علم الله

الفصل السابع



الفصل السابع

الفصل السابع

يسُوع المسِيح الإله وَالإنسَان في تعَاليم المجَامِع المسْكونيّة

توطئَة

رأينا في الفصل السابق أن العهد الجديد يرى في يسوع إنساناً حُبِل به
من الروح القدس في أحشاء مريم العذراء ووُلد وترعرع وعلّم وصنع المعجزات ثم صُلِب
ومات وقام. وتعلن جميع أسفار العهد الجديد أن هذا الانسان هو نفسه المسيح المنتظر
وابن البشر الذي أرسله الله في ملء الأزمنة لينشئ ملكوت الله، وتشهد أن هذا
الانسان الذي عاش في الزمن هو ابن الله وكلمة الله الكائن منذ الأزل مع الله.

 

فيسوع إذاً هو إله وإنسان في آن واحد. ولكن كيف يتّحد الانسان والاله
في شخص واحد؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي حاول اللاهوتيون وآباء الكنيسة الإجابة
عليه منذ القرون المسيحية الأولى، فكتبوا مقالات كثيرة وعلّموا في جميع كنائس
الشرق والغرب. وتبيّن للبعض أن تعاليم البعض الآخر حول المسيح يسوع قد حادت عن
الايمان القويم، فاتهموهم بالهرطقة. ولحسم الخلافات القائمة بين هؤلاء وأولئك عقدت
المجامع المسكونية، وهي مؤتمرات دينية يجتمع فيها أساقفة من كنائس المسكونة كلها
في الشرق والغرب لتحديد عقائد الايمان المسيحي. وكان كل مجمع مسكوني يصدر وثائق
يعلن فيها إيمان الكنيسة القويم وعقائدها الثابتة، ويرشق بالحرم تعاليم المبتدعين
والهراطقة.

 

لذلك يمكننا القول ان عقائد الايمان التي أعلنتها المجامع المسكونية
الأولى كانت كلها، في صياغتها وتعابيرها، موجّهة ضد الهراطقة. ولو لم تقم في
الكنيسة بِدَع وهرطقات لاكتفت الكنيسة في تعاليمها بتعاليم المسيح والرسل كما وردت
في مختلف أسفار العهد الجديد. إلاّ أنّ البدع والهرطقات التي ظهرت منذ نشأة
الكنيسة أرغمت أساقفة الكنيسة ومعلّميها علىِ توضيح تعاليم المسيح والرسل في صيغ
وتعابير جديدة. وقد كان هذا التوضيح ضرورياً للإحاطة بسرّ يسوع المسيح الانسان
والإله وتحديد أبعاد إنسانيته وأُلوهيته.

 

لا بد من الاشارة إلى أن المجامع المسكونية لم تدخل شيئاً جديداً على
إيمان المسيح والرسل كما ورد في أسفار العهد الجديد. إلاّ أنّها عبّرت عن هذا
الإيمان بطُرُق جديدة. فبينما اقتصر العهد الجديد على إظهار يسوع يتصرف في حياته
كإنسان وإله، أوضحت المجامع المسكونية كيف يتّحد العنصران الانساني والالهي في شخص
يسوع الواحد، فأدخلت في العقائد الإيمانية ألفاظاً فلسفية استقتها من الفلسفة
اليونانية السائدة آنذاك، كالأقنوم والشخص والطبيعة والجوهر، وقالت ان المسيح هو
شخص واحد في طبيعتين، طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية.

 

إلاّ أنّ تلك الألفاظ لم يكن لها المعنى ذاته في جميع المدارس
الفلسفية المنتشرة في أنحاء العالم المسيحي. وقد حدث مراراً أن اتهمت الكنائس
بعضها بعضاً بالهرطقة، مع أن الخلاف بينها لم يكن على الايمان بل على الألفاظ
والتعابير. إلى جانب هذا الاختلاف في الألفاظ، لا شك أنه كانت هناك بِدعَ حقيقية
وتيّارات فكرية خاطئة حرمتها المجامع المسكونية في إعلانها عقائد الإيمان القويم.

 

لذلك يجب التمييز، في ما أعلنته المجامع المسكونية، بين أمرين: فهناك
أولاً الإيمان الذي لا يمكن أن نحيد عنه، وهو نفسه إيمان المسيح والرسل في جميع
أسفار العهد الجديد، وهناك ثانياً الألفاظ والتعابير التي فرضتها المجامع
المسكونية، وقد اعتبرتها الأدقّ والأصحّ من بين جميع الألفاظ والتعابير المتداولة
في زمانها للتعبير عن هذا الإيمان. فتلك الألفاظ والتعابير يمكن مجامع مسكونية
أخرى إعادة النظر فيها وتطويرها وفقاً لتطوّر المفاهيم الفلسفية على مدى التاريخ.

 

ما هو إيمان المجامع المسكونية في ما يختص بيسوع المسيح؟ وما هي
الألفاظ والتعابير التي اختارتها للتعبير عن هذا الإيمان؟

 

القِسم الأول يسوع المسيح إنسان حقيقي

1- يسوع هو الكلمة المتجسّد

“الكلمة صار جسداً وسكن في ما بيننا” (يو 1: 14). بهذه
العبارة يؤكد يوحنا أن يسوع هو إنسان حقيقي. ولفظة “جسد” تعني هنا
الانسان بكامله، وليس فقط جسد الانسان دون نفسه. فعبارة “صار جسداً”
تعني صار إنساناً أو، بترجمة أدقّ، “صار بشراً”. فإن اللفظة اليونانية
المستعملة هنا هي لفظة، وهي ترجمة اللفظة العبرية “بَسَر” التي يقابلها
بالعربية “بشر”. فما يريد يوحنا تأكيده هو أن كلمة الله الكائن منذ
الأزل عند الله قد دخل في عالمنا وأصبح بشراً وإنساناً مثلنا، “فسمعناه،
ورأيناه بأعيننا، وتأملناه، ولمسته أيدينا”، كما يقول في مستهلّ رسالته
الأولى الجامعة (1: 1). ويجعل الايمان بتجسّد الكلمة العلامة المميّزة للإيمان
الذي يسير بحسب روح الله. فيقول في رسالته الأولى: “أيها الأحباء، لا تركنوا
الى كل روح، بل اختبروا الأرواح هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا
الى العالم. بهذا تعرفون روح الله: ان كل روح يعترف بأن يسوع المسيح قد أتى في
الجسد، هو من الله؛ وكل روح لا يعترف بيسوع ليس من الله، بل هذا روح المسيح
الدجّال الذي سمعتم أنه يأتي؛ إنه، الآن، في العالم” (4: 1- 3). ويعود الى
الفكرة ذاتها في رسالته الثانية فيقول: “انه قد انتشر في العالم مضلّون
كثيرون، لا يعترفون بيسوع المسيح الذي أتى في الجسد”.

 

المظهرية (docétisme)

 

يبدو أن يوحنا يشير في قوله هذا الى فريق من “الغنوصيين” أو
“أصحاب المعرفة”، الذين انتشروا بين المسيحيين منذ نهاية القرن الأول.
والمعرفة، في رأي هؤلاء المبتدعين الذين يعود أصلهم الى ما قبل المسيحية، لا يصل
إليها الإنسان إلا إذا تخلّى عن عالم المادة والجسد، الذي كانوا يعتبرونه عالماً
فاسداً في جذوره. لذلك رفضوا الإيمان بأنّ المسيح كان له جسد حقيقي، بل كانوا
يعتقدون أنه اتخذ “مظهر جسد” أو “شبه جسد”، لذلك دعوا
“بالمظهريين” أو “الشبهيين” (
doctes)

 

ان تجربة المظهرية رافقت الفكر المسيحي على مدى العصور، ولا تزال
قائمة في أذهان كثيرين من المسيحيين، حتى في عصرنا الحاضر. فيسوع، في نظر هؤلاء
المسيحيين، إله يمشي على الأرض مستتراً في شبه جسد بشري. لذلك لم يحتمل مشاقّ
الطبيعة البشرية كما يحتملها سائر الناس. وإن جاع وعطش وتعب وتعذّب، فكونه إلهاً
يجعله يحتمل كل تلك المصاعب دون أيّ ألم.

 

القديس اغناطيوس الانطاكي

لقد قاوم آباء الكنيسة منذ القرون الأولى ذلك التيار الفكري في مختلف
مظاهره. فالقديس اغناطيوس الانطاكي يؤكّد أن إنكار حقيقة بشرية المسيح هو في الوقت
نفسه إنكار حقيقة الفداء، لأنه إن لم يكن ليسوع سوى جسد ظاهري، فهو لم يتألّم إلاّ
ظاهرياً، ونحن لم نحصل على الفداء إلاّ في الظاهر؛ وكذلك تصبح الافخارستيا مجرّد
مظهر؛ ويصبح بذلك مناقضاً للعقل أن نتألم في الجسد لأجل يسوع ونحتمل لأجله الاضطهاد،
فكل شيء يتلاشى في تلك الظواهر. لذلك يدعو اغناطيوس المسيح “حامل الجسد”.

 

القديس ايريناوس

يعود القديس ايريناوس، أسقف ليون، الى الموضوع نفسه، ويستند في تفكيره
الى المبدأ التالي الذي سوف عبده في كل التقليد اللاحق: “إن المسيح، لأجل
محبته اللامتناهية، قد صار مثلنا لكي يجعلنا مثله”. فالمسيح هو قمة التاريخ
البشري ومثال الإنسان الجديد. لذلك عاش في جسده وفي حياته البشرية جميع مراحل تطور
الحياة البشرية من الطفولة حتى كمال الله.

 

2-
التجسّد يفرض وجود نفس بشرية في المسيح

لا نجد في العهد الجديد أي تساؤل أو شك حول وجود نفس بشرية في المسيح.
على العكس من ذلك فالأناجيل تؤكد وجود تلك النفس في المسيح، ولا سيمَا عندما تصفه
وهو يعبّر عن عواطفه، كالفرح (لو 10: 21)، والصداقة (يو 11: 3؛ مر 10: 21)،
والشفقة (متّى 9: 36؛ 15: 32)، والحزن حتى البكاء (لو 19: 41، 42؛ يو 11: 33)،
والغضب (متّى 16: 23؛ مر 3: 5؛ يو 2: 15)، وكلها عواطف تصدر عن النفس البشرية.

 

وكذلك يتحدّث الانجيليون عن طاعة يسوع وخضوعه لإرادة الآب. فالكلمة
الأولى التي يضعها إنجيل لوقا على فمه هي قوله لمريم ويوسف عندما طلباه ووجداه في
الهيكل وسط العلماء: “لمَ تطلبانني؟ ألم تعلما أني ملتزم بشؤون أبي؟”
(لو 2: 49). والكلمة الأخيرة قبل موته هي صلاته للآب: “يا أبتاه، في يديك
أستودع روحي” (لو 23: 46). ويذكر الانجيليون انه كان يصلّي مراراً (مر 1: 35)،
بل يقضي ليالي في الصلاة (لو 6: 12) ويصفونه في نزاعه في بستان الزيتون
“يرتاع ويكتئب” (مر 14: 33)، إلاّ أنه يستسلم بملء حريته لإرادة الآب: “أبّا،
أبتاه! إنّ كل شيء ممكن لديك، فأجِزْ عني هذه الكأس! ولكن، ليس ما أريد أنا، بل ما
تريد أنت!” (مر 14: 36).

 

لقد عرف يسوع كل شيء من الطبيعة البشرية ما عدا الخطيئة، كما تقول
الرسالة الى العبرانيين: “ان الحبر الذي لنا ليس عاجزاً عن الرثاء لأسقامنا،
بل هو مجرّب في كلّ شيء، على مثالنا، ما خلا الخطيئة” (عب 4: 15).

 

إن إنكار النفس البشرية في المسيح قد دعا اليه في القرن الرابع آريوس
الاسكندري وأبوليناريوس أسقف اللاذقية. فآريوس قد اشتهر برفضه أزلية الكلمة وبالتالي
ألوهية المسيح ومساواته للآب في الجوهر، إلاّ أنّه ادّعى أيضاً أن الكلمة قد حلّ
في المسيح محلّ النفس البشرية. أما أبوليناريوس أسقف اللاذقية فكان يؤمن بألوهية
المسيح، إلاّ أنّه في تفسيره لوحدة الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في شخص
المسيح، اعتقد أن تلك الوحدة لا يمكن أن تتمّ إلاّ اذا اعتبرنا أن الكلمة قد اتخذ
جسداً بشر دون نفس بشرية. ثم عدّل موقفه في كتاباته الأخيرة فاستخدم تقسيم أفلاطون
للإنسان ثلاثة عناصر: الجسد، والنفس الحسيّة المشتركة بين الإنسان والحيوان ()،
والنفس الروحية أو العاقلة الخاصة بالإنسان (). وقال ان الكلمة اتخذ من الطبيعة
الانسانية الجسد والنفس الحسّيّة، لكنه لم يتخذ النفس الروحية. واستشهد بقول يوحنا
الانجيلي: “الكلمة صار جسداً”، وليس “الكلمة صار روحاً”. وفي
تفسير نظريته استند أولاً إلى مبدأ فلسفي يقول بأنه يستحيل على جوهرين كاملين أن يتحدا
فيصيرا كائناً واحداً. ودعم حجته ببرهان لاهوتي يذهب إلى أنّ المسيح لو كان له نفس
بشرية روحية، لتعرّض للخطيئة واستحال عليه فداء البشرية.

 

فلضمان قداسة المسيح، اعتبر أبوليناريوس الإله الكلمة المبدأ والمحرّك
الأوحد لجميع أعمال المسيح وتصرّفاته البشرية. فالفداء، في نظره، هو فقط عمل الإله
الكلمة في المسيح، أما الطبيعة الانسانية فكانت مجرّد ثوب لبسه الكلمة ليقوم بعمله
الخلاصي.

 

إن تفسير أبوليناريوس للتجسّد والفداء مبني على نظرة خاطئة لعلاقات
الله والانسان في العالم. فبموجب تلك النظرة، هناك تناقض جذري بين عمل الله وعمل
الإنسان وبين حرية الله وحرية الإنسان، بحيث لا يمكن أن يوجدا معاً. وعندئذٍ يحلّ
الله محلّ الانسان، ويفقد الانسان حريته وقيمة عمله.

 

لقد رفضت الكنيسة نظرة أبوليناريوس وحرمت تعاليمه في عدّة مجامع ولا
سيّمَا في مجمع خلقيدونية المنعقد سنة 451، حيث أعلنت أن المسيح “إله حق
وإنسان حق مكوّن من نفس عاقلة وجسد، وانه مساوٍ للآب في اللاهوت ومساوٍ لنا في
الناسوت، وقد صار بشراً مثلنا في كل شيء ما خلا الخطيئة”. وسنعود الى هذا
النصّ العام في القسم الثالث من هذا البحث.

 

وقد فسّر آباء الكنيسة رفضهم لتعاليم أبوليناريوس بقولهم ان فداء
الجسد لا يمكن أن يتمّ إلا بواسطة جسد المسيح، وكذلك فداء النفس لا يمكن أن يتمّ
إلا بواسطة نفس المسيح. في هذا يقول أوريجانيس: “لو لم يكن المسيح إنساناً
كاملاً، لاستحال خلاص الانسان بكامله”. وكذلك يقول القديس غريغوريوس النزينزي:
“ان أيّ شيء فينا لا يمكن أن يشفى ويخلص إلا باتحاده بالله”. لذلك لو لم
يتّخذ كلمة الله في شخص يسوع المسيح نفساً بشرية روحية، لمَا خلصنا في كياننا
الروحي.

 

وعلى برهان أبوليناريوس الفلسفي من أن جوهرين كاملين، أي الطبيعة
الإلهية والطبيعة الإنسانية، لا يمكن أن يتحدا في كائن واحد، أجاب آباء الكنيسة
واللاهوتيون على مدى العصور أنّ الطبيعة الانسانية ليست جوهراً منغلقاً على ذاته،
إنما تتضمّن من صلب كيانها انفتاحاً على ما يتخطّاها، وهذا الانفتاح هو من خصائص
النفس لا من خصائص الجسد، لذلك لا يمكن أن يتّحد الكلمة بجسد بشري تنقصه نفس بشرية،
لأن الجسد وحده دون النفس لا يستطيع أن ينفتح على ما يتخطّاه؛ فالنفس البشرية هي
إذاً عنصر أساسي لا بدّ من وجوده في المسيح لكي يتمّ فيه اتحاد الكلمة بالطبيعة
الانسانية.

 

القِسم الثَاني يسوع المسيح إله حقيقي

سنة 325 أعلن الآباء الملتئمون في مجمع نيقية إيمانهم “برب واحد
يسوع المسيح، إبن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق
من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”. وكان هذا الإعلان
لألوهية المسيح جواب الكنيسة الرسمي في أول مجمع مسكوني على نقاشات حادّة دارت بين
اللاهوتيين حول تعاليم آريوس الاسكندري الذي كان يقول ان كلمة الله الذي صار
إنساناً في شخص يسوع المسيح ليس أزلياً ولا مساوياً للآب في الجوهر، إنما هو أول
خليقة خلقها الله.

 

لم تكن بدعة آريوس البدعة الوحيدة التي أنكرت ألوهية المسيح في القرون
المسيحية الثلاثة الأولى، لكنها حلقة هامة من سلسلة طويلة رافقت تاريخ المسيحية
منذ نشأتها. لا نستطيع في هذا البحث التبسّط في تاريخ كل تلك البدع وتعاليمها، لأن
هذا يتطلّب عدّة مجلّدات ولا يهمّ إلا الأخصّائيين. فرأينا أن نجمع تعاليم
المبتدعين الذين أنكروا ألوهية المسيح في ثلاثة تيارات أو اتجاهات عقائدية خاطئة
حرمتها الكنيسة إذ رأت أنها، في عرضها لسرّ المسيح وعلاقته بالله الآب، قد شوّهت
تشويهاً جسيماً وجه المسيح ووجه الآب.

 

1- الشكلانية (Modalisme)

الاتجاه الأول أراد المحافظة على وحدانية الله ووحدانية مبدأ الكون،
لكنه رأى أن تلك الوحدانية لا يمكن أن تثبت إذا آمنّا بوجود ثلاثة أقانيم في الله؛
لذلك اعتقد أن الثالوث الأقدس ليس في الواقع إلا أقنوماً واحداً ظهر لنا في ثلاثة
أشكال أو أحوال: حال الآب، وحال الابن، وحال الروح القدس. وعليه دعيت تلك البدعة
“الشكلانية” أو “الحالانية” (
modalisme)، أو بدعة المبدأ الواحد (Monarchianisme)

 

فالتمييز في الله، بموجب تلك البدعة، ليس بين أقانيم متساوية في
الجوهر؛ بل بين أحوال وأشكال ثلاثة اتخذها الإله الواحد في الزمن. لذلك نستطيع أن
نخلع عليه ثلاثة أسماء، فندعوه تارة الآب لأنه مبدأ الكون وخالقه، وتارة الابن لأنه
تجسّد وصار إنساناً، وتارة الروح القدس لأنه يملأنا بحضوره.

 

لقد انتشرت هذه البدعة في آسية الصغرى ورومة وشمالي أفريقية في أواخر
القرن الثاني وفي النصف الأول من القرن الثالث. ومن أهم دعاتها نوئيطوس الذي بشّر
في أزمير بين سنة 180 وسنة 200، وبراكسياس الذي نشر تعاليمه في قرطاجة ورومة،
وصابيليوس أسقف بطوليمَائيس في الخمس المدن، وقد كان له تلامذة كثيرون في رومة،
ودُعيت البدعة نفسها أيضاً باسمه: الصابيلية.

 

نجد دحضاً لتعاليم نوئيطوس في كتاب “دحض جميع الهرطقات”
المنسوب إلى القديس ايبوليتوس الروماني (170- 235)، ودحضاً لتعاليم براكسياس في
كتاب لترتوليانوس عنوانه “ضد براكسياس”. ويذكر المؤرّخ افسافيوس أسقف
قيصرية في كتابه “تاريخ الكنيسة” (7: 6) أن ديونيسيوس أسقف الاسكندرية
(190- 264) كان ينعت أصحاب تلك البدعة بالتجديف والكفر وعدم الاحترام للآب والابن
والروح القدس. كما نجد ذكر الصابيلية بين البدع التي يجب نبذها، في القانون الأول
من قوانين المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381، وكانت تلك
البدعة قد فقدت عندئذٍ قوّتها كتنظيم خاص، إلاّ أنّ آراءها كانت لا تزال شائعة عند
بعض فئات من الناس.

 

لماذا حرمت الكنيسة تلك البدعة؟ وماذا نستطيع أن نستنتج من هذا الحرم
بالنسبة الى إيماننا بالمسيح؟

 

يقوم ضلال تلك البدعة على أنها لم تميّز في الله بين الأقانيم الثلاثة
والجوهر الواحد. اعترفت بألوهية المسيح، لكنها قالت ان المسيح هو نفسه الله الآب.
وينتج من هذا القول أن الآب نفسه هو الذي تجسّد في الزمن في أحشاء مريم العذراء
ووُلد منها طفلاً وتألّم وصُلب ومات وقام، ممّا يناقض مناقضة صريحة كل تعاليم
العهد الجديد حول المسيح والآب. فالمسيح الذي عاش على الأرض هو ابن الله الذي جاء
ليتمّم في حياته إرادة أبيه؛ والابن والآب أقنومان أو شخصان متميزان؛ والابن هو
الذي، تتميماً لإرادة الآب، قبل الألم والصلب والموت؛ أما الآب فبقي منزّهاً عن
الجسد والألم والموت.

 

إنّ ما أكّدته الكنيسة في رفضها تعاليم تلك البدعة، وما يجب أن نؤكّده
اليوم أيضاً، هو سموّ الله وتعاليه في سرّ التجسّد. فالله “هو هو أمسِ واليوم
وإلى الأبد”، لا يمكن أن يتحوّل فيصير من حال إلى حال، ولا أن يتغيّر فينتقل
من شكل الى شكل. هذا ما تعلنه المسيحية في رفضها القول بتجسّد الآب. وفي هذا تتّفق
مع سائر الديانات التي تؤمن بالإله الواحد، كاليهودية والإسلام، إلاّ أنّها تدخل
كثر من تلك الديانات في سرّ الله، فتؤكّد، إلى جانب سموّ الله وتعاليه، قربه من
الانسان. والله لم يقترب من الانسان فقط، كما في اليهودية والاسلام، بما أوحاه إلى
أنبيائه وبالكلام الذي تكلّم به على ألسنتهم، فالمسيحية تؤمن أن اقتراب الله من
الانسان هو اقتراب شخصي. فكلمة الله هو نفسه صار بشراً، والكلمة هو شخص في الله: انه
الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. وهذا الأقنوم هو الذي أخذ من مريم العذراء
طبيعة بشرية وصار إنساناً خاضعاً مثلنا للألم والموت.

 

إلاّ أن المسيحية تعود فتؤكّد، في شخص المسيح أيضاً، سموّ الله، فتقول
ان المسيح لم يخضع للألم والموت إلا في طبيعته البشرية. وهذا ما ستوضحه الكنيسة في
المجامع اللاحقة التي سنأتي على ذكرها في القسم الثالث من هذا البحث.

 

2- التبنّويّة (Adoptianisme)

الاتجاه الثاني الخاطئ الذي يؤدّي إلى إنكار ألوهية المسيح انطلق
أيضاً من التمسّك بوحدانية الله، فأنكر الثالوث الأقدس، واعتقد أن يسوع المسيح ليس
سوى إنسان تبنّاه الله ومنحه سلطة إلهيّة لتتميم رسالته.

 

لقد سار في هذا الاتجاه منذ القرن الأول بعض النصارى من اليهود، الذين
آمنوا أن يسوع هو المسيح، لكنهم رفضوا الاعتراف بأنه ابن الله المولود من الآب منذ
الأزل. ومن بين هؤلاء اليهود النصارى يذكر القديس ايريناوس في القرن الثاني بدعة
الابيونيين الذين كانوا يقولون ان يسوع هو مجرّد إنسان وُلد من مريم ويوسف، وانه
كان أقدس جميع الناس، وقد حلّ عليه في أثناء معموديته كائن سماوي هو المسيح. وتلك
البدعة لم تكن تعترف إلا بإنجيل متّى، وكانت تعتبر بولس الرسول كافراً وترفض كل
رسائله وتعاليمه، وتلتزم جميع تعاليم الناموس الموسوي ووصاياه.

 

وفي أواخر القرن الثاني، دعا أيضاً إلى إنكار ألوهية المسيح ثيوذوتس
البيزنطي الذي جحد إيمانه في أثناء اضطهاد حدث ضد المسيحيين، فهرب من بيزنطية والتجأ
إلى رومة؛ ولتبرير جحوده قال انه لم ينكر إلهاً، بل أنكر إنساناً، لأن المسيح ليس
سوى إنسان.

 

وأشهر القائلين ببدعة التبنوية، وقد دُعيت كذلك لأنها تقول ان يسوع هو
مجرّد إنسان تبنّاه الله، بولس السميساطي الذي نشأ في “ساموساطة” في ما
بين النهرين على الفرات، ثم صار أسقفاً على انطاكية من سنة 260 حتى سنة 272، حين
حرمه مجمع محلّي وأقاله عن كرسيّه. وكان يقول ان الله والكلمة شخص واحد كالانسان
الذي يكوّن هو وفكره شخصاً واحداً. أما يسوع فاعتبره مجرّد إنسان متّحد بالله
اتحاداً عرضياً. فالله قد ملأه، اكثر من سائر الأنبياء، من الحكمة الإلهية والقوة
الإلهية. فلا مانع إذاً من أن ندعوه إلهاً، ولكن ليس بصورة بيانية. لذا كان أتباع
بولس السميساطي يذكرون اسم الآب والابن والروح القدس في إتمام سرّ المعمودية،
ولكنهم لم يستعملوا تلك الكلمات بمعناها الحقيقي. لذلك حدّد القانون 19 من قوانين
المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325: “ان أتباع بولس السميساطي
اللاجئين الى الكنيسة الجامعة، يجب أن تعاد معموديتهم”.

 

إن ما أرادت الكنيسة تأكيده في رفضها تعاليم بدعة التبنّوية هو أنّ
يسوع ليس مجرّد إنسان. لو كان يسوع فقط إنساناً مثلنا، لكان أيضاً مثلنا في علاقته
بالله. وعندئذٍ يمكننا أن نتسائل: لماذا نتبعه هو، ولا نتبع معلماً آخر؟ ولماذا
نبشّر به وندعو الناس إلى أن يعتمدوا باسمه؟ يعلن الايمان المسيحي أن علاقة
الانسان بالله يجب أن تمرّ بالمسيح، لأنّ المسيح لم يكن مجرّد إنسان كسائر الناس،
ولا مجرّد نبيّ كسائر الأنبياء، واتحاده بالله لم يكن اتحاداً عرضياً، بل كان
اتحاداً جوهرياً: انه من ذات جوهر الآب. وهذا ما ستؤكده الكنيسة بوضوح في رفضها
تعاليم آريوس.

 

3- الآريوسية

بدعة آريوس

اتخذت الآريوسية اسمها من الكاهن المبتدع آريوس. كان ليبيّ المنشأ،
وتعلّم في مدرسة انطاكية لدى لوكيانوس الشهير، ثم انتقل إلى مصر حيث رُسم كاهناً
سنة 310، وأصبح خادماً لإحدى كنائس الإسكندرية، وبسبب تعاليمه المناقضة للإيمان
القويم، حرمه مجمع محلّي عُقد في الاسكندرية سنة 320 برئاسة الاسكندر أسقف تلك
المدينة، فالتجأ الى نيقوميذية حيث كان أسقفاً صديقه أوسابيوس المؤرخ، وألّف هناك،
لنشر تعاليمه، كتاب “الوليمة”، وهو مزيج من النثر والشعر والأناشيد
الدينية الشعبية. وانتشرت أفكاره وتعاليمه في مختلف كنائس الشرق والغرب، وانقسم
المسيحيون بين مساند له ومناوئ. فالتأم في نيقية سنة 325 المجمع المسكوني الأول
وحرم بدعته، فنفاه عندئذ الامبراطور قسطنطين، إلاّ أنّه عاد فعفا عنه بعد بضع
سنوات. لكن اثناسيوس أسقف الاسكندرية رفض استقباله، فحصل له أتباعه أن يلتحق
بإكليروس القسطنطينية، إلاّ أنه توفي سنة 336 قبل دخوله المدينة.

 

إنّ تعاليم آريوس يمكن إيجازها في النقاط التالية:

أ) إنّ الله واحد أحد، أزلي غير مولود، وكل ما سواه من الكائنات مخلوق
من العدم بإرادته الحرة.

 

ب) إنّ الكلمة كائن وسط بين الله والخلائق؛ فالله قد خلقه من العدم
قبل سائر الخلائق، ثم أعطاه أن يخلق جميع المخلوقات؛ لذلك نستطيع أن ندعوه إلهاً،
فهو إله ثانٍ أدنى من الله. وهذا التمييز بين الإله الأول والإله الثاني، استقاه
آريوس من الفلسفة الأفلاطونية.

 

ج) كذلك نستطيع أن ندعو الكلمة “ابن الله” أو “مولوداً
من الله”، الاّ أنّ تلك البنوّة الالهية ليست في الواقع إلا تبنّياً. فالكلمة
ليس من جوهر الله، إنما تبنّاه الله منذ خلَقه، استباقاً لاستحقاقاته. وفكرة
التبنّي هذه أخذها آريوس عن بولس السميساطي.

 

د) إنّ الكلمة، بما أنّه مخلوق، فهو معرّض من طبيعته للخطيئة، لكنه في
الواقع استطاع أن يحيا حياة قداسة وكمال ولم يسقط قط في الخطيئة. فهو أدنى من الله،
ولكنه أقدس جميع الخلائق، ولا يمكن أن يُخلق كائن أعلى منه.

 

ه) إنّ الروح القدس هو أوّل خلائق الكلمة، وهو أيضاً ليس من جوهر الله.

 

مجمع نيقية

سنة 325 التأم في نيقية حوالى 300 أسقف، وحكموا على آريوس وأعلنوا
تعاليمه مناقضة للإيمان القويم، وأوجزوا إيمانهم في القسمين الأول والثاني من
قانون الإيمان الذي لا نزال نتلوه اليوم، أي من أوّله حتى عبارة “وبالروح
القدس”. ونلاحظ في معظم التعابير المتعلقة بيسوع المسيح دحضاً لتعاليم آريوس.

 

فيسوع هو “ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور”.
وبينما كان يقول آريوس ان الكلمة قد خلقه الله من العدم، يعلن المجمع أنه
“مولود غير مخلوق”. والفرق كبير بين الخلق والولادة. فالخلق يعني
اختلافاً في الجوهر والطبيعة، أمّا الولادة فتعني أن ابن الله هو من ذات جوهر الله.

 

لذلك يضيف قانون الإيمان أن يسوع المسيح هو “مساوٍ للآب في
الجوهر”، أو، ترجمة أدقّ، “واحد مع الآب في الجوهر”. والجوهر هنا
هو جوهر الألوهة أو الطبيعة الإلهية. فكما أن الآب إله، هكذا الابن أيضاً إله،
والآب والابن لهمَا جوهر واحد، أي طبيعة إلهية واحدة.

 

فالابن واحد مع الآب في الجوهر، إلاّ أنه متميّز عنه في الأقنوم.
والأقنوم كلمة سريانية ترجم بها الآباء كلمة اليونانية، وتعني الشخص، أي الكائن
الذي يقوم به الجوهر. فالجوهر لا يمكن أن يقوم دون كائن فرد يحمله. فالطبيعة
الإنسانية مثلاً لا يمكن أن توجد دون إنسان فرد، دون شخص بشري يحملها، فتقوم به
إلى الوجود. كذلك جوهر الله هو واحد، والطبيعة الإلهية هي واحدة. إلاّ أنّ تلك
الطبيعة تقوم في ثلاثة أشخاص ندعوهم أقانيم، لأنه بهم يقوم جوهر الله أو الطبيعة
الإلهية الواحدة: أقنوم الآب، وأقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس. وأقنوم الابن هو
الذي تجسّد في شخص يسوع المسيح.

 

إن الفرق في النظرة الى يسوع المسيح بين آريوس وآباء نيقية أن آريوس
يعتبر المسيح خليقة، فينكر الوهيته وينكر معاً الثالوث الأقدس وتجسّد الله. فالذي
تجسّد وصار إنساناً، في رأي آريوس، ليس الله، بل كائن وسط بين الله والإنسان، وفي
الواقع كائن أقرب إلى الإنسان منه إلى الله، لأنه مخلوق من الله.

 

أما آباء نيقية فقد أعلنوا أن الذي ظهر لنا في يسوع المسيح ليس كائناً
وسطاً بين الله والإنسان، بل الله نفسه في شخص كلمة الآب الأزلي وابنه الوحيد،
الواحد معه في الجوهر.

 

وهذا ما يجب أن نركّز عليه اليوم، عندما نتكلّم عن ألوهية المسيح.
إيماننا بألوهية المسيح ليس اعتقاداً أسطورياً بكائن وسط بين الله والإنسان، نزل
في أحد الأيام من أعالي السماء ودخل في إنسان. أن مثل هذا الاعتقاد نجده في بعض
الديانات القديمة، وهو لا يمتّ إلى المسيحية بشيء. إيماننا المسيحي هو الإيمان بأن
الله نفسه، في كيانه وشخصه، قد حضر إلينا في شخص يسوع المسيح. فمَن رأى يسوع رأى
الله، ومَن اتحد بيسوع اتحد بالله، ومَن اعتمد باسم يسوع اعتمد باسم الله.

 

ولأن الله نفسه قد حضر إلينا في شخص يسوع، فيسوع يستطيع أن يؤلّهنا.
هذا هو البرهان الذي ردّده مراراً آباء الكنيسة. فلو اعتبرنا يسوع مجرّد إنسان
لاستحال عليه أن يوصلنا إلى الله. ولكن، بما أن يسوع إله، فهو يستطيع أن يوصلنا
إلى الله. هذا هو المعنى العميق للعقيدة المسيحية القائلة ان يسوع نفسه الكلمة
المتجسّد، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، وانه إله حق وإنسان حق، وانه شخص
واحد في طبيعتين، طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية.

 

كيف يجب أن نفهم العلاقة بين الطبيعتين في شخص يسوع الواحد؟ هذا ما
تطرّقت إليه المجامع المسكونية التي تلت مجمع نيقية.

 

القِسم الثَالث يسوع المسيح شخص واحد

في طبيعتين طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية

كيف يمكن أن يكون شخص واحد في آنِ معاً إنساناً وإلهاً، إبنَ مريم
وإبن الله؟ لقد أجابت الكنيسة على هذا السؤال في ردّها على ثلاث بدع ظهرت تباعًا
من القرن الرابع حتى القرن السابع: بدعة نسطوريوس وبدعة أوطيخا وبدعة
“المشيئة الواحدة”

 

أ- البدعة النسطورية

1- نسطوريوس ولقب “والدة الاله”

ان موضوع وحدة الشخص في المسيح قد طرح بشكل دقيق في معرض النقاش الذي
احتدم مع نسطوريوس بطريرك القسطنطينية حول استعمال لقب “والدة الاله”
لمريم العذراء. ولد نسطوريوس في مرعش من اعمال سورية على الفرات، ودرس في انطاكية
وترهّب فيها. ثمّ انتخب بطريركا على القسطنطينية سنة 428، وراح في عظاته يدافع عن
الايمان القويم، ولا سيّمَا ضد اتباع ابوليناريوس وآريوس. ورأى في لقب “والدة
الاله” الذي كان يطلق على مريم العذراء في القسطنطينية لقبا خاطئا يقود الى
تعاليم هذين المبتدعين: فالقول بأنّ مريم هي “والدة الاله” يسوع يعني
أمرين: إمّا أنّ يسوع ليس انسانا كاملا، وهذا ما كان يقوله ابوليناريوس، وإمّا أنّ
يسوع هو الله مخلوق، وهذا ما كان يقوله آريوس.

 

بلغ الخبر القديس كيرلس أسقف الاسكندرية، وكان لقب “والدة
الاله” يستعمل أيضاً في تلك المدينة، فراح يداه عن هذا اللقب ويتّهم نسطوريوس
بالهرطقة. فقد رأى كيرلس انّ رفض هذا اللقب لوالدة يسوع ينتج منه رفض لوحدة الشخص
في يسوع. فيسوع هو شخص واحد، ووحدة الشخص فيه تفرض ان تطلق عليه خصائص الطبيعتين
معا: الطبيعة الالهية والطبيعة الانسانية. فيمكننا القول بأنّ ابن الله وُلد من
مريم، ونعني بذلك أنه ولد منها بحسب طبيعته البشرية، كما يمكننا القول بأنّ ابن
مريم قد خلق الكون، ونعني بذلك انه خلقه بحسب طبيعته الالهية. وهذا ما يدعوه
اللاهوتيون “اتصال الخصائص” (
Communication des idiomes). وانطلاقا من هذا المبدأ يصحّ القول بأنّ مريم هي والدة الاله،
لا لأنّها خلقت الله، أو لأنّها خلقت شخص ابن الله، إذ إنّ هذا الشخص كائن منذ
الأزل مع الله وهو الذي خلق مريم، بل لأنّ هذا الشخص الذي اعطته جسدا، وحملته في
احشائها مدة تسعة أشهر ثمّ ولدته، هو نفسه ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله
والذي صار منها انسانا.

 

أمّا رفض نسطوريوس وأتباعه تطبيق خصائص الطبيعتين على شخص يسوع فيعني،
في نظر كيرلس، الاعتقاد أنّ يسوع ليس شخصا واحدا بل فيه شخصان، شخص إلهي وشخص بشري،
متّحدان معا اتحادا خارجيا عرضيا. لذلك اراد كيرلس ان يفرض على خصومه القبول
بعبارة “الاتحاد الشخصي” في المسيح بين العنصرين، العنصر الالهي والعنصر
الانساني. إلاّ أنّ نسطوريوس وأتباعه رفضوا تلك العبارة، لأنّ لفظة الشخص، بحسب
الفلسفة الانطاكية التي كانوا متشرّبينها، تعني “الطبيعة”، والمبدأ
السائد في الفلسفة الانطاكية كان أنّ “كل طبيعة كاملة هي شخص”. فقول
كيرلس بأنّ الاله والانسان اتحدا في يسوع “اتحادا شخصيا” يعني، في نظر
نسطوريوس وأتباعه، انهما أصبحا طبيعة واحدة؛ لذلك كانوا يتّهمون كيرلس بالسقوط في
بدعة ابوليناريوس. أمّا تطبيق خصائص ابن على شخص واحد فقد رفضوه أيضاً لأنه يقود،
في زعمهم، الى القول بأنّ المسيح تألّم ومات في طبيعته الالهية.

 

لذلك يرى بعض مؤرّخي اللاهوت اليوم أنّ افكار نسطوريوس لم تكن خاطئة،
وأنّ خلافه مع كيرلس لم يكن سوى خلاف على الألفاظ. وإنّ ما نبذه مجمع أفسس في
البدعة النسطورية ليس بتعاليم نسطوريوس بل التفسير الذي اعطاه كيرلس لتلك التعاليم.

 

2- مجمع أفسس (431)

مهما يكن من أمر تلك النظرة، فالأزمة النسطورية أرغمت آباء الكنيسة
على توضيح إيمانهم في وحدة الشخص في المسيح. وهذا ما صنعوه في المجمع المسكوني
الثالث الذي عقد في أَفسس، مدينة العذراء، سنة 431، وأعلنوا خلاله موافقتهم على
الرسالة التي كان كيرلس قد بعث بها الى نسطوريوس. وأهمّ ما جاء فيها: “اننا
نعترف بأنّ الكلمة صار واحدا مع الجسد، اذ اتّحد به اتحادا شخصيا. فنعبد الشخص
الواحد، الابن، والرب، يسوع المسيح. اننا لا نفرق بين الله والانسان ولا نفصل
بينهما وكأنّهما اتحدا الواحد بالآخر اتحاد كرامة وسلطة. فهذا القول ليس سوى كلام
فارغ. ولا ندعو الكلمة المولود من الله مسيحا آخر غير المسيح المولود من امرأة.
انما نعترف بمسيح واحد هو الكلمة المولود من الآب وهو الذي اتخذ جسدا”.

 

أمّا عن العذراء فتقول الرسالة: “بما أنّ العذراء القديسة قد
ولدت بالجسد الاله الذي صار واحدا مع الجسد بحسب الطبيعة، فإننا ندعوها والدة
الاله”.

 

لقد رافقت هذا المجمع أحداث معقّدة. ففي أواسط حزيران سنة 431، وصل
الى أَفسس حوالي مئتي أسقف يمثّلون جميع الكنائس، ما عدا وفد أنطاكية الذي كان
يرئسه يوحنا بطريرك انطاكية، ومندوبي بابا رومة الذين تأخروا في السفر. وفي 22
حزيران، إذ كان موعد افتتاح المجمع قد انقضى، دعا كيرلس الاسكندري الاساقفة
الحاضرين الى مباشرة اعمال المجمع. ودعي نسطوريوس الى الحضور ثلاث مرات، فرفض.
فقرئ قانون ايمان نيقية ثم رسالة كيرلس الى نسطوريوس فجواب نسطوريوس فوافق الآباء
على رسالة كيرلس وحكموا على نسطوريوس واعلنوا في اليوم نفسه إقالته عن كرسيّه.

 

وبعد بضعة ايام قدم يوحنا مع اساقفة انطاكية، وقد كانوا من محبّذي
نسطوريوس. وفي 26 حزيران حكموا على كيرلس لكونه تصرّف خلافا للشرع الكنسي، ورأوا
في اقواله سقوطا في ضلال ابوليناريوس وآريوس.

 

وفي أوّل تموز وصل مندوبو البابا. وبعد سماعهم محضر جلسة 22 حزيران
وافقوا على كل ما جاء فيها وثبّتوا الحكم على نسطوريوس. ومن ثمّ حرم المجمع يوحنا
بطريرك انطاكية. وإزاء هذا البلبال أمر الامبراطور بإقفال المجمع وتوقيف كيرلس
ونسطوريوس معا. إلاّ أنّ كيرلس استطاع بعد بضعة اشهر العودة الى كرسيّه. أمّا نسطوريوس
فنفي الى ديره الأوّل قرب أنطاكية ثم الى احد أديرة صعيد مصر.

 

3- قانون الوحدة (433)

بعد الاحداث الأليمة التي جرت في أَفسس ومزّقت الكنيسة، عمل يوحنا
بطريرك أنطاكية مع بعض الاساقفة على إعادة السلام الى الكنيسة ولاسيّمَا بين
أنطاكية والاسكندرية. واعيدت الوحدة سنة 433 بعد أن تمّ الاتفاق على قانون الايمان
التالي الذي دعي بقانون الوحدة وهو من وضع لاهوتي أنطاكية: “اننا نعترف بأنّ
ربنا يسوع المسيح، الابن الوحيد لله، هو الله حق، وانسان حق مؤلّف من نفس عاقلة
وجسد؛ وانه ولد من الآب قبل كل الدهور بحسب الوهيته؛ وانه هو نفسه، في الأزمنة
الأخيرة، ولد، لأجلنا ولأجل خلاصنا، من مريم العذراء بحسب بشريّته؛ وأنه مساوٍ
للآب في الجوهر بحسب الألوهية، وكذلك مساوٍ لنا بحسب البشريّة. فقد صار اتحاد من
طبيعتين؛ لذلك لا نعترف إلاّ بمسيح واحد وابن واحد ورب واحد. وبسبب هذا الاتحاد
المنزه عن أيّ اختلاط، نعترف بأنّ العذراء القديسة هي والدة الاله، لأنّ الاله
الكلمة قد صار جسدا، قد صار انسانا، واتحد، منذ، لحظة الحبل به، بالهيكل الذي أخذه
منها”.

 

قبل كيرلس هذا النص والعبارة الواردة فيه والتي تتكلم عن
“الاتحاد من طبيعتين”. إلاّ أنّ بعضا من أتباعه رفضوا تلك العبارة، وهم
الذين سيرفضون في ما بعد قرار مجمع خلقيدونية وسيدعون “القائلين بالطبيعة
الواحدة”.

 

إنّ ما رفضه مجمع أفسس هو أن يكون يسوع مجرّد انسان متحد بكلمة الله
اتحاد حرية واختيار. فهذه النظرة “تنقض سرّ التجسد من أساسه”، كما كتب
المجمع في خلاصة اعماله التي أرسلها الى البابا كلستينوس. لأنّ التجسد لا يعني
اتحادا خارجيا بين الله وانسان، بل انّ الاله الكلمة نفسه صار انسانا، اي اتخذ الى
جانب طبيعته الالهية طبيعة بشرية دون دمج أو اختلاط بين الطبيعتين.

 

هذا ما سيعالجه بوضوح المجمع الخلقيدوني في ردّه على بدعة القائلين
بالطبيعة الواحدة.

ب- بدعة الطبيعة الواحدة في
المسيح” (
Monophysisme)

1- اوطيخا

نشأت هذه البدعة مع اوطيخا الذي كان رئيس دير في القسطنطينية يضمّ
ثلاث مئة راهب. وسنة 448 بدا أنّ تعليمه حول سرّ التجسد كان مناقضا للإيمان القويم،
إذ يقول انّ طبيعتي المسيح، الطبيعة الالهية والطبيعة الانسانية، اتحدتا وصارتا
بعد التجسد طبيعة واحدة. ولتبرير موقفه كان يستند الى عبارة استعملها القديس كيرلس
الاسكندري: “الطبيعة الواحدة المتجسدة للاله الكلمة”.

 

لا شك أنّ كيرلس كان يستعمل تلك العبارة التي ظنّ انها من القديس
اثناسيوس وهي في الواقع من ابوليناريوس. إلاّ انّه كان يعني بلفظة
“طبيعة” الشخص الفرد، إذ كان يقول ان يسوع هو “طبيعة واحدة”
مكوّنة من عنصرين، عنصر الهي وعنصر انساني، أي ان يسوع هو “كائن فرد”،
“شخص واحد”، اله وانسان معا.

 

اما في لغة انطاكية والقسطنطينية فكانت لفظة “طبيعة” تعني
الخصائص التي تحدّد الكائنات وتميّزها بعضها عن بعض. ففي هذا المعنى تتميز الطبيعة
الانسانية عن الطبيعة الحيوانية بخصائص محددة كالعقل والحرية. وكذلك تتميّز
الطبيعة الالهية عن الطبيعة الانسانية بالأزلية والقدرة والتنزه عن الألم والفساد
والموت. وهذا ما نعنيه اليوم أيضاً بلفظة طبيعة، فنقول ان في المسيح طبيعتين،
طبيعة الهية وطبيعة انسانية. وقد وافق كيرلس على استعمال تلك اللفظة في هذا المعنى
بموافقته على قانون الوحدة سنة 433 كما رأينا. أما في كتاباته السابقة فكانت لفظة
“طبيعة” تعني الكائن الفرد. وللتعبير عن طبيعتي المسيح كان يستعمل لفظة
التي تعني “العنصر” أو “الشيء”، أو لفظة التي تعني
“الأقنوم” أو “الشخص”، وقد استعملها كيرلس بمعنى
“الجوهر”.

 

وهنا يتساءل المؤرّخون: عندما كان أوطيخا يقول ان المسيح
“طبيعة” واحدة بعد التجسد، فماذا كان يعني بلفظة “طبيعة”؟
فاذا كان يعني بها “الشخص”، على غرار كيرلس، يكون تعليمه قويمًا؛ أما
اذا كان يعني بها خصائص الشخص، فعندئذ يصبح تعليمه خاطئًا، لأن الخصائص الانسانية
والخصائص الالهية في المسيح تبقى كما هي بعد تجسد الكلمة، وتنسب الى شخص واحد، كما
رأينا في الأزمة النسطورية.

 

2- مجمع اللصوص في أفسس (449)

مهما يكن من أمر اوطيخا ونواياه، فقد بدا أنّ تعليمه مناقض للإيمان
القويم. لذلك حرمه سنة 449 فلابيانوس بطريرك القسطنطينية. فطلب اوطيخا الى
الامبراطور تيوذوسيوس أن يدعو الى مجمع للبحث في تعاليمه، فدعا الامبراطور الى
مجمع مسكوني عقد في أَفسس سنة 449. إلاّ أنّ ذيوسقورس، الذي كان قد انتخب اسقفا
على الاسكندرية سنة 444 بعد وفاة كيرلس، ترأس المجمع، وبمؤازرة اساقفة مصر وقوة
سواعد زمرة من الرهبان المتعصّبين وضربات عصيّهم، فرض رأيه على جميع آباء المجمع،
وكان عددهم 135، وبرّر اوطيخا من كل التّهم التي ألصقت به، وحرم بعض مناوئيه من
الأساقفة، ولاسيَّمَا فلابيانوس بطريرك القسطنطينية الذي توفي بعد ثلاثة ايام
متأثرا بجراح الضربات التي انهالت عليه في المجمع. فهرب موفدو البابا لاون حاملين
رسائل الاستدعاء من ضحايا هذا المجمع الذي دعي بحق “مجمع اللصوص”.

 

3- مجمع خلقيدونية (451)

سنة 450 توفي الامبراطور تيوذوسيوس وخلفه مركيانوس، فدعا الى مجمع
جديد. وسنة 451 التأم في خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع برئاسة موفدي البابا
لاون. فحرم هذا المجمع اوطيخا لتعاليمه الخاطئة وذيوسقورس لتصرّفه الشاذ في مجمع
أفسس، وقرئت الرسالة التي كان البابا لاون قد بعث بها الى فلابيانوس بطريرك
القسطنطينية سنة 449. وأهمّ ما جاء في هذه الرسالة قول البابا عن طبيعتي المسيح: “ان
الذي هو الله حق هو نفسه انسان حق. وليس في هذا الاتحاد اي خداع. فاتضاع الانسان
وسمو الله حاضران معا في علاقة تبادل. وكما أنّ الاله لا يتغيّر عندما يتحنن على
الجموع، كذلك الانسان لا يذوب في الكرامة الالهية. فانّ كلتا الطبيعتين تعمل،
بالاتحاد مع الأخرى، ما هو خاص بها. فالكلمة يعمل ما هو خاص بالكلمة، والجسد يحقّق
ما هو خاص بالجسد. احدهما يشرق بالعجائب والآخر يخضع للاساءات التي توجّه اليه.
وكما أن الكلمة لم ينفصل عن مساواة مجد الآب، كذلك الجسد لم يفارق طبيعتنا البشرية.
واحد هو، وهو نفسه -وهذا ما يجب ترداده مرارا- حقا ابن الله وحقا ابن الانسان. فهو
الله لأنه “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله”،
وهو انسان “لأن الكلمة صار جسدا وسكن في ما بيننا”. هو اله لأنه
“به كوّن كل شيء، وبدونه لم يكن شيء واحد ممّا كوّن”، وهو انسان لأنه
“مولود من امرأة، مولود تحت الناموس”. فولادة الجسد هي ظهور الطبيعة
البشرية، والولادة من عذراء هي علامة القدرة الالهية”.

 

ثم تتابع الرسالة: “وبسبب وحدة الشخص هذه التي تجمع بين
الطبيعتين نقول ان ابن الانسان نزل من السماء، عندما نتكلم عن اتخاذ ابن الله جسدا
من العذراء التي ولد منها. وعلى العكس من ذلك نقول ان ابن الله صلب ودفن، بينما لم
يتعذّب في الوهيته نفسها -تلك الالوهية التي بها ولد من الله منذ الأزل وبها هو
مساوٍ للآب في الجوهر- انما في ضعف الطبيعة البشرية. لهذا السبب نعلن في قانون
الإيمان ونعترف ان ابن الله الوحيد صلب ودفن”.

 

أمّا عن اوطيخا فيقول البابا في رسالته: “ان اوطيخا قد أجاب على
سؤالكم بقوله: اني اعترف بأنّ ربنا مؤلّف من طبيعتين قبل التجسد، أمّا بعد التجسد
فلا أقرّ الا بطبيعة واحدة. إني اتعجب من ان هذا الاعتراف الفاسد والقول الكافر لم
يشجبه احد منكم.. فانه من الكفر القول بأنّ ابن الله الوحيد كان مؤلفا قبل التجسد
من طبيعتين؛ ولا يقلّ عن ذلك كفرا القول الآخر انه بعد التجسّد ليس فيه سوى طبيعة
واحدة”.

 

وافق آباء المجمع على رسالة البابا لاون هاتفين: “هذا هو إيمان
الرسل، هكذا كلنا نؤمن، وهكذا يؤمن المستقيمو الرأي..”، ثم أعلنوا تحديدهم
للعقيدة القويمة. وأهم ما جاء في هذا التحديد: “اننا نتمسّك باتباع الآباء
القديسين في الاعتراف بمن هو واحد وهو نفسه الابن (ابن الله) وربنا يسوع المسيح.
وبصوت واحد متّفق نعلن أنه هو نفسه تامّ في الألوهية وتامّ في البشرية، الله حق
وانسان حق، وهو نفسه مكوّن من نفس عاقلة وجسد. إنّه مساوٍ للآب في الالوهية ومساوٍ
لنا في البشرية، شبيه بنا في كل شيء ما خلا الخطيئة. قبل كل الدهور ولد من الآب
بحسب الألوهية، وفي الأيام الأخيرة هو نفسه، لأجلنا ولأجل خلاصنا، ولد من مريم
العذراء والدة الاله، بحسب البشرية. واحد هو، وهو نفسه المسيح، الابن الوحيد، الرب،
الذي يجب الاعتراف به في طبيعتين متحدتين دون اختلاط ولا تحوّل ولا انقسام ولا
انفصال.

 

“انّ اتحاد الطبيعتين لم يُزل ولم يُلغ بأي شكل من الأشكال ما
فيهما من تباين، بل على العكس من ذلك، قد حُفظت سالمة جميع خصائص الطبيعتين اللتين
اتحدتا في شخص واحد وأقنوم واحد. وهو لم ينقسم ولم ينفصل الى شخصين، بل واحد هو،
وهو نفسه الابن الوحيد، الاله الكلمة، الرب يسوع المسيح.

 

“هكذا تكلّم عنه الانبياء قديمًا، وهكذا علّمنا يسوع نفسه، وهذا
ما سلّمنا اياه الآباء في قانون الإيمان”.

 

بهذه الكلمات اوضح آباء خلقيدونية ما جاء في قانون إيمان نيقية سنة
325. وقد أكّدوا أمرين هامّين في ما يتعلّق بشخص يسوع المسيح: الأمر الأول هو وحدة
الشخص في المسيح، وهذا هو معنى العبارة التي ترد عدّة مرّات في النص: “واحد
هو، وهو نفسه..”؛ فيسوع المسيح هو شخص واحد، وهذا الشخص هو نفسه كلمة الله،
الاقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، ابن الله المولود من الآب قبل كل الدهور، وقد ولد
من مريم العذراء في الجسد. والأمر الثاني هو محافظة كل من الطبيعتين على خصائصها
في وحدة الشخص. فابن الله صار انسانا وأخذ كل شيء من الطبيعة البشرية، ما خلا
الخطيئة، دون ان يتغيّر شيء في ألوهيته.

 

كيف يمكن ان يكون شخص واحد بطبيعتين؟

لا بدّ أوّلا من إدراك الفرق بين الطبيعة والشخص. فالطبيعة هي الجواب
على السؤال الذي نطرحه أمام كل كائن: “ما هذا؟”، فنقول: هذا إله، هذا
إنسان، هذا حيوان، هذا نبات.. ولكلّ من الكائنات طبيعته الخاصة التي يتميّز بها عن
غيره. والطبيعة لا يمكن ان تقوم في الوجود دون شخص أو فرد يحملها؛ لذلك هي منفتحة
لتقبّل الاشخاص. وانفتاح الطبيعة هذا أمر لا بدّ منه لكي تبرز الكائنات الى الوجود.
وهكذا فإنّ الطبيعة البشرية منفتحة لتقبّل الشخص البشري وتقبّل عدد لا يحصى من
الاشخاص البشرية. ولا وجود لأيّ شخص بشري قبل بروزه الى الوجود بطبيعة بشرية.

 

أمّا في المسيح فالطبيعة البشرية يتقبّلها شخص موجود منذ الأزل هو شخص
ابن الله الكائن منذ الأزل مع الآب. وهذا الشخص هو، قبل التجسّد، شخص قائم (وهذا
معنى لفظة أقنوم) في الطبيعة الالهية الواحدة مع الآب والروح القدس. أمّا بعد
التجسّد فيبقى الشخص هو نفسه، وطبيعته الالهية لا تتغيّر. الا أنه يسخذ أيضا طبيعة
بشرية، فيصبح شخصا واحدا بطبيعتين.

 

تلك هي عقيدة التجسّد كما عبّر عنها مجمع خلقيدونية بتعابير فلسفية،
بينما اكتفى العهد الجديد باظهار يسوع انسانا تاما وابن الله الكائن منذ الأزل مع
الله. فالمفاهيم الفلسفية كان لا بدّ منها لتوضيح جوهر العقيدة. وهذا الجوهر هو ما
يجب التمسّك به: فيسوع المسيح هو انسان شبيه بنا في كل شيء ما خلا الخطيئة، إلاّ
أنه ليس مجرّد انسان تبنّاه الله، كما قال بولس السميساطي، ولا إلهًا أدنى كما قال
آريوس.

 

لسنا هنا إزاء أساطير هي من نسج الخيال، إنما ازاء سرّ محبة الله التي
لا تدرك أبعادها. هكذا أحب الله العالم حتى انه أرسل ابنه الوحيد الى العالم ليشرك
العالم في حياته الالهية. فيسوع المسيح الانسان هو نفسه ابن الله وكلمته الذي صار
انسانا ليرفع الانسان الى الله. انه عمانوئيل، أي الله-معنا، وحضور الله في ما بيننا،
فيه التزم الله التزاما نهائيا حياة البشر ليسير بها الى التألّه.

 

4- الكنائس غير الخلقيدونية

لقد عمل مجمع خلقيدونية على توضيح العقيدة، إلاّ أنّه لم يفلح في جمع
الكنائس حولها، بسبب استعماله عبارة “الطبيعتين في المسيح”. فبعض
الكنائس الشرقية، السريانية والارمنية والقبطية، رفضت تحديد هذا المجمع اذ رأت في
تلك العبارة عودة الى النسطورية التي تعتقد بوجود “شخصين في المسيح”،
وبقيت متمسّكة بعبارة القديس كيرلس: “الطبيعة الواحدة المتجسدة للاله
الكلمة”؛ ولذلك دعيت بالكنائس “القائلة بالطبيعة الواحدة” (
Monophysites)

 

لا شكّ في أنّه كان في تلك الكنائس متطرّفون يعتقدون بطبيعة واحدة في
المسيح، إلاّ أنّ السواد الاعظم من الاساقفة واللاهوتيين فيها كان إيمانه قويمًا.
وقد تبيّن بعد خمسة عشر قرنا أن الخلاف بين تلك الكنائس والكنائس التي تبعت مجمع
خلقيدونية، كالكنيسة الرومانية والكنيسة البيزنطية والكنيسة الملكية، لم يكن خلافا
على العقيدة بل على الألفاظ. وقد أُعلن ذلك في لقاء مسكوني جَمَعَ لاهوتيين من
مختلف تلك الكنائس ولاهوتيين من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في فيينة عاصمة
النمسة سنة 1970، كما أْعلن رسميا في لقاءين هامين تمّا، الأوّل بين البابا بولس
السادس والبطريرك اغناطيوس يعقوب الثالث، والثاني بين البابا بولس السادس والبابا
شنودا الثالث بطريرك الأقباط الارثوذكس. وعقب هذا اللقاء الأخير الذي تمّ في 10
أيار 1973، وقّع المجتمعان بيانا مشتركا جاء فيه: “اننا نعترف بأنّ ربنا
والهنا ومخلصنا وملكنا جميعا، يسوع المسيح، هو الله تام من حيث ألوهيته وانسان تام
من حيث بشريته. والوهيته متحدة فيه ببشريته اتحادا حقيقيا كاملا دون امتزاج ولا
اختلاط ولا تشوّش ولا تغيّر ولا انقسام ولا انفصال. والوهيته لم تنفصل عن بشريته
لحظة واحدة حتى ولا زهاء طرفة عين. هو الاله الازلي وغير المنظور قد أصبح منظورا
في الجسد آخذا صورة عبد، وبقيت فيه سالمة جميع خصائص الالوهية وجميع خصائص البشرية،
متحدة معا اتحادا حقيقيا كاملا غير منقسم ولا منفصل.

 

“واننا نكرّم مريم العذراء أم النور الحقيقي، ونعترف بأنها والدة
الاله والعذراء الدائمة البتولية. إنّها تشفع فينا. وبما أنها والدة الاله، فانّها
تفوق كرامة جميع طغمات الملائكة”.

 

يظهر بوضوح من خلال هذا النص الاتفاق الجوهري على أنّ يسوع هو الله
تام وانسان تام وانّ الوهيته وبشريته قد اتحدتا فيه دون ان تفقدا شيئًا من
خصائصهما. وقد تحاشى النص استعمال لفظة “الطبيعتين”، التي نشأ بسببها
الشقاق، فلم يتكلم عن “الطبيعة الالهية والطبيعة البشرية في المسيح”، بل
عن الوهية المسيح وبشريته، وفي ترجمة أخرى، عن لاهوت المسيح وناسوته. وهذا في
الواقع ما كان يعنيه مجمع خلقيدونية بلفظة “الطبيعتين”. لذلك لم تعد
اليوم الكنائس التي رفضت مجمع خلقيدونية تدعى بالكنائس “القائلة بالطبيعة
الواحدة”، بل فقط بالكنائس غير الخلقيدونية. فمن حيث العقيدة لم يعد أيّ داع
لبقاء الانقسام بين تلك الكنائس والكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية الخلقيدونية.

 

إلاّ أنّ استعادة الوحدة الكاملة بين كل تلك الكنائس يلزمها بعض الوقت،
كما جاء في ختام هذا البيان المشترك.: “اننا نقرّ بتواضع انه ليس بوسع
كنائسنا ان تشهد شهادة اكمل لتلك الحياة الجديدة في المسيح، بسبب الانقسامات
الحالية التي لا تزال تحمل ثقل اجيال من التاريخ العصيب. فمنذ سنة 451 بعد المسيح
برزت خلافات لاهوتية غذّتها وأثقلتا عناصر غير لاهوتية. وهذه الخلافات لا يمكن
تجاهلها. غير أننا، بالرغم منها، نكتشف ذواتنا من جديد كنائسَ لها ميراث مشترك،
ونعمل جاهدين، بتصميم وثقة بالرب، للوصول الى الملء والكمال من تلك الوحدة التي هي
هبة منه”.

ج- بدعة “المشيئة
الواحدة في المسيح” (
Monothélisme)

1- مبادرة سرجيوس

في بداية القرن السابع كانت الامبراطورية البيزنطية مهدّدة من كل صوب
بخطر اجتياح الفرس ثم العرب. وأدرك هرقل الامبراطور وسرجيوس بطريرك القسطنطينية
ضرورة توحيد المسيحيين في جميع أقاليم الامبراطورية على الصعيدين السياسي والديني،
إذ كانت الكنيسة مقسومة شطرين من حين رفض جزء من كنائس الشرق، كما رأينا، قرارات
مجمع خلقيدونية. فاقترح البطريرك على الامبراطور عبارة لاهوتية جديدة ظن أنها
تستطيع اعادة الوحدة بين شطري الكنيسة. فجمع أفسس حدد ضد النسطورية انّ يسوع شخص
واحد لا شخصان، ومجمع خلقيدونية حدد أنّ فيه طبيعتين. فالكنائس التي رفضت قرار
خلقيدونية رفضته لأنها رأت فيه عودة الى النسطورية. فارتأى سرجيوس ان يعيد الوحدة
معها حول عبارة “الفعل الواحد للمسيح”، أو، بصيغة أخرى، “القوة
الفاعلة الواحدة للمسيح”. وقد استعمل اللفظة اليونانية التي تعني “فعل
الشخص” أو “القوة الفاعلة فيه” أو “القوة التي بها يفعل جميع
افعاله”. لذلك أطلق على نظريته اسم “بدعة الفعل الواحد” (
Monoénergisme)

 

ففي رأي سرجيوس ان المسيح، لكونه شخصا واحدا، جميع اعماله الالهية
والانسانية صادرة عن فعل واحد أو عن قوة فاعلة واحدة فيه. وهذا ما سيرفضه الايمان
القويم الذي سيحدّد انّ القوة الفاعلة في الإنسان مرتبطة لا بالشخص، كما رأى
سرجيوس، بل بالطبيعة. فبمَا أنّ في المسيح طبيعتين، طبيعة الهية وطبيعة انسانية،
لا بدّ ان يكون له قوّتان فاعلتان، قوة الهية بها يعمل الاعمال الالهية وقوة
انسانية بها يعمل الاعمال الانسانية.

 

2- صيغة الوحدة (633)

سنة 631 عيّن الامبراطور الاسقف كيروس بطريركا على الاسكندرية، فعقد
هذا فيها سنة 633 مجمعا محلّيا تمّ الاتفاق فيه على صيغة تعيد الوحدة الى الكنائس
المنقسمة. وينصّ البند السابع من تلك الصيغة أنّه “يمكننا اعتبار المسيح
بطبيعتين، إنّما نعني بذلك أنّه هو نفسه تام في الالوهية وتام في البشرية”.
ثم يضيف البند: “ان المسيح الواحد نفسه قد عمل الاعمال الالهية والاعمال
الانسانية بفعل واحد الهي-انساني”.

 

وأرسلت هذه الصيغة الى سرجيوس، فأجاب بالموافقة عليها. ومما جاء في
جوابه: “ان المسيح الواحد نفسه هو الذي يعمل الاعمال الالهية والاعمال
الانسانية بفعل واحد. لأنّ كل فعل الهي وانساني ينبثق من واحد هو نفسه الكلمة
المتجسد”.

 

3- جواب صفرونيوس

نمى خبر تلك المداولات الى راهب يدعى صفرونيوس كان قيم في أحد اديرة
بيت لحم وله من العمر ثمانون سنة، فرأى فيها تعاليم مناقضة لمجمع خلقيدونية، لأنّ
الفعل مرتبط بالطبيعة لا بالشخص، وكلّ كائن يعمل بحسب طبيعته، وبما أن للمسيح
طبيعتين فلا بدّ أن يكون له أيضاً قوّتان يعمل بهما. فسافر الى الاسكندرية وارتجى
كيروسَ أن يعدل عن هذا التعليم الجديد فلم يقتنع. وقصد القسطنطينية وحاول عبثا
اقناع سرجيوس. فعاد الى فلسطين فانتخب بطريركا على اورشليم سنة 634. عندئذ كتب
رسالة أوجز فيها كل العقيدة المسيحية في الثالوث الأقدس والتجسّد، وبعث بها الى
هونوريوس بابا رومة والى البطاركة الشرقيين. وفي تلك الرسالة يبيّن صفرونيوس انّ
يسوع هو شخص واحد وهو نفسه يقوم بالاعمال الالهية والاعمال الانسانية. وكما اننا
لا نرى تناقضا بين كونه الها وكونه هو نفسه انسانا، كذلك يجب الا نرى تناقضا بين
اعماله الالهية واعماله الانسانية. ويختم بقوله إنّ المسيح بطبيعتين لكل منهما
فعلها الخاص الذي به تعمل الاعمال المناسبة لها. فالفعل الالهي يعمل الاعمال
الالهية، والفعل الانساني يعمل الاعمال الانسانيّة. إلاّ انّ ذلك يتمّ بانسجام في
العمل دون انقسام، وفي الوقت نفسه دون اختلاط، لأنّ المسيح واحد وهو نفسه يقوم
بالاعمال الالهية والانسانية.

 

4- “المشيئة الواحدة” وتفاقم الأزمة

سنة 638 علّق الامبراطور هرقل في كنيسة آجيا صوفيا في القسطنطينية
بيانا عقائديا كتبه البطريرك سرجيوس بمؤازرة معاونه بيروس، وفيه يوجز الايمان
القويم في المسيح، ويحظّر استعمال عبارتي “الفعل الواحد”
و”الفعلين” في المسيح. فالقول بالفعل الواحد ينتج منه انكار الطبيعتين،
والقول بالفعلين يقود الى الاعتقاد بوجود ارادتين متناقضتين في المسيح الواحد.
“لهذا السبب، يقول البيان، نقرّ ونعترف بمشيئة واحدة في ربنا يسوع المسيح
الاله الحقيقي، بحيث انه لم يحدث مرة واحدة انّ جسده الذي تحييه نفس عاقلة تبع
ميله الطبيعي وعمل ما يناقض رغبة الاله الكلمة الذي كان متحدا به اتحادا جوهريا،
بل انه عمل دوما ما اراده الاله الكلمة نفسه ومتى اراده ومثلما اراده”.

 

ثم كتب سرجيوس الى البابا هونوريوس يفسّر له موضوع البيان، فأجاب
البابا بالموافقة على كل ما جاء فيه.

 

اراد سرجيوس ان يوحّد الكنيسة فخلق أزمة جديدة أحدثت بلبلة دامت زهاء
نصف قرن حتى المجمع المسكوني السادس الذي عقد في القسطنطينية سنة 681. ونكتفي هنا
بذكر المراحل الهامّة التي مرت بها تلك الأزمة:

 

سنة 640 توفي البابا هونوريوس وخلفه يوحنا الرابع، فعقد مجمعا في رومة
وحرم بدعة “المشيئة الواحدة”.

 

سنة 647 اعلن بولس، بطريرك القسطنطينية الجديد، ايمانه بمشيئة واحدة
في المسيح.

 

سنة 648 أصدر الامبراطور قسطنديوس الثاني قرارا عقائديا يحظّر فيه
التكلم عن هذا الموضوع مكتفيًا بأقوال الكتاب المقدّس وقرارات المجامع المسكونية
السابقة.

 

سنة 649 عقد البابا مرتينوس المنتخب حديثا مجمعا في كنيسة اللاتران في
رومة، غير آبه لقرار الامبراطور. حضر المجمع 105 أساقفة معظمهم من ايطالية وصقلّية
وسردينية وبعضهم من أفريقية. وترأس البابا نفسه المجمع واعلن أنه كما انّ في
المسيح طبيعتين كذلك فيه مشيئتان، مشيئة الهية ومشيئة انسانية، وفعلان، فعل الهي
وفعل انساني.

 

سنة 653 أمر الامبراطور بتوقيف البابا، فقبض عليه ونفاه الى
القسطنطينية ثم الى بلاد القرم حيث توفي سنة 655. وقبض أيضاً على الراهب اللاهوتي
مكسيموس المعترف الذي دافع دفاعا مستميتا عن عقيدة المشيئتين في المسيح، ونفاه الى
القفقاز هو واثنين من تلاميذه، فتوفي هناك سنة 662.

 

سنة 678 بعث الامبراطور الجديد قسطنطين الرابع برسالة الى بابا رومة
يطلب إليه ارسال مندوبين من قبله الى القسطنطينية للتداول في أمر المشيئتين. وصلت
الرسالة الى رومة بعد انتخاب البابا اغاثوس سنة 679، فأراد البابا استشارة اساقفة
الغرب في الموضوع، فعقد سنة 680 مجمعا في رومة اشترك فيه 125 أسقفا أعلنوا ايمانهم
بالطبيعتين والمشيئتين والفعلين في المسيح الواحد.

 

5- المجمع المسكوني السادس (681)

عقد هذا المجمع في القسطنطينية سنة 681 واعلن بشكل رسمي عقيدة
المشيئتين في المسيح:

 

“نصرّح ان في المسيح مشيئتين طبيعيّتين وفعلين طبيعيّين بلا
انقسام أو تحول أو انفصال أو اختلاط، كما جاء في تعليم الآباء القديسين. وهاتان
المشيئتان لا تعارض احداهما الأخرى، كما يزعم باصرار المبتدعون الجاحدون. فمشيئته
البشرية تخضع بدون مقاومة او تلكّؤ للمشيئة الالهية الكلية القدرة..

 

“واننا نمجّد فعلين طبيعيّين في ربنا يسوع المسيح الهنا الحقيقي
نفسه، فعلين غير منقسمين وغير متحدين وغير مختلطين وغير منفصلين. نعني بذلك فعلا
الهيا وفعلا بشريا كما يقول الواعظ الالهي لاون مؤكّدًا بكل صراحة وعلى النحو
التالي: “ان كل طبيعة تعمل، بالاشتراك مع الأخرى، ما تختصّ به. أي انّ الكلمة
يعمل ما يختصّ به الكلمة، والجسد يعمل ما يختصّ به الجسد”، لأننا لا تسلّم
بعمل طبيعي واحد في الله وفي المخلوق، كما اننا لا نرفع الى الجوهر الالهي ما قد
خلق، ولا نحطّ من قدر مجد الطبيعة الالهية الى درجة معادلة للمخلوق.

 

“اننا نعترف بصدور العجائب والآلام عن الشخص الواحد نفسه، ولكننا
نعترف بأنّها إمّا لهذه الطبيعة وإمّا للطبيعة الأخرى، وهو كائن بكلتيهما، كما
يقول كيرلس بحق.. وان اجتمعت الطبيعتان معا، فكل طبيعة منهما تشاء وتعمل ما تختصّ
به، بدون انقسام ولا اختلاط ولا امتزاج. ولذلك نعترف بمشيئتين وفعلين متّفقين احسن
اتفاق لخلاص الجنس البشري”.

 

6- أهمية هذا الموضوع

قد يتساءل المرء لماذا أثيرت تلك الضجة وعقدت المجامع المحلية
والمسكونية واستشهد القديسون، والأمر يبدو لنا اليوم وكأنه لا أهمية له؟ ألم يكن
من الأفضل، كما قال البابا هونوريوس في رسالته الى سرجيوس، “تحاشي التحدث عن
مسألة “الفعل والفعلين”، وترك الموضوع لأساتذة علم القواعد والفلاسفة
الذين لا عمل لهم سوى مناقشة أمور وهمية. اما تلاميذ الصياد بطرس فيجدر بهم الا
ينجرّوا الى تلك الأوهام. وحسبنا الاقرار بأنّ ربنا يسوع المسيح هو شخص واحد وهو
نفسه الذي يعمل في طبيعته الالهية وطبيعته الانسانية؟”.

 

ليس الأمر على هذا القدر من البساطة. فالسؤال المطروح مرتبط بمفهوم
الطبيعة البشرية التي اتخذها الاله الكلمة حين تجسّد، وفيها افتدى الجنس البشري.
فالموضوع متعلق اذًا بسرّي التجسّد والفداء.

 

المشيئة البشرية والتجسّد

إن قلنا انّ المسيح لم يكن له سوى مشيئة واحدة هي المشيئة الالهية،
فهذا يعني ان الكلمة اتخذ بتجسّده طبيعة بشرية ناقصة. وبهذا القول نسقط في بدعة
مماثلة لبدعة ابوليناريوس. فلقد اعتقد هذا انّ الكلمة اتّخذ من الطبيعة البشرية
الجسد دون النفس. والقائلون بالمشيئة الواحدة يعتقدون ان الكلمة اتخذ جسدا ونفسا
بشرية تنقصها الارادة البشرية. وفي كلتا البدعتين انقاص لبشرية المسيح وافساد
لمعنى التجسّد. فلا يصحّ ان يقال ان الكلمة صار انسانا دون ارادة انسانية وحرية
انسانية.

 

اما تخوّف مؤيّدي المشيئة الواحدة من أنّ القول بالمشيئتين في المسيح
يعني الخلاف بين هاتين المشيئتين، فقد أجاب عليه القديس مكسيموس المعترف بقوله انّ
الخلاف بين ارادة الانسان وارادة الله لا يحدث إلاّ بسبب خطيئة الانسان؛ أما
المسيح فطبيعته البشرية كانت كاملة ومقدّسة بسبب اتحادها بالطبيعة الالهية. فكما
ان الحديد، عندما يوضع في النار، يتّحد بطبيعة النار فيحمرّ دون ان يفقد شيئا من
جوهره، هكذا طبيعة المسيح وارادته البشرية، باتحادهما بشخص الكلمة وطبيعته الالهية،
قد تقدّستا دون ان تفقدا شيئا من جوهرهما البشري.

 

الفداء والحريّة البشرية

انّ تأكيد المسيحية أنّه لا بدّ، لكي يكون التجسد حقيقيا، ان يكون
للمسيح مشيئة بشرية، وبالتالي حرية بشرية، لهو أمر له نتائج هامة أيضاً بالنسبة
الى مفهوم الفداء ومفهوم الحرية الانسانية في الفكر المسيحي. فالفداء لم يتمّ فقط
لأنّ كلمة الله اتخذ جسدا واحتمل فيه الألم والموت، بل لأنه أيضاً بملء حريته
البشرية قبل الألم وصار طائعا حتى الموت، موت الصليب. لا شكّ ان الخلاص هو أولا
عمل الله الذي دخل تاريخ البشر واعلن محبته للعالم، إلاّ أنّ هذا العمل لم يتمّ
خارج ارادة الانسان بل في ارادة الانسان يسوع المسيح ممثل البشرية كلّها.

 

انّ الهدف من التجسد والفداء هو تأليه الانسان، لكنّ التأليه لا يعني
الاستعاضة عن عمل الانسان بعمل الله ولا عن حرية الانسان بحرية الله ولا عن إرادة
الانسان بإرادة الله، بل يعني تجديد طبيعة الانسان وارادته ليتجاوب بملء حريته مع
نعمة الله التي تعمل فيه.

 

هذا هو المفهوم المسيحي للعلاقة بين عمل الله وعمل الانسان. فكل شيء
في هذا العمل هو من الله وكل شيء هو من الانسان. لذلك فانّ تأليه الانسان لا يمكن
ان يتمّ الا اذا أسهمت طبيعته الانسانية بهذا العمل بكلّ ما فيها من قوى، العقل
والحرية والارادة.

 

هذا ما نستنتجه من تحديد المجامع المسكونية أنّ في يسوع طبيعتين
تامّتين ومشيئتين تامّتين. فالمسيح هو انسان حقيقي أخذ كل شيء من الطبيعة البشرية،
الجسد والنفس والارادة والحرية، وعاش في تلك الطبيعة دون خطيئة. وقد كان متحدا
بالله ليس في عمله وحياته فحسب، بل أيضاً في عمق كيانه. فهو “ابن الله الوحيد،
المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، الله حق من الله حق، مولود غير مخلوق،
مساو للآب في الجوهر”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى