون بذلك:

(1) أسفار العهدين هي كلام
الله المكتوب بإلهام الروح القدس، فهي معصومة من الخطأ، ولها سلطان إلهي.

(2)
إنها تتضمن كل ما أعلنه الله دستوراً دائماً للكنيسة للإيمان والعمل.

(3)
إنها واضحة، يقدر الشعب أن يفهم منها كل ما هو ضروري للخلاص باستعمال الوسائط
المعهودة وبمعونة الروح القدس، دون احتياج لمفسر أرضي يدّعي أنه معصوم.

 

2 – ما هو تعليم الكنيسة الإنجيلية عن الكتاب المقدس؟

*
كلام الله الذي في الكتب المقدسة في العهدين القديم والجديد هو القانون الوحيد
الذي به يعلمنا الله كيف نمجده ونتمتع به. ومع أن نور الطبيعة وأعمال الخليقة
والعناية تُظهر جود الله وحكمته وقدرته إلى حد لا يُبقي للإنسان عذراً، إلا أنها
ليست كافية للتعريف بالله وبمشيئته الضرورية للخلاص. فشاء الله أن يعلن نفسه
ومشيئته لكنيسته بأنواع وطرق كثيرة. ثم شاء أن يدوّن ذلك كتابةً، ليحفظ الحق
ويذيعه بأفضل طريق، وليثبّت كنيسته ويعزّيها على أتم كيفية ضد فساد الجسد وخبث
الشيطان والعالم. وهذا يوضح ضرورة الكتاب المقدس.

ويدخل
تحت اسم الكتاب المقدس أو كلمة الله المكتوبة كل أسفار العهد القديم والجديد، التي
أعطاها الله قانوناً للإيمان والسلوك.

ولا
يتوقف سلطان الكتاب المقدس الموجب تصديقه وطاعته على شهادة إنسان أو كنيسة، بل على
الله الذي أوحى به، الذي هو الحق بعينه. فيجب قبول الكتاب لأنه كلمة الله، ويليق
بنا أن نوقّر الكتاب المقدس بناءً على شهادة الكنيسة له. وما أكثر الحجج التي
يبرهن بها الكتاب أنه كلمة الله، ومنها سماوية مادته، وفاعلية تعليمه، وجلال كلامه،
واتفاق كل أقسامه، وهدفه الذي هو تمجيد الله وكشف الطريق الوحيد لخلاص الإنسان،
وكماله، وكثرة فضائله الأُخرى التي ليس لها مثيل. ومع هذا كله فإن اقتناعنا الكامل
بصدقه المعصوم وسلطانه الإلهي صادر عن فعل الروح القدس الداخلي في قلوبنا، شاهداً
بالكلمة ومع الكلمة في قلوبنا.

لقد
تدوّنت كل أفكار الله في كل ما يلزم لمجد ذاته ولخلاص البشر وللإيمان والسيرة
صريحاً في الكتاب المقدس أو مُستنتجةً منه. ولا يُضاف إليه شيء في أي زمان، سواء
كان بإعلانات جديدة من الروح أو بتقاليد البشر. ومع هذا نقرّ أن إنارة روح الله
الداخلية ضرورية لنا لنفهم إعلانات الكلمة. أما تصرفنا في الأمور الاجتماعية
والسياسية فينبغي أن يكون بحسب نور الطبيعة والحكمة المسيحية المعلَنة في كلمة
الله.

والأمور
التي يحويها الكتاب المقدس ليست كلها ظاهرة بنفس الدرجة، ولا يفهمها كل الناس بنفس
الطريقة، لكن الأمور الضرورية لخلاصنا معلَنةٌ بكل وضوح، فيستطيع العالِم والبسيط
أن يفهمها إذا مارس وسائط النعمة العادية كما ينبغي.

وقد
كُتب العهد القديم بالعبرانية، وهي لغة بني إسرائيل، وكُتب العهد الجديد
باليونانية وهي اللغة الشائعة بين الشعوب في زمن كتابته. وقد أُوحي بهما رأساً من
الله وحُفظا بعنايته في كل العصور سليمين من أي تغيير أو تحريف، فحملا إلينا
السلطان الإلهي حتى أن الكنيسة تحتكم إليهما في كل خلاف ديني. لكن لما كانت هاتان
اللغتان الأصليتان غير معروفتين عند كل شعب الله الذين يجب أن يقرأوها ويفحصوها
بخوف الله، وجب أن تُترجم إلى اللغة المفهومة عند كل قوم بلغتهم لتحل كلمة الله
فيهم بغِنى، فيعبدوا الله بكيفية مقبولة، وبالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لهم
رجاء.

أما
القانون المعصوم لتفسير الكتاب المقدس فهو الكتاب المقدس نفسه، فإذا وُجدت آية
صعبة نبحث عن معناها فنعرفه من آيات أخرى عبارتها أوضح، فنقرن الروحيات بالروحيات
(1كو 2: 13).

والكتاب
المقدس هو القاضي الأعلى الحاكم في كل الاختلافات الدينية، وعلى كل قوانين
المجامع، وعلى آراء المؤلفين القدماء وتعاليم الناس والمذاهب الخصوصية. فليس غير
الروح القدس متكلماً في الكتب المقدسة.

وتشمل
الكتب المقدسة كل ما هو لازم للخلاص حتى أنه لا يُطلب من أحد أن يؤمن بما ليس
فيها، ولا تتبرهن أية عقائد إلا منها. وقال إيرونيموس (جيروم): “أما الأسفار
الأخرى فتقرأها الكنيسة لقدوة السيرة وتهذيب الأخلاق، ولكن لا تستند إليها في
تعليم، ولا تثبت منها عقيدة (وهنا ذكر أسماء الأسفار الأبوكريفية). وجميع أسفار
العهد الجديد كما هي مقبولة عموماً نقبلها ونحسبها قانونية”. وأما الأسفار
المسمّاة “الأبوكريفا” فليست من الأسفار المقدسة، ولم تُكتب بوحي إلهي،
فلا سلطان لها، وتُعتبر وتُستعمل كسائر المؤلفات البشرية (انظر إجابة السؤال
التالي وسؤال 8 في هذا الفصل).

 

3 – ما هو اعتقاد الإنجيليين (البروتستانت)
في الأبوكريفا؟

*
كتب الأبوكريفا، هي الكتب المشكوك في صحتها، أو في صحة نسبتها إلى من تُعزى إليهم
من الأنبياء، هي كتب طوبيا، ويهوديت، وعزراس الأول والثاني، وتتمَّة أستير، ورسالة
إرميا، ويشوع بن سيراخ، وباروخ وحكمة سليمان، وصلاة عزريا، وتسبحة الثلاثة فتيان،
وقصة سوسنة والشيخين، وبل والتنين، وصلاة منسى، وكتابا المكابيين الأول والثاني.
ومع أن هذه الأسفار كانت ضمن الترجمة السبعينية للعهد القديم، إلا أن علماء اليهود
لم يضعوها ضمن الكتب القانونية. وبما أن اليهود هم حفظة الكتب الإلهية، وعنهم أخذ
الجميع، فكلامهم في مثل هذه القضية هو المعوّل عليه. وقد رفضوا هذه الكتب في مجمع
جامينا (90م) لاعتقادهم أنها غير موحى بها، للأسباب الآتية:

(1)
إن لغتها ليست العبرية التي هي لغة أنبياء بني إسرائيل ولغة الكتب المنزلة، وقد
تأكدوا أن بعض اليهود كتب هذه الكتب باللغة اليونانية.

(2)
لم تظهر هذه الكتب إلا بعد زمن انقطاع الأنبياء، فأجمع شيوخ اليهود على أن آخر
أنبيائهم هو ملاخي. وورد في كتاب الحكمة أنه من كتابة سليمان، وهو غير صحيح، لأن
الكاتب يستشهد ببعض أقوال النبي إشعياء وإرميا وهما بعد سليمان بمدة طويلة، فلا بد
أن هذه الكتابة تمَّت بعد القرن السادس ق.م. ويصف كتاب الحكمة اليهود بأنهم أذلاء،
مع أنهم كانوا في عصر سليمان في غاية العز والمجد.

(3)
لم يذكر أي كتاب منها أنه وحي، بل قال كاتب المكابيين الثاني (15: 36-40) في نهاية
سفره
فإن كنت قد
أحسنتُ التأليف وأصبتُ الغرض، فذلك ما كنت أتمناه. وإن كان قد لحقني الوهن
والتقصير فإني قد بذلتُ وسعي. ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مُضرّ،
وإنما تطيب الخمر ممزوجةً بالماء، وتُعقِب لذةً وطرباً كذلك تنميق الكلام على هذا
الأسلوب يُطرب مسامع مُطالعي التأليف
. ولو كان سفر
المكابيين وحياً ما قال إن التقصير ربما لحقه!

(4)
في أسفار الأبوكريفا أخطاء عقائدية، فيبدأ سفر طوبيا قصته بأن طوبيا صاحَب في
رحلته ملاكاً اسمه روفائيل، ومعهما كلب. وذكر خرافات مثل قوله:
إنك إن أحرقت
كبد الحوت ينهزم الشيطان
طوبيا 6:
19). ونادى بتعاليم غريبة، منها أن الصَّدقَة تنجي من الموت وتمحو الخطايا (طوبيا
4: 11، 12: 9). وأباح الطلعة (الخروج لزيارة القبور) وهي عادة وثنية الأصل، وتخالف
ما جاء في أسفار الكتاب المقدس القانونية. وجاء في 2مكابيين 12: 43-46 أن يهوذا
المكابي جمع تقدمة مقدارها ألفا درهم من الفضة أرسلها إلى أورشليم ليقدم بها ذبيحة
عن الخطية
وكان ذلك من
أحسن الصنيع وأتقاه
لاعتقاده بقيامة الموتى وهو رأي مقدس تقَوي.
ولهذا قدم الكفارة عن الموتى ليُحلّوا من الخطية. مع أن الأسفار القانونية تعلّم
عكس ذلك.

(5)
في أسفار الأبوكريفا أخطاء تاريخية، منها أن نبو بلاسر دمر نينوى (طوبيا 14: 6) مع
أن الذي دمرها هو نبوخذ نصر. وقال إن سبط نفتالي سُبي وقت تغلث فلاسر في القرن 8 ق
م، بينما يقول التاريخ إن السبي حدث في القرن التاسع ق م وقت شلمنأصر. وقال طوبيا
إن سنحاريب ملك مكان أبيه شلمنأصر (طوبيا 1: 18)، مع أن والد سنحاريب هو سرجون.
وجاء في يشوع بن سيراخ 49: 18 إن عظام يوسف بن يعقوب
افتُقدت
وبعد موته تنبأت
.

(6)
لم يعتبر اليهود هذه الكتب مُنزلة، ولم يستشهد بها المسيح ولا أحد من تلاميذه، ولم
يذكرها فيلو ولا يوسيفوس ضمن الكتب القانونية، مع أن المؤرخ يوسيفوس ذكر في تاريخه
أسماء كتب اليهود المنزلة، وأوضح تعلّق اليهود بها، وأنه يهُون على كل يهودي أن
يفديها بروحه.

(7)
سار الآباء المسيحيون الأولون (ما عدا قليلون منهم) على نهج علماء اليهود في
نظرتهم إلى هذه الأسفار. ومع أنهم اقتبسوا بعض أقوالها، إلا أنهم لم يضعوها في نفس
منزلة الكتب القانونية. وعندما قررت مجامع الكنيسة الأولى الكتب التي تدخل ضمن
الكتب القانونية اعتُبرت هذه الكتب إضافية أو محذوفة أو غير قانونية. وعلى هذا فلم
يذكرها مليتو أسقف ساردس (القرن الثاني م) من الكتب المقدسة، ولا أوريجانوس الذي
نبغ في القرن الثاني، ولا أثناسيوس ولا هيلاريوس ولا كيرلس أسقف أورشليم، ولا
أبيفانيوس، ولا إيرونيموس، ولا روفينوس، ولا غيرهم من أئمة الدين الأعلام الذين
نبغوا في القرن الرابع. وكذلك لم يذكرها المجلس الديني الذي التأم في لاودكية في
القرن الرابع، مع أنه حرر جدولاً بأسماء الكتب المقدسة الواجب التمسك بها. ويقبل
الكاثوليك قرارات هذا المجمع.

ولكن
لما كانت هذه الكتب موجودة ضمن أسفار العهد القديم في الترجمات السبعينية
واللاتينية، فقد أقرّ مجمع ترنت في القرن 16 اعتبارها قانونية، فوُضعت ضمن التوراة
الكاثوليكية على أنها كتب قانونية ثانوية، علماً بأن جيروم (إيرونيموس) مترجم
الفولجاتا وضع تلك الأسفار بعد نبوَّة ملاخي، فأُطلق عليها في ما بعد
أسفار ما
بين العهدين
.

(8)
هذه الكتب منافية لروح الوحي الإِلهي، فقد ذُكر في حكمة ابن سيراخ تناسخ الأرواح،
والتبرير بالأعمال، وجواز الانتحار والتشجيع عليه، وجواز الكذب (يهوديت 9: 10،
13). ونجد الصلاة لأجل الموتى في 2مكابيين 12: 45، 46 وهذا يناقض ما جاء في لوقا
16: 25، 26 وعبرانيين 9: 27.

(9)
قال الأب متى المسكين في كتابه
الحكم الألفي (ط 1997، ص
3):
كتب
الأبوكريفا العبرية المزيفة التي جمعها وألَّفها أشخاص كانوا حقاً ضالعين في
المعرفة، ولكن لم يكونوا مسوقين من الروح القدس (2بط 1: 21) مثل كتب رؤيا عزرا
الثاني وأخنوخ ورؤيا باروخ وموسى وغيرها
. ثم قال الأب متى
المسكين في هامش الصفحة نفسها:
تُسمى هذه الكتب
بالأبوكريفا المزيفة
. وهي من وضع القرن الثاني ق م، وفيها تعاليم
صحيحة وتعاليم خاطئة وبعض الضلالات الخطيرة مختلطة بعضها ببعض، ولكنها ذات منفعة
تاريخية كوثائق للدراسة
.

وبما
أن اليهود المؤتمَنين على الكتب الإلهية هم الحكَم الفصل في موضوع قانونية الأسفار
المقدسة، وقد أجمع أئمتهم في العصور القديمة والمتأخرة على أنهم لم يظهر بينهم نبي
كتب هذه الكتب، فإنه من المؤكد أن أحد اليهود المقيمين في الشتات وضعها. ولو كانت
معروفة عندهم لوُجد لها أثر في كتاب التلمود.

4 – ما هو المقصود بقانونية الكتاب المقدس، وما
هي الأسفار القانونية عند التقليديين وعند الإنجيليين؟

*
معنى “قانون” في الأصل اليوناني كما في العربي “قاعدة”.
فالمقصود أن الأسفار قانونية تتضمن الحق المنزَل لا غير. وكذلك يُقال “قانون
الإيمان” أي قاعدة العقائد الدينية، ويُطلق غالباً على ملخص تعليم الكتاب
المتضمن في تلك الصور المختصرة للإيمان المسيحي التي اشتهرت بين الكنائس المسيحية
في القرون الأولى، كالقانون الرسولي والقانون النيقوي وغيرهما. وقد استُعملت كلمة
قانون في العهد الجديد للدلالة على الحق المعلن للكنائس والمقبول عندها. ومن أمثلة
ذلك قول الرسول: “وأما ما قد أدركناه فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه ونفتكر
ذلك عينه” (في 3: 16). وقوله: “فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم
سلام ورحمة وعلى إسرائيل الله” (غل 6: 16).

وتُبنى
قانونية كل سفر من الأسفار المقدسة على نسبته نسبة صحيحة إلى الذي كتبه بالوحي.
ويقبل الإنجيليون أسفار العهد القديم على شهادة الكنيسة اليهودية، وعلى شهادة
المسيح ورسله، ويقبلون أسفار العهد الجديد بناءً على أنها مكتوبة إما من الرسل أو
رفقائهم ممن أُوحي إليهم. وقد شهدت لذلك الكنيسة المسيحية في القرون الأولى،
والمسيحيون الأفاضل في العصور القديمة، ولا سيما شهادة كل سفر بنفسه ولنفسه بناءً
على ما يتضمنه من التعاليم الدينية. غير أن الشهادة الخارجية ليست أصل السلطان
وأساسه بل هي مما تؤيد ذلك.

 

5 – ما هي الأدلة على قانونية أسفار العهد الجديد؟

*
حُسبت هذه الأسفار منذ وجودها مقدسة أي ذات سلطان إلهي خاص بها. وكانت جميعها
تُقرأ علانية في الاجتماعات المسيحية على أنها كلمة الله، وجُمعت أسماؤها في فهارس
كثيرة منها 13 فهرساً مما كُتب قبل القرن الخامس باقية إلى الآن. ومع أن بعضها ترك
أسماء بعض الأسفار، إلا أنها كلها تتفق في عدم ذكر اسم أي سفر من أسفار
الأبوكريفا. وكذلك فعلت أقدم ترجمات العهد الجديد، وهي الباشيتو السريانية، فهي لا
تتضمن سوى أسفارنا القانونية. وقد كُتبت على هذه الأسفار تفاسير منذ القديم،
واستشهد بها كثيرون من الهراطقة وغير المؤمنين، كما استشهد بها المؤمنون على أنها
تواريخ صحيحة للدين المسيحي. ومع كل ما تقدم من الاتفاق العام والأدلة على قانونية
أسفار العهد الجديد المتَّفق الآن على قانونيتها لا يمكن تعيين الوقت الذي فيه
جُمعت معاً، ولا الأشخاص الذين جمعوها، وليس عندنا دليل ولا إشارة إلى أن هذه
المسألة بُحثت قانونياً في مجمع كنسي. وأما زعم البعض أن مجمع لاودكية (سنة 364م)
قبل أسفار الأبوكريفا قانونياً فغير صحيح، والصواب هو أن ذلك المجمع ذكر فهرس
الأسفار التي كانت مقبولة. ولما كانت أسفار العهد الجديد قد كُتبت وأُرسلت في أول
الأمر لأفراد وكنائس متفرقة في أقطار العالم، خلافاً لأسفار العهد القديم، احتاجت
إلى وقت طويل لإذاعتها ولمعرفة أنها قانونية. وإذا اعتبرنا مع هذا صعوبات النسخ
والتوزيع بسبب المقاومة السياسية التي استمرت عدة قرون، لم يلتئم مجمع كنسي للحكم
في هذه المسألة وما أشبهها. فلا نتعجب من أن قانونية الأسفار المقدسة اتَّخذت
هيئتها الحاضرة بالتدريج. ولابد أن كثرة المؤلفات الأبوكريفية التي ظهرت حالاً بعد
العصر الرسولي ونُسبت زوراً إلى أصل رسولي قد عاقت ذلك أيضاً، لأن النظر في دعوى
تلك المؤلفات الكاذبة وإبطالها بالأدلة القاطعة كان أمراً عسراً. وواضحٌ أن عدم
ذكر أي سفر من تلك الأسفار الأبوكريفية في فهارس الأسفار القانونية، وعدم إجازة
قراءة واحدٍ منها في الاجتماعات المسيحية دليل على اجتهاد الكنيسة الأولى وأمانة
آبائها.

 

6 – هل قَبِل كل المسيحيين الأولين أسفار العهد الجديد على حدٍّ
سواء في وقت واحد؟

*
قال أوسابيوس وهو من أشهر المؤلفين في التحقيق والأمانة: “قبِل الجميع دون
جدال أسفارنا المعروفة الآن ما خلا الرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب ورسالة
يهوذا ورسالة بطرس الثانية وسفر الرؤيا ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة، فقد قبلها
الجمهور، ولكن البعض شك فيها، لأن الخمسة الأولى لم تذكر اسم كاتبها، أما رسالتا
يوحنا فهما خطابان شخصيان يصعب برهنة صدق قانونيتهما”. وفي شأن ذلك نقول إن
ضعف برهان قانونية هذه الأسفار السبعة هو بالمقارنة بقوة براهين قانونية بقية
الأسفار الإلهية فقط، فالبقية استندت على شهادات أقوى بما لا يُقاس مما يمكن أن
يُقدّم من البينات على أحد الكتب الأبوكريفية. ويؤيد ما أظهرته الكنيسة الأولى من
التردد والاحتياط في قبول تلك الأسفار أن حكمها الذي أجمعت عليه بعد ذلك كان
صائباً تماماً، كما أن شك توما في قيامة المسيح أثبت لنا حدوثها.

 

7 – ما هي الأدلة على قانونية أسفار العهد القديم المقبولة عند
الإنجيليين؟

*
من ثبوت قانونية أسفار العهد الجديد تتبرهن قانونية أسفار العهد القديم المشار
إليها، لأن المسيح ورسله اقتبسوا منها دون غيرها. وقد وبخ المسيح يهود عصره على
خطايا كثيرة ليس من بينها إضافة شيء إلى أسفارهم القانونية ولا تحريف شيء منها.
نعم إنهم بتقليدهم أبطلوا كلمة الله، ولكن كلمة الله نفسها لم يمسوها. ومن الأمور
المقررة عندهم بالتواتر أن تلك الأسفار تفرَّقت وقت السبي البابلي بعد خراب
أورشليم والهيكل. ولكن بعد الرجوع من السبي قام بأعباء جمعها نحميا وعزرا، وخصوصاً
عزرا. ومع أن كتباً أبوكريفية ظهرت بعد آخر الأنبياء، أكثرها من الإسكندرية،
وبعضها أُدرج في الترجمة السبعينية، إلا أنها لم تُعتبر قانونية حتى في مصر، وكذلك
لم تُعتبر قانونية بين يهود فلسطين. ولكن على رغم هذا التواتر العام عند حفَظة
العهد القديم المعيّنين لذلك من الله (رو 3: 2)، وعلى رغم حقائق التاريخ، حكمت الكنائس
التقليدية في مجمع ترانت أن الكتب الأبوكريفية التي في الفولجاتا وغيرها يجب
اعتبارها مقدسة وقانونية.

 

8 – ما هي الأدلة التي يستند عليها الإنجيليون والتقليديون في
الاعتقاد بقانونية سفرٍ ما؟

*
يقبل الإنجيليون قانونية السفر بناء على اقتناعهم من البينات الداخلية والخارجية
أنه كُتب بيد رجال ملهَمين، وهو إذ ذاك يتضمن كلام الله الذي كُتب لنا بوحي الروح
القدس. أما التقليديون فيستندون على حكم كنيستهم فقط، وهذا ظاهر من أحكام مجمع
ترانت الذي حرم كل من لا يقبل أسفار طوبيا ويهوديت والحكمة وحكمة يشوع بن سيراخ
ونبوة باروخ وسفري المكابيين على أنها قانونية ومقدسة، مع أن اليهود لم يحسبوها
كذلك، ولا قبلتها الكنيسة المسيحية القديمة مطلقاً، بل بالعكس جميع الآباء الذين
عرفوا العبرانية جيداً والذين بحثوا عن هذا الموضوع أجمعوا على رفضها.

 

9 – ما هو اعتراض الكنيسة الإنجيلية على الكنيسة التقليدية في تحقيق
الأسفار القانونية؟

*
لها على ذلك اعتراضان:

(1)
إننا لم نأخذ القانون من الكنائس التقليدية المعروفة الآن، ولا من كنائسهم التي
كانت في القرن السادس عشر، بل من الكنيسة المسيحية الأولى.

2
– وظيفة الكنيسة في شأن تلك الأسفار محصورة في المحافظة عليها والشهادة لها،
فتحافظ على سلامتها من الزيادة والنقصان والتحريف، وتسلّمها إلى من يأتي بعدها
شاهدة لهم بصدقها. وهكذا من عصر لآخر. وهذا ما فعلته المرأة السامرية التي قالت
لأهل بلدها: “هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت” (يو 4: 40).
فإنها لم تكن سبباً في أن يكون المخلِّص كما كان، ولا أنتجت فيهم الإيمان الخلاصي،
بل عرَّفتهم به فقط. ولما آمنوا لم يؤمنوا بسبب كلامها، بل لأنهم سمعوا المسيح
وعلموا أنه هو بالحقيقة المخلِّص المنتظر.

 

10 – ماذا يؤيد شهادة الكنيسة الأولى لإثبات قانونية الأسفار
المقدسة؟

*
يؤيده قربها إلى العصر الرسولي ومعرفتها اللغة الأصلية. ولما كانت شهادة الكنيسة
ذات قيمة لأنها شهادة الجماعة التي نالت الروح القدس الذي هو نفسه أوحى بالأسفار
المقدسة، كانت كنيسة العصر الرسولي أقدر من غيرها على تحقيق الأسفار القانونية.

 

11 – هل لشهادة الكنيسة القديمة سلطان في تحقيق قانونية سفر من
الأسفار المقدسة أو إثبات تعليم ديني؟

*
تعود فائدة شهادة الكنيسة الأولى إلى وظيفتها لا إلى سلطانها، فهي من هذا القبيل
تشبه الدار الخارجية التي نمرّ فيها إلى قدس الأقداس. ولا يدل تقديمها الكتاب لنا
سالماً بالضرورة على سلطانها وكمالها، فإن اليهود حفظوا بكل دقة أسفارهم المقدسة
وتركوها لنا سالمة، ولكنهم لم يكونوا معصومين في تفسيرها، بل ارتكبوا أخطاءً
كثيرة. وهذا يصدق أيضاً على الكنيسة في كل زمان.

 

12 – برهن أن الكتاب المقدس كما هو عندنا اليوم
قد تمّ باشتراك الله والبشر معاً في العمل.

*
يظهر الفعل البشري في تجهيز المواد التاريخية التي تملأ جزءاً كبيراً منه، وفي
كتابته بيد أناس مختارين لذلك. ويظهر مما كتبوه بأنفسهم (أي غير ما رووه عن لسان
الله) إمكانيات كل منهم في إنشائه ومواهبه وقواه العقلية ومشاعره الروحية التي
امتاز بها عن غيره، لأن كلاً منهم كتب لهدف معيّن بحسب معارفه واختباراته الشخصية،
ناظراً إلى الموضوع العظيم من موقعه الخاص، ومتمماً ما قصده من بيان إرادة الله،
إتماماً للقصد الإلهي العام ولإعلانات الله التي ظهرت بالتدريج في أثناء قرون
عديدة، إلى أن ختم الله الوحي في زمان يوحنا الرسول الكاتب الأخير.

أما
الفعل الإلهي فيظهر في اختيار الله الكتبة الأطهار، وتعيين عمل خاص لكل منهم، وفي
الإعلانات الذاتية والمظاهر الإلهية المتكررة في أوقات متتابعة، وفي العهود
والأوامر مثل سَنّ أنظمة جديدة وتثبيتها بعناية خاصة، وفي إرسال الأنبياء بإعلانات
خاصة في أوقات مختلفة لتنبيه كل الشعب أو بعضهم، وتعليمهم ما كانت معرفته ضرورية
لهم في أحوالهم. وقد استمر كل ذلك نحو 16 قرناً، فجاء كتاباً مؤلفاً من أجزاء
كثيرة، لكلٍ منها علاقة بباقيه، كالأعضاء المختلفة في جسد واحد. وقد فوّض الله لكل
كاتبٍ منهم عملاً بإرشاد الله وبمساعدة الروح القدس من المواهب الروحية والمعارف
الدينية التي احتاج إليها. فقد دُعي داود مثلاً ليكتب المزامير، وسليمان ليكتب
الأمثال، وموسى الأسفار الخمسة، وإشعياء نبوته، وكذلك دانيال وحزقيال وغيرهم من
كتبة العهد القديم، وبولس ويوحنا وبطرس من كتبة العهد الجديد. فمن حيث أن الكتاب
المقدس هو عمل الله جاء كتاباً كاملاً مفيداً معصوماً من الخطأ. ومن حيث أنه عمل
البشر جاء كتاباً سهل الفهم مناسباً لأحوالنا البشرية ولعقولنا القاصرة ونافعاً في
بنياننا وخلاصنا.

 

13 – ما هو الوحي؟

*
الوحي أو الإلهام هو عمل روح الله في العقل البشري إرشاداً للأنبياء والرسل وكتبة
الأسفار المقدسة، ليُظهروا الحق الإلهي، معصومين من الخطأ. فكل ما كتبه الملهَمون
لإرشاد البشر هو كلام الله بالحق والدستور المُعطى لنا من الله للإيمان والعمل.
والنسخ الأصلية التي خرجت من أيديهم هي معصومة تماماً، ولها سلطان إلهي، وكذلك كل
نسخة مخطوطة كانت أو مطبوعة إذا طابقت الأصل كان لها نفس ذلك السلطان. وقد وُصف
الوحي بأنه “كامل” أي كافٍ لتكميل هدفه، وأن الأسفار المكتوبة بالوحي
وإن كانت قد كُتبت بأيدي البشر بواسطة عقولهم وقواهم الروحية هي كلام الله. ويصدق
القول إن الوحي عمَّ الألفاظ والأفكار. انظر إجابة سؤال 18 من هذا الفصل.

 

14 – ماذا نستفيد مما سبق من تعريف الوحي؟

*
(1) الوحي فائق الطبيعة، فإن ما يعمله الله باستعمال وسائط طبيعية ثانوية يسمى
“طبيعياً” وما يعمله بإجراء قوته رأساً بدون استعمال وسائط ثانوية يسمى
“فائق الطبيعة” ومنه الوحي، لأن الوحي لم ينشأ عن علم الإنسان ولا عن
استعداده الطبيعي ولا عن أحواله الخارجية، بل عن فعل الروح القدس فيه رأساً لغاية
معلومة. ولذلك يمتاز الوحي عن أعمال عناية الله العامة الجارية دائماً، كما يختلف
عن فعل النعمة الإلهية في قلوب المؤمنين لإنارتهم وتجديدهم وتقديسهم بواسطة الروح
القدس. ونجد الاختلاف في أن الذين أُوحي إليهم قليلو العدد ومختارون ومفرَزون
لذلك. وأما الذين أُنيروا وتجددوا بالروح القدس فهم كل المؤمنين الحقيقيين، الذين
أنارهم الله وأرشدهم وقدسهم في قبول الحق المُعلن، لا بكشف حقائق جديدة لهم غير
معلنة في الكتاب المقدس، أي مجرد مساعدتهم على إدراك ما في الأسفار الإلهية من
التعليم. وأيضاً في أن الوحي يجعل الموحَى إليهم معلّمين معصومين، ولكن ليس من
الضرورة أن يقدسهم، مثل بلعام الذي أُوحي إليه رغم عدم قداسته، وكذلك شاول (1صم
10: 10، 11) وقيافا (يو 11: 51). وأما الإنارة فمن وسائط التقديس.

(2)
يمتاز الوحي في عُرف اللاهوتيين عن الإعلان، لأن الإعلان هو كشف حقٍ إلهي لعقل
النبي مباشرةً، لا يقدر أن يعرفه بطريقة أخرى. والوحي هو إرشاد الروح للنبي
إرشاداً خاصاً يجعله قادراً أن يبيّن الحق بدون خطأ. فغاية الوحي هي حفظ الموحَى
إليه من الخطأ في القول والكتابة. وغاية الإعلان تبليغ المُعلَن له بما هو مجهول
عنده. فالوحي يعمُّ كل ما كُتب عن يد صاحبه للإرشاد الديني، سواء كان تعليماً أم
خبراً أم نصيحة أم توبيخاً أم نشر ما أُعلن له عن المستقبل. وأما الإعلان فكشف ما
فوق الطبيعة من الأسرار عند الاقتضاء فقط. ومن الناس مَن كان له الأمران معاً
كموسى وبولس ويوحنا، ومنهم مَن كان له واحد منهما كبعض كتبة الأسفار المقدسة ولا
سيما أسفار العهد القديم الذين أُوحي إليهم دون إعلان لعدم حاجتهم إليه، ومثل لوقا
الذي لم يعرف ما كتبه بواسطة الإعلان بل من الذين “كانوا من البدء معاينين
وخدَّاماً للكلمة” (لو 1: 2). فكل إعلان وحيٌ، وليس كل وحي إعلاناً.

(3)
كان المُوحى إليهم آلاتٍ في يد الله، بمعنى أن ما علَّموه أو كتبوه هو تعليم الله.
فلم يغيرّ الله طبيعتهم، ولا قادهم بطريقة تخالف قواهم الطبيعية، لأن الذين
استعملهم آلات في يده استعملهم دائماً حسب طبيعتهم، سواء كانوا ملائكة أو بشراً،
كما استعمل العناصر. والخلاصة أنه لم يكن كتبة الكتاب عند قبولهم الوحي بدون حسّ
أو عقل، ولا كانوا في يد الروح كآلات ميكانيكية أو كأقلام كتب بها الروح كيفما
شاء، بل تكلّموا مسوقين من الروح القدس كآلات حيَّة ناطقة عاقلة ذات إرادة مسترشدة
بروح الله، لم يوقف الروح قواهم أثناء وحيه لهم، ولا نزع ما امتاز به أحدهم عن
الآخر من المواهب. فالعاميّ منهم تكلم كلام العاميّ كعاموس، والعالِم تكلم بكلام العالِم
كموسى، وذو العواطف الرقيقة ومحبّ التأمل كتب حسب طبيعته كيوحنا، وذو العقل
المنطقيّ تكلم كلام المنطقي وأورد الأدلة المنطقية كبولس. فكتب كل منهم حسب قدراته
العقلية. لذلك نرى في جميع الأسفار المقدسة ما يدل على صفات كتبتها كأنهم لم
يكونوا تحت سلطان الوحي، ومع كل ذلك كانوا آلات حقيقية في يد الروح القدس. لقد
نالوا مساعدة الروح القدس وإنارته بحضوره في عقولهم على الدوام وإرشاده لأفكارهم
حتى تمكّنوا من النطق بالحق الإلهي تماماً. ومع ذلك لم يخسروا شيئاً من صفاتهم
الخاصة ومواهبهم الشخصية التي ميّزت أحدهم عن الآخر.

(4)
كانت العناية الإلهية دائماً تُجهز ما يلزم من الأمور الخارجية لكتابة الأسفار
المقدسة، فكانت الوسائط الطبيعة تشترك مع التي هي فائقة الطبيعة. فقد أعدَّت عناية
الله في الأوقات المناسبة أشخاصاً من أهل الصفات والمعرفة والاختبار التي تؤهلهم
لعملهم كموسى وداود وإشعياء وبولس ويوحنا. ثم أعطاهم الله موهبة الوحي وعمل
المعجزات حسب الاقتضاء.

 

15 – هل يجوز أن نثبت الوحي بالكتاب المقدس من نفس أقواله، بأدلة
مُستخرَجة منه؟

*
نعم، لأننا نبحث عن الوحي بالأسفار المقدسة ونحن واثقون بشهادة كاتبيها وصدق كل ما
ذُكر فيها من الحوادث والحقائق وصدق قولها في أصل الديانة المسيحية الإلهي ولاهوت
المسيح. ومما يؤيد كل ذلك ما تم من النبوات التي نطقوا بها وما صنعوه من المعجزات
وغيرها من البراهين الكافية على أن الله عمل معهم بآيات وعجائب ومواهب الروح
القدس. فعدم قبول شهادتهم بأنه أُوحي إليهم هو تكذيب وشك في صدق كل أقوالهم.

 

16 – ما هي الأدلة على الوحي التي تصدُق على كتبة العهد القديم
خاصة؟

*
الأدلة على أن الموحَى إليهم في العهد القديم كانوا آلات في يد الله، وأن كلامهم
هو كلام الله هي:

(1)
معنى كلمة “وحي” وكيفية استعمالها بين القدماء. فقد اعتقدت الشعوب في
القديم، يهوداً وأمماً، أن الله يقدر أن يحرّك عقل الإنسان كما يشاء، وأنه قد أوحى
للبعض وجعلهم آلات لإعلان إرادته للعالم، واستعملوا لفظة وحي بهذا المعنى. وقد
استعمل الكتبة الأطهار هذه اللفظة بمعناها المشهور عند أهل عصرهم.

(2)
معنى كلمة “نبي”. فإن المقصود بها في الكتاب مَنْ يتكلم عن شخص آخر،
بلسانه واسمه وسلطانه، فلا يكون هو المسؤول عن صحة قوله بل مَن يتكلم عنه. قال
الله لموسى: “أنا جعلتُك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيّك” (أي
المتكلم عنك) (خر 7: 1، 2 لزيادة الإيضاح انظر خر 4: 14-16 وإر 16: 17، 18).
فالنبي هو فم الله الذي به يكلّم الشعب، ولذلك كان الله يقول للنبي عند تعيينه
إياه لوظيفته: “ها قد جعلتُ كلامي في فمك” (إر 1: 9 وإش 51: 6). ويؤيد
ذلك ألقاب النبي في الكتاب، فهي تصف وظيفته وواجباته مثل “رسول الله” و”المتكلم
باسم الله” وقول الأنبياء دائماً: “هكذا يقول الرب”. وكثيراً ما
جاء في الكتاب: “وكان كلام الرب إلى هذا النبي أو ذاك” وأن “روح
الرب حلَّ عليه” وأن “يد الرب كانت عليه” وغير ذلك. قال بطرس: “عالمين
هذا أولاً أن كل نبوَّة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة
إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بط 1: 20، 21).
أي كلام الأنبياء هو كلام الروح القدس لأنهم تكلموا مسوقين من الروح القدس. ومن
معرفتنا معنى كلمة “نبي” يتضح لنا حقيقة أسفار العهد القديم وما له من
السلطان الإلهي.

(3)
نسبة أقوال الأنبياء إلى الله وشهادة المسيح لذلك، مثل قوله: “داود دعاه
بالروح رباً” (مت 22: 43). ونسبة الرسول قول داود “اليوم إن سمعتم صوته
فلا تقسُّوا قلوبكم” (مز 95: 7، 8). وما قيل بفم إرميا (إر 31: 33) إلى الروح
القدس (انظر عب 3: 7 و10: 15). وقول الرسل: “أنت هو الإله القائل بفم داود
فتاك: لماذا هاجت الأمم؟” (أع 4: 25). وقول الرسول لليهود: “حسناً كلَّم
الروح القدس آباءنا بإشعياء النبي” (أع 28: 25). فواضحٌ أن المسيح ورسله
اعتقدوا وعلموا أن ما قاله كتبة العهد القديم هو قول الروح القدس. وكان المسيح
ورسله متى ذكروا أسفار العهد القديم يلقبونها بألقاب سامية تبين عظمة شأنها عندهم
مثل “كلام الله” و”وصايا الله” و”أقوال الله” و”المعطاة
بوحي من الله” ونحو ذلك.

(4)
شهادة ما صنعوه من المعجزات لرسالتهم الإلهية، وتحقيق نبوات كثيرة نطقوا بها بغاية
التدقيق، ومناسبة ما علّموا به لاحتياجات البشر، وسموّ تعاليمهم الأخلاقية،
والعلاقة بين رموز العهد القديم وتمامها في العهد الجديد، واقتباس المسيح ورسله من
العهد القديم على أنه كلام الله، وشهادة كتبة العهد الجديد الصريحة أن العهد
القديم كُتب بالوحي (لو 1: 70 وعب 1: 1 و2تي 3: 16 و1بط 1: 10-12 و2بط 1: 20). وشهادة
المسيح لسلطان العهد القديم (مت 21: 13 و22: 43 ويو 7: 23 و10: 35 ولو 24: 44).

 

17 – ما هي الأدلة على الوحي التي تصدُق على كتبة العهد الجديد
خاصةً؟

*
ما قلناه في إجابة السؤال السابق، ونضيف إليه:

(1)
وعد المسيح رسله أن يرسل إليهم الروح القدس ليذكّرهم بكل شيء ويعصمهم من الخطأ.
ومن ذلك قوله: “لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلَّم فيكم. الذي
يسمع منكم يسمع مني. وأما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم”
(يو 14: 26). وقوله أيضاً: “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي”
(يو 15: 26). “وأما متى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق” (يو 16:
13). ومنعهم من البدء في ممارسة وظيفة التعليم إلى أن يُلبَسوا قوةً من الأعالي.

(2)
تمّم ذلك الوعد يوم الخمسين بدليل شهادة التاريخ المقدس أنه لما حل الروح القدس
على الرسل كان كهبوب ريح عاصفة وملأ الجميع، فبدأوا يتكلمون كما أعطاهم الروح أن
ينطقوا، وأخذوا يعلّمون بسلطان وحكمة وقوة فائقة الطبيعة مع أنهم لم يفهموا قبلاً
تعاليم المسيح كما ينبغي، لأن عقولهم كان خاضعة لآراء يهودية.

(3)
ما قاله الرسل بعد أن نالوا موهبة الروح القدس التي تشهد لثقتهم في سلطان تعاليمهم
الإلهية. ومن ذلك طلبهم من سامعيهم أن يقبلوا كلامهم لأنه كلام الله لا كلام إنسان
(1تس 2: 13). وقول بولس إن ما كتبه هو وصايا الرب (1كو 14: 37). وقوله أيضاً:
إن بشَّر
أحد بإنجيل آخر غير ما بشَّر به ولو كان ملاكاً فليكن أناثيما (أي محروماً)
(غل 1: 8).
وقول يوحنا إن من لا يقبل شهادته في المسيح يجعل الله كاذباً لأنها شهادة الله
(1يو 5: 10). وكذلك قوله إنه كان في الروح حين رأى ما رآه في جزيرة بطمس، وقوله:
إن كان أحد
يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحدٌ يحذف
من أقوال هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة
. (رؤ 22:
18، 19). وقد صرَّح الرسل بأن كل تعاليمهم كانت مطابقة لروح المسيح. قال بولس: “إني
عالمٌ ومتيقنٌ في الرب يسوع.. وأما نحن فلنا فكر المسيح.. لأنه قد رأى الروح القدس
ونحن”. وقال بطرس عن رسائل بولس: “كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس بحسب
الحكمة المعطاة له” (1كو 1: 10، 5: 4 و14: 37 و2كو 2: 10 و10: 7، 8 و13: 3
وأف 4: 17 وغل 4: 14 و1تس 4: 1، 2 و2تس 3: 6، 12، 14).

لم
يدّع كتبة الكتاب المقدس أن لهم سلطاناً شخصياً، ولا نسبوا قبول الناس لتعليمهم
إلى معرفتهم وحكمتهم ولا إلى موافقة تعليمهم لعقل الإنسان، بل نسبوها لأنهم
مرسَلون من الله وشهوده وآلات في يده. ولما اعترض الكورنثيون على تبشير بولس بأنه
ليس حسب قوانين الفلسفة المشهورة بينهم أجابهم أن تعاليمه ليست من حكمة البشر بل
هي إعلانات الله وأنه علَّمها كآلةٍ في يد روح الله (1كو 2: 7-16).

(4)
أثبت الله دعوى الرسل بالمعجزات، لأن المعجزة تثبت سلطان صانعها وأنه مرسَل من
الله، فكأنها أمرٌ من الله أن نؤمن بمن أرسلهم (مت 16: 1، 4 وأع 14: 3 وعب 2: 4).
ولا نقصد بهذا القول إن مجرَّد فعل العجائب دليل كافٍ على أن الله أرسل فاعلها
معلِّماً، فقد يسمح الله لإنسانٍ أن يعمل معجزة دون أن يقصد بها إثبات أنه مرسَل
منه للتعليم. ولكن إذا ادَّعى أحد أنه رسول الله، وأن الله يتكلم بواسطته، وكان
تعليمه موافقاً للإعلانات الإلهية السابقة فيكون فعل العجائب ختم الله لصدق دعواه.
وعلى هذه الكيفية قدَّم الله هذه الشهادة لإثبات الوحي لرسله.

(5)
أعطى المسيح رسله سلطاناً مطلقاً على إتمام ما فُوِّض إليهم، فضلاً عن وعده لهم
بالروح القدس (مر 3: 14، 15 ومت 18: 18 وأع 1: 8). فمن هذه الآيات يتبيَّن سلطان
الرسل في إجراء عملهم، ومنه الوحي المعصوم من الخطأ، وهذا قد تمَّ بحضور الروح
معهم على الدوام.

(6)
ما علَّمه الرسل وتأثيره في قلوب الناس وشهادة الروح القدس الداخلية لصدق الكتاب.
فإن كل ما علَّمه الرسل سامٍ في نفسه ووافٍ بالمقصود وغير قابل للشك في أنه من عند
الله، وتأثيره في قلوب الناس أمر فائق وغريب جداً. قال يوحنا: “من يؤمن بابن
الله فعنده الشهادة في نفسه” أي أن الروح القدس يثبت بشهادته داخل النفس أن
الإنجيل هو حق وموحى به من الله.

(7)
شهادة المسيحيين الأولين معاصري الرسل وخلفائهم في القرون الأولى، وكلها تعلن أن
الكتبة الأطهار كانوا أصحاب وحي من الله. قال أكليمندس الروماني إن الأسفار
المقدسة هي بالحق أقوال الروح القدس، وقال ترتليان إنها كتابات الله وأقواله، وقال
أكليمندس الإسكندري إننا قبلنا أسس إيماننا من الله، وهي الأسفار المقدسة، لأن فم
الله والروح القدس تكلما فيها. وقد أثبتت جميع قوانين الإيمان في الكنيسة المسيحية
في كل القرون ذلك. وهذا هو إيمان كل المسيحيين، إنجيليين وتقليديين، في جميع
الأجيال.

(8)
توافق أسفار الكتاب بعضها بعضاً وترتبط معاً، حتى لا يمكن قبول بعضها بدون الآخر.
فلا يمكن تصديق العهد الجديد بدون تصديق القديم، ولا تصديق الأنبياء بدون تصديق
الناموس، ولا تصديق المسيح بدون تصديق رسله. وجميعها تبيّن كيفية إتمام الوعد
الأول العظيم بالفداء (تك 3: 15) بالتدريج في مدة مئات السنين على يد نحو أربعين
كاتباً، لم يفهم بعضهم كل النظام التعليمي الذي علَّم هو جزءاً منه فقط. فهذه
الأسفار نشأت من عقلٍ واحدٍ هو عقل الله، لأنه هو وحده الذي يعرف جميع أعماله منذ
الأزل، ولا يقدر أحد أن يعرف فكره وأموره إلا روح الله نفسه.

(9)
ما نعرفه من تصرفات الله في الكون أجمع يرجح وحي الكتاب المقدس، فالله موجود في كل
مكان، يتسلط على كل الأمور، وهو غير بعيد عن خلائقه. وما يجريه على الدوام من
أعمال عنايته يرجح أنه يوحي إلى البشر بإرادته ويرشدهم إلى أمور الدين بدون خطأ.

(10)
الجمع بين عمل البشر وعمل الله في الكتاب المقدس يستلزم الوحي به. (انظر سؤال
14 والرد عليه).

(11)
مطابقة الأسفار الإلهية (إذا فُسرت تفسيراً صحيحاً) للحقائق العلمية والطبيعية
والتاريخية مما يثبت الوحي بها كل التثبيت. فقد شهد علماء العلوم الطبيعية أنه حتى
الآن لا يوجد تناقض بين الكتاب والحقائق العلمية المثبتة بشهادات كافية. ومما يؤيد
كتابة الكتاب المقدس بالوحي أن كتبته الأطهار لم يكونوا من العلماء، ولا كانت
العلوم الحديثة معروفة في عصرهم.

(12)
أوردنا جملة أدلة لإثبات وحي الأسفار الإلهية، وليس جلّ اعتمادنا في ذلك على
الأدلة الخارجية بل على شهادة المسيح، لأن كلامه في هذا الموضوع هو أساس إيماننا
أكثر من كل ما سواه، فقد وعد تلاميذه بحكمة لا يقدر جميع معانديهم أن يقاوموها أو
يناقضوها، وأن الروح القدس يعلّمهم ما يقولونه (لو 12: 12). وقال لهم: “لستم
أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم”. و”الذي يقبلكم يقبلني”
وصلى لأجل الذين يؤمنون به بكلامهم، ووعدهم بإرسال الروح القدس إليهم لإرشادهم في
التعليم. وقصد المسيح أن لا يتمم عمله العظيم على الأرض بنفسه، لأنه بعد ثلاث سنين
من خدمته لم يترك لنا سطراً واحداً بخط يده، وذلك يبيّن أنه قصد استخدام البشر في
كتابة تاريخ حياته وتعاليمه وقواعد ملكوته. وهذا ما تم فعلاً بواسطة الرسل.

 

18 – على ماذا يُطلَق الوحي بالكتاب؟

*
يُطلَق على كل أجزائه، فكل أسفاره موحى بها في كل عباراته بدون استثناء، وعلى كل
ما تحويه. فلا يقتصر على الحقائق الأخلاقية والدينية، بل يشمل كل ما ذُكر فيه من
الأمور العلمية والتاريخية والجغرافية. ويتبيّن ذلك:

(1)
مما ذكرناه من أن كتبة الكتاب هم آلات بيد الله. فإن كانت أقوالهم هي أقوال الله
يلزم أنها تكون معصومة من الخطأ.

(2)
من قول المسيح “لا يمكن أن يُنقَض المكتوب
(يو 10:
35) فالمكتوب كله صحيح.

(3)
من تصديق المسيح ورسله أن كل الكتاب كتاب الله، فإنهم اعتبروا الناموس والأنبياء
والأسفار التاريخية والشعرية كلام الله، واقتبسوا من كل ما جاء فيه من الأمور سواء
كان أدبياً أم تاريخياً، مهمّاً أم قليل الأهمية. فإن روح الله عامل في كل جزء من
الكتاب سواء كان تاريخاً أو مزموراً أو نبوة أو مثلاً أو تعليماً، كما أن الحياة
النباتية هي في كل النبات، في الجذر والساق والأغصان والأزهار، وكما أن حياة الجسد
هي في الأطراف كما هي في القلب. نعم إن بعض أسفار الكتاب أو بعض أجزاء سفر واحد
منه أكثر فائدة من غيرها، كما أن بعض أجزاء الجسد تفيد أكثر من البعض الآخر. ولكن
جميع أجزاء كل سفر منه وكل أسفاره مكتوبة بروح الله.

 

19 – هل يُطلَق “الوحي” على ألفاظ الكتاب كما يُطلق على
معانيه، وما هي الأدلة على ذلك؟

*
الأمر الجوهري في الوحي هو أن الله عصم كتبَتَه في ما كتبوه، فجاء طِبق قصد الله.
ويتفق على هذا كل المؤمنين بالوحي. ولكن وقع خلاف في كيفية ذلك، فقال بعضهم إن
الوحي لا يشمل ألفاظ الكتاب. ولكن ليس لهذا الرأي أساس ولا سند. والأصح أن الوحي
يشمل ألفاظ الكتاب ومعانيه، لأن المعنى هو في الألفاظ ولها أهمية كلية في إيضاحه.
والاعتراض على ألفاظ الكتبة الأطهار هو بمثابة الاعتراض على أفكارهم أو قدرتهم على
إيضاح أفكارهم، وبالتالي على الوحي ذاته. ولجأ الذين قالوا إن الوحي لا يشمل ألفاظ
الكتاب إلى ذلك للتخلص من الصعوبات والاعتراضات في التناقض الظاهري أو التناقض
الصحيح بين عبارات الكتاب على ما هي عندنا الآن. غير أن عندنا توضيحات لتلك
التناقضات الظاهرية بدون إلقاء الشك على الوحي بالألفاظ. ومنها إمكانية حدوث خطأ أو
تغيير في لفظة أو عبارة من غفلة النسَّاخ في الزمن القديم أو ضعفهم البشري،
وإمكانية وجود شُبهات التناقض أو الاختلاف بحسب الظاهر في أمرٍ ما من عدم معرفتنا
كل ما يتعلق به بالتفصيل، أو من كيفية نظر الكاتبين إليه ونحو ذلك، بحيث أننا لو
عرفنا كل ما تقدم نقدر أن نزيل تلك الشبهات. ولذلك نقول إن اعتقاد الوحي بالألفاظ
في النسخ الأصلية صحيح. على أننا لا نعني بذلك الوحي بالإملاء، بل بإرشاد الروح
للكاتب في اختيارها. ومما يؤيد شمول الوحي بالألفاظ:

(1)
إن المسيح نسب العصمة إلى الكتاب المقدس كله، وهو مؤلف من الألفاظ. فما نُسب إليه
بالإجمال يُنسب بالضرورة إلى أجزائه. وأيضاً شهادة الكتاب لنفسه. قال الرسول: “التي
نتكلم بها أيضاً لا بأقوالٍ تعلّمها حكمة إنسانية بل بما يعلّمه الروح القدس”
(1كو 2: 13). وأيضاً “من أجل ذلك نحن أيضاً نشكر الله بلا انقطاع لأنكم إذ
تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة كلمة
الله” (1تس 2: 13 ولو 21: 14، 15 و2تي 3: 16). وهو ظاهر من قول الله لإرميا: “ها
قد جعلت كلامي في فمك” (إر 1: 9). وقول المسيح للرسل:
لستم أنتم
المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم” (مت 10: 20 و1كو 12: 8 و14: 37).

(2)
عدم إمكان فصل المعاني عن الألفاظ التي تدل عليها، لأن الألفاظ هي التي توضح
المعنى، ومعروف أن ضبط المعنى يستلزم ضبط الألفاظ، ولذلك لا تصح نسبة العصمة إلى
الأفكار دون الألفاظ التي توضحها. ولما كانت غاية الوحي هي إعطاء الموحَى إليهم
قدرة على التعليم وذكر الحوادث صحيحة، فلا بد من ضبط الألفاظ على المعاني
المقصودة. فلو كان استعمال كلمة “كاهن” أو “ذبيحة” أو “كفارة”
وغيرها من الكلمات المهمة في الكتاب المقدس بدون إرشاد الوحي، لكان ما تتضمنه تلك
الألفاظ من المعاني بدون إرشاد الوحي أيضاً.

(3)
بنى المسيح ورسله بعض أقوالهم على نفس ألفاظ الكتاب. من ذلك قول المسيح إن داود
دعاه بالروح رباً، فاستعمل نفس هذه الكلمة. وقوله من جهة كلمة “آلهة”
إنه لا يمكن أن يُنقض المكتوب (يو 10: 35) أي أن استعمال هذه الكلمة كان مقصوداً
من الله وهي ثابتة لا تقبل الإنكار. وقول بولس: “لا يقول وفي الأنسال كأنه عن
كثيرين، بل كأنه عن واحد” وفي نسلك الذي هو المسيح (غل 3: 16 وخر 3: 6 ومت
22: 32 وأع 2: 4 و2بط 1: 21 و3: 15، 16).

 

20 – ما هو قصد اللاهوتيين بأن الوحي بالكتاب “وحي تام”
أو مُطلَق تمييزاً عن الوحي الجزئي؟

*
قصدهم أن الوحي يعمّ الأسفار القانونية بألفاظها ومعانيها، وهو لا يستلزم عصمة
الكتَبة إلا في ما أُوحي إليهم به من تعليم وكتابة. وأما باقي الأمور العلمية
والفلسفية والتاريخية التي لم ينالوها بالوحي فكانت معرفتهم بها كغيرهم من أهل
عصرهم. وكذلك في تصرفاتهم، لأن الوحي لم ينشأ عن تقواهم، ولا جعَلَهم أتقى من
غيرهم (كما نرى في بلعام وشاول وقيافا) ولا عصمهم من الخطإِ في سيرتهم كداود
وبطرس.

نعم
إن اعتقاد الوحي بالألفاظ لا يخلو من الاعتراض ولا يرفع الصعوبات، لأن نُسَخ
الكتاب الأصلية ليست عندنا. ولا بد طرأت تغييرات في بعض الألفاظ والعبارات في
النسخة التي عندنا، غير أنها طفيفة لا تمس الجوهر أبداً. أما اعتقاد عدم إطلاق
الوحي في الألفاظ فيفتح باباً لاعتراضات كثيرة مضرَّة لعصمة الكتاب ويجعلها موضع
الشك لأننا إذا سلمنا أن الألفاظ غير موحى بها يجب التسليم بإمكانية استعمال ألفاظ
لا تفيد المقصود، ويلزم عن ذلك الشك في صحة المعاني وضبطها.

 

21 – ما هي الاعتراضات على الوحي وما هو الرد عليها؟

 (1)
اعتراض بأن في الكتاب تناقضاً. فإن كان هناك تناقض بين كتبة الكتاب في كتاباتهم
الأصلية يكونون غير معصومين. ولكن لا يوجد تناقض بينهم. وأما ما ظهر علي الكتاب من
شبهات فنرد عليه: (أ) لم تقُل الكنيسة مطلقاً بعصمة ترجمات الكتاب ونسخه بجميع
ألفاظها، بل اعتقدت بعصمة النسخ الأصلية فقط كما خرجت من أيدي الرسل والأنبياء،
فتلك فقط كانت تحوي تماماً كل ما قصد الله أن يودعه فيها من الألفاظ والمعاني.
فالذي يقول إن في الكتاب تناقضاً يجب عليه أن يقيم الدليل على وجوده في نسخ
الأنبياء والرسل الأصلية. ولا شك في تعذُّر ذلك على كل إنسان. أو على الأقل يجب
عليه أن يقيم الدليل على أن العبارات التي زعم أن فيها تناقضاً لا تحتمل إلا
المعاني والتفاسير التي ذهب هو إليها والتي يظهر بينها التناقض. وقد شهد كثيرون من
أفضل العلماء أن ما يُرى في نُسخ الكتاب التي عندنا من شبهات التناقض محصور في
مسائل طفيفة لا أهمية لها، ولا تمس ما هو جوهري، وأنه قد زال كثير من ذلك بواسطة
البحث في النسخ القديمة، ويُرجى إزالة كل ما بقي منها. (ب) قِلّة الاختلافات المهمة
أعجب من وجودها لأن أسفار الكتاب كُتبت بأيدي أناس يتفاوت بعضهم عن بعض في زمانهم
وعلمهم وأحوالهم. فقول أحد كتبته مثلاً إن الذين ماتوا بالوبإِ 23 ألفاً وقول
الآخر إنهم 24 ألفاً كحبة رمل في هيكل من المرمر، لا تخرجه عن روعته. مع أنه لا
منافاة بينهما، لأن الواحد ترك الكسر من الألف والآخر أضافه للتقريب. فلا يكون ما
نعجز عن تفسيره من الكتاب لنقص معرفتنا دليلاً على عدم الوحي به، ولا يليق
بالمسيحي أن يترك إيمانه بالوحي التام بالكتاب بسبب ما يصعب عليه تفسيره لبعض
آياته.

(2)
الاعتراض الثاني أن في الكتاب أموراً تخالف العلم والتاريخ. فنجيب على هذا
الاعتراض بأربعة أمور: (أ) وجوب التمييز بين ما ظنه كتَبة الكتاب وما علَّموه،
فربما ظنوا الشمس تدور حول الأرض، ولكنهم لم يعلّموا ذلك. (ب) إنهم استعملوا ما
كان مشهوراً من الكلام بين الناس مما يُلاحظ فيه موافقته للحواس بدون اعتبار
موافقته للعلوم. (ج) تناقض الكتاب مع الآراء البشرية غير المثبتة في المواضيع
الطبيعية ليس دليلاً على عدم صدقه، لأن تلك النظريات ينقصها الإثبات. (د) قد يختلف
تعليم الكتاب المقدس (أي معناه الحقيقي في أمرٍ ما) مع تفسيره، ولكن التفسير
الخاطئ لا يشين الكتاب، فقد بقيت الكنيسة قروناً كثيرة تفسّر الكتاب في كل ما
يتعلَّق بالكون حسب الآراء البطليموسية في الفَلك، ثم عدلت عن ذلك وأخذت تفسّره
حسب الرأي الكوبرنيكي. غير أن ذلك لم يؤثر في صدق الكتاب. والرأي العام الذي ساد
بين مفسري الكتاب في القرون الماضية بشأن عمر الأرض، وهو ستة آلاف سنة فقط قد بطل
بعد أن أثبت الجيولوجيون أنها وُجدت منذ ملايين السنين، وهذا لا يعيب الوحي الإلهي
في شيء، بل يعيب تفسير المفسرين. فنحن الآن نحدد اليوم بأربع وعشرين ساعة بناءً
على دوران الشمس والأرض، والكتاب يقول إن الشمس خُلقت في اليوم الرابع (تك 1: 16).
فيكون أن المقصود بكلمة
يوم حقبة من
الزمان، لا 24 ساعة. كما أن ألف سنة عند الله مثل يوم واحد (مز 90: 4، 2بط 3: 8).

(3)
اعترضوا بأن كتبة العهد الجديد أحياناً لم يوردوا ما اقتبسوه من العهد القديم
حرفياً. فنجيب إن أكثر اقتباسات كتبة العهد الجديد من العهد القديم هي حرفية، وقد
اقتبسوا معنى بعضها دون ألفاظها. ومنها ما أخذوه عن الترجمة السبعينية، ومنها ما
أخذوه عن النسخة العبرانية، ومنها ما أوردوه بإرشاد الروح بمعنى آخر يوافق معناه
الأصلي.

ومما
زعمه البعض لإثبات هذا الاعتراض أن عدم اقتباس كتبة العهد الجديد نفس ألفاظ العهد
القديم تماماً يبيّن خلوهم من الوحي في ما اختاروا من الألفاظ، لأنه إذا صحَّ أن
العهد القديم كُتب بالوحي كانت ألفاظه هي الأنسب لبيان المعنى، وكان يجب عليهم أن
لا يغيّروا منها نقطة واحدة.

فإن
قيل إن عدم محافظتهم على ذلك دليل على عدم الوحي بألفاظ ما كتبوه. فنجيب إن في هذا
الاعتراض رأيين خاطئين: (أ) في كيفية علاقة الوحي بالألفاظ. و(ب) في كيفية
الاقتباس. فقد كان من مقصود الوحي استعمال ما هو كافٍ من الألفاظ والعبارات لبيان
الحق. ولذلك لم نلتزم في التعبير عن معاني الكتاب بألفاظها دون غيرها. وكذلك من
جهة الاقتباس، فإن رأي المعترض فيه أنه بمنزلة الترجمة التي تستلزم المحافظة على
المعنى على قدر الإمكان. على أن ذلك يترتب على قصد الكاتب، فربما أتى به لغير
الغاية الأصلية وخصَّص ما اقتبسه لغير الموضوع الأصلي. ولما كان الاقتباس ليس
ترجمة، يحقّ للمقتبِس أن يغيّر الألفاظ دون المعنى. كما يحقّ له أيضاً أن يقتبس
جملة على غير ما قُصد بها في الأصل. وواضح أن كتبة العهد الجديد الذين اقتبسوا من
العهد القديم لم يخالفوا الأصل بقصد التحريف، ولا لاختلاق دليلٍ كاذب لإثبات
مقصودهم.

(4)
ما بُني على أقوال في الكتاب المقدس لم يُنطق بها أصلاً بالوحي، ومنها قول الشيطان
لحواء: “لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتكونان
كالله عارفَين الخير والشر” (تك 3: 4، 5). وقول قايين: “أحارس أنا لأخي؟”
وقول الذين شرعوا في بناء برج بابل: “هلمَّ نبني لأنفسنا مدينة وبرجاً”
(تك 11: 4). وقول إبراهيم لسارة: “قولي إنك أختي” (تك 12: 13). وقول
يعقوب لإسحاق أبيه حين سأله: هل أنت ابني عيسو؟ فقال أنا هو (تك 27: 24). وقول
موسى عند مياه مريبة حين فرط بشفتيه (مز 106: 33). وقول الجاهل ليس إله (مز 14:
1). وقول بطرس حين أنكر بقسمٍ أنه لا يعرف الرجل (مت 26: 72). فنجيب إن الذين
نطقوا بتلك الأقوال نطقوا بها من أنفسهم لا بالوحي، ولم يصدق الوحي أنها من الله،
ولا أنه راضٍ عنها، ولا أنها صحيحة في نفسها، بل ألهم الكتبة بكتابتها على ما هي
تسجيلاً للتاريخ ووصفاً لحال الذين نطقوا بها.

 

22 – ما هو تفسير ما جاء في 1كو 7: 6، 12، 40
ورو 3: 5 و6: 19 وغل 3: 15 وبيان أنه لا يناقض الوحي التام بالكتاب؟

*
جاء في 1كو 7: 6 “ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر”.
وهو يشير إلى ما جاء في 1كو 7: 2 ومعناه أن الزواج ليس تحت الأمر بل تحت الإذن،
وأنه متروك لإرادة كل إنسان.

وجاء
في 1كو 7: 12
“وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب”. ولما قال
الرسول في آية 10 “وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب” فإن بولس
أراد أن يميز في هذه الآية بين تعليم المسيح وهو على الأرض في هذا الموضوع وتعليمه
هو. وهو ليس بمعنى أن تعليم بولس يخالف تعليم المسيح، بل إنه زاد أموراً لم يذكرها
المسيح.

وجاء
في 1كو 7: 40
“ولكنها أكثر غبطة أن لبثَتْ هكذا بحسب رأيي. وأظن أني
أنا أيضاً عندي روح الله”. فالفعل “ظنَّ” هنا يفيد في الأصل
اليوناني العلم أو اليقين، وهذا الفعل في اللغة العربية يدل على الرجحان وعلى
اليقين أيضاً كما في اليوناني.

وجاء
في رو 3: 5

“أتكلم بحسب الإنسان”. وقد جاءت هذه العبارة أكثر من مرة في الكتاب
المقدس ومعناها يتضح من قرينتها. ومعناها هنا أن الرسول يتكلم الآن بلغة البشر
المشهورة وعلى اصطلاح اليهود، لا حسب رأيه.

وجاء
في رو 6: 19
“أتكلم إنسانياً من أجل ضعف جسدكم”. بمعنى: على
ما هو مفهوم عندكم.

وجاء
في غل 3: 15
“أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول”. بمعنى أنه يورد
لهم مثالاً من العوائد البشرية.

وليس
في كل ما سبق ما ينفي الوحي التام في ما كتبه بولس، لأنه بإرشاد الروح القدس،
وشهادة ضميره من نحو الله.

 

23 – مَن هم الذين ينكرون الوحي؟

*
هم أصحاب الآراء الطبيعية، والكفرة مثل الحلوليين، ومؤلّهي الكون، والذين يعتبرون
المادة مستقلة عن عناية الله وقائمة بنفسها ولها قوى العقل وقدرة التمييز، والذين
يعظمون نواميس الطبيعة ويعطونها مقام الله في تسلطها، والذين يعتبرون أن العقل هو
المرشد العظيم للبشر في أمور الدين، وأيضاً الذين ينكرون وجود الله. فهم جميعهم
يرفضون الوحي.

 

24 – ما هي المذاهب الخاطئة في تقييم الوحي وفعله؟

*
قُسمت تلك المذاهب إلى قسمين:

(1)
ما أحاط بالآراء التي تقلل فعل الوحي وامتداده. ومنها عقيدة عدم وحي كل الأسفار
القانونية، وعقيدة أن أجزاء الكتاب المقدس التعليمية فقط هي الموحى بها دون ما جاء
في الكتاب من الأمور التاريخية والطبيعية ونحوها. وعقيدة أن الوحي محصور في
المعاني دون الألفاظ. فيلزم عن كل تلك الآراء أن الكتاب المقدس ليس هو كلمة الله
الكاملة الوحيدة، وأن كلمة الله جزء فقط مما يتضمنه الكتاب المقدس، ولذلك يمكن أن
نرفض ألفاظاً أو عبارات أو فصولاً أو أسفاراً كاملة. وهذا يجعل عقل الإنسان أسمى
من الكتاب المقدس، لأن العقل يحكم على الكتاب.

(2)
ما أحاط بالآراء التي تعظّم فعل الوحي وامتداده أكثر من اللازم. ومنها عقيدة موهبة
الوحي لكل مؤمن، أي أن الروح القدس يوحي إلى كل مؤمن في أمور الديانة بكيفية تجعله
مستقلاً عن الكتاب. وعقيدة أن كل عمل صالح يتمّ بإرشاد الروح القدس يصل إلى درجة
الوحي. مثال ذلك كل مَن صوَّر صورة جميلة أو نحت تمثالاً بديعاً أو بنى قصراً
فاخراً أو ألَّف كتاباً بليغاً أو أنشأ خطاباً فصيحاً كان عمله بالوحي، أي أن الله
أرشده في عمله كما أرشد الكتبة الأطهار في كتابة الأسفار المقدسة.

ومن
هذا يتضح أصحاب آراء القسم الأول يجعلون الوحي أضيق، وأصحاب آراء القسم الثاني
يجعلونه أوسع مما هو. وقد جانب كلاهما الصواب.

 

25 – هل يُخشى أن يؤدي تقدم العلوم و الاكتشافات التاريخية إلى
انحطاط سلطان الكتاب المقدس؟

*
لا، بدليل زيادة تقديرنا للكتاب كلما تقدمت العلوم في عصرنا الحاضر، لأن الكتاب
والطبيعة من أصل واحد هو الله.

 

26 – ما المقصود بكمال الكتاب المقدس؟

*
المقصود أن جميعه كلام الله، ويتضمن كل ما أعلنه الله للبشر وعيَّنه دستوراً
لكنيسته للإيمان والعمل، وأنه كافٍ لإرشادنا في كل أمور الدين. نعم إن الله أعلن
نفسه منذ تأسيس العالم بواسطة أعماله، أي بواسطة الإعلان الطبيعي. غير أن كل ما
عرفناه من ذلك نجده منصوصاً عليه في كتابه. ولا ننكر أن الأنبياء والمسيح والرسل
علَّموا أموراً كثيرة، منها ما لم يُكتب، ومنها ما كُتب. ولكن اعتقادنا هو أن
الكتاب المقدس كما هو عندنا الآن يتضمن كل ما أوحى به الله ليكون دستوراً دائماً
للكنيسة، فلا يجوز الاعتماد في ذلك على غيره. وهذا الاعتقاد يُخرج التقاليد
بجملتها والأسفار غير القانونية وقوانين المجامع وكل ما رسمته الكنيسة وحكمت به
سواء كان تعليماً أو نظاماً أو عادة دينية، لأن الكتاب كامل وكافٍ.

 

27 – ما هي الأدلة على كمال الكتاب؟

*
هناك أدلة كثيرة، ومنها:

(1)
شهادة الله أن الكتاب كامل بلا حاجة لزيادة ولا نقصان، وحسب الغاية التي أُعطي
لأجلها.

(2)
ذكر المسيح ورسله أن الكتاب هو الدستور الوحيد، ورفضوا كل دستور سواه، ووبخوا
الفريسيين لأنهم زادوا عليه وحرَّفوا معناه.

(3)
يتبيّن كماله من الغرض المقصود به، وهو تعريفنا الكامل بالله وتعليمنا كل ما هو
ضروري للدخول إلى السماء. وقد ورد فيه أنه يتضمن كل ذلك، وأنه وحده قادر أن يحكّم
الإنسان للخلاص، كما قال يوحنا: “وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو
المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يو 20: 31). وقال
بولس: “تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكّمك للخلاص” (2تي 3: 15-17 رو
4: 3 وأع 17: 11 وإش 8: 16، 20 ورؤ 22: 18، 19).

(4)
تأثيره الصالح في الذين قبلوه، فلو كان ناقصاً ومحتاجاً إلى التقليد لكانت حالة
الذين يقبلونه وحده (بدون التقليد) أقل من حالة الذين يقبلونه مع التقليد في
السعادة والتقوى، سواء كانوا أفراداً أو عائلات أو كنائس أو ممالك.

(5)
يحتوي الكتاب على كل التعاليم الدينية اللازمة لإرشاد المسيحيين في حياتهم الشخصية
وعبادتهم الجمهورية وبنيانهم لملكوت الله وخلاص نفوسهم، وتوافق تعاليمه بعضها
ببعض.

 

28 – بماذا اعترض بيلارمينوس على كمال الكتاب المقدس، وما هو الرد
عليه؟

*
بيلارمينوس تقليدي، وهو مؤلف مشهور، اعترض على كمال الكتاب بقوله إن بعض الأسفار،
خصوصاً الرسائل، كُتبت لأغراض وقتية ولحاجة بلادٍ معينة، فهي لا توافق الكنيسة في
كل العصور. فنجيب: إن كتابة رسائل لبعض الكنائس ولأغراض معلومة لا يجعلها غير
مناسبة لكنائس أخرى في أزمنة أخرى، لأن الكنيسة واحدة جامعة في كل زمان ومكان،
وتحتاج لنفس تلك النصائح والتعاليم لترشدها وتحفظها من الفساد، فقد قصد الله أن
تكون تلك الرسائل مفيدة للكنائس التي كُتبت إليها في الأصل، ولفائدة الكنائس التي
تخلفها إلى انقضاء العالم. ومن الواضح أن ما حَوَته تلك الرسائل نافع للبنيان
والتهذيب في كل زمان ومكان.

واعترض
بيلارمينوس أيضاً على كمال الكتاب بقوله:
لو أن
المسيح ورسله قصدوا إفادتنا بكل ما هو في الكتاب المقدس من التعاليم الدينية
لرتَّبوه بطريقة السؤال والجواب، بشكل قانون يتضمن الحقائق الدينية اللاهوتية
. فنجيب:
مصدر هذا الاعتراض هو الكبرياء والاستخفاف بحكمة الله، فكيف يتجاسر مخلوق على
الخالق العظيم الكامل!

 

29 – ما هو المقصود بالقول إن الكتاب المقدس واضح؟

*
المقصود أن كل من يطالعه يقدر أن يتعلم منه كل ما هو ضروري لخلاصه ومعرفة واجباته،
فكل هذا مُعلَن فيه ويمكن استخراجه منه بواسطة الاجتهاد والتدقيق في الدرس. وعقيدة
وضوح الكتاب المقدس لا تنفي أن به تعاليم لا نقدر أن ندركها تماماً في حالتنا
الحاضرة، ولا تنفي ما في بعض أجزائه (خاصة النبوات) من الصعوبات في تفسيرها لأنها
فوق عقل البشر، ونحتاج فيها لإرشاد الروح القدس لنفهم معناها الروحي الحقيقي حق
الفهم. فعلى كل إنسان أن يطالعه بنفسه لنفسه.

 

30 – ما هي الأدلة على وضوح الكتاب المقدس؟

*
(1) المقصود منه وهو إعلان الحق لنا وتعليمنا إياه. فإذا نسبنا إليه الإبهام
والالتباس في التعليم كان ذلك إهانة لله لأسباب أعظمها أنه قد أوقف خلاصنا الأبدي
أو هلاكنا على فهمنا لِما أعلنه لنا فيه.

(2)
شهادة نصوصه الكثيرة على ذلك (مز 19: 7، 8 و119: 105، 130 و2كو 3: 14 و2بط 1: 18،
19 وعب 2: 3 و2تي 3: 15-17).

(3)
اختبارنا الدائم، فكما نعرف من يوم ليوم أن الشمس تعطي نوراً وحرارة، هكذا نعرف من
يومٍ لآخر أن الكتاب المقدس يعطي فائدة وإرشاداً لقلوبنا وعقولنا في أمور الدين.
وإنكار وضوحه يخالف اختبار كل مطالعيه في كل العصور.

(4)
وضوح تعاليمه الظاهر من الوحدة الجوهرية في فهم تعاليمه بين المؤمنين في كل
الأجيال.

 

31 – هل يجب على كل إنسان أن يفحص الكتاب المقدس لنفسه؟

*
لكل الناس الحق أن يقرأوا الكتاب ويفهموا معناه، بل إنهم مأمورون بذلك، ليكون
إيمانهم مبنياً على شهادة الله لا الكنيسة. ولم يعيّن الله شخصاً أو لجنة لتفسيره
وأوجب على العامة قبول ذلك، بل أمر كل واحدٍ أن يقرأه ويبحث عن واجباته فيه.

 

32 – ما هي الأدلة على أن للإنسان حقاً أن يفحص الكتاب المقدس
لنفسه، وأن ذلك واجب عليه؟

*
(1) واجبات الإنسان في الإيمان والطاعة شخصية، فكل إنسان يُسأل عن نفسه واعتقاده
وسيرته، وينبغي أن يميّز بنفسه ما هو ملتزم به، ولا يفيده اعتذاره يوم الدين بأن
والديه أو رؤساءه أو كنيسته علَّموه شيئاً أو حكموا عليه بشيءٍ، لأنه يجب أن يُطاع
الله أكثر من الناس.

(2)
كلام الكتاب موجه دائماً للشعب لا لرؤساء الكنيسة، فإن الأنبياء جميعهم أُرسلوا
إلى الشعب، وكان كلامهم في كل حين: “اسمع يا إسرائيل. أنصت يا شعبي”.
وكان المسيح أيضاً يكلّم الشعب، وكُتبت رسائل العهد الجديد لكنائس، ما عدا رسائل
تيموثاوس وتيطس، لأن الشعب يقدر أن يفهم ما كُتب إليه، ولم يُؤمر بطلب إرشاد بشري
ليفهم تلك الرسائل (تث 6: 4-9 ولو 1: 3 و4 ورو 1: 7 و1كو 1: 2 و2كو 1: 1، 4 و4: 2
وغل 1: 2 وأف 1: 1 وفي 1: 1 وكو 1: 2 و4: 16 و1تس 5: 27 ويع 1: 1 و1بط 1: 1 و2بط
1: 1 و1يو 2: 12-14 ويه 1 ورؤ 1: 3، 4 و2: 7).

(3)
أعطى الله الكتاب للشعب ليتعلمه ويعلّمه، فتكررت الأوامر للوالدين في العهد القديم
بأن يعلّموا أولادهم الشريعة، وأن بنيهم يعلّمون أولادهم أيضاً. وأمر المسيح الشعب
أن يفتشوا الكتب (يو 5: 39) لأنهم يقدرون أن يفهموا تعليم العهد القديم في ما
يتعلَّق به، وإن لم يفهمه رؤساء الكهنة والكتبة. وسُرَّ بولس بأن تيموثاوس تعلَّم
منذ حداثته الكتب المقدسة القادرة أن تحكّمه للخلاص وقال لأهل غلاطية:
إن بشرنا نحن
أو إنسان آخر أو ملاك من السماء بإنجيل آخر فليكن أناثيما
. وهذا يدل
أنه كان لمؤمني غلاطية حق أن يحكموا بصدق تعليم الرسول أو الملاك أو بعدم صدقه،
وأن لهم مقياساً أو قانوناً لهذا الحكم، وهو ما ثبت عندهم أنه كلام الله. ومبدأ
الرسول هذا هو نفس مبدأ موسى في قوله لإسرائيل: “إذا قام في وسطك نبي أو حالم
حلماً وأعطاك آيةً وأعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة وعلَّمك ما يضاد شريعة
الله فلا تسمع له” (تث 13: 1-3). وهذا يعني أن الشعب يقدر بإرشاد شريعة الله
(الكتاب المقدس) أن يحكم في التعاليم الدينية: أصادقة هي أم كاذبة؟ وإذا كان في
طاقتهم أن يحكموا من جهة بشارة بولس أو إنسان آخر أو ملاك من السماء فكم بالحري
لهم قدرة أن يحكموا من جهة تعاليم الكاهن (أع 17: 11 و2كو 4: 2 وغل 1: 8 و1تس 5:
21 و1يو 4: 1، 2).

(4)
الوعد بمعونة الروح القدس لفهم الكتاب وتفسيره موجَّه للمسيحيين المؤمنين عموماً،
لا إلى الرؤساء والقسوس والمعلمين فقط (يو 14: 26 و16: 13 و17: 17 ولو 24: 44-49
ورو 8: 9-11 و1كو 3: 16، 17 و12: 3-11 و1يو 2: 20 و27).

(5)
منع الشعب من درس الكتاب وتمييز معناه يسلبهم حرّيتهم ويجعلهم في عبودية، فهو
الدستور والقانون الوحيد المُعطى للبشر للإيمان والعمل، ومنعهم من تلاوته يمنعهم
من معرفة الإرادة الإلهية، وإقامة شخص أو كنيسة أو مجمع للتفسير يستعبدهم لأفكار
بشرية. ومما يزيد هذا الاستعباد ثقلاً توكُّل بسطاء الشعب المتفرقين في الضياع
والقرى البعيدين عن وسائط المعرفة على الكاهن الذي بينهم.

 

33 – ما هي حُجة التقليديين في أن تفسير الكتاب خاص بالكنيسة أو
رؤسائها وفي منعه عن الشعب؟

*
حجتهم هي زعمهم أن الشعب لا يقدر أن يفهم الكتاب. غير أن هذا الزعم يزيد المسألة
صعوبةً على الشعب، لأن الإنسان يجب أن يتحقق أولاً أين هي الكنيسة الصحيحة، ثم
يتحقق من عصمتها، ثم يتحقق من صحة تفاسيرها. وهذا يحتاج إلى عمق بحثٍ وتدقيق،
كالسؤال: هل الكنيسة الصحيحة مؤلَّفة من رجال الدين، أم من الشعب فقط، أم من
كليهما؟ وإذا كانت من الكهنة فقط، فمتى أُلّفت منهم، وفي أي الأحوال هم الكنيسة؟
أوَهم متفرقون كل في مكانه أم وهم مجتمعون في المجامع؟ وأيضاً السؤال عن مقرّ
العصمة: هل هي في البابا كما حكم المجمع الفاتيكاني، أم في المجمع المسكوني ذاته
على قول البعض؟ وينبغي أيضاً أن يقف على تفاسير الكنيسة القانونية للأسفار المقدسة
وللأبوكريفا وللتقاليد المتفرّقة في كتب عديدة انتشرت في القرون المسيحية. ألا ترى
أن فهم كتاب الله الواضح أسهل على الشعب من حل هذه المشاكل؟!

 

34 – هل وصول الخاص والعام إلى الكتاب المقدس سهل؟

*
نعم وذلك لكثرة نُسخه في لغات مختلفة ورِخص ثمنها.

 

35 – ما هي نتيجة إثبات وحي الكتاب وكماله ووضوحه وسهولة الوصول
إليه؟

*
ينتج أن الكتاب المقدس هو القانون الوحيد للإيمان والعمل، والقاضي الوحيد للحكم في
المسائل الشخصية أو الكنسية، فله السلطان في حل المشاكل والحكم في الدعاوى الشخصية
والكنسية. وليس لشخص أو جماعة حق الحكم في الأمور الدينية إلا بما يعلّمه الكتاب.
وليس لقوانين الإيمان ولا لتعاليم علم اللاهوت سلطان إلا في ما يوافق الكتاب،
وقوَّتها ليست في نفسها بل في كتاب الله.

 

36 – ما هو الاعتراض على عصمة الكتاب دون عصمة الكنيسة، وما هو الرد
عليه؟

*
هو قولهم إننا قبلنا الكتاب باعتبار أنه كلام الله بناءً على شهادة الكنيسة.
فإيماننا بالكتاب إيمان بالكنيسة، وتسليمنا بعصمته يستلزم التسليم أولاً بعصمتها
وسلطانها. فنجيب:

(1)
لا نقبل الكتاب المقدس على مجرد شهادة الكنيسة وسلطانها، لأن عندنا غير شهادتها
أدلة كثيرة على صدقه وأصله الإلهي، كالمعجزات، والنبوات، وماهية تعاليمه، وشهادة
ضمائرنا.

(2)
إن صحَّ أن قبولنا الكتاب المقدس هو لمجرَّد شهادة الكنيسة، فهذا لا يعني أنها
معصومة وذات سلطان في تفسيره، لأن شهادة شخص لملك أنه مولود من العائلة الملكية لا
تعطيه حقاً أن يملك مكانه، ولا أن يكون مفسّراً معصوماً لإرادة ذلك الملك وأقواله.
أما شهادة الكنيسة فليست بسلطان، لكنها شهادةٌ ثمينة لصدقها وكفايتها لإثبات أن
كتبة الأسفار المقدسة ملهَمون. فننسب السلطان إلى الكتاب نفسه لأنه كلام الله
مكتوباً بالوحي، ونعتبر شهادة الكنيسة من الأدلة على ذلك.

 

37 – ما هو الرد على الاعتراض على عصمة الكتاب
وسلطانه وحق عموم الشعب في مطالعته بحُجَّة كثرة الطوائف واختلاف الآراء اللاهوتية
بين الإنجيليين؟

*
لا يدَّعي الإنجيليون العصمة لكل شخص في تفسير الكتاب، بل القدرة على فهم معناه في
كل الأمور الجوهرية اللازمة لخلاص النفس. ولا اختلاف بين الإنجيليين في الأمور
الجوهرية، بل في الأمور الهامشية العرَضية الخارجية مثل النظامات الكنسية وما
شابهها، أو المسائل اللاهوتية الصعبة غير الواضحة كل الوضوح في الأسفار المقدسة.
أما اتفاقهم في كل التعاليم الجوهرية فواضح من تآليفهم الدينية وعبادتهم
وترنيماتهم الروحية والمبادئ الأخلاقية المعتبرة عندهم.

ولم
يكن في قصد الله أن يُلزم كل المؤمنين أن يعتقدوا اعتقاداً واحداً في جميع الأمور
الثانوية التي ليست لها أهمية جوهرية في خلاص النفس. ولا يعلّم الكتاب أن خلاص
الإنسان يتوقف على براءته من كل خطإٍ في ما يتعلق بالعقائد، ولا على اتحاد جميع
المؤمنين من كل الطوائف اتحاداً تاماً. فلو قصد الله ذلك لجعل كل تعليم الكتاب
المقدس أوامر أو قوانين حتى لا يمكن الخطأ في فهمه. ولو رأى الله لزوماً لمفسّر
معصوم للكلمة لأنبأنا بذلك بوضوح.

 

38 – ما هي الفائدة من قواعد تفسير الكتاب وما هي أهمها؟

*
بما أن كل إنسان يجب أن يطالع الكتاب ويميّز معناه الحقيقي لنفسه، يكون لائقاً
ومناسباً اتباع قواعد تساعد على صحَّة تفسيره، نذكر هنا بالاختصار بعضها:

(1)
يجب أن تؤخذ الكلمات بمعناها البسيط المشهور كما فهمه الذين خوطبوا بها أولاً.

(2)
الكتاب يفسّر نفسه، ويتضح معناه من مقارنة أجزائه ببعض، أو من ملاحظة القرائن، أو
قصد الكاتب العام. فإن ما يحتمل منه تفاسير مختلفة يجب مقارنته بتعاليم الكتاب في
ذات الموضوع واختيار التفسير الموافق لوحدة المعنى في كل الكتاب، لأنه صادر عن عقل
واحد هو عقل الله، فلابد من الموافقة بين كل تعاليمه.

(3)
يجب اعتبار المجاز مجازاً وتفسيره كذلك. وأيضاً الحقيقي أنه حقيقي وتفسيره كذلك.

(4)
يجب ملاحظة الصفة الرمزية في العهد القديم، ومعرفة الرموز تماماً وتفسيرها باعتبار
أنها رموز.

(5)
يجب مطالعة النبوات بكل دقة وتفسيرها بحسب ما قد تمَّ منها، وبإرشاد العهد الجديد.

(6)
يجب طلب إرشاد الروح القدس في تفسير الكتاب بالتواضع واللجاجة، لأن شعب الله موعود
به معلّماً ومرشداً لهم إلى معرفة الحق. وأيضاً لأن الإنسان الطبيعي لا يقبل
التعاليم الروحية بدون إرشاد الروح.

لقد
استخدم شعب الله الحقيقي حريتهم في كل زمان ومكان في تفسير الكتاب فنشأ عن ذلك
اتفاقهم في كل أمرٍ جوهري. وهذا دليل قاطع على وضوحه وضرورة تسليمه للناس ليتمتعوا
بحقهم الموهوب لهم من الله في مطالعته وفهم معناه.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى