كتب

الفصل السابع



الفصل السابع

الفصل السابع

إنجيل متى
المنحول

إنجيل مولد
مريم وميلاد المخلَّص

 

 إنجيل
متى المزيف: وهو رسائل مزورة يزعم كاتبه أنها كانت بين القديس جيروم وأسقفين إيطاليين،
مع الادعاء زوراً بأن جيروم قد ترجمها إلى اللاتينية من الأصل العبري. ولا يوجد
هذا الإنجيل المزيف إلا في اللاتينية ويبدو أنه لم يكن له وجود قبل القرن الخامس.
ويعتمد هذا الكتاب المنحول على إنجيل يعقوب التمهيدي المنحول كثيراً مع إضافات من
مصدر غير معروف (الأرجح غنوسي)، كما يأخذ معجزات أخرى من إنجيل الطفولة لتوما الإسرائيلي
المنحول والخاصة بالرحلة إلى مصر، مع التنويه في بعض هذه المعجزات بأنها كانت
إتماماً لنبوات العهد القديم، فمثلاً في (أصحاح 18) كان سجود التنانين للطفل يسوع
إتماماً لما قاله داود: ” سبحي الرب من الأرض أيتها التنانين وكل اللجج
” (مز 148: 7)، وفي (أصحاح 19) عندما سجدت له الأسود والنمور ودلتهم على
الطريق في البرية، وذلك ” بحناء رؤوسها وهز ذيولها والسجود له باحترام عظيم
” على أنه إتمام للنبوة: ” يسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي 000
والأسد كالبقر يأكل تبناً ” (اش 11: 6و7). وفي هذا الكتاب المنحول يذكر لأول
مرة كيف أن الثور والحمار سجدا للطفل يسوع في المزود، وقد استغل الفن المسيحي ذلك
كثيراً. كما أن به الكثير من المعجزات المذكورة في إنجيل الطفولة. وقد تأثر به
الكثيرين من كتب وفناني العصور الوسطى.

تمهيد

 أنا يعقوب، ابن يوسف
النجار، ممتلئاً مخافة الله، كتبت كلّ ما رأيته بعينَي زمن مولد الطوباوية مريم
وميلاد المخلَّص، شاكرا الله لأنه منحي معرفة قصص مجيئه، ولأنه أراني تمام
النبوّات الُمعطاة لأسباط إسرائيل الاثني عشر.

 

الإصحاح الأول

يواقيم المستقيم وزوجته
حنه بدون ذرية

 كان في إسرائيل رجل اسمه يواقيم، من سبط يهوذا، كان يرعى أغنامه،
خائفاً الله في بساطة قلبه واستقامته، وليس له من همًّ آخر سوى همَّ قطعانه، التي
كان يستخدم منتجاتها لإطعام الذين كانوا يخافون الله، مقدَّماً قرابين مضاعفة في
خوف الربّ، ومغيثاً المعوزين وكان يضع ثلاث حصص من خرافه، وأرزاقه وكلّ الأشياء
التي يملكها؛ ويعطي واحدة للأرمل، واليتامى، والغرباء والفقراء؛ والأخرى للمنذورين
لخدمة الله، ويحتفظ بالثالثة لنفسه وكل بيته. وقد ضاعف الله قطعيه بحيث لم يكن
هناك أحد يمكن أن يًقارن به في كلّ بلاد إسرائيل. وبدأ يسلك هكذا منذ الخامسة عشرة
من عمره. وعندما بلغ العشرين من عمره، اتخذ امرأةً حنة، ابنة يساكر، التي كانت من
نفس سبطه، من سبط يهوذا، من نسل داود؛ وبعدها سكن عشرين عاماً معها، لم يُرزَق
منها أولاداً.

الإصحاح الثاني

الملاك يبشّر حنة
ويواقيم

 وحدث أن يواقيم قَدمَ
في أيام العيد بين الذين يحملون قرابين للربّ، يقدَّم تقدماته في حضرة الربّ. لكن
كاتباً من الهيكل، اسمه راؤبين، اقترب منه وقال له: ” لا يليق أن تقف بين
الذين يقدمون ذبائح لله، لأن الله لم يباركك، ولم يمنحك نسلاً في إسرائيل “.
فأنسحب يواقيم من الهيكل باكياً، مهاناً في حضور الشعب، ولم يَعُدْ إلى بيته؛ لكنه
مضى نحو قطعانه أخذاً معه رعاته إلى الجبال، إلى بلاد بعيدة؛ ولم تسمع عنه زوجته
حنه أي خبر لمدة خمسة أشهر. وكانت تبكي في صلواتها، وتقول: ” أيها الربّ
الكلي القدرة، يا إله إسرائيل، لمَاذا لم ترزقني ولداً، ولمَاذا أخذت زوجي مني؟ ”
أنني لا أعرف أن كان ميتاً، ولا أدري كيف أعمل لدفنه “. وداخلت بيتها، وأخذت
تبكي بمرارة، وسجدت لتصلّي، موجَّهةً توسُّلاتها إلى الربّ. وفيما هي تنهض من
صلاتها وترفع عينَيها إلى الله، رأت عشَّاً للعصافير في شجرة غار، فقالت وهي
نائحة: ” أيها الربّ الإله الكلي القدرة، أنت الذي أعطيت المخلوقات كلّها
نسلاً، البهائم والحيات، والأسماك والطيور، والذي يجعلها تسر بصغارها، أحمدك، لأنك
شئت أن أكون وحدي مستثناة من أفضال جودك؛ فأنت تعرف، يا ربّي، سرَّ قلبي؛ لقد
نذرت، منذ بدء رحلتي، أنك لو رزقتني أبناً أو ابنةً. لكنت كرسته لك في هيكلك
المقدَّس “. وعندما قالت ذلك، ظهر ملاك الربّ فجأة أمام وجهها، قائلاً لها: ”
لا تخافي، يا حنة لأن نسلك في مجلس الله، وستتعجب جميع الأجيال حتى الانقضاء لذلك
الذي سيولد منك “. وعندما قال ذلك اختفي من أمام ناظريها. ودخلت حنة غرفتها،
مرتجفةً مذعورةً لأنها شاهدت رؤيا كهذه، وسمعت كلاماً كهذا، وارتمت فوق سريرها
كميتة، وخلال النهار كلّه والليل كلّه، كانت تصلي بخوف عظيم. ثم نادت إليها
خادمتها، وقالت لها: ” لقد رأيتني حزينة لعُقْري وترمُّلي، ولم تريدي أن تأتي
إليّ “. فأجابت خادمتها هامسةً: ” إذا كان الله قد أغلق رحمك، وإذا كان
قد أبعد عنك زوجك، فماذا يمكنني أن أفعل من أجلك؟ ” فرفعت حنة صوتها، وقد
سمعت ذلك، وبكت وهي تطلق صيحات ألم.

الإصحاح الثالث

ظهور الملاك ليواقيم

 وفي نفس الوقت، ظهر
شاب وسط الجبال ليواقيم وهو يرعى قطعيه وقال له: ” لماذا لا تعد إلى زوجتك؟ ”
فقال يواقيم: ” كانت لي خلال عشرين عاماً؛ أنما الآن، بما أن الله لم يشأ أن
أُرزق منها أولاداً، طُردت من الهيكل بحقارة، فلماذاَ أعود إلى إليها؟ ”
لكنني سوف أُوزَّع، بيد خدامي، على الفقراء، والأرامل، واليتامى وكهنة الله
الأرزاق التي تعود إليهم “. وعندما قال ذلك، أجابه الشاب: ” أنا ملاك
الله، وقد ظهرت لزوجتك التي كانت تبكي وتصلي، وعزَّيتها، لأنك تركتها مثٌقلة بحزن
شديد. إعلَمْ في خصوص امرأتك، أنها ستحيل بابنة ستكون في هيكل الله، وسيسكن الروح
القدس فيها، وتكون بركتها أعظم من كلّ النساء القديسات؛ بحيث لا يستطيع احد أن
يقول أن مثيلة لها كانت قبلها، أو أنه ستوجد مثيلة لها بعدها على مدى الأجيال؛
وسيكون ابنها مباركاً، وهي نفسها ستكون مباركة، وستكون أُم البركة الأبدية. لذلك
أنزَلْ من الجبل وعُدْ إلى زوجتك، واحمدا معاً الله العليّ القدير “.

 فسجد يواقيم للملاك
وقال له: ” أن وجدت نعمة في عينيك، فاسترحْ قليلاً تحت خيمتي، وباركْني، أنا
خادمك “. فقال له الملاك: ” لا تَقُلْ: أنا خادمك، بل أنا رفيقك؛ فأننا
خدام ربًّ واحد؛ لأن طعامي غير مرئي، وشرابي لا يمكن أن يراه البشر الفانون. إذاً،
لا يجب أن تسألني الدخول تحت خيمتك؛ بل ما كنت تريد إعطائي إياه، قدَّمْه محرقةً
لله “. فحينئذ أخذ يواقيم حملاً بلا عيب، وقال للملاك: ” ما كنت لأجرؤ
على تقديم محرقتي لو لم يُعطني أمرك حق ممارسة الكهنوت المقدس؟ ” فقال له
الملاك: ” ما كنت لأدعوك إلى أن تُضَحَّي، لو لم أعرف إرادة الله “.
والحال هذه حدث أن يواقيم حين قدَّم ذبيحة، فصعد ملاك الربّ إلى السماوات مع رائحة
الضحية ودخانها.

 حينئذ سجد يواقيم
ووجهه إلى الأرض، وظل هكذا من الساعة السادسة حتى المساء. وارتعب خدامه وأُجراؤه،
وقد جاؤوا ولن يعلموا ما هو سبب ما يرونه، ودنَوا منه، ظانين أنه مات، وأنهضوه من
على الأرض بمشقة. وعندما روى لهم ما رآه، استولى عليهم ذعر شديد وإعجاب، وحثّوه
على أن ينُجز ما أمره به الملاك دون تأخير، وأن يعود سريعاً لامرأته. وحين كان
يواقيم يفكر في ذهنه عما إذا كان عليه العودة أم لا، فاجأه النوم. وإذا بملاك
الربّ، الذي ظهر له بالأمس، ظهر له وهو نائم، قائلاً: ” أنا الملاك المعين من
الله حارساً؛ أنزَلْ دون خوف وعُدْ إلى لحنة، لأن أعمال الرحمة التي أتممتها، أنت
وامرأتك، قُدَّمَتْ في حضرة العلي، وأُعطي لك نسل لم يناله لا الأنبياء ولا
القديسون ولن ينالوه أبداً “. ولما استيقظ يواقيم من نومه، نادى إليه حراس
قطعانه، وروى لهم ما رآه. فسجدوا للربّ، وقالوا له: ” أنظر لا تستخف أكثر بما
قاله ملاك الله ؛ بل أنهًض، ولنرحَلْ، ولنمض في سير بطئ ونحن نرعى القطعان “.

 ولما ساروا ثلاثين
يوماً، ظهر ملاك الربّ لحنة، التي كانت تتضرّع، وقال لها: ” أذهبي إلى الباب
المدعو المذهّب، وتوجَّهي لاستقبال زوجك، لأنه سيأتي إليك اليوم “. فنهضت
سريعاً، وانطلقت مع خادماتها، ووقفت قرب ذلك الباب وهي تبكي؛ وعندما انتظرت
طويلاً، وكانت على وشك الإغماء من ذلك الانتظار الطويل، إذا بها وهي ترفع عينَيها،
تُبصر يواقيم الذي كان آتيا مع قطعانه. فركضت حنة ترتمي على عنقه، شاكرةً الله،
وقائلةً: ” كنت أرملةً، وها أنني لن أعود عاقراً، وها أنني سأحبل “.
وحلَّ فرح عظيم بين الأهل كلّهم والذين يعرفونهما، وكانت ارض إسرائيل بأسرها في
حبور بسبب ذلك النبأ.

الإصحاح الرابع

ولادة مريم وتقديمها
للهيكل

 ومن ثمَّ، حبلت حنة،
وبعد تسعة أشهر تامة، أنجبت ابنةً أسمتها مريم. وحين فطمتها في العام الثالث، مضيا
معاً، يواقيم وامرأته حنة، إلى هيكل الربّ، وقدَّما قرابين، وقدَّما ابنتهما مريم
للهيكل، لتكون مقبولة بين العذارى اللواتي يمضين النهار والليل يسبحوّن الربّ.
ولما وُضعت في هيكل الربّ، صعدت راكضةً الدرجات الخمس عشرة، من دون أن تنظر إلى
الوراء ومن دون أن تسأل عن أبوَيها، كما يفعل الأطفال عادةً. فامتلأوا كلّهم دهشةً
لهذا المشهد، واستولت الدهشة على كهنة الهيكل.

الإصحاح الخامس

تسبحة حنة

 حينئذ امتلأت حنة من
الروح القدس وقالت: ” الربّ إله الجنود، تذكَّر كلامه، وافتقد شعبه في مدينته
المقدسة، ليُذلَّ الأُمم التي كانت تقاومنا ويهدي قلوبها إليه. فتح أُذنَيه لصوتنا
وأبعد عنا سرور أعدائنا. المرأة العاقر أصبحت أمّاً، وأنجبت الفرح لإسرائيل
وسرورها. وها أنني أستطيع تقديم قرابين للربّ، وكان أعدائي يريدون منعي من ذلك.
الربّ صرعهم أمامي، ووهبني فرحاً أبدياً “.

الإصحاح السادس

مريم موضع إعجاب الجميع
في الهيكل

 كانت مريم موضع إعجاب
للشعب كلّه، فحين كانت في الثالثة من عمرها، كانت تمشي بوقار، وتكرَّس نفسها
لتسحبه الربّ بغيرة وهمة إلى حد أن الجميع كانوا مذهولين إعجاباً ودهشةً: فلم تكن
تبدو كطفلةً، بل تظهر كشخصية ناضجة عمرها ثلاثون عاماً، من فرط تفرُّغها للصلاة
بعناية ومثابرة. وكان وجهها يسطع كالثلج، بحيث ينظر إلى وجهها بصعوبة. وكانت تدأب
على عمل أشغال الصوف، وكلّ ما كانت لا تستطيع فهمه نساء مسنَّات، كانت تشرحه، وهي
لا تزال في نعومة أظفارها. وكانت قد فرضت على نفسها نظاماً هو الدأب على التضرع
منذ الصباح حتى الساعة الثالثة وتكريس نفسها للعمل اليدوي منذ الساعة الثالثة حتى
التاسعة. ومنذ الساعة التاسعة، لم تتوقَّف عن الصلاة إلى أن يظهر ملاك
الربّ؛ حينئذ كانت تتلقى طعامها من يده، لتتقدَّم في صورة أفضل في محبة الله.

ومن العذارى الأُخريات كلّهن الأكبر سناً منها واللواتي كانت تتهذَّب وإياهن في
خدمة الله، لم تكن توجد مَنْ هي أدقُّ في السهر، أعلم بحكمة شريعة الله، أكثر
امتلاءً تواضعاً، أمهر في أنشاد مزامير داود، أكثر امتلاءً محبةً لطيفةً، أنقى
عفَّةً، أكمل في فضيلة. لأنها كانت وفيَّة، مستقرة، مثابرة، وكانت تفيد في كلّ يوم
مواهب من كلّ نوع.

 لم يسمعها أحد أبداً
تقول سوءاً، ولم يراها أحد أبداً تغضب، كلّ أحاديثها كانت مملوءة لطافةً، وكانت
الحقيقة تظهر من فمها. كانت منشغلةً دوماً بالصلاة وتأمُّل شريعة الله، وكانت تنشر
اهتمامها على رفيقاتها، متخوَّفة من أن تخطئ إحداهن بالكلام، أو ترفع صوتها
ضاحكةً، أو تنتفخ كبرياءَ، أو تكون لها مسالك سيئة تجاه أبيها وأُمها. وكانت تسبح
الله بلا انقطاع، ولئلا يتمكَّن مَنْ يحيّويها من أن يحرفوها عن تسبيح الله، كانت
تجبيهم: ” الشكر لله! ” ومنها جاءت العادة التي اتَّبعها الناس الوَرعون
بالإجابة على مَنْ يحيّونهم: ” الشكر لله! ” كانت تتناول كلّ يوم
الطعام الذي كانت تتلقاه من يد الملاك، وتوزع على الفقراء الغذاء الذي كان
يسلَّمها إياه كهنة الهيكل. وكان الملائكة يُرَون غالباً جداً يتحدثون معها، وكانوا
يطيعونها بأعظم احترام. وإذا لمسها شخص بعاهة ما، كان يرتدُّ متعافياً على الفور.

الإصحاح السابع

بتولية مريم وعارضتها
للزواج

 حينئذ قدَّم الكاهن
أبيثار هدايا هائلة لرؤساء الكهنة، ليزوَّجوا ابنه من مريم. ولكن مريم عارضت ذلك
قائلةً: ” لا أُريد أن أعرف رجلاً، ولا أن يعرفني رجل “. وكان الكهنة
وأهلها كلّهم يقولون لها: ” أن الله مكَّرم بالأبناء كما كان دائماً شعب
إسرائيل “. فتُجيب مريم: ” أن الله مكَّرم أولاً بالعفَّة. فقبل هابيل،
لم يكن هناك أي بار بين الناس، وكان مَرْضياً عند الله لقربانه، فقتله بخبث مَنْ
لم يرض الله عنه. إلا أنه تلقى إكلَيلين، إكليل التضحية وإكليل العذريَّة، لأن
جسده لبث منزهاً من العيب. ولاحقاً، رُفعَ إيليا، حين كان في هذا العالم، لأنه حفظ
جسده في العذريَّة. لقد تعلَّمت في هيكل الربّ، منذ طفولتي، أن عذراء يمكن أن تكون
مَرْضيَّة عند الله. واتَّخذت في قلبي قراراً بأن لا أعرف رجلاً “.

الإصحاح الثامن

اجتماع الكهنة والشعب
واختيار يوسف

 وحدث أن مريم بلغت
الرابعة عشرة من عمرها، وكانت تلك مناسبة للفريسيين ليقولوا، حسب العادة، أنه لا
يمكن لامرأة البقاء مصلَّيةً في الهيكل. وتقرَّر إرسال مناد إلى كل أسباط إسرائيل،
للاجتماع في اليوم الثالث. وعندما اجتمع الشعب كلّه، نهض أبيثار، رئيس الكهنة،
وصعد أعلى الدرجات، حتى يستطيع أن يراه ويسمعه الشعب كله. وبعدما أمر بالصمت، قال:
” اسمعوني، يا أبناء إسرائيل، ولتفتَحْْ آذانكم لكلامي. فمنذ أن بُني هذا
الهيكل على يد سليمان، ضمَّ عدداً كبيراً من العذارى الرائعات، بنات ملوك، وأنبياء
وكهنة؛ وعندما بلغن العمر المناسب، اتخذن أزواجاً، وكنَّ مرْضيات عند الله بإتباع
تقليد اللواتي سبقنهن. ولكن مريم أوجدت طريقة جديدة لمرضاة الربّ، لأنها وعدت الله
بالاستمرار في العذريَّة، ويبدو لي، استناداً إلى طلباتنا وأجوبة الله، أننا
نستطيع أن نعرف إلى مَنْ يجب أن يُعهد لحمايتها “.

 وراق هذا الخطاب
للجمع، واقترع الكهنة على أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر، فحلَّت القرعة على سبط
يهوذا، فقال رئيس الكهنة في اليوم التالي: ” على مَنْ لا زوجه له يأتي وليحملْ
عصاه في يده “. وحصل أن يوسف جاء مع الشبان وعصاه معه. وعندما سلَّم الجميع
رئيس الكهنة العصي التي تزوَّدوا بها، قدَّم تضحيةً لله، وسأل الربّ، فقال له
الربّ: ” أحمل العصي كلّها إلى قدس الأقداس، ولتَبْق هناك، ومُرْ كلّ الذين
حملوها بأن يعودوا لأخذها صباح الغد، لتعيدها إليهم، وسوف تخرج من رأس أحد الأقلام
حمامة تطير نحو السماء، وإلى الذي تميَّز هذه العلامة عصاه يجب أن تُسلَّم مريم
لحمايتها “.

 وفي الغد، جاؤوا
جمعياً، ودخل رئيس الكهنة قدس الأقدس، وقد قدَّم قربان البخور، وجلب العصي. وعندما
وزَّعها كلّها، وعددها ثلاثة آلاف، ولم يخرج من أيًّ منها حمامة،
ارتدى رئيس
الكهنة أبيثار الثوب الكهنوتيّ والأثني عشر جرساً، ودخل قدس الأقداس وقدًّم
التضحية. وفيما كان يصلي، ظهر له الملاك، قائلاً: ” ها هي هذه العصي الصغيرة
جداً الذي لم تُعرْها أي انتباه؛ فحين تأخذها وتعطيها ستجد فيها العلامة التي
ذكرتها لك “. وكانت تلك العصي ليوسف، وكان شيخاً ذا مظهر بائس، ولم يُرد
المطالبة بعصاه، حتى لا يضطر أن يأخذ مريم، وبينما كان واقفاً بتواضع خلف كلّ
الآخرين، صاح به الكاهن أبيثار بصوت عال: ” تعال، وتسلَّم عصاك، فأنت منتظَر “.
فأقترب يوسف، مرتعباً، لأن رئيس الكهنة ناداه بصوت عال جداً. وعندما مدَّ يده
لتسلُّم عصاه، خرجت من طرف ذلك العصي على الفور حمامةٌ أبيض من الثلج وذات جمال
خارق، طارت طويلاً تحت قباب الهيكل، وتوجّهت نحو السماوات.

 حينئذ هنّأ الشعب كلّه
الشيخ، قائلاً: ” لقد أصبحت محظوظاً في سنَّك الطاعنة، واختارك الله وأشار
إليك لتُعهد مريم إليك “. وقال له الكهنة: ” خذها، فقد أختارك الله وحدك
من كل أسباط بني إسرائيل “. فقال لهم يوسف بارتباك، مبدياً لهم احتراماً
عظيماً: ” أنا شيخ؛ ولدي أولاد؛ فلمَاذا تسلموني هذه الشابَّة التي هي اصغر
من أحفادي؟ ” عندها قال له رئيس الكهنة أبيثار: ” تذكَّرْ يا يوسف، كيف
هلك داثان وأَبيرون، لأنهما احتقرا إرادة الله؛ سيحدث لك الأمر نفسه إذا ثرتَ ضد
ما يأمرك الله به “. فأجاب يوسف: ” أنني لا أقاوم إرادة الله، أُريد أن
أعرف مَنْ من أبنائي عليه اتخاذها زوجة، فلتُعطَ بعض العذارى، رفيقاتها، تمكث معهن
في انتظار ذلك “. حينئذ قال رئيس الكهنة أبيثار: ” سوف نمنحها رفقة بعض
العذارى ليقُمْنَ مقام تعزية لها، إلى أن يحلَّ اليوم المحدَّد لتتقبَّلها. فهي لا
تستطيع الاتحاد بالزواج مع آخر “.

 حينئذ أخذ يوسف مريم
مع خمس عذارى أُخريات، ليكنَّ في بيته مع مريم. وكانت أسماء تلك العذارى رفقة،
صفُّورة، سوسان، ابيجه ورَاحيل، وأعطاهن الكهنة حريراً، وكتاناً. واقترعن في ما
بيهنَّ على أيَّ عمل يُخَصَّص لكلًّ منهن. وحدث أن القرعة عيَّنت مريم لتحيك
الأُرجوان، لتصنع حجاب هيكل الربّ، فقالت العذارى الأُخريات لها: ” كيف،
طالما أنت أصغر من الأُخريات، استحقت نيل الأُرجوان؟ ” وأخذن، وقد قلن ذلك،
كما بتهكّم، يدعونها ملكة العذارى. وحين كنَّ يتحدَّثن هكذا في ما بينهن، ظهر ملاك
الربّ في وسطهن وقال: ” ما تقُلْن لن يكون هزءاً، بل سيتحقَّق بالضبط تماماً “.
فارتعبن من وجود الملاك وكلامه، وأخذن يتوسَّلْن مريم لتسامحهنّ وتصلّي من أجلهنّ.

الإصحاح التاسع

بشارة الملاك للعذراء
بميلاد ابن الله

 وفي اليوم الثاني،
كانت مريم واقفة قرب النبع، لتملأ جرتّها، ظهر لها ملاك الربّ، قائلاّ: ” أنت
مباركة، يا مريم، لأن الله أعدَّ له مسكناً في رحمك. لأنه هوذا النور يأتي من
السماء ويسكن فيك وليسطع بك في العالم كله “. وفي اليوم الثالث، كانت تحيك
الأُرجوان بأصابعها، وقف أمامها شاب يستحيل وصف بهائه. فلما رأته مريم خافت
وارتعشت بشدة، فقال لها: ” سلام لك يا مريم، يا ممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة
أنت في النساء ومباركة هي ثمرة رحمك “. وحينما سمعت تلك الكلمات ارتعشت وكانت
خائفة للغاية. فقال لها ملاك الرب ” لا تخافي يا مريم لأنك وجدت نعمة عند
الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ملكاً يمتدُّ سلطانه ليس فقط فوق الأرض كلّها، بل
أيضاً في السماوات، ويحكم إلى أبد الآبدين آمين “.

الإصحاح العاشر

مريم وجدت حبلى من
الروح القدس

 وفيما كان ذلك يحدث،
كان يوسف في كفر ناحوم، منشغلاً بأعمال مهنته، فقد كان نجاراً، ومكث هناك تسعة
أشهر. وعند عودته إلى بيته، وجد أن مريم كانت حبلى، فارتعدت أطرافه كلّها، وصاح
وقال، مملوءا قلقاً: ” يا ربّ، يا ربّ، تقبَّل روحي، فمن الأفضل لي أن أموت
من أن أعيش “. فقالت له العذارى اللواتي كنَّ مع مريم: ” نعلم أن ما من
رجل لمسها، ونعلم أنها لبثت بلا عيب في العفَّة والعذريّة، لأن الله صانها وأمضت
وقتها كلّه في التضرُّع. أن ملاك الربّ يتحادث كلّ يوم وإياها، وكل يوم
تتلقى طعامها من ملاك الربّ.
فكيف يمكنها إذاً ارتكاب خطيئة ما؟ فإذا أردت
أن نقول لك ما نعتقد، فما من أحد جعلها حبلى، أن لم يكن ملاك الربّ “. فقال
يوسف: ” لماذا تردنَ خداعي بإقناعي بأن ملاك الربّ جعلها حبلى؟ ألا يمكن أن
يكون أحد قد تظاهر بأنه ملاك الربّ، بهدف
خداعها؟
وكان يبكي وهو يقول ذلك: ” كيف أذهب إلى هيكل الله، كيف أجرؤ النظر إلى كهنة
الله؟ ماذا أفعل في هذه الحال؟ ” وكان يفكَّر بالاختباء وردَّ مريم؟

الإصحاح الحادي عشر

ملاك الرب يظهر ليوسف
ويطمئنه

 وقرَّر يوسف الهرب
خلال الليل، ليذهب ويختبئ في الأماكن المنعزلة، فظهر له في تلك الليلة ملاك الربّ
خلال نومه وقال له: ” يا يوسف، يا ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم زوجةً لكَ،
فما تحمله في أحشائها هو من عمل الروح القدس. سوف تلد ابناً ويُدعى يسوع، لأنه
يُخلص شعبه من خطاياهم “. فشكر يوسف الله. وقام، وتحدّث إلى مريم وإلى
العذارى اللواتي كنَّ معها، وروى رؤياه، ووضع عزاءه في مريم قائلاً: ” لقد
أخطأت، لأنني شكًكت فيك “.

الإصحاح الثاني عشر

امتحان يوسف ومريم

 ثم حدث أن الخبر شاع
أن مريم كانت حبلى. فأمسك خدام الهيكل يوسف واقتادوه إلى رئيس الكهنة، الذي بدأ مع
الكهنة، تعنيفه، قائلاً: ” لمَ غررت بعذراء بهذه العظمة، أطعمها ملائكة الله
كحمامة في هيكل الله، ولم تُردْ أبداً رؤية رجل وكانت على معرفة بصورة مذهلة
بشريعة الله؟ ” لو لم تغتصبها، لبقيت عذراء حتى الآن “. وكان يوسف يقسم
بأنه لم يمسَّها. فقال له رئيس الكهنة أبيثار: حي هو الربّ! سوف نسقيك ماء امتحان
الله، فتظهر خطيئتك على الفور “.

 حينئذ اجمتع شعب
إسرائيل كلّه بعدد كبير جداً. واقتيدت مريم إلى هيكل الربّ. وكان الكهنة
والمقرَّبون منها وأهلها يبكون ويقولون: ” اعترفي للكهنة بخطيئتك، أنت التي
كانت كحمامة في هيكل الربّ وكنت تتلقَّين طعامك من يد الملائكة “.
ونُودي يوسف للصعود إلى جوار الهيكل، وأُعطي ليشرب ماء امتحان الربّ؛ وحين كان
يشربه رجل مذنب، كانت تظهر على وجهه علامة ما، عندما يدور سبع مرات حول مذبح
الربّ. وحين شرب يوسف بثقة ودار حول المذبح، لم يظهر على وجهه أي أثر لخطيئة.
حينئذ برَّأه كلّ الكهنة
وخدام الهيكل وكل الحاضرين، قائلين: ”
أنت مبارك، لأنك لم توجَدْ مذنباً “.

 ثم نادوا مريم، وقالوا
لها: ” وأنت، أي عذر يمكنك إعطاؤه أو أي علامة أكبر يمكنها أن تظهر فيك،
طالما أن حمل بطنك كشف إثمك؟ وطالما أن يوسف تبرَّر، نطلب منك أن تعترفي مَنْ هو
الذي غرَّر بك. فمن الأفضل أن يضمن اعترافك حياتك من أن يظهر غضب الله بعلامة ما
على وجهك ويجعل عارك معلوماً “. عندها أجابت مريم من دون ارتعاب: ” إذا
كان في دنس أو إذا كانت فيَّ شهوة نجسة، فليعاقبني الله في حضور الشعب كلّه، لأكون
مثال عقاب الكذب “. واقتربت بثقة من هيكل الربّ، وشربت ماء الامتحان، ودارت
سبع مرات حول الهيكل، ولم يبدُ فيها أي دنس.

 وفيما كان الشعب كلّه
مصعوقاً بالذهول والمفاجأة وهو يرى حبلها وأن أي علامة لم تظهر على وجهها، بدأت
تشيع أخبار مختلفة في صفوف الشعب. كان البعض يمتدحون قداستها، وآخرون يدينونها
ويظهرون سيئي النية حيالها. عندها قالت مريم بصوت عال، بحيث يسمعها الجميع، وقد
رأت أن شكوك الشعب كلّه لم تكن مبدَّدة كلّياً: ” حي هو الربّ إله الجنود،
الذي أقف في حضرته! أشهد بأنني لم أعرف أبداً ولا يجب أن اعرف رجلاً، فمنذ طفولتي،
اتخذت في نفسي القرار الحازم، ونذرت لإلهي أن أكرَّس عذريتي للذي خلقني، وأضع فيه
ثقتي لئلا أعيش إلا من أجله ومن أجل أن يصونني من كلّ إثم، ما حييت “.

الإصحاح الثالث عشر

الاكتتاب وميلاد المسيح

 وحدث، بعد وقت قليل،
أن قراراً صدر عن أُغسطوس قيصر، يأمر كلّ فرد بالعودة إلى موطنه. وكان كيرينيوس،
حاكم سوريا، أول مَنْ نشر هذا القرار. وبناءً عليه اضطُرَّ يوسف إلى التوجه مع
مريم إلى بيت لحم، فقد كان أصلهما منها، وكانت مريم من سبط يهوذا ومن بيت داود
وموطنه. وعندما كان يوسف ومريم على الطريق المؤدية إلى بيت لحم، قالت مريم ليوسف: ”
أرى شعبَين أمامي، واحد يبكي والآخر يستسلم للفرح “. فأجابها يوسف: ”
ابْقي جالسةً ولازمي دابَّتك ولا تتلفَّظي بكلام عديم الجدوى “. حينئذ
ظهر أمامهما
طفل بهيّ، تكسوه ثياب رائعة، وقال ليوسف: ” لمَ وصفت ما كانت تقوله مريم عن
هذين الشعبين أنه كلام عديم الجدوى؟ فقد رأت الشعب اليهودي يبكي، لأنه ابتعد عن
إلهه، والشعب الوثني يغتبط لأنه اقترب من الربّ، تبعاً لما وُعد به آباؤنا،
إبراهيم وإسحق ويعقوب. فقد حلَّ زمان انتشار بركة نسل إبراهيم في الأمم كلّها “.

 وحين قال الملاك ذلك،
أمر يوسف بإيقاف الدابَّة التي كانت مريم عليها، لأن زمن الوضع حلّ. وقال لمريم أن
تنزل عن دابَّتها وتدخل مغارة جوفية حيث لم يدخل النور أبداً وحيث لم يكن هناك ضوء
أبداً، لأن العتمة مكثت هناك في استمرار. وعند دخول مريم، سطعت المغارة كلّها
ببهاء باهر كما لو أن الشمس كانت هناك، وكانت الساعة السادسة من النهار، وطالما
بقيت مريم في تلك المغارة، لبثت، ليلاً ونهاراً وبلا انقطاع، مستضيئةً بذلك النور
الإلهي. ووضعت مريم أبناً أحاط به الملائكة منذ ولادته وسجدوا له
قائلين: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وللناس سروراً عظيماً! ”

 وكان يوسف قد ذهب يبحث
عن قابلة، وحين عاد إلى المغارة، كانت مريم مع الطفل الذي ولدته. فقال يوسف لمريم:
” جئتك بقابلتَين، زيليمي وسالومي، اللتين تنتظران عند مدخل المغارة ولا
يستطيعان الدخول بسبب هذا النور الحاد للغاية “. فابتسمت مريم، وقد سمعت ذلك.
وقال لها يوسف: ” لا تبتسمي، بل حاذري، خوف أن تحتاجي إلى بعض أودية “.
وأعطى إحدى القابلتَين الأمر بالدخول. وعندما اقتربت زيليمي من مريم، قالت لها: ”
اسمحي لي بأن ألمسك “. وعندما سمحت لها مريم بذلك، صاحت القابلة بصوت عال: ”
يا ربّ، يا ربّ، ارحمني، فلم يخطر لي أبداً ولا سمعت شيئاً مشابهاً؛ أن ثدييها
مملوءان حلبياً ولديها طفل ذكر، على رغم أنها عذراء. ما من سفك دم وُجد عند
الولادة وما من ألم عند الوضع. عذراء حبلت، عذراء وضعت،
وعذراء تبقى
“.

 وقالت القابلة الأخرى،
المسمَّاة سالومي، وقد سمعت كلام زيليمي: ” ما أسمعه، لن أُصدَّقه، ما لم
أتأكد منه “. وقالت سالومي وهي تقترب من مريم: ” اسمحي لي بأن ألمس وأن
أتحقَّق مما إذا كانت زيليمي قد قالت صواباً “. وإذ سمحت لها مريم بذلك،
لمستها سالومي، فيبست يدها على الفور. وأخذت، شاعرةً بألم عظيم، تبكي بمرارة شديدة
وتصيح، وتقول: ” يا ربّ، تعلم أنني خشيتك دوماً، واعتنيت دوماً بالفقراء من
دون تفكير بأجر؛ أنني لم أتلق شيئاً من الأرملة واليتيم ولم أدفع عني أبداً
المعوَز من دون نجدته، وها أنني أصبحت بائسة بسبب شكي، لأنني تجرأت على الشك في
عذرائك “.

 وحين كانت تتكلّم
هكذا، ظهر لها شاب عظيم البهاء، وقال لها: ” اقتربي من الطفل، واسجدي له
والمسيه بيدك، فيشفيك، لأنه مخلَّص العالم وكلّ الذين يضعون رجاءهم فيه “.
فاقتربت سالومي من الطفل على الفور، ولمست طرف أقمطته التي كان ملفوفاً بها ساجدةً
له، وعلى الفور شفيت يدها. وأخذت ترفع صوتها، خارجةً، وتروي المعجزات التي رأتها
وما عانت، وكيف شقيت؛ وآمن كثيرون بكلامها. ورعاة غنم كانوا يؤكدون أنهم رأَوا في
الليل ملائكةً يرنّمون نشيداً: ” سبَّحوا إله السماء ومجَّدوه لأن مخلَّص
الكلّ وُلد، المسيح الذي سيستعيد مملكة إسرائيل “.

 ولمع نجمٌ عظيمٌ فوق
المغارة منذ المساء حتى الصباح، ولم يُرَ أبداً مثيل في العظمة منذ بداية العالم.
وكان الأنبياء الموجودون في أوُرشليم، يقولون أن ذلك النجم كان يشير إلى ميلاد
المسيح الذي سيتمَّم الخلاص الموعود به، ليس فقط لإسرائيل، بل كذلك للأمم كلّها.

الإصحاح الرابع عشر

سجود الثور والحمار

 وفي اليوم الثالث
لولادة الربّ، خرجت الطوباية مريم من المغارة، ودخلت الزريبة، ووضعت الطفل في
المذود، فسجد له الثور والحمار. حينئذ تمَّ ما أنبأ به اشعياء
النبي: ” الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه “. وكان هذان الحيوانان،
وهو في وسطهما، يسجدان له بلا انقطاع. حينئذ تمَّ أيضاً ما قاله النبي: ” سوف
تُعرف في وسط حيوانين “. ولبث يوسف ومريم ثلاثة أيام في ذلك الموضع مع الطفل.

الإصحاح الخامس عشر

التقدمة إلى الهيكل

 وفي اليوم السادس،
دخلت الطوباوية مريم بيت لحم مع يوسف، حيث أمضوا اليوم السابع وفي اليوم الثامن
ختنوا الصبي ودعوا اسمه يسوع كما دعي من الملاك قبل أن تحبل به في الرحم والآن بعد
أن اكتملت أيام تطهير مريم حسب شريعة موسى، أتت بالطفل إلى هيكل الربّ، وقدَّما
باسمة زوج فراخ يمام وفرخَي حمام.

 وكان في الهيكل رجل
بارٌّ وكامل، اسمه سمعان، عمره مئة وأثني عشر عاماً. وقد تلقى من
الربّ الوعد بأنه لن يذوق الموت حتى يكون قد رأى المسيح، ابن الله، حسب الجسد
وعندما رأى الطفل، صاح بصوت عال، قائلاً: ” الله زار شعبه، والربّ أتمَّ وعده
“. وسارع في القدوم، وسجد للطفل، وسجد له ثانيةً، وقد حمد تحت ردائه، وكان
يقبَّل باطن قدمَيه، قائلاً: ” يا ربّ، أطلقْ الآن عبدك بسلام، حسب قولك، لأن
عينَي رأتا خلاصك الذي أعددته أمام وجه جميع الشعوب، نوراً رؤيا للأمم، ومجداً
لشعبك إسرائيل “.

 وكانت في هيكل الربّ
أيضاً امرأة، اسمها حنة، ابنة فنوئيل، من سبط أَشير، عاشت سبعة أعوام مع زوجها،
وكانت أرملة منذ أٍربعة وثمانين؛ ولم تبتعد أبداً من هيكل الله، متفرَّغة بلا
انقطاع للصوم والتضرُّع. وإذ اقتربت، كانت تسجد للطفل، قائلةً: ” أن فيه خلاص
العالم “.

الإصحاح السادس عشر

النجم يُرشد المجوس

 وجاء مجوس من الشرق
إلى أُورشليم، وقد أنقضى عامان، حاملين قرابين ثمينة، وكانوا يبحثون بين اليهود
بتعجُّل، سائلين: ” أين الملك الذي وُلد لنا؟ لأننا رأينا نجمة في الشرق،
وأتينا لنسجد له “. وأرعب هذا النبأ الشعب كلّه، وأرسل هيرودس يستثشير
الكتبة، والفريسيين والعلماء ليستعلم منهم أين أعلن النبي أن المسيح يجب أن يولد.
فأجابوا: ” في بيت لحم، مكتوب: وأنت، يا بيت لحم، ارض يهوذا، لست الصغرى في
مقاطعات يهوذا، فمنك يخرج القائد الذي يحكم شعبي إسرائيل “. حينئذ نادى الملك
هيرودس المجوس، واستعلم منهم متى ظهر لهم النجم، وأرسلهم إلى بيت لحم، قائلاً: ”
أذهبوا، واستعلموا بعناية عن هذا الطفل، وعندما تجدونه، تعالَوا وقولوا لي ذلك،
لأذهب وأسجد له “.

 واستأنف المجوس إذاً
طريقهم، وظهر لهم النجم، وكما كان مرشداً لهم، تقدَّمهم إلى أن بلغوا الموضع حيث
الطفل. وامتلأ المجوس بفرح عظيم، وقد رأَوا النجم. وإذ دخلوا
البيت،
وجدوا الطفل يسوع راقداً في ذراعي مريم. عندها فتحوا خزائنهم، وقدَّموا هدايا
ثمينة لمريم ويوسف. وكلٌّ منهم قدَّم للطفل تقدمات خاصة، فقرب واحد ذاهباً، والآخر
بخوراً، والآخر مرّاً. وحين كانوا يريدون العودة إلى الملك هيرودس، حُذَّروا في
الحلم من العودة إليه. فسجدوا للطفل بفرح بالغ، وعادوا إلى بلادهم عبر درب أخرى.

الإصحاح السابع عشر

قتل أطفال بيت لحم

 وعندما رأى الملك
هيرودس أن المجوس سخروا منه، اشتعل قلبه غضباً، وأرسل مبعوثين على الطرق كلّها،
عازماً القبض عليهم وإهلاكهم، وبما أنه لم يستطع مصادفتهم، أرسل إلى بيت لحم، وقتل
كلّ الأطفال من عمر عامَين وما دون، حسب الوقت الذي تحقق به من المجوس. وقبل أن
يحدث ذلك بيوم، حُذر يوسف عبر ملاك الربّ، الذي قال له: ” خُذْ مريم والطفل
وأنطلقْ عبر الصحراء واذهب إلى مصر “. وفعل يوسف ما أمره به الملاك.

الإصحاح الثامن عشر

التنانين تسجد ليسوع

 وعندما وصلوا إلى قرب
المغارة وأرادوا أن يستريحوا فيها، نزلت مريم عن دابَّتها، وكانت تحمل يسوع في
ذراعَيها. وكان مع يوسف ثلاثة صبية، ومع مريم صبيَّة، كانوا يسلكون الطريق نفسها.
وإذا بعدد كبير من التنانين تخرج فجأة من المغارة، ولدى رؤيتها أطلق الصبية صيحات
عظيمة. عندها وقف يسوع أمام التنانين، وقد نزل من ذراعي أُمه؛ فسجدت له، وحين سجدت
له، انسحبت. وتمَّ ما قاله النبي:
سبحي
الرب من الأرض يا أيتها التنانين
“. وكان الطفل يمشي
أمامها، وأمرها بألا تفعل أي سوء بالبشر. لكن مريم ويوسف كانا في ذعر عظيم،
خائفَين أن تؤذي التنانين الطفل. فقال يسوع: ” لا تنظرا إليَّ باعتبار أنني
لست سوى طفل، أنني رجل كامل، وينبغي أن تلين حيوانات الغابات كلّها أمامي”.

 

الإصحاح التاسع عشر

سجود الأُسود والفهود

 وكانت الأُسود والفهود
تسجد له أيضاً، وكانت ترافقه في الصحراء. وحيثما كانت مريم ويوسف يمضيان، كانت
تتقدَّمهما، داَّلةً إياهما إلى الطريق، وكانت تسجد ليسوع، خافضةً رؤوسها. وأول
مرة رأت مريم الأّسود والحيوانات المتوحَّشة آتية إليها، أُصيبت بذعر عظيمَ، فقال
لها يسوع، ناظراً إليها بمظهر مرح: ” لا تخشي شيئاً، يا أُمي، فليس من اجل
إخافتك، بل من أجل تكريمك تأتي نحوك “. وإذ قال ذلك، بذَّد كلّ خوف من
قلبهما. وكانت الأُسود تسير معهم ومع الثيران، والحمير والدوابَّ الأخرى التي كانت
ضرورية لهم، ولم تكن ترتكب أي سوء، وكانت تظل كذلك، ملأى وداعة، وسط الأغنام
والخراف التي جلبها يوسف ومريم معهما من اليهودية. وكانوا يسيرون وسط الذئاب، ولم
يكونوا يشعرون بأي ذعر، ولم يعاني أحد من أي سوء. حينئذ تمَّ ما قاله النبي: ”
الذئاب تأكل مع الحملان، والأسد والثور يأكلان تبنا معاً “. وكان معهم
ثوران وعربة، تُحمَل فيها الحاجيات الضرورية فوجهتهم الأسود في طريق.

الإصحاح العشرون

النخلة تنحني لمريم
وانبثاق نبع ماء

 وحدث في اليوم الثالث
من المسير، تعبت مريم في الصحراء بسبب حرارة الشمس الشديدة جداً. فقالت ليوسف، وقد
رأت نخلة: ” دعني أرتاح قليلاً في ظل هذه النخلة “. فسارع يوسف إلى
اقتيادها إلى جوار النخلة، وأنزلها عن دابَّتها، وألقت مريم نظرها على رأس النخلة،
وقد جلست وإذ رأته ممتلئاً ثمراً، قالت ليوسف: ” أريد، إن كان ذلك ممكناً، في
الحصول على بعض ثمار تلك النخلة “. فقال لها يوسف: ” استغرب كيف يمكنك
الكلام هكذا، فأنت ترين كم سعف هذه النخلة عالياً. أما أنا، فقلق جداً بسبب الماء،
لأن جلودنا جفت الآن وليس لدينا شيء لنسرب منه نحن وأبقارنا “. عندها قال
الطفل يسوع الذي كان في ذراعَي العذراء مريم، أُمه، للنخلة: ” أيتها النخلة،
إحني أغصانك، وأطعمي أُمي من ثمارك “. فأحنت النخلة على الفور، لصوته، رأسها
حتى قدمَي مريم، وجمعوا منها الثمار التي كانت تحملها، وأكلوا منها كلّهم. وظلّت
النخلة منحنيةً، منتظرةً أمر الذي لصوته انخفضت، لتنهض. عندها قال لها يسوع: ”
أنهضي، أيتها النخلة، وكوني رفيقة أشجاري التي في فردوس أبي. وليتفجَّرْ من جذورك
نبع مخبؤ في الأرض وليزودَّنا بالماء الضروري لإرواء عطشنا “. وعلى الفور نهضت
الشجرة، وبدأت تتفجَّر من بين جذورها ينابيع ماء صاف جداً ومنعش جداً وذي لطافة
شديدة. وكلّهم، إذ رأَوا تلك الينابيع، امتلأوا فرحاً، وارتووَا مسبَّحين الله،
وأسكنت الحيوانات أيضاً عطشها.

الإصحاح الواحد
والعشرون

غصن النصر ينقل إلى
الفردوس

 وفي الغد، رحلوا، وفي
اللحظة التي استأنفوا فيها طريقهم، التفت يسوع نحو النخلة، وقال: ” لقد قلت
لك ذلك، أيتها النخلة، أنني آمر بأن يٌنقَل أحد أغصانك بواسطة ملائكتي وأن يٌُزرع
في فردوس أبى.

 وليكون لك امتياز،
أريد أن يٌقال لكل الذين ينتصرون في القتال من أجل الإيمان: ” لقد استحققتم
غصن النصر “. وفيما كان يتكلّم هكذا، إذا بملاك الربّ ظهر، واقفاً على
النخلة، وأخذ واحداً من أغصانها، وطار عبر وسط السماء، ممسكاً بذلك الغصن بيده،
ولبث الحضور، وقد رأَوا ذلك، كما مصعوقين ذهولاً. عندها كلَّمهم يسوع، قائلاً: ”
لماذاَ يستسلم قلبكم للخوف؟ ألا تعلمون أن هذه النخلة التي أمرت بنقلها إلى
الفردوس ستكون لكلّ القديسين في دار النعيم، كالتي أُعدَّت لكم في هذه الصحراء؟ “.

الإصحاح الثاني
والعشرون

يسوع يطمئن يوسف

 وفيما كانوا يسيرون،
قال له يوسف: ” يا ربّ، أن علينا معاناة حرارة قصوى؛ أرجوك، سنسلك طريق البحر
لنتمكَّن من الراحة بعبورنا المدن التي على الساحل “. فقال له يسوع: ”
لا تخف من شيء، يا يوسف؛ سوف تقوم في يوم بما لا يستطيع آخرون إتمامه إلا في
ثلاثين يوماً “. وفيما كان لا يزال يتكلم ” لمحوا جبال مصر ومدنها،
فدخلوا ملؤهم الفرح، مدينةَّ تُدعى سوتين. وبما أنهم لم يكونوا يعرفون أحداً
يمكنهم التماس الضيافة لديه، دخلوا هيكلاً كان سكان تلك المدينة يدعونه الكابيتول،
وحيث كانت تُقَدَّم كلّ يوم، ذبائح إكراماً للأوثان الثلاثمائة والخمسة والستين.

الإصحاح الثالث
والعشرون

سقوط الأوثان على وجهها

 وحدت عندما دخلت
القديسة مريم الهيكل، مع الصبي الصغير، سقطت الأوثان كلّها
على وجهها أرضاً، ولبثت مدمَّرة ومحطَّمة. وهكذا تمَّ ما قاله النبي اشعياء: ”
هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر
“.

الإصحاح الرابع
والعشرون

العودة إلى بلاد يهوذا

 وعندما علم ذلك
أفروديسيوس، حاكم تلك المدينة، قَدمَ إلى الهيكل مع كلّ جنده وكلّ ضباطه. وحين رأى
كهنة الهيكل أفروديسيوس مقترباً مع كلّ جنده، ظنوا بأنه قادم للانتقام منهم، لأن
صور الآلهة انقلبت. وحين دخل الهيكل ورأى كلّ التماثيل منقلبةً على وجهها
ومحطَّمة، اقترب من مريم، وسجد للطفل الذي كانت تحمله بين ذراعَيها. وعندما سجد
له، وجَّه الكلام إلى كلّ جنوده ورفاقه، وقال: ” لو لم يكن هذا الطفل إلهاً،
لما كانت آلهتنا قد سقطت على وجهها في حضرته، ولما سجدت أمامه؛ أنها تعترف به هكذا
رباً لها. وإذا لم نصنع ما رأيناه صُنعَ لآلهتنا، نجازف بالتعرُّض لسخطه وغضبه،
ونقع كلّنا في خطر الموت، كما حدث للملك فرعون الذي احتقر تحذيرات الربّ “.
وبعد وقت قليل، قال الملاك ليوسف: ” عُد إلى بلاد يهوذا، لأن الذين كانوا
يبحثون عن الطفل ليُهلكوه ماتوا “.

الإصحاح الخامس
والعشرون

إحياء سمكة مجففة

 وأتمَّ يسوع عامه
الثالث. وفيما رأى أطفالاً يلعبون، أخذ يلعب معهم؛ وإذ تناول سمكة مجفَّفة مُشبَعة
ملحاً، وضعها في حوض ملئ بالماء، وأمرها بأن تختلج، فبدأت السمكة تختلج. وقال يسوع
للسمكة، مخاطباً إياها ثانيةً: ” اطرحي الملح الذي فيك وتحركي في الماء “.
فحصل الأمر هكذا. وإذ رأى الجيران ماذا يحدث، انبأوا به الأرملة التي كانت تسكن
مريم في بيتها. وحين علمت بهذه الأمور، طردتهم على عجل من بيتها.

الإصحاح السادس
والعشرون

موت ابن إبليس

 وحدث أن يسوع بعد
عودته من مصر، حين كان في الجليل، في بداية عامه الرابع، كان يلعب يوم سبت، مع
أطفال، عند ضفة الأردن. وإذ جلس يسوع، صنع سبع أحواض صغيرة بالطمي وصنع لكلًّ واحد
منها ممرات صغيرة، كان ماء النهر يأتيها بحسب أمره ويعود ثانية. عندئذ أقفل أحد
الأطفال، وهو ابن للشيطان، تدفعه الغيرة، المخرج الذي كان يمرُّ الماء عبره ودمَّر
ما صنعه يسوع. فقال له يسوع: ” الويل لك! يا ابن الموت، يا ابن إبليس. تجرؤ
على تدمير العمل الذي صنعته! ” وعلى الفور مات الذي فعل ذلك. حينئذ رفع أهل
الميت الصوت بضوضاء ضد مريم ويوسف، قائلين: ” أن ابنكما لعن ابننا وقد مات “.
وعندما سمع يوسف ومريم ذلك، أتيا على الفور نحو يسوع بسبب شكاوى الأهل وجمهور
اليهود الذين كانوا يتجمَّعون. لكن يوسف قال سراً لمريم: ” لا أجرؤ على
مخاطبته، أنما حذَّريه أنت وقولي: لماذا أثرت ضدنا حقد الشعب، ولماذا نحن معرَّضون
لغضب الناس المزعج؟ ” وعندما جاءت أُمه إليه، رجته، قائلةً: ” يا
سيَّدي، ماذا فعل الذي مات لتنتهي حياته هكذا؟ ” لكنه أجاب: ” كان
مستحقاً الموت لأنه دمَّر الأعمال التي صنعتها “. وكانت أُمه ترجوه، قائلةً: ”
لا تتألَّم، يا سيَّدي، لأن الشعب يحتجُّ علينا “. أما هو، فضرب بقدمه اليمنى
خاصرتَي الميت، رافضاً أن يُحزنَ أُمه، وقال له: ” أنهَضْ، يا ابن الإثم،
أنتَ لا تستأهل دخول راحة أبى، لأنك دمَّرت الأعمال التي صنعتها “. حينئذ نهض
الذي كان ميتاً ومضى. لكن يسوع، بموجب قدرته، كان يُجرى المياه إلى البحيرات
الصغيرة عبر الممرات التي صنعها.

الإصحاح السابع
والعشرون

يسوع يخلق عصافير من
الطين

 وحدث، بعدما رأى الشعب
كلّ هذه الأمور، أن يسوع أخذ طيناًً من الأحواض التي
صنعها وصنع
منه أثنى عشر عصفوراً. وكان يوم سبت عندما فعل يسوع ذلك، وكان معه أطفال كثرين.
وعندما رأى أحد أطفال اليهود ماذا كان يفعل، قال ليوسف: ” يا يوسف، ألا ترى
الطفل يسوع يفعل يوم السبت ما لا يحل فعله؟ فقد صنع أثنى عشر عصفوراً من الطين “.
ولما سمع يوسف ذلك وبخ يوسف يسوع، قائلاً: ” لماذا تفعل يوم السبت ما لا َيحل
فعله؟ ” ولما سمع يسوع يوسف، صفَّق بيدَيه وقال لعصافيره: ” طيري “.
فبدأت بالطيران بناء على أمره لها. وقال للعصافير، في حضور جمهور كبير كان يراه
ويسمعه: “هيّا وطيري في الأرض والعالم بأسره، وعيشي! ” فصُعق الحضور
كلّهم، وقد رأوا آيات كهذه، إعجاباً وذهولاً. وكان البعض يمتدحونه ويعجبون به؛
وآخرون يلومونه. وذهب البعض إلى رؤساء الكهنة ورؤساء الفريسيين، وبلغَّوهم أن
يسوع، ابن يوسف، كان يفعل، في حضور شعب إسرائيل كلّه، معجزات كبرى وآيات. وبُلَّغ
ذلك في أسباط إسرائيل الأثنى عشر.

الإصحاح الثامن
والعشرون

ابن حنان الكاهن يدمر
سدود المياه

 ودمَّر ابن حنان، كاهن
الهيكل، الذي كان قرب يوسف، حاملاً عوداً بيده، في حضور الشعب كلّه، وبحركة غضب
عظيمة جداً، السدود التي صنعها يسوع بيدَيه، وأسال الماء الذي جذبه يسوع من مجرى
الأردن. كما أقفل ثم دمَّر القناة التي كان الماء يأتي عبرها. وعندما رأى يسوع
ذلك، قال للطفل الذي دمَّر ما فعله: ” يا أكثر بذرة شريرة للشر، يا ابن
الموت، يا خادم الشيطان، حقاً سوف تكون ثمرة بذارك بلا نشاط، وجذورك بلا عافية،
وسوف تكون بذورك جافة، لا تعطى ثماراً “. وعلى الفور، وفي حضور الشعب كلّه،
ذبل الطفل ومات.

الإصحاح التاسع
والعشرون

يسوع يعيد الروح إلى
طفل

 ثم خاف يوسف، ولازم
يسوع، وكان يذهب معه إلى بيته، وأمه معهما. وإذا فجأةً بطفل، خادم إثم، مسرعاً
للقائهما، ارتمى على كتف يسوع، راغباً في شتمه وإيذاءه إذا استطاع
ذلك. لكن
يسوع قال له: ” لن تعود سليماً معافى من الطريق التي تعبرها. وعلى الفور ركض
الطفل قليلاً ومات. وأطلق أهل الميت، وقد رأَوا ما حدث، صيحات، قائلين: ” من
أين وُلد هذا الطفل؟ من الواضح أن كلّ كلمة يقولها لا مفرَّ منها، وغالباً ما تتمّ
قبل أن يتلفّظ بها “. وجاء أهل الطفل الميت نحو يوسف وقالوا له: ” أخرجْ
يسوع من هذا الموضع، فلا يمكنه أن يسكن معنا في هذه القرية. أو علَّمْه أن يبارك
لا يلعن “. وجاء يوسف إذاً نحو يسوع وحذَّره، قائلاً: ” لمَ تفعل
أُموراً كهذه؟ أن قوماً كثيرين يتذمَّرون منك ويحقدون علينا، بسببك، ونحن نعاني،
بسببك، إزعاجات الناس “. فقال يسوع مجيباً يوسف: ” ما من ابن عاقل سوى
الذي ربّاه أبوه تبعاً لعلم هذا الزمن، ولعنة أبيه لا تؤذى أحداً، سوى الذين
يرتكبون الإثم “. عندها تألَّب الجميع على يسوع، وشكَوه إلى يوسف. وعندما رأى
يوسف ذلك، تملَّكه خوف عظيمة، خائفاً أن يثور شعب إسرائيل ويستخدم العنف. وفي
الوقت نفسه، أمسك يسوع الطفل الميت بأُذنه ورفعه عن الأرض في حضور الشعب كلّه،
الذي رأى يسوع يتحدَّث إليه كما أبّ إلى ابنه. فعادت روح الطفل إليه، ورجع إلى
الحياة وكلّهم صُعقوا دهشةً.

الإصحاح الثلاثون

يسوع قبل الشريعة

 وسمع معلَّم بين
اليهود، اسمه زكّا يسوع يتلفَّظ بتلك الكلمات وإذ رأى الأمور التي كان يفعلها حزن
وبدأ يتكلّم بجرأة، من دون تعقُل ومن دون تحفُّظ في حق يوسف، وكان يقول له: ”
ألا تريد أن تعهد إلى بابنك ليتهذَّب في العلم الإنساني ومخافة الله؟ لكنني أعلم
أنكَ ومريم لديكما من المحبة له أكثر من الاعتبار لرأى قدامى الشعب. كان ينبغي
إجلالنا أكثر، نحن كهنة كنيسة إسرائيل كلّها، لتكون له مع الأطفال محبة متبادلة
ويتهذَّب بيننا في العقيدة اليهودية “. فأجابه يوسف: ” ومَنْ يستطيع
الإمساك بهذا الطفل وتهذيبه؟ إذا كنت تستطيع الإمساك به وتهذيبه، فلن نحول أبداً
دون أن تعلَّمه ما يدرسه الجميع “. وإذ سمع يسوع ما قاله زكّا، أجابه وقال: ”
على الذين هم مهذَّبون بحسب نظام البشر أن يتقيَّدوا بمباديء الشريعة التي تحدَّثت
عنها الآن وكلّ ما أشرت إليه، لكنني غريب عن شرائعكم، فليس لي قريب بشرى. أنتَ
الذي تقرأ الشريعة وتعرفها، تظل في الشريعة؛ أما أنا، فقد
كنتُ قبل
الشريعة
. أنما على رغم اعتقادك بأن لا مثيل لكَ في العلم، سوف
تتهذّب على يدي، فما من أحد آخر يستطيع أن يعلَّم، اللهم إلا الأمور التي تحدّثت
عنها فقط. وحده مَنْ هو أهلّ لإعطاء هذا التهذيب يستطيع أن يقوم به. حين أُرَبَّى
على الأرض، أُوقف كلّ إشارةً إلى أصلك. أنتَ تجهل متى وُلدْتَ؛ أنا وحدي
أعرف متى وُلدْتَ وما هي مدة حياتك على الأرض
“. عندها صعقت المفاجأة
كلّ الذين سمعوا هذه الكلمات وصاحوا، قائلين: ” اُُوه! أُوه! هوذا سرًُ عظيم
وباهر حقاً. أننا لم نسمع أبداً شيئاً مماثلاً. ما من شيء مشابه قاله آخر، لا
الإيمان، ولا الفريسيون، ولا النحويون؛ أنه كلام خارق. أننا نعلم من أين وُلدَ هذا
الطفل، ولا يكاد لا يبلغ الخامسة من العمر، فكيف يتلفَّظ بكلمات كهذه؟ ”
وأجاب الفريسيون: ” أننا لم نسمع أبداً طفلاً بهذا الصَّغر يتلفَّظ بكلمات
كهذه “. فقال يسوع، مجيباً إياهم: ” أنتم مندهشون لأن طفلاً يقول أشياء
كهذه. لمَ إذاً لا تؤمنون بي لما قلته لكم؟ ولأنني قلت لكم أنني أعلم متى وُلْدتم،
أنتم مندهشون كلكم. أنني سأقول لكم أشياء أوسع لتزيد مفاجأتكم. لقد رأيت
إبراهيم، الذي تقولون أنه أبوكم، وكلَّمتُه، ورآني
“. وكل المستمعين
صمتوا، وما من أحد منهم كان يجرؤ على المبادرة إلى الكلام. وقال لهم يسوع: ”
كنت بينكم مع أطفال، ولم تعرفوني. وكلَّمتكم كما قوماً عاقلين ولم تدُركوا صوتي،
لأنكم دوني، وقليلو الإيمان “.هشون لأن طفلاً
يقول أشياء كهذه.مر، فكيف يتلفَّظ بكلمات كهذه؟” وأجاب الفريسيون: “اننا
لم نسمع أبداً
 

الإصحاح الواحد
والثلاثون

دهشة المعلّم لاوي

 وقال زكّا، أستاذ
الشريعة، ليوسف ومريم: ” أعطياني هذا الطفل، وسوف أعهد به إلى المعلّم لاوي،
الذي يدرسه الأحرف ويهذَّبه “. عندها ملاطفَين يسوع، قاده يوسف ومريم إلى
المدرسة حيث كان العجوز لاوي يعلَّم الأحرف, وحين دخل يسوع، لزم الصمت. وكان
المعلَّم لاوي يشير إلى يسوع بحرف، وبادئاً بالحرف أَلف، كان يقول له: ”
أَجبْ “. لكن يسوع لا يُدلي بأي جواب. عندها تناول لاوي عوداً، غاضباً، وضربه
على رأسه. فقال يسوع: ” لمَ تضربني؟ إعلَمْ، في الحقيقة، أن المضروب يعلَّم
مَنْ يضربه أكثر مما يتعلَّم منه. أنني أستطيع تعليمك الأشياء التي تعرضها بنفسك،
لكن كلّ الذين يقولون ويسمعون هم عميان؛ أنهم كالفولاذ الطنّأن أو كصنج مُهْتَزًّ
لا يُدركان ما معنى الصوت الصادر عنهما “. وقال يسوع لزكّا: ” كلّ حرف،
من الألف حتى الطيت، يتميَّز بترتيبه. قُلْ أولاً ما هي الطيت، فأقول لكَ ما هي
الألف “. وقال لهم يسوع أيضاً: ” أيها الخبثاء، كيف يستطيع الذين لا
يعرفون ها هي الطيت؟ قولوا أولاً ما هي الألف، فأصدّقكم عندئذ حين تقولون بيْت “.
وبدأ يسوع يسأل عن اسم الأحرف المختلفة وقال: ” ليقُلْ معلَّم الشريعة ما هو
الحرف الأول، ولمَ يحتوي مثلَّثات عدة “.

 وعندما سمعه لاوي
يتكلَّم هكذا، صعقته الدهشة. وقال للحضور كلّهم: ” أَعلى هذا الطفل أن يعيش
على الأرض؟ أنه يستحق أن يُعَلَّق على صليب عظيم، لأنه يستطيع إطفاء نار السماء.
اعتقد بأنه كان قبل الكارثة الكبرى، وأنه كان مولوداً قبل الطوفان. ما هو البطن
الذي حمله والأُم التي ولدته؟ أو ما هو الثديان اللذان أرضعاه؟ أنني أهرب أمامه،
لأنني لا أستطيع الصمود أمام الكلمة التي تخرج من فمه؛ لكن قلبي يصعقه الذهول وأنا
أسمع كلاماً كهذا. لا أطنُّ بأن أي إنسان يستطيع فهم كلمته إلا إذا كان الله معه “.

الإصحاح الثاني
والثلاثون

شفاء طفل قطعت أصابعه

 وعندما كان يسوع في
الثانية عشرة من عمره، كان أحد أطفال القرية حيث كان يقيم مع أبَويه ينشر حطباً،
وحين كان ينشره، قطع أصابع قدمه اليمنى كلّها. وإذ هرع الجيران حشداً نحوه، جاء
يسوع؛ ودهن قدمه، فشفي المريض على الفور، ولم يبقَ أي أثر على قدمه. وقال له يسوع:
” أنهَضْ وأنشُرْ حطباً، واذكرني “. وإذ رأى الحشد المعجزة التي صنعها
يسوع، سجد له وهو يقول: ” أننا نؤمن حقاً بأنه المسيح “.

الإصحاح الثالث
والثلاثون

يسوع يجمع قطع الجَّرة
المكسورة

 وإذ أرسلت الطوباوية
مريم خادمتها لتملأ جرَّة ماء، وبما أن حشداً من النساء كان قرب النبع، انكسرت
الجرَّة وسط هياج الحشد. عندها توجَّه يسوع إلى النبع؛ وملأ رداءه ماءً وحمله إلى
أمه. ومن ثمَّ، متناولاً قطَعَ الجرَّة، وجمعها معاً ولحمها بكلمته بحيث لم يكن
يُرى أي أثر كسر. عندها قبَّلت الطوباوية مريم يسوع وهي تقول: ” مباركٌ الله
الذي

أعطانا
ابناً كهذا! “.

الإصحاح الرابع
والثلاثون

معجزة القمح

 وذات يوم قصد حقلاً
وحمل إليه قليلاً من القمح الذي أخذه من مخزن أُمه، وبذره. ونبت القمح ونما،
وتكاثر جداً. وحدث أن يسوع حصده بعد ذلك، وجنى منه ثلاثة أكر، ووهب منه الكثير.

الإصحاح الخامس
والثلاثون

سجود الأُسود ليسوع

 ثمة طريق تخرج من
أريحا وتمضي إلى نهر الأُردن، وكان يسكنها أبناء إسرائيل، وهناك يُقال أن تابوت
العهد وُضع. وكان يسوع في الثامنة من عمره، وقد خرج من أريحا ومضى نحو الأُردن.
وكانت إلى جانب الطريق مغارة قرب الأُردن حيث كانت لبؤة تُرضع صغارها، وما أحد
يستطيع سلوك تلك الطريق من دون خطر. وإذ قَدمَ يسوع من أريحا عالماً بأن اللبؤة
وضعت صغارها في تلك المغارة، دخلها على مرأى من الجميع. وحين رأت الأُسود يسوع،
ركضت إليه وسجدت له. وكان يسوع جالساً في المغارة، والأشبال تتدحرج عند قدمَيه،
لاعبةً ومداعبةً إياه. وكان الشعب الواقف بعيداً، غير مُبْصر يسوع، يقول: ”
لو لم يكن قد ارتكب أخطاء عظمية، هو أو أبواه، لما أُسلم للأُسود. وحين كان الشعب
منشغلاً بهذه الأفكار ويتملَّكه الألم، إذا بيسوع يخرج فجأةً من المغارة، والأُسود
تتقدَّمه، والأشبال الصغيرة تلعب عن قدمَيه. وكان أبوا يسوع. خافضَي الرأس، يقفان
بعيداً، مراقبَين ما كان يحدث؛ وكان الشعب يقف كذلك بعيداً بسبب الأُسود ولم يكن
يجرؤ على الانضمام إليهما. عندها بدأ يسوع يقول للشعب: ” كم الحيوانات
المفترسة أفضل منكم! أنها تعرف سيَّدها وتمجَّده، وأنتم تتنكَّرون له، أنتم البشر
المخلوقون على صورة الله ومثاله! أن الحيوانات تتعرَّف إليّ وتلين؛ والبشر يرونني
ولا يعرفونني “.

 

الإصحاح السادس
والثلاثون

انفصال ماء الأردن
ليسوع

 ثم جاز يسوع الأُردن
مع الأُسود في حضور الشعب كلّه، فأنفصل ماء الأُردن عن يمينه وعن يساره. وعندها
قال يسوع للأُسود، بحيث كانت كلماته مسموعة من الجميع: ” أذهبي بسلام ولا
تؤذي أحداً؛ أنما لا يؤذينَّك أي أنسأن حتى تكوني قد عُدْت إلى الموضع الذي خرجت
منه “. وعادت الأُسود إلى مأواها، مسبَّحة إياه ليس بصيحاتها فقط، بل أيضاً
بوقفة أجسادها، ورجع يسوع نحو أُمه.

الإصحاح الثالث
والثلاثون

معجزة تمدد الخشب

 وكان يوسف نجاراً وكان
يشتغل الخشب، صانعاً أنياراً للثيران ومحاريث وأدوات خاصة بزراعة الأرضي، وأسرَّةً
خشبيَّةً؛ وحدث أن شاباً طلب منه يوماً سريراً طوله ستة أذرُع. فأمر يوسف صبياً
بقطع خشب بمنشار حديدي بحسب القياس الذي أُرسل إليه. فلم يتقيَّد هذا الأخير
بالتوصية التي أُعطيت له، بل صنع أحد الخشبتَين أقصر من الأخرى. وبدأ يوسف يضطرب
ويفكَّر بما عليه أن يفعله في هذا الصدد. وحين رآه يسوع يتصبَّب عرقاً على أثر
قلقه، تحدَّث إليه لتعزيته وقال له: ” تعال، لنأخُذْ طرفَي قطعَتي الخشب
ولنضعْهما إلى جانب بعضهما بعضاً، ولنسحَبْهما نحونا؛ فنسطيع هكذا جعلهما
متساويتَين “. فأطاع يوسف هذه النصيحة، لأنه كان يعلم أن يسوع كان
يستطيع أن يفعل كلّ ما يريد
. وتناول قطعتَي الخشب من طرف وركَّزهما إلى
جدار، وأطال يسوع قطعة الخشب الأقصر، جاذباً إياهما من الجهة الأخرى، وجعلها
مساويةً للأطول. وقال ليوسف: ” أذهَبْ واعمَلْ واصنَعْ ما وعدت بانجازه “.
فصنع يوسف ما وعد به.

الإصحاح الثامن
والثلاثون

موت المعلَّم الذي ضرب
يسوع

 وسأل الشعب يوسف ومريم
إرسال يسوع ليدرس الأحرف في المدرسة. فلم يرفضا القيام بذلك، وتبعاً لنصيحة
الشيوخ، قاداه إلى معلَّم، ليهذَّبه في العلم الإنساني، وعندها بدأ المعلَّم
تعليمه بطريقة متصلَّفة، قائلاً له: ” قُل ألْفا “. فقال يسوع: ”
قُلْ لي أولاً ما هي بيْتا، فأقول لك من بعد ما هي ألْفا “. فضرب المعلَّم
يسوع، غاضباً، وما أن ضربه حتى مات.

 وعاد يسوع إلى البيت
إلى أُمه. ونادى يوسف مريم مرتعشاً وقال لها: ” اعلمي أن نفسي حزينة حتى
الموت بسبب هذا الطفل. فمن الممكن أن يضرب أحدهم هذا الطفل بخبث ويموت “.
فقالت مريم، مجيبةً يوسف: ” يا رجل الله لا تصدَّقْ أن ذلك لا يمكن أن يحدث.
صدَّقْ بالأحرى بثقة أن الذي أرسله بين البشر يصونه من كلّ خبث، ويحفظه باسمه في
منأى من الشر “.

الإصحاح التاسع
والثلاثون

سجود معلَّم آخر ليسوع

 ثم سأل اليهود مريم
ويوسف اصطحاب الطفل بملاطفاتها إلى معلَّم آخر ليتهذَّب. فقاده يوسف ومريم ثانيةً
إلي المدرسة، خائفَين من الشعب، ووقاحة الأمراء، وتهديدات الكهنة، عالمَين
أنه لا يستطيع أن يتعلّم شيئاً من أنسأن طالما أنه أخذ عن الله وحده العلم الكامل.

وعندما دخل يسوع المدرسة، يقوده الروح القدس، تناول الكتاب من يد المعلَّم الذي
كان يدرَّس الشريعة، وأمام الشعب كلّه الذي كان يراه ويسمعه، وأخذ يقرأ، لا ما كان
مكتوباً في الكتاب، بل كان يتكلّم بروح الله الحي كان سيلاً من الماء من نبع جار
وكان النبع كان يظل مملوءاً أبداً. وكان يعلَّم الشعب هكذا عظمة الله الحي، فخرَّ
المعلَّم أرضاً وسجد له. وكانت جماعة الشعب الحاضرة والتي كانت تسمعه يتكلّم هكذا،
مذهولة. وعندما علم يوسف بذلك، جاء راكضاً نحو يسوع، خائفاً أن يموت المعلّم. وإذ
رآه المعلَّم قال له: ” لم تُعطني تلميذاً بل معلَّماً، فمَنْ يستطيع الصمود
أمام كلامه؟ ” عندها تمَّ ما قاله صاحب المزامير: ” أن نهر الله امتلأ
ماءً. لقد هيَّأت طعامهم، فكذا هي تهيئته “.

الإصحاح الأربعون

قيامة يوسف الغني

 ثم مضى يوسف مع مريم
ويسوع ليقصدوا كفر ناحوم، المدينة البحرية، مبتعدين هكذا بسبب خبث الناس الذين
كانوا أعداءه. وحين كان يسوع يسكن في كفر ناحوم، كان في المدينة رجل اسمه يوسف كان
غنياً جداً. لكنه رزح تحت وطأة مرض، وكان ممدَّدا ميتاً على سريره. فقال يسوع
ليوسف، وقد سمع في المدينة قوماً يبكون ويُطلقون صيحات عظيمة على أثر الحزن الذي
كان يسبَّبه لهم ذلك الموت: ” لمَ لا تُنجد بعطفك مَنْ يحمل اسمك نفسه “.
فأجاب يوسف: ” أي قدرة لي وأي إمكانيات أملك لأُقدم له خدمةً كهذه؟ ”

وقال يسوع: ” خُذ
الكفن الذي فوق رأسك، وامض، وضعْه على وجه الميت، وقُلْ له: ليمجَّدك المسيح! وعلى
الفور يشفي، وينهض من فوق سريره “. وإذ سمع يوسف هذه الكلمات، ومضى راكضاُ
ينفَّذ أوامر يسوع، ودخل منزل الميت، ووضع على وجهه الكفن الذي كان يضعه عل رأسه،
وقال للميت الذي كان يرقد على سريره: “ليمجَّدْكَ يسوع! ” وعلى الفور
نهض الميت من فوق سريره. وكان يبحث عمَّنْ كان يسوع.

الإصحاح الحادي
والأربعون

شفاء يعقوب ابن يوسف

 وخرجوا من كفر ناحوم
ليذهبوا إلى مدينة تُدعى بيت لحم، وكان يوسف في بيته مع مريم، ويسوع كان معهما.
وذات يوم نادى يوسف إليه ابنه البكر، يعقوب، وأرسله إلى بستان
الخضار لجمع خضار من أجل صنع حساء. وتبع يسوع أخاه يعقوب إلى البستان، ولم
يكن يوسف ومريم يعلمان بذلك. وفيما كان يعقوب يجمع خضاراً، خرجت أفعى من جحرها
ولسعت يد يعقوب، فأخذ يصرخ على أثر الألم العظيم الذي كان يشعر به. وكان يقول بصوت
ملؤه المرارة، وهو على وشك الغشيان: ” وا أسفاه! وا أسفاه! أن أفعى خبيثة
جداً جرحتني في يدي “. فهرع يسوع الذي في جهة أخرى نحو يعقوب، وقد سمع شكواه،
وأمسك بيده، ولم يفعل شيئاً آخر سوى أنه نفخ في يد يعقوب وأنعشها. وعلى الفور شفي
يعقوب، وماتت الأفعى. وكان يوسف ومريم يجهلان ما حصل، لذا ركضا إلى البستان، وقد
سمعا صوت يعقوب وبأمر من يسوع، فوجدا الأفعى ميتة ويعقوب معافي تماماً.

 

الإصحاح الثاني
والأربعون

يسوع الأوّل إلى
المائدة

 وعندما كان يوسف يأتي
لتناول وجباته مع أبنائه يعقوب، ويوسف، ويوحنا، وسمعان وابنتَيه،
كان يسوع ومريم أُمه يجتمعان مع أُختها مريم، ابنة كليوباس، التي أعطاها الربّ
الإله لأبيها كليوباس ولحنة، أُمها، لأنهما قدَّما للربّ مريم، أُم يسوع. ومريم
دُعيت باسم مريم نفسه لتقوم مقام تعزية لأبويها. وعندما كانوا يجمتعمون، كان يسوع
يقدَّسهم ويباركهم، وكان يبدأ أولاً الأكل والشرب. ولم يكن أيٌ منهم يجرؤ على
الأكل، والشرب، والجلوس إلى المائدة، وكسر الخبز، إلى أن يكون قد فعل أولاً هذه
الأمور، مقدَّساً إياهم. وإذا كان غائباً صدفةً، كانوا ينتظرون إلى أن يكون قد فعل
ذلك. وحين لا يريد المشاركة في الطعام، لم يكن يوسف، ومريم، وإخوته أبناء يوسف
يشاركون فيه. وكان إخوته وحياته أمام أعينهم كمشاعل، يراقبونه ويخشَونه. وحين كان
يسوع ينام، سواء نهاراً، وسواء خلال الليل، كان نور الله يسطع عليه. له كلّ تسبيح
ومجد إلى أبد إلى الآبدين! آمين، آمين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى