علم الكتاب المقدس

الفصل الرابع



الفصل الرابع

الفصل الرابع

تلاميذ
المسيح ورسله

حمل الإعلان
وشهود المسيح للعالم أجمع

 

بدأت
كرازة المسيح وبشارته بملكوت الله بعد معموديته من يوحنا المعمدان واستمرت إلى
أحداث صلبه وقيامته، وذلك بشخصه مباشرة. فقد كان يجول يصنع خيراً ويشفى جميع
المتسلط عليهم إبليس(1)“، كان يجول فى المدن
والقرى والطرق والشوارع والأسواق والحوارى وعلى ضفاف نهر الأردن والبحر الميت
وبحيرتى طبرية وجنيسارت وفى السفن والبيوت وفى المجامع، كل سبت، وفى الهيكل فى
أورشليم، خاصة فى الأعياد والمناسبات الدينية التى يجتمع فيها مئات الألوف من
اليهود. وكان محاط دائماً بالجماهير الغفيرة والجموع التى لا تحصى. وكان أيضا يكرز
لأفراد مثل نيقوديموس، أحد رؤساء ومعلمى اليهود، والمرأة السامرية، الخاطئة.

وكان
لب وجوهر كرازته هو “توبوا لأنه قد اقترب (منكم) ملكوت السموات(2)“، “قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله.
فتوبوا وآمنوا بالإنجيل(3)“، وأنه “هكذا
أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك من يؤمن به بل تكون له الحياة
الأبدية(4)“، وأنه هو الطريق
الوحيد المؤدى إلى الله الآب وإلى الحياة الأبدية:

“أنا
هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى(5)“،

“أنا
هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا(6)“،

“أنا
هو الباب إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى(7)“،

“أنا
هو نور العالم. من يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة(8)“.

وإنه
هو الوحيد الذى من ذات الآب “أنا أعرفه لأنى منه وهو قد أرسلنى”، ومن ثم
فهو وحده الذى يستطيع أن يعلن عنه “وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا
من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له(9)“،
“الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى فى حضن الآب هو خبر (أخبر عنه)(10)“، وهو “صورة الله غير المنظور(11)“، “لو كنتم قد عرفتمونى لعرفتم أبى
أيضا. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه
الذى رأنى فقد رأى
الآب
أنا فى
الآب والآب فى(12)“.

كما
أنه الوسيط الوحيد بين الله والناس”لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله
والناس الإنسان يسوع المسيح الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع(13)“،
وهو الشفيع الوحيد “وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو
كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم(14)“،
“ومن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حى
فى كل حين ليشفع فيهم(15)“.

وكان
تعليمه وأسلوبه فى التعليم يختلف تماماً عن أسلوب وتعليم معلمى عصره من كهنة وكتبة
ولاويين وفريسيين وناموسيين، كما كان يختلف عن أسلوب وتعليم فلاسفة اليونان
والرومان وغيرهم، فقد كان تعليم رجال الدين اليهود جاف وأجوف، وكان تعليم الفلاسفة
مجرد نظريات فلسفية جدلية.

وقد
عبر هو عن تعليمه بأسلوب هو “روح الرب على لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى
لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى المأسورين بالإطلاق والعمى بالبصر وأرسل المنسحقين
فى الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة(16)“.
وكان يعلم دائماً بالأمثال “هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال وبدون مثل لم
يكن يكلمهم. لكى يتم ما قيل بالنبى القائل سأفتح فمى بأمثال وانطق بمكتومات منذ
تأسيس العالم(17)“، “وبامثال
كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يفهموا(18)“.

كان
تعليمه سهل وبسيط ولكن كان يتكلم “بسلطان” إلهى، كما يقول الكتاب، كان
تعليمه سام وبسيط فى آن واحد: “كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة(19)“.

“لم
يتكلم قط إنسان مثل هذا الإنسان(20)“،

“كان
يعلمهم فى مجمعهم حتى بهتوا وقالوا من أين لهذا هذه الحكمة والقوة(21)“،

“كان
الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه(22)“،

“وكان
يعلمهم فى السبوت. فبهتوا من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان(23)“.

وكانت
أعماله الإعجازية والقوات التى تجرى على يديه لا حد لمداها أو عددها أو عظمتها فقد
كان يشفى المرضى المصابين بجميع أنواع الأمراض “يشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب(24)“، ويفتح أعين العميان سواء الذين ولدوا
بدون بصر أو الذين أصيبوا بالعمى فى مراحل أعمارهم المختلفة، ويقيم الموتى سواء
الذين ماتوا توا أو الذين تعفنت أجسادهم، ويطهر البرص ويخرج الشياطين ويمشى على
الماء ويتحكم فى البحر والريح، وبالإجمال فقد كان له سلطان على جميع المخلوقات
سواء المادية أو الروحية؛ الطبيعة والحيوانات والطيور والأسماك والنباتات والماء
والهواء والنار والإنسان والأرواح؛ أما فى السماء وما على الأرض وما فى البحار؛
فقد حول الماء إلى خمر(25) والخمسة أرغفة وسمكتين
جعلها تشبع أكثر من خمسة آلاف نفس ويفيض عنهم أثنتا عشر قفة مملوءة من الكسر(26) ومشى على الماء(27)
وجعل الشباك الفارغة تتخرق من كثرة السمك الذى ملأها به(28)
وطلب من بطرس أن يصطاد سمكة موجودة فى بطنها أستار ذهب فأصطادها فى الحال(29) وأمر الريح الشديدة والبحر الهائج أن يهدأ
فأطاعاه كما صعد إلى السماء طائراً دون أن يحمله ملاك أو أى مركبة سمائية كما حدث
لإيليا النبى(30)، كان فى مقدرته وسلطانه
أن يفعل أى شئ، أو كما قال هو “أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل
لأن مهما
عمل ذاك (الآب) فهذا يعمله الابن كذلك(31)“.
وكانت الجماهير مندهشة ومبهوتة ومذهولة ومتعجبة من تعاليمه وأعماله:

“وكثيرون
إذ سمعوا بهتوا قائلين من أين لهذا هذه. وما هذه الحكمة التى أعطيت له حتى تجرى
على يديه قوات مثل هذه(32)“،

“من
هو هذا. فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه(33)“.

وكان
محاط دائماً بالجماهير الغفيرة وكان عدد غير قليل من هذه الجماهير مؤمنين به، وكان
له تلاميذ كثيرون تعلموا منه وحفظوا أقوله وتعاليمه وسلكوا بحسب تعليمه ووصاياه.

 

1- التلاميذ:

تتكرر
كلمة تلميذ (ماثتيس
Mathetes) فى الأناجيل الأربعة حوالى 230 مرة وتتكرر فى سفر أعمال الرسل
حوالى 30 مرة، وتشير بصفة عامة إلى تلاميذ المسيح الذى آمنوا به وأتبعوا تعليمه،
الذين أتبعوه وتعلموا عند قدميه واستمعوا إلى تعليمه، من خلال مواعظه وأقواله
العديدة، ورأوا أعماله الإعجازية وآمنوا أنه أتى من الله، كما عبر نيقوديموس رئيس
اليهود والذى كان يؤمن بالمسيح سراً “يا معلم نعلم أنك أتيت من الله معلماً
لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التى أنت تعمل إن لم يكن الله معه(34)“. وكان هؤلاء كثيرين جداً “فقال يسوع
لليهود والذين آمنوا به: أنكم إن ثبتم فى كلامى فبالحقيقة تكونون تلاميذى(35)“. ويظهر عدد التلاميذ عند دخول المسيح
أورشليم، أنهم جمهور كبير “ولما قرب عند منحدر جبل الزيتون ابتدأ كل جمهور
التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات الذين نظروا(36)“. ويصفهم سفر أعمال الرسل أيضا بأنهم جمهور
“فدعا الإثنا عشر جمهور التلاميذ(37)“.
وبعد حلول الروح القدس كان عددهم يتكاثر جداً “وكانت كلمة الله تنمو وعدد
التلاميذ يتكاثر جداً فى أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان(38)“. هذا الجمهور الغفير من التلاميذ كان عليه
أن يتعلم عند قدمى المعلم الأعظم ويحمل النير “احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى(39)“، وأن يثبتوا فى كلامى فبالحقيقة تكونون
تلاميذى(39)“.

ومن
بين هذا الجمهور من التلاميذ أختار السيد المسيح إثنى عشر تلميذاً، يقول الكتاب
“دعا تلاميذه وأختار منهم إثنى عشر الذين سماهم أيضا رسلاً(40)” ليكونوا معه ويتعلموا على يديه وعدد قدميه
ويتدربوا على العمل، الكرازة، الذى سيوكله إليهم بعد صعوده إلى السماء وحلول الروح
القدس عليهم “وأقام إثنى عشر ليكونوا معه وليرسله ليكرزوا. ويكون لهم سلطان
على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين(41)“.

وكان
هناك أيضا أخوة الرب يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا(42)
الذين كانوا مواظبين بنفس واحدة على الصلاة والطلبة” مع بقية التلاميذ بعد
الصعود. ومن هؤلاء الأربعة كان “يعقوب أخا الرب ويهوذا أخاه” ضمن الإثنا
عشر، وصار يعقوب “أخا الرب” أول أسقف لأورشليم ودعى بيعقوب البار وكان
ضمن الثلاثة تلاميذ المدعوين بالأعمدة “يعقوب وصفا (بطرس) ويوحنا المعتبرون
أنهم أعمدة(43)“.

وقد
أختار السيد هذه المجموعة، والتى وصفها بالقطيع الصغير، بناء على معرفته بالإنسان
“لأنه لم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما كان فى الإنسان(44)“، “أنا أعلم الذين أخترتهم(45)“، وبناء على معرفته بالإنسان أيضا أختار
يهوذا الإسخريوطى “أليس أنى أنا اخترتكم الإثنى عشر وواحد منكم شيطان. قال
هذا عن يهوذا الإسخريوطى(46)“. اختارهم، كل واحد،
بالاسم ودعاهم كل واحد باسمه، قال لبطرس وأندراوس أخيه “هلم ورائى فأجعلكما
صيادى الناس. فللوقت تركا الشباك وتبعاه(47)
ولما رأى يعقوب بن زبدى ويوحنا أخاه فى السفينة مع زبدي أبيهما يصلحان شباكهما
فدعاهما. فللوفت تركا السفينة وأباهما وتبعاه(48)
ولما رأى متى العشار قال “له اتبعني. فقام وتبعه(49)
ولما وجد فليبس قال له “اتبعني(50)
ولما رأى نثنائيل قال عنه أنه نقى القلب “هذا إسرائيلى حقاً لا غش فيه(51)” أى ابن إبراهيم بالروح(52)،
وضمه إلى تلاميذه.

أختارهم
بنفسه وجعلهم أحباء ورفعهم فوق مستوى العالم وعلمهم كل ما يتصل بغاية تجسده
“أنتم أحبائى إن فعلتم ما أوصيكم به. لا أعود أسميكم عبيداً لأن العبد لا
يعلم ما يعمل سيده. لكنى قد سميتكم أحباء لأنى أعلمتكم بكل ما سمعته من أبى. ليس
أنتم أخترتمونى بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم. لكى
يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمى
لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من
العالم لذلك يبغضكم العالم(53)“.

وأوصاهم
أن يتخذوا من شخصه الإلهى مثلاً أعلى يحتذون به:

“احملوا
نيرى عليكم وتعلموا منى. لأنى وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيرى
هين وحملى خفيف(54)“،

“لأنى
أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعنون أنتم أيضا(55)“،

“لأنكم
لهذا دعيتم فإن المسيح أيضا تألم لأجلنا تركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته(56)“،

“من
قال أنه ثابت فيه (فى المسيح). ينبغى أنه كما سلك ذاك (المسيح) هكذا يسلك هو أيضا(57)“.

وكما
تعلموا منه التواضع تعلموا منه الصلاة(58)،
وخدمة الآخرين(59)، وإنكار الذات(60)، وبذل الذات(61)،
وعلمهم مميزات ومسئوليات أبناء الملكوت فى الموعظة على الجبل(62)،
وكشف لهم أسرار ملكوت الله فى أمثال؛ الزارع والحنطة والزوان وحبة الخردل والخميرة
والكنز المخفى واللؤلؤة الثمينة والشبكة المطروحة فى البحر(63)،
وكشف لهم حقيقة تجسده باعتباره المسيح ابن الله الحى(64)“،
كما عرفهم غاية وهدف مجيئه، تجسده، “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه
الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية(65)“،
“ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين(66)“، “أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم
ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفى اليوم الثالث يقوم(67)“، ودعاهم للتفرغ له وترك كل شئ لأتباعه،
لأجله ولأجل الإنجيل، لأجل الكرازة، لأجل بشارة ملكوت الله؛ “ودعا الجمع مع
تلاميذه وقال لهم من أراد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى. فإن من
أراد أن يخلص نفسه يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلى ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها(68)“،

“وابتدأ
بطرس يقول له ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك. فأجاب يسوع وقال الحق أقول لكم ليس
أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاد أو حقولاً
لأجلى ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً وأخوة وأخوات و
أمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات وفى الدهر الآتي الحياة الأبدية(69)“.

وأعطاهم
السلطان لشفاء المرضى وإقامة الموتى وتطهير البرص وإخراج الشياطين(70) وأرسلهم، قبل الصلب والقيامة، فى مهمات تدريبية،
إعدادية، داخل إسرائيل(71) فقط، وذل لإعدادهم
للإرسالية الكبرى إلى العالم أجمع بعد الصلب والقيامة وحلول الروح القدس(72). وعادوا ليخبروه بكل ما فعلوه وعلموه وقالوا
“يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم رأيت شيطان ساقطاً مثل البرق
من السماء. ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم
شئ. ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل أفرحوا بالحرى أن أسماءكم قد كتبت
فى السموات(73)“.

وأعلمهم
مقدماً بما سيحدث لهم من متاعب وضيقات واضطهادات حتى الدم والاستشهاد “ها أنا
أرسلكم كغنم فى وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام. ولكن أحذروا من
الناس لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفى مجامعهم يجلدونكم. وتساقون أمام ولاة وملوك
من أجلى شهادة لهم وللأمم. فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم
تعطون فى تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذى
يتكلم فيكم
وتكونون
مبغضين من الجميع لأجل اسمى. ولكن الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. ومتى طردوكم
فى هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى
ليس التلميذ أفضل من
المعلم ولا العبد أفضل من سيده
فلا تخافوهم. لن ليس مكتوم لن يستعلن
ولا خفى لن يعرف. الذى أقوله لكم فى الظلمة قولوه فى النور. والذى تسمعونه فى
الأذن نادوا به على السطوح. ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا
يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما فى
جهنم
وأما أنتم
فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاه
فلا تخافوا فكل من
يعترف بى قدام الناس اعترف أنا أيضا به قدام أبى الذى فى السموات. ولكن من ينكرنى
قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبى الذى فى السموات
من أحب
أباً أو أماً أكثر منى فلا يستحقنى. ومن لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى ومن
وجد حياته يضيعها. ومن أضاع حياته من أجلى يجدها. من يقبلكم يقبلنى ومن يقبلنى
يقبل الذى أرسلنى(74)“.

وكان
هؤلاء الأثنا عشر معه دائماً يذهبون معه إلى كل مكان ولا يفارقونه إلا فيما ندر،
خاصة فى الأوقات التى كان يختلى فيها للصلاة وحده، وكان يعلمهم مع الجموع بأمثال
ويفسر لهم وحدهم مغزى هذه الأمثال! “أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت الله.
وأما الباقين فبأمثال..(75)“، “قد كلمتكم
بهذا بأمثال ولكن تأتى ساعة حين لا أكلمكم أيضا بأمثال بل أخبركم عن الآب علانية(76)“. وفسر لهم العهد القديم، خاصة النبوات
التى تنبأ بها عنه جميع أنبياء العهد القديم؛ “ثم أبتدأ من موسى ومن جميع
الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب
أنه لابد
أن يتم جميع ما مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم
ليفهموا الكتب(77)“.

وأحتفل
معهم بعشاء الفصح، العشاء الأخير، والعشاء الربانى، وصنع لهم أول عشاء ربانى
بالخبز والخمر الذين هما ذبيحة العهد الجديد التى يقدمها ببذل نفسه وسفك دمه عن
الجميع على الصليب “وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى
التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدى. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: أشربوا
هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا(78)“، “اصنعوا هذا لذكرى(79)“. ثم وعدهم بالروح القدس
الذى سينسكب عليهم بعد صعوده ليكون معهم ويمكث فيهم إلى الأبد.

هذه
المجموعة من التلاميذ الاثنى عشر صارت هى إسرائيل الجديدة، أو أسباط العهد الجديد
الإثنى عشر الذين كتبت أسماءهم فى سفر الحياة وعلى أساسات أورشليم السمائية
“وسور المدينة كان له أثنا عشر أساساً وعليها أسماء رسل الحمل (المسيح)
الإثنا عشر(80)“، وكانوا أساس إيمان
الكنيسة مع المسيح والأنبياء “مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح
نفسه حجر الزاوية(81)“.

وكان
للتلاميذ الإثنى عشر لب داخلى مكون من بطرس ويعقوب ويوحنا الذين أخذهم الرب معه
على جبل التجلى وأراهم مجده(82)“،
وكذلك عند إقامة ابنة يايرس من الموت(83)“،
وكانوا الأقرب إليه فى بستان جثسيمانى ولم يقرب منه أحد سواهم عندما بدأ يحزن
ويكتئب(84)“. وكان القديس بطرس
هو الذى تحدث الروح القدس على لسانه فى الاعتراف العظيم بأن يسوع الناصرى هو
“المسيح ابن الله الحى(85)“،
وكان يوحنا هو التلميذ الذى يحبه الرب والذى أتكأ على صدره وقت العشاء(86)” والذى اتبعه حتى الصليب والذى تسلم
العذراء القديسة مريم، أم الرب، وهو على الصليب(87)“،
وكان بطرس ويوحنا هما أول من ذهبت إليه مريم المجدلية لإخبارهما بحقيقة القبر
الفارغ وبالتالى أول من ذهب من التلاميذ إلى القبر وشاهدا الأكفان والقبر الفارغ(88)“. وكانا هما أكثر من تحدث معهم الرب بعد
القيامة وعند ظهوره على شاطئ بحيرة طبرية وطلب من بطرس أن يرعى غنمه ووعد يوحنا
بالعمر الطويل(89)“.

وكان
بطرس ويوحنا ويعقوب (أخا الرب) معتبرين أعمدة فى الكنيسة الأولى(90)“، بعد استشهاد يعقوب بن زبدى(91)“.

وإلى
جانب الإثنى عشر فقد “عين الرب سبعين آخرين أيضا وأرسلهم إثنين إثنين أمام
وجهه إلى كل مدينة وموضع حيث كان هو مزمعاً أن يأتى(92)“.

وقد
طوب السيد المسيح تلاميذه ومدحهم لأنهم نالوا ما لم يناله قبلهم الأنبياء والأبرار
والملوك، فقد كشف لهم عن ذاته وعن العلاقة بين الآب والابن ورأوا كلمة الله
المتجسد، صورة الله غير المنظور، الله الظاهر فى الجسد “والتفت إلى تلاميذه
وقال كل شئ قد دفع إلى من أبى. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب
إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. والتفت إلى تلاميذه على انفراد وقال طوبى
للعيون التى تنظر ما أنتم تنظرونه. لأنى أقول لكم أن أنبياء كثيرين وملوكاً كثيرين
أرادوا أن ينظروا ما أنتم تنظرون ولم ينظروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم
يسمعوا”.

 

2- الرسل:

كلمة
رسول المستخدمة فى الإنجيل هى “أبو يتولوس
Apostolos” وتعنى “رسول، مرسل، مبعوث فوق العادة، سفير”،
وتعنى فى العهد الجديد بالدرجة الأولى شخص المسيح باعتباره المريل من الآب
“ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم(93)“، وقال السيد المسيح مخاطباً الجموع
“لأنى قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة (الآب) الذى أرسلنى(94)“، وقال مخاطباً الآب “وهذه الحياة
الأبدية يعرفونك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته(95)“.

وتعنى
الكلمة فى العهد الجديد، بصفة عامة، رسول المسيح، مبعوث المسيح، مرسل المسيح إلى
كل العالم؛ “كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم أقبلوا
الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت”، “من
يقبلكم يقبلنى ومن يقبلنى يقبل الذى أرسلنى(97)“،
“الذى يسمع منكم يسمع منى. والذى يرذلكم يرذلنى. والذى يرذلنى يرذل الذى
أرسلنى(98)“.

ورسول
المسيح هو الشخص الذى تعلم منه وتدرب على يديه، هو أحد الذين أتبعوه وعاشوا معه
منذ معمودية يوحنا المعمدان إلى اليوم الذى صعد فيه إلى السماء(99)،
أنه أحد الذين شاهدوا المسيح القائم من الموت وأعدوا للشهادة له فى كل العالم.
والذين شاهدوا الرب القائم من الأموات كثيرين وعلى رأسهم “الأحد عشر
تلميذاً”، “هم والذين (كانوا مجتمعين) معهم(100)“،
ويذكر القديس بولس أن الرب ظهر لثلاث مجموعات كبيرة غير الأفراد، هذه المجموعات هى
“للإثنى عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ
ثم للرسل
أجمعين(101)“. وهذا العدد يعنى
أكثر من خمسمائة بكثير.

وينطبق
لفظ ووصف رسول بدرجة أكبر على التلاميذ الأحد عشر، بعد خيانة يهوذا وموته، الذين
أختارهم الرب منذ البدء “ليكونوا معه وليرسلهم ليكرزوا(102)“،
“الذين سماهم أيضا رسلاً(103)“.
وهؤلاء الأحد عشر كانوا معه منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى صعد فيه. ويسميهم
القديس لوقا “الرسل الذين أختارهم(104)
أى الرب، المسيح.

هؤلاء
الرسل الذين كانوا مع الرب منذ معموديته إلى صعوده وأعدهم بنفسه ظهر لهم بعد
القيامة “أربعين يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله. وفيما هو مجتمع
معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى. لأن
يوحنا عمد بالماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير(105)“. فقد أرسلهم للبشارة فى العالم أجمع
وليكونوا رسله وسفراءه إلى كل المسكونة، ولكن بعد حلول الروح القدس:

“وها
أنا أرسل إليكم موعد أبى. فأقيموا فى مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالى(106)“،

“ولكنكم
ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل
اليهودية والسامرة إلى أقصى الأرض(107)“،

“فتقدم
يسوع وكلمهم قائلاً ك دُفع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. فأذهبوا وتلمذوا
جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أنا
أوصيتكم به(108)“،

“وقال
لهم أذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن وأعتمد خلص.
ومن لم يؤمن يدن(109)“.

وبعد
مرور حوالى خمسة وعشرين سنة كان الرسل قد انتشروا فى كثير من بلاد العالم وبقاع
الأرض، ومن ثم يقول القديس بولس الرسول فى هذه الفترة:

“الإنجيل
الذى سمعتموه المكرز به فى كل الخليقة التى تحت السماء(110)“.

 

3- بولس الرسول

لم
يكن بولس الرسول من الأثنى عشر أو السبعين أو غيرهم مكن الذين شاهدوا السيد المسيح
قبل الصعود، بل على العكس تماماً فقد كان مضطهداً للكنيسة فى أيامها الأولى ثم ظهر
له السيد فى الطريق إلى دمشق وأختاره ليكون رسوله إلى الأمم “لأن هذا لى إناء
مختار ليحمل اسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل. لأنى سأريه كم ينبغى أن يتألم من
أجل اسمى(111)” ودعى “رسولاً(112)“. وكانت دعوة الرب له مباشرة
“وأعرفكم أيها الأخوة الإنجيل الذى بشرت به أنه ليس بحسب إنسان. لأنى لم
أقبله من عند إنسان ولا عُلّمته (تلقيته). بل بإعلان يسوع المسيح. فإنكم سمعتم
بسيرتى قبلاً فى الديانة اليهودية أنى كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها. وكنت
أتقدم فى الديانة اليهودية على كثيرين من أترابى فى جنسى إذ كنت أوفر غيرة فى
تقليدات آبائى. ولكن لما سر الله الذى أفرزنى من بطن أمى ودعانى بنعمته أن يعلن
أبنه فىّ لأبشر به بين الأمم للوقت ثم أستشر لحماً ودماً ولا صعدت إلى أورشليم إلى
الرسل الذين قبلى بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت أيضاً إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين
صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوماً. ولكنى لم أرى غيره من
الرسل إلا يعقوب أخا الرب(113)“.

كانت
رسولية بولس الرسول هى عمل مباشر للرب يسوع القائم من الأموات والجالس عن يمين العظمة
فى السماء “بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله الآب
الذى أقامه من الأموات(114)“، كانت رسوليته
بإعلان خاص ومباشر من الرب نفسه الذى ظهر له بعد صعوده إلى السماء وأختاره ليكون
رسوله إلى الأمم وأعلن له الإنجيل مباشرة بدون وساطة أى إنسان “بإعلان يسوع
المسيح”، “لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع فى الليلة
التى أُسلم فيها أخذ خبزاً وشكر وكسر وقال خذوا كلوا هذا هو جسدى المكسور لأجلكم.
اصنعوا هذا لذكرى. كذلك الكأس أيضا بعدما تعشواً قائلاً هذه الكأس هى العهد الجديد
بدمى. اصنعوا هذا كلما شربتم لذكرى(115)“،
“أنه بإعلان عرفتى بالسر(116)“.

ويلخص
فى رسالته الأولى إلى كورنثوس دعوته أو بشارته، جوهر الإنجيل الذى بشر به بقوله
“وأعرفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذى بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه وبه أيضا
تخلصون إن كنتم تذكرون أى كلام بشرتكم به إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً. فإننى سلمت
إليكم فى الأول ما قبلته أنا أيضا إن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه
دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب. وإنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للإثنى عشر.
وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد
رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لى أنا(117)“. ثم يؤكد أن ما يكرز به هو نفس ما يكرز
به بقية الرسل “فسواء أنا أم أولئك هكذا نكرر وهكذا آمنتم(118)“.

وكانت
إعلانات الرب له كثيرة جداً حتى انه أُخذ، ذهب، إلى السماء الثالثة، إلى الفردوس
“فإنى آتى إلى مناظر الرب وإعلاناته. أعرف إنساناً فى المسيح قبل أربع عشرة
سنة أفى الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم. أختطف هذا إلى السماء
الثالثة. وأعرف هذا الإنسان أفى الجسد أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم. أنه
أختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها(119)“. لقد وصل إلى قمة الإعلان “إلى
مناظر الرب وإعلاناته”.

 وقد
بشر بولس الرسول فى كثير من بلاد آسيا الصغرى وفلسطين وسوريا وقبرص واليونان
وروما، من أورشليم إلى إلليريكون أقصى حدود اليونان “حتى أكون خادماً ليسوع
المسيح لأجل الأمم مبشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدساً
بالروح القدس. فلى افتخار فى المسيح يسوع من جهة ما لله. لأنى لا أجسر أن أتكلم عن
شئ مما لم يفعله المسيح بواسطتى لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل. بقوة آيات وعجائب
بقوة روح الله. حتى إنى من أورشليم وما حولها إلى إلليريكون قد أكملت التبشير
بإنجيل المسيح(120)“.

 

4- وحدة الرسل فى الإعلان مع الآب والابن:

بعد
العشاء الربانى وبعد أن غسل السيد المسيح أرجل تلاميذه وإعطائهم درس عملى فى
التواضع وإنكار الذات بدأ يتحدث إليهم حديث وداعى طويل تحدث فيه عن تركه لهم
ورحيله الوشيك من العالم وصعوده إلى السماء، بعد الصلب والقيامة، وعزاهم من
مفارقته لهم، وأكد لهم حقيقة كونه الطريف والحق والحياة وأنه الباب الوحيد والطريق
الوحيد المؤدى للحياة الأبدية، وحقيقة وحدته مع الآب فى الذات الإلهية والجوهر
الإلهى، وعلمهم أن يصلوا باسمه وأكد لهم أنه سيستجيب لكل ما يطلبونه باسمه، ووعدهم
بإرسال الروح القدس الذى سيرشدهم إلى جميع الحق ويعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله
لهم والذى سيمكث معهم إلى الأبد، وعرفهم بأن دورهم الأول كرسله هو الشهادة له،
وأعلمهم بما سيلاقونه من آلام واضطهاد. وفى ختام حديثه الطويل “رفع عينيه نحو
السماء(121)” إلى الآب فى صلاة
ربانية ومناجاة إلهية بين الآب والابن على مرأى ومسمع من تلاميذه. فقد أتت الساعة
المحتومة ليبذل ذاته على الصليب وتنتهى بذلك المهمة التى تجسد بسببها والتى من
أجلها نزل من السماء وجاء إلى العالم “قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان.
الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت. فهى تبقى وحدها. ولكن عن
إن ماتت تأتى بثمر كثير
الآن نفسى قد اضطربت. وماذا أقول أيها
الآب نجنى من هذه الساعة. ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة
وأنا إن
ارتفعت عن الأرض أجذب إلىّ الجميع(122)“،
وهو يقصد هنا الارتفاع على الصليب وهذا ما يؤكده الوحى بقوله “قال هذا مشيراً
إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت(123)“.

كان
عليه بعد القيامة أن يصعد إلى السماء ويعود من حيث أتى “وليس أحد صعد إلى
السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء(124)“،
ولكن يظل كما هو المالئ الكل بلاهوته والموجود فى كل مكان. وقد اعتاد تلاميذه على
وجوده معهم ولم يتصوروا أنه سيفارقهم أبداً حسب الاعتقاد اليهودى “سمعنا من
الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد. فكيف تقول أنت أنه ينبغى أن يرتقع ابن الإنسان(125)“، ولكن قد آن الأوان ليترك العالم بالجسد
وينطلقوا هم إلى العالم أجمع ويكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها وينادوا للبشرية
بالخبر السار والبشارة المفرحة، بشارة الخلاص الأبدى، لذا فقد صلى للآب من أجلهم،
صلاة خاصة على مسمع منهم، وكان محور هذه الصلاة هو ثباتهم فى الآب والابن وحفظهم
من الشرير، فقد أظهر لهم اسم الآب وحفظهم كلمته وعلمهم وصاياه وآمنوا أنه من ذات
الآب، من عند الآب خرج وإليه يعود “أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتنى من
العالم (أى تلاميذه). كانوا لك وأعطيتهم لى. وقد حفظوا (كلمتك
Logos) كلامك. والآن علموا أم كل ما أعطيتنى هو من عندك. لأن الكلام
الذى أعطيتنى قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقيناً أنى خرجت من عندك وآمنوا أنك أنت
أرسلتنى(126). لقد أعلن لهم عن ذات
الآب وكشف عن شئ من طبيعته “الله روح”(127)
وحفظهم كلامه، كلمته، وعمل أمامهم أعمالاً عظيمة تظهر مجده، وآمنوا من ذات الآب،
الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب”(128)،
كلمة الله، صورة اله (الآب) غير المنظور، بهاء مجده ورسم جوهره، كالشعاع من مصدر
النور، نور من نور، كما أدركوا أنه العالم بكل شئ “الآن نعلم أنك عالم لكل شئ
ولست تحتاج أن يسألك أحد. لهذا نؤمن من أنك من الله خرجت”(129).

ثم
يسأل الآب من أجلهم لأنهم للآب، آمنوا بالله أولاً، ثم صاروا للابن الذى هو الباب
الوحيد للحياة الأبدية والطريق الوحيد للخلاص “وليس بأحد غيره الخلاص”(130) وقد تمجد المسيح فيهم؛ فى إيمانهم به، فى حفظهم
كلامه ووصاياه “فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعماله الحسنة ويمجدوا
أباكم الذى فى السموات”(131)
أو كما قال لهم السيد المسيح نفسه “بهذا يتمجد أبى إن تأتوا بثمر كثير
فتكونون تلاميذى”(132)،
وكما قال بولس الرسول بالوحى “أن الله بالحقيقة فيكم”(133)، وفى العجائب والقوات التى أعطاهم السلطان أن
يعملوها باسمهن لذا يصلى “من أجلهم أسأل فهو لى وأنا ممجد فيهم”(134).

ويطلب
من الآب أن يحفظهم فى اسمه وأن يكونوا واحد فى المسيح كما أن الآب والابن واحد فقد
حفظهم السيد المسيح، الإله المتجسد فى اسم الله، يهوه، ولم يهلك منهم سوى يهوذا
الأسخريوطى “ابن الهلاك”، “ولست أنا بعد فى العالم وأما هؤلاء فهم
فى العالم وأنا آتى إليك. أيها الآب القدوس أحفظهم فى اسمك الذين أعطيتنى ليكونوا
واحداً كما نحن. حين كنت معهم فى العالم كنت أحفظهم فى اسمك. الذين أعطيتنى حفظتهم
ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب. أما الآن فإنى آتى إليك. وأتكلم
بهذا فى العالم ليكون فرحى كاملاً فيهم”(135).

وكما
أبغض العالم المسيح لأنه ليس من العالم فقد أبغض تلاميذه أيضاً لأنهم قبلوا الابن
وآمنوا أنه من الآب خرج وحفظوا كلمته فصاروا أقوياء به و”تقووا من ضعيف صاروا
أشداء”(136) وصاروا غرباء عن العالم
“غرباء ونزلاء على الأرض”(137)،
لذلك أبغضهم العالم كما أبغض سيدهم وربهم، يقول بطرس الرسول بالوحى “أيها
الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس
وأن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة لكى يكونوا فى ما يفترون عليكم كفاعلى شر يمجدون
الله فى يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التى يلاحظونها”(138)، لذا قال لهم “إن كان العالم يبغضكم
فاعلموا أنه قد أبغضنى قبلكم: لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم
لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم”(139)، ويقول القديس يوحنا “لا تتعجبوا يا إخوتى
إن كان العالم يبغضكم. نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة”(140). ومن ثم يصلى السيد والرب “أنا قد أعطيتهم
كلامك والعالم أبغضهم لأنهم ليسوا من العالم كما أنى أنا لست من العالم”(141).

ثم
يطلب من الآب أن لا يأخذهم من العالم، كما أخذ إيليا بعد أن ضاقت نفسه من العالم،
بل أن يحفظهم من الشرير “لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من
الشرير. ليسوا من العالم كما أنى لست من العالم. قد سهم فى حقك. كلامك هو حق. كما
أرسلتنى إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم”(142).
فقد كان عليهم أن يحملوا رسالة الابن المتجسد إلى كل البشرية “كما أرسلنى
الآب أرسلكم أنا”(143)
ويكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.

كان
يعلم أنه بتركه لهم وصعوده إلى السماء جسدياً سيصيرون كالأيتام لذا صلى للآب أن
يحفظهم كما وعدهم أنه سيكون معهم دائماً “ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء
الدهر”(144) ولن يتركهم يتامى
“لا أترككم يتامى. أنى آتى إليكم”(145)،
فهو الحى إلى أبد الآبدين بلاهوته(146)
“بعد قليل لا يرانى العالم أما أنتم فتروننى. أنى أنا حى فأنتم ستحيون”(147).

ويسأل
الآب أن يقدسهم فى الحق، أى ينقلهم إلى حرية أولاد الله ويخصصهم لذاته وللحياة
الأبدية، وفى كلامه الذى هو حق، أى يعيشون “فى البر وقداسة الحق”(148)، قدسهم فى حقك كلامك هو حق”(149)، فقد صاروا مقدسين بسبب تعليمه لهم وكلامه الذى
حفظوه “أنتم أنقياء لسبب الكلام الذى كلمتكم به”(150).
ويسأل أيضاً من أجل الذين سيؤمنون بالمسيح، الابن الفادى، بواسطة كرازتهم حتى ما
يكون الجميع واحد “ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون
بي بكلامهم. ليكون الجميع واحد كما أنك أنت أيها الآب فى وأنا فيك ليكونوا هم
أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم أنك أنت أرسلتنى. وأنا قد أعطيتهم المجد الذى
أعطيتنى ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فى ليكونوا مكملين إلى
واجد وليعلم العالم أنك أرسلتنى وأحببتهم كما أحببتنى”(151).
أنه يريد أن تكون هناك وحدة واحدة بين المؤمنين وبين الرسل “ليكون الجميع
واحداً” وهؤلاء جميعاً فى وحدة مع المسيح “هكذا نحن الكثيرين جسد واحد
فى المسيح وأعضاء بعضاّ لبعض كل واحد للآخر”(152)،
وان يكون الجميع واحد مع الآب والابن “كما أنك أنت أيها الآب فىّ وأنا فيك
ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا
أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكملين إلى
واحد”. يقول القديس يوحنا توضيحاً لذلك “الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به
لكى يكون لكم أيضاً شركة معنا. أما شركتنا نحن فهى مع الآب ومع ابنه يسوع
المسيح”(153).

أخيراً
يقول “أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا
لينظروا مجدى الذى أعطيتانى لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم”. وقد سبق أن
وعدهم أن يكونوا معه حيث يكون هو “أنا أمضى لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت
لكم مكاناً آتى أيضاً وأخذكم إلىّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً”(154)، ومن ثم يقول القديس بولس
بالوحى “وهكذا نكون كل حين مع الرب”(155).

 

5- عمل الروح القدس فى الرسل وقيادته للكنيسة:

بعد
قيامته من الموت ظل السيد المسيح القائم من الموت يظهر لتلاميذه، رسله، مدة
“أربعون يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله. وفيما هو مجتمع معهم
أوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى. لأن يوحنا
عمد بالماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير
لكنكم
ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل
اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض”(156)،

“فأقيموا
فى مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالى”(157).

طلب
السيد القائم من الموت من تلاميذه، رسله، أن يقيموا فى مدينة أورشليم ولا يبرحوها
مهما كانت الظروف إلى أن يحل عليهم الروح القدس الذى سيعطيهم مواهيه وسيهبهم القوة
“ستنالون قوة”، “تلبسوا قوة”، ولن تكون معموديتهم بالماء فقط،
كما عمد يوحنا المعمدان، بل بالروح القدس، بالماء والروح، كما قال الرب لنيقوديموس
“: إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله
ينبغى أن
تولدوا من فوق”(158). هذا الروح، الروح
القدس، لا يعطى ولا يحل إلا على المؤمنين بالرب يسوع المسيح، فهذا ما أعلنه الرب
نفسه “من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنا هو ماء حى. قال هذا عن
الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد.
لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد”(159).

من
هذه الآيات ومما سبق نخرج بثلاث حقائق هامة:

 إن
الرب يسوع المسيح كان قد أعد تلاميذه، رسله، ليكونوا شهوداً له، شهوداً لشخصه
وأعماله وأقواله، وبالدرجة الأولى شهوداً لصلبه وقيامته وصعوده، شهوداً له كالرب
القائم من الموت والصاعد إلى السموات والجالس عن يمين العظمة فى الأعالى.

 ولكنه
أكد لهم أنهم لن يستطيعوا أن يؤدوا الشهادة له أمام البشرية فى كل العالم من
ذواتها وبمجهودهم البشرى فهو لابد أن يكون معهم بروحه القدوس، ومن ثم فلابد أن يحل
على الروح القدس، روح الله الآب وروح الابن، وأن يسكن فيهم ويقودهم ويرشدهم
ويعلمهم ويذكرهم بكل ما قاله لهم وعمله أمامهم ويهبهم القوة لمواجهة العالم وقواته
الشريرة.

وكان
مقرراً أن يحل الروح القدس على التلاميذ والكنيسة، التى كانوا هم نواتها، بعد صلب
المسيح وقيامته، أو بتعبير الرب نفسه بعد أن يتمجد، ومجده، كما سبق، هو ارتفاعه
على الصليب “قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان
وأنا إن
ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الصليب الجميع”(160).
وهذا ما عبر عنه عندما حانت لحظة القبض عليه لمحاكمته وصلبه “أيها الآب قد
أتت الساعة. مجد أبنك ليمجدك أبنك أيضاً”(161)،
“الآن قد تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه”(162).
وكان لابد أن يصعد المسيح إلى السماء ليرسل الروح النجس ويسكبه على التلاميذ؛
“لكنى أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم
المعزى. ولكن إن ذهبت أنا أرسله إليكم”(163).

وكان
السيد المسيح قد أعلن لتلاميذه بعد العشاء الربانى وقبل القبض عليه ماهية وصفات
وعمل الروح القدس فى الآيات التالية:

“وأنا
أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذى لا يستطيع
العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. أما أنتم فتعرفونه لأن ما معكم ويكون
فيكم. لا أتترككم يتامى. أنى آتى إليكم
وأما المعزى الروح
القدس الذى سيرسله الآب بأسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم”(164)،
“ومتى جاء المعزى
الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى.
وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم من الابتداء”(165)،

“لكنى
أقول لكم الحق أنه حير لكمن أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى. ولكن إن
ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. أما على
خطية فلأنهم لا يؤمنون بى. وأما على بر فلأنى ذاهب إلى أبى ولا تروننى أيضاً. وأما
على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لى أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن
لن تستطيعوا أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق
لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدنى
لأنه يأخذ مما لى ويخبركم.كل ما للآب هولى. لهذا قلت أنه يأخذ مما لى ويخبركم. كل
ما للآب هو لى. لهذا قلت أنه يأخذ مما لى ويخبركم. بعد قليل لا تبصروننى. ثم بعد
قليل أيضاً تروننى لأنى ذاهب أبى الآب”(166).

وفى
هذه الآيات يكشف الرب عن الآتى:

إن
هذا المعزى الذى سيرسله من عند الآب بأسمه هو روح الحق، روح الله “الله
روح”، الروح القدس، “روح إلهنا”(167)،
“روح المسيح الذى فيهم”(168)،
“روح يسوع المسيح”(169)
روح الآب وروح الابن “أن كان روح الله ساكناً فيكم. ولكن أن كان أحد ليس روح
المسيح فذاك ليس له”(170). فهو روح الله وروح
المسيح، روح الآب وروح الابن، والآب والابن واحد(171)،
ومن ثم فروح الآب والابن واحد، والآب والابن والروح القدس واحد “باسم الآب
والابن والروح القدس”(172)، لذلك يقول الوحى
“أرسل الله روح ابنه”(173)،
فالله واحد؛ موجود بذاته، الآب، ناطق بكلمته، الابن حى بروحهن الروح القدس. والابن
صادر (مولود) من الآب بالولادة بلا انفصال “أنت أبنى أنا اليوم ولدتك”(174)، والروح القدس صادر (منبثق) من الآب بالانبثاق،
بدون انفصال أو انقطاع “الذى من عند الآب ينبثق”(175).
ولأن الروح القدس هو روح الآب والابن المنبثق من الآب فهو مرسل من الآب
“يرسله الآب” ومن الابن أيضاً “إن ذهبت أرسله (أنا) إليكم”
ولكن “سأرسله أنا إليكم من الآب باسم الابن “الذى سيرسله الآب
باسمى”.

 وقد
دعى السيد المسيح الروح القدس ب “البارقليط” وفى اليونانية
“بارالكيتوس
Parakletos“Advocate” أى مدافع أو محامى. وقد دعاه السيد المسيح “باراقليطاً
آخر” لأن المسيح نفسه أيضاً دعى باراقليط، يقول القديس يوحنا الرسول بالروح
“وإن أخطأ أحد فلنا شفيع (باراكليت
Paraleton) عند الآب يسوع المسيح البار”(176)،
وقد ترجمت كلمة “باراقليط” فى العربية “شفيع”، والشفيع هو
المحامى أو المدافع.

 وهو
سيمكث إلى الأبد “يمكث إلى الأبد” وسيكون مع الرسل وفيهم “لأنه
ماكث معكم وفيكم “روح المسيح الذى فيهم”، سيسكن فيهم “أما تعلمون
أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم”(177)،
“أن جسدكم هو هيكل للروح القدس”(178).

 “لا
يستطيع العالم أن يقبله” لأنه ضد روح العالم الشرير الذى رفض المسيح “إن
كان العالم يبغضكم فأعلموا أنه قد أبغضنى قبلكم. لو كنتم من العالم لكان العالم
يحب خاصته”(179)، يقول الوحى بلسان بولس
الرسول “الإنسان الطبيعى لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة”(180).

 وهو
غير مرئى لأنه جوهر إلهى روحى غير مرئى، وغير مدرك “لا يراه ولا يعرفه”.
الله روح وغير مرئى “الله لم يره أحد”، “الذى لم يره أحد من الناس
ولا يقدر أن يراه”(181)، “لأن الإنسان لا
يرانى ويعيش”(182). كما أن الروح، بصفة
عامة، ليس لها خواص الكائنات المرئية من لحم ودم وعظام كما قال السيد نفسه
“الروح ليس له لحم ولا عظام”(183).

 ومهمته
الأساسية هى الشهادة للمسيح “فهو الذى يشهد لى”، “والروح هو الذى
يشهد لأن الروح هو الحق
إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله
أعظم لأن هذه شهادة الله التى قد شهد بها عن ابنه. من يؤمن بابن الله فعنده
الشهادة فى نفسه. ومن لا يصدق الله فقد جعله كاذباً لأنه يؤمن بالشهادة التى قد
شهد بها الله عن ابنه. وهذه هى الشهادة إن الله أعطانا حياة أبدية. وهذه الحياة هى
فى ابنه”(184).

 وكانت
له مهمة خاصة جداً بالنسبة للرسل وهى أن يعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله الرب
لهم ويرشدهم إلى كل الحق: “فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم”،
“فهو يرشدكم إلى جميع الحق”.

وهو
يعلمهم كل شئ بأن يعطيهم الاستنارة الداخلية ويعلن لهم، يوحى لهم بكلمة الله
“أما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شئ
وأما أنتم
فالمسيحية التى أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد بل كما
تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شئ”(185)،
“ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذى من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا
من الله التى نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح
القدس”(186).

وكان
الروح القدس وما يزال، كما وعد الرب هو الذى يتكلم على لسان التلاميذ والرسل
والمدافعين والخدام ويعلمهم ما يجب أن يقولونه:

“ومتى
قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما
تقولون. لأن الروح القدس يعلمكم فى تلك الساعة ما يجب أن تقولونه”(186)،

“فمتى
أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تُعطون فى تلك الساعة ما تتكلمون
به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم”(187)،

“فضعوا
فى قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكى تحتجوا. لأنى أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر
جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها”(188)،

“فمتى
ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا. بل مهما أعطيتهم فى
تلك الساعة فبذلك تكلموا. لأن لستم أنتم المتكلمين بال الروح القدس”(189).

وهذا
ما تم حرفياً، يقول الكتاب أنه عندما وقف بطرس ويوحنا أمام الكهنة والشيوخ ورؤساء
الكهنة “امتلأ بطرس من الروح القدس” ووبخهم وشهد بكل جرأة لصلب وقيامة
المسيح وأنه لا خلاص لهم إلا بالإيمان به “وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس
أسم أخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص”، ثم يقول الكتاب
“فلما رأوا مجابهة بطرس ويوحنا ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا.
فعرفوهما أنهما كانا مع يسوع”(190).

ب_
ويذكرهم بكل ما قاله الرب لهم “ويذكركم بكل ما قلته لكم؟ كانت بعض أقوال
السيد المسيح، خاصة المتصل منها بآلامه وصلبه وقيامته غير متوقعة وصعبة على فهم
التلاميذ وإدراكهم، كيهود، فقد كانت توقعاتهم وآمالهم فى المسيح عكس ذلك تماماً،
ولذا يكرر الكتاب عبارات مثل:

“وهذه
الأمور لم يفهما تلاميذه أولاً”(191)،

“وأما
هم فلم يفهموا هذا القول. وكان مخفى عنهم لكى لا يفهموه”(192)،

“وأما
هم فلم يفهموا هذا القول وخافوا أن يسألوه”(193)،

“أما
هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً وكان هذا الأمر مخفى عنهم ولم يفهموا ما قيل”(194).

ولكن
بعد الصلب والقيامة بدأوا يتذكرون ويدركون مغزى ما سبق أن قاله لهم:

“ولكن
لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه”(195)،

“فلما
قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا”(196)،

“فتذكرن
كلامه”(197).

وكان
لابد أن يحل الروح القدس عليهم لكى يتذكروا كلامه ويفهموا ويدركوا مغزاه
“يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم”(198)،
“يرشدكم إلى جميع الحق”(199).

وقد
حقق الرب القائم من الموت والصاعد إلى السماء وعده فى يوم الخمسين “ولما حضر
يوم الخمسين كان الجميع (الرسل) معاً بنفس واحدة. وصار بغتة من السماء صوت كما من
هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من
نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وأبتدأوا يتكلمون
بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا”(200).
وبعد ذلك ظهر عمل الروح القدس مع التلاميذ، كما يقول الكتاب، فى كل مكان بكل قوة:

حينئذ
امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل”(201)،

“ولما
صلوا تزعزع المكان الذى كانوا مجتمعين فيه. وامتلأ الجميع من الروح القدس وكانوا
يتكلمون كلام الله بمجاهرة”(202).

ولما
وقف القديس أستيفانوس يشهد للمسيح أمام مجمع اليهود الذين كانوا من جنسيات مختلفة
“الليبرتينيين والقيروانيين والإسكندريين ومن الذين من كيليكيا وأسيا”
وأخذوا يحاورونه، يقول الكتاب “ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذى كان
يتكلم به”(203).

وكان
الروح القدس هو القائد العام للكنيسة من خلال الرسل، معه وفيهم وبهم، يوجههم
ويرشدهم ويقودهم ويقويهم ويتكلم بهم وعلى لسانهم ويحركهم ويرسلهم للكرازة فى بعض
الأماكن ويمنعهم عن أماكن أخرى؛ فقال الروح لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة”(204)، مركبة الخصى الحبشى، وبعد أن انتهت مهمته،
يقول الكتاب “خطف روح الرب فيلبس فلم يبصره الخصى أيضاً وذهب فى طريقه فرحاً.
وأما فيلبس فوجد فى أشدود. وبينما هو مجتاز كان يبشر جميع المدن حتى جاء إلى
قيصرية”(205)، ووجه بطرس للذهاب إلى
بيت قائد المئة الرومانى كرنيليوس ليبشره بالمسيح “قال له الروح
فقال لى
الروح أذهب معهم”(206)، أى رجال كرنيليوس.

وكشف
الروح القدس عن المجاعة التى صارت على المسكونة فى العصر الرسولى “وأشار
(أغابوس) بالروح أن جوعاً عظيماً عتيد أن يصير على المسكونة”(207)، وأمر بإرسال بولس وبرنابا للكرازة
“وبينما هم (الأنبياء والمعلمون) يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا
لى برنابا وشاول (بولس الرسول) للعمل الذى دعوتهما إليه
فهذا إذ
أرسلا من الروح القدس انحدرا إلى سلوكية”(208).وهناك
آيات كثيرة تتحدث عن عمل الروح القدس المتواصل فى قيادة الكنيسة وتوجيه الرسل:

“لأنه
قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نصنع عليكم ثقلاً غير هذه الأشياء الواجبة”(209)،

“وبعدما
اجتازوا فى فريجيه وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة فى أسيا.
فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينية فلم يدعهم الروح
وظهرت
لبرولس رؤيا فى الليل رجل مكدونى قائم يطلب إليه ويقول أعبر إلى مكدونية وأعنا.
فلما رأى الرؤيا للوقت طلبنا أن نخرج إلى مكدونية متحققين أن الرب قد دعانا
لنبشرهم”(210)،

“كان
بولس منحصراً بالروح وهو يشهد لليهود بالمسيح يسوع”(211)،

“ها
أنا أذهب إلى أورشليم مقيداً بالروح لا أعلم ماذا يصادفنى هناك. غير أن الروح
القدس يشهد فى كل مدينة قائلاً أن وثقاً وشدائد تنتظرنى”(212)،

“احترزوا
إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة”(213).

وأعلن
الروح القدس لرسله وأنبيائه سر المسيح، سر الفداء والخلاص “أنه بإعلان عرفنى
بالسر
سر المسيح
الذى فى أجيال أخر لم يعرف به بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه
بالروح”(214).

وكان
الرب يكلم الرسل فى رؤى الليل ويوجههم لعملهم الكرازى:

“فقال
الرب لبولس فى رؤيا فى الليل لا تخف بل تكلم ولا تسكت. لأنى معك لا يقع بك أحد
ليؤذيك لأن لى شعباً كثيراً فى هذه المدينة”(215)،

“وفى
الليلة التالية وقف به الرب وقال ثق يا بولس لأنك كما شهدت بما لى فى أورشليم هكذا
ينبغى أن تشهد لى فى رومية أيضاً”(216)،

“ولكن
الرب وقف معى وقوانى لكى تتم بى الكرازة ويسمع جميع الأمم”(217).

 

6- الرسل شهود المسيح للبشرية:

عاش
الرسل بالقرب من السيد المسيح. وتتلمذوا على يديه وأقتربوا منه ودخل إليهم وخرج أو
كما يقول بطرس الرسول “دخل إلينا الرب يسوع وخرج منذ معمودية يوحنا إلى اليوم
الذى أرتفع فيه”(217)، وأكلوا معه وشربوا سواء
قبل الصلب والقيامة أو بعد القيامة “نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته
من الأموات”(218)، وتعلموا منه
“تعلموا منى” وحفظوا كلامه “حفظوا كلامك
الذى
أعطيتنى”(219) وشاهدوا كل أعماله التى
أظهر فيها مجده “وأظهر مجده فآمن به تلاميذه”(220)،
وأظهر لهم مجده على جبل التجلى عندما كشف لهم عن لمحه من عظمته ولاهوته
“وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى
وإيليا قد ظهرا يتكلمان معه
وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابنى
الحبيب الذى به سررت”(221)، “فلما استيقظوا
(التلاميذ الثلاثة) رأوا مجده..”(222)،
كما رأوه بعد قيامته مرات عديدة”، “الذين أراهم أيضاً نفسه حياً ببراهين
كثيرة بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت
الله”(223)، وشرح، وفسر لهم، فى هذه
الفترة، كل ما يختص به وما سبق أن تنبأ به عنه جميع أنبياء العهد القديم. وقبل
صعوده إلى السماء كلفهم بالبشارة به فى العالم أجمع.

أعدهم
ليكونوا شهوداً له لكل البشرية فى العالم أجمع، ليكونوا شهود عيان يهدون بما
شاهدوه بأعينهم وسمعوه بآذانهم ولمسوه بأيديهم، ووعدهم بإرسال الروح القدس ليذكرهم
بكل ما قاله لهم وبكل ما سمعوه ولمسوه، ويعلمهم كل شئ ويرشدهم إلى جميع الحق،
ويشهد للمسيح من خلالهم “فهو يشهد لى. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معى من
الابتداء”(224).

أعدهم
ليكونوا شهوداً عياناً له، أو كما وصفهم القديس لوقا الإنجيلى بالوحى “الذين
كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة”(225)،
“الذين كانوا منذ البدء شهود عيان للكلمة”، لكى يكرزوا للعالم أجمع
كشهود عيان لما يكرزون به، ويحملوا الأخبار السارة التى عاشوا أحداثها بأنفسهم
وكانوا شهود عياناً لها. ولذلك فقد كانت كرازتهم للبشرية لها بالخلاص والحياة
الأبدية هى بما شاهدوه وسمعوه ولمسوه:

“والكلمة
صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة
وحقاً”(226)،

“الذى
كان من البدء الذى سمعناه الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة
كلمة الحياة. فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التى كانت
عند الآب وأظهرت لنا. الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به لكى يكون لكم أيضاً شركة
معنا. وأما شركتنا نحن فهى مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح”(227).

“ونحن
قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم”(228)،

“لأننا
لم نتبع خرافات وضعه إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع ومجيئه بل كنا معاينين عظمته لأنه
أخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسمى هذا هو ابنى
الحبيب الذى به سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه فى
الجبل المقدس”(229)،

“أطلب
إلى الشيوخ الذين أنا الشيخ (بطرس الرسول) توفيقهم والشاهد لآلام المسيح وشريك
المجد العتيد أن يعلن”(230).

كانت
الفترة التى قضاها الرسل مع الرب يسوع المسيح سواء قبل القيامة أو بعد القيامة هى
أعظم وأروع خبرة اكتسبوها فى حياتهم، وكانت أثمن وأروع ما لديهم ليقدموه للبشرية،
الشهادة للمسيح، ابن الله النازل من السماء والذى بذل ذاته لكى لا يهلك كل من يؤمن
به بل تكون له الحياة الأبدية وكان الروح القدس الساكن فيهم يعمل فيهم وبهم
ويرشدهم ويقودهم ويذكرهم بكل ما اختبروه فى حياتهم مع الرب الحى إلى أبد الآبدين.

كانت
شهادة الرسل كشهود عيان للمسيح تقوم على أسا معرفتهم الخاصة به وبأحداث حياته فى
كل تفاصيلها، خاصة آلامه وصلبه وقيامته، واختيارهم منه شخصياً ليشهدوا له ويشهدوا
عنه:

“وتشهدون
أنتم أيضاً لأنكم كنتم معى من الابتداء”(231)،

“وقال
لهم (بعد قيامته) هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم
جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا
الكتب وقال هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى
اليوم الثالث. وأن يكرز بأسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من
أورشليم. وأنتم شهود لذلك(232)“.

وفى
أول خطاب له بعد حلول الروح القدس مباشرة شهد القديس بطرس الرسول وبقية الرسل أمام
جموع غفيرة من رؤساء وعامة اليهود:

“أيها
الرجال الإسرائيليون أسمعوا هذا الأقوال. يسوع الناصرى رجل قد تبرهن لكم من قبل
الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده فى وسطكم كما أنتم تعلمون. هذا أخذتموه
مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدى آثمة صلبتموه وقتلتموه. الذى
أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منهُ
فيسوع هذا
أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك
فيعلم يقيناً جميع سكان بيت إسرائيل أن
الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً
وبأقوال
كثيرة كان يشهد لهم ويعظمهم
فقبلوا كلامه بفرح وأنضم فى ذلك اليوم
نحو ثلاثة آلاف نفس(233)“.

وفى
عظته التالية فى الهيكل قال لهم:

“إن
إله إبراهيم وإسحق ويعقوب إله آبائنا مجد فتاه يسوع الذى أسلمتموه أنتم وأنكرتموه
أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه. ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب
لكم رجل قاتلو رئيس الحياة قتلتموه الذى أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك(234)“.

ويعلق
الوحى الإلهى على كرازة الرسل قائلاً: “وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة
بقيامة الرب يسوع ونعمة عظيمة كانت على جميعهم(235)“.
وفى كرازة القديس بطرس الرسول للقائد الرومانى كرنيليوس و”أنسبائه وأصدقائه
الأقربين”، قال لهم بالروح القدس “أنتم تعلمون الأمر الذى صار فى كل
اليهودية مبتدئاً من الجليل بعد المعمودية التى كرز بها يوحنا. يسوع الذى من
الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذى جال يصنع خيراً ويشفى جميع
المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه. ونحن شهود بكل ما فعل فى كورة اليهودية وفى
أورشليم. الذى أيضا قتلوه معلقين إياه على خشبة. هذا أقامه الله فى اليوم الثالث
وأعطى أن يصير ظاهراً ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فأنتخبهم. لنا نحن الذين أكلنا
وشربنا معه بعد قيامته من الأموات. وأوصانا أن نكرز ونشهد بأن هذا هو المعين من
الله دياناً للأحياء والأموات(236)“،وفى
عظة القديس بولس أمام مجمع اليهود فى إنطاكية بيسيدية قال لهم:

أن
المسيح بعد صلبه وقيامته من الموت “ظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من
الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب(237)“.

كرز
الرسل وبشروا البشرية فى كل المسكونة بما شاهدوه بأنفسهم كشهود عيان أو كما يقول
بطرس الرسول بالروح “كنا معاينين (رأينا بعيوننا) عظمته”، “تكلمنا
باعتبارنا شهود عيان لعظمته”. وكان الرب يؤيد شهادتهم بالآيات والقوات
والمعجزات. يقول الروح القدس عن مؤازرته لكرازة بولس وبرنابا:

“فأقاما
زماناً طويلاً يجاهران بالرب الذى كان يشهد لكلمة نعمته ويعطى أن تجرى آيات وعجائب
على أيديهم(238)“. ويقول عن كرازة
الرسل جميعاً “الذين سمعوا شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة
ومواهب الروح القدس حسب إرادته(239)“.

كان
الرسل دائماً يؤكدون على أنهم، بالدرجة الأولى، شهود عيان، وأكثر من استخدم كلمات
“شهد” و”شاهد” و”شهادة” عن نفسه هو القديس يوحنا
الحبيب، التلميذ الذى ألتصق بالرب أكثر من بقية التلاميذ والذى لُقب ب
“التلميذ الذى كان يسوع يحبه(240)“،
والذى “كان متكئاً فى حضن يسوع241)
وقت العشاء الربانى؛ ويقول فى الإنجيل الذى دونه بالروح القدس:

“ولكن
واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء. والذى عاين شهد وشهادته حق
وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم”،

“هذا
هو التلميذ الذى يشهد بهذا وكتب هذا. ونحن نعلم أن شهادته حق(243)“،

ويقول
فى سفر الرؤيا:

“يوحنا
الذى شهد بكلمة الله وبشهادة يسوع المسيح بكل ما رآه(244)“،

“أنا
يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة وفى ملكوت يسوع المسيح وصبره كنت فى الجزيرة التى
تُدعى بطمُس (منفيا) من أجل كلمة الله ومن أجل شهادة يسوع المسيح(245)“. وعن شهادة الشهداء للمسيح يقول:

“رأيت
تحت المذبح نفوس الذين قُتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التى كانت عندهم(246)“. وعن انتصار المؤمنون على إبليس يقول:

“وهم
غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت(247)“،

“وذهب
ليصنع حرباً مع باقى نسلها (الكنيسة) الذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع
المسيح(248)“.

أخيراً
يختم الروح هذه الشهادة بقول الملاك ليوحنا “أنا عبد معك ومع أخوتك الذين
عندهم شهادة يسوع
فإن شهادة يسوع هى روح النبوة(249)“.

 

7- الرسل والسلطان الرسولى الممنوح لهم:

فى
إرساليته الأولى للتلاميذ قال لهم “أشفوا مرضى. طهروا برصاً. أقيموا موتى.
اخرجوا شياطين. مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا(250)“،
وعندما عين سبعين آخرين وأرسلهم أمام وجهه أعطاهم نفس السلطان ولما رجعوا من
مهمتهم “قالوا يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم رأيت الشيطان
ساقطاً مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل
قوة العدو ولا يضركم شئ(251)“. وبعد قيامته وقبل
صعوده إلى السماء قال لهم:

“وهذه
الآيات تتبع المؤمنين. يخرجون الشياطين باسمى ويتكلمون بألسنة جديدة. يحملون حيات
وإن شربوا شيئاً مميتاً لن يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون(252)“. وبناء على ذلك كان الرسل فى كل مكان حيث
يذهبون يصنع الرب على أيديهم آيات وعجائب وقوات لا حصر لها حتى أنه، كما يقول
الكتاب “كانوا (الناس) يحملون المرضى خارجاً فى الشوارع ويضعونهم على فرش
وأسرة حتى إذا جاء بطرس يخيم ولو ظله على واحد منهم
وكانوا
يبرأون جميعهم(253)“، “وكان الله
يصنع على يدى بولس قوات غير المعتادة. حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى
المرضى فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة(254)“.

وكانوا
يصنعون هذه الآيات والمعجزات باسم “يسوع المسيح” ويعملوها بقوته هو كما
سبق أن قال لهم “الذى يثبت فىّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير. لأنكم بدونى لا
تقدرون أن تفعلوا شيئاً”. ومن ثم فعندما وجد بطرس الرسول مفلوجاً قال له
“يا إينياس يشفيك يسوع المسيح. قم وأفرش لنفسك. فقام للوقت(255)“، وقال للمقعد أمام باب
الهيكل “باسم يسوع الناصرى قم وأمش” ولما وجد الناس تنظر إليه هو
والقديس يوحنا مندهشين ومذهولين قال لهم “لماذا تشخصون إلينا كأنه بقوتنا أو
تقوانا جعلنا هذا يمشى
إله آبائنا مجد فتاه يسوع وبالإيمان
باسمه شدد اسمه هذا الذى تنظرونه وتعرفونه والإيمان الذى بواسطته أعطاه هذه الصحة
أمام جميعكم(256)“.

وأعطاهم
أيضا سلطان الحل والربط وغفران الخطايا “الحق أقول لكم إن كل ما تربطونه على
الأرض يكون مربوطاً فى السماء. وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً فى السماء(257)“، “فقال لهم يسوع أيضا سلام لكم. كما
أرسلنى الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم
خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت(258)“.
هذا السلطان يذكر الكتاب استخدام بطرس له عندما عاقب حنانيا وسفيرة لكذبهما على
الروح القدس، وحرم سيمون الساحر من شركة القديسين لأنه أراد أن ينال مواهب الروح
القدس بالمال “فقال له بطرس
ليس لك نصيب. ولا قرعة فى هذا الأمر.
لأن قلبك ليس مستقيماً أمام الله(260)“.
كما استخدم هذا السلطان أيضا بولس الرسول عندما عاقب عليم الساحر الذى قاوم كرازة
بولس وبرنابا وأصابه بالعمى “هوذا يد الرب عليك فتكون أعمى ولا تبصر الشمس
إلى حين(261)“.

وكانت
للرسل المكانة الأولى فى الكنيسة باعتبارهم ممثلو المسيح وشهوده “الذى يقبلكم
يقبلنى(262)“، “الذى يسمع
منكم يسمع منى. والذى يرذلكم يرذلنى(263)“.
وكان لهم سلطان على أعضاء الكنيسة وتعاملوا مع كل الأمور والقضايا التى واجهت
الكنيسة فى مهدها وعقدوا أول مجمع للكنيسة فى أورشليم لمناقشة وبحث موضوع قبول
المؤمنين الراجعين إلى الله من الأمم. وأصدروا التوصيات والقرارات اللازمة لذلك(264). ومن ثم كان تصنيفهم الأول فى الكنيسة قبل
الأنبياء والمعلمين:

“فوضع
الله إناساً فى الكنيسة، أولاً رسلاً، ثانياً أنبياء، ثالثاً معلمين ثم قوات وبعد
ذلك مواهب الشفاء..(265)“،

“مبنيين
على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية(266)“،

“وأعطى
(المسيح) البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين(267)“.

 

وكانت
الوصية العظمى التى حفظوها كاللؤلؤة الكثيرة الثمن هى “لأن معلكم واحد المسيح
وأنتم جميعاً إخوة(271)“.

 

(1)
أع 38: 10

(2)
متى 17: 4

(3)
مر 15: 1

(4)
يو 16: 3

(5)
يو 6: 14

(6)
يو 25: 11

(7)
يو 9: 10

(8)
يو 12: 8

(9)
لو 22: 10

(10)
يو 18: 1

(11)
كو 15: 1

(12)
يو 7: 14،9،10

(13)
1تى 5: 2،6

(14)
1يو 1: 2،2

(15)
عب 25: 7

(16)
لو 18: 4،19

(17)
متى 34: 13،35

(18)
مر 33: 4

(19)
متى 29: 7

(20)
يو 46: 7

(21)
متى 4: 31،5

(22)
لو 47: 2

(23)
لو 31: 4،32

(24)
متى 23: 4

(25)
يو 3: 2-10

(26)
يو 5: 6-13

(27)
متى 25: 14

(28)
لو 4: 5-7؛ يو 3: 21-11

(29)
متى 27: 17

(30)
2مل 11: 2؛ أع 9: 1

(31)
يو 17: 5،19

(32)
مر 2: 6

(33)
مر 41: 4

(34)
يو 2: 3

(35)
يو 31: 8

(36)
لو 37: 19

(37)
أع 2: 6

(38)
أع 7: 6

(39)
يو 31: 8

(39)
يو 31: 8

(40)
لو 13: 6

(41)
مر 14: 3،15

(42)
متى 15: 13؛ 46: 12؛ مر 40: 15

(43)
غل 9: 2

(44)
يو 25: 2

(45)
يو 18: 13

(46)
يو 70: 6

(47)
متى 18: 4-20

(48)
متى 21: 4،22

(49)
متى 9: 9؛ لو 27: 5

(50)

(51)
يو 47: 1

(52)
رو 6: 9،8

(53)
يو 14: 15-16

(54)
متى 29: 11،30

(55)
يو 15: 13

(56)
1بط 21: 2

(57)
1يو 6: 2

(58)
لو 1: 11-13

(59)
متى 2: 20-28

(60)
يو 12: 13-17

(61)
متى 28: 10

(62)
متى 5-7

(63)
متى 13

(64)
متى 16: 16

(65)
يو 16: 3

(66)
متى 28: 20

(67)
متى 21: 16

(68)
مر 34: 8،35

(69)
مر 28: 10-30

(70)
متى 8: 10

(71)
متى 6: 10؛ مر 7: 6

(72)
أع 8: 1

(73)
لو 17: 10-20

(74)
متى 16: 10-40

(75)
لو 10: 8

(76)
يو 25: 16

(77)
لو 27: 24، 45، 46

(78)
متى 26: 26،27

(79)
لو 19: 22

(80)
رؤ 14: 21

(81)
أف 20: 2

(82)
متى 1: 7-8

(83)
مر 37: 5

(84)
متى 37: 26

(85)
يو 15: 21-23

(86)
يو 23: 13

(87)
يو 26: 19،27

(88)
يو 2: 20-9

(89)
يو 15: 20-23

(90)
غل 9: 2؛ أع 17: 12؛ 13: 15

(91)
أع 2: 12

(92)
لو 1: 10

(93)
1يو 14: 4

(94)
يو 38: 6

(95)
يو 3: 17

(97)
متى 40: 10

(98)
لو 16: 10

(99)
أع 21: 1،22

(100)
لو 33: 24

(101)
1كو 5-7

(102)
مر 14: 3

(103)
لو 13: 6

(104)
أع 2: 1

(105)
أع 3: 1-5

(106)
لو 49: 24

(107)
أع 8: 1

(108)
متى 18: 28-20

(109)
مر 15: 16،16

(110)
كو 23: 1

(111)
أع 15: 9،16

(112)
أع 4: 14

(113)
غل 11: 1-19

(114)
غل 1: 1

(115)
1كو 23: 11-25

(116)
كو 1: 15-8

(117)
كو 1: 15-8

(118)
1كو 11: 15

(119)
2كو 1: 12-4

(120)
رو 16: 10-20

(121)
يو 1: 17

(122)
يو 23: 12-32

(123)
يو 33: 12

(124)
يو 13: 3

(125)
يو 34: 12

(126)
يو 6: 17-8.

(127)
يو 24: 4.

(128)
يو 18: 1.

(129)
يو 30: 16.

(130)
أع 12: 4.

(131)
متى 16: 5.

(132)
يو 8: 15.

(133)
1كو 25: 14.

(134)
يو 9: 17،10.

(135)
يو 11: 17-13.

(136)
عب 34: 11.

(137)
عب 13: 11.

(138)
1بط 11: 2،12.

(139)
يو 18: 15،19.

(140)
1يو 13: 3.

(141)
يو 14: 17.

(142)
يو 15: 17-18.

(143)
يو 21: 20.

(144)
متى 20: 28.

(145)
يو 18: 14.

(146)
رؤ 18: 1.

(147)
يو 19: 14.

(148)
أف 24: 4.

(149)
يو 17: 17.

(150)
يو 3: 15.

(151)
يو 20: 17_23.

(152)
رو 5: 121.

(153)
1يو 2: 1،3.

(154)
يو 2: 14،3.

(155)
1تس 17: 4.

(156)
أع 3: 1-8.

(157)
لو 49: 24.

(158)
يو 5: 3،7.

(159)
يو 38: 7،39.

(160)
يو 23: 12،32.

(161)
يو 1: 17.

(162)
يو 30: 13.

(163)
يو 17: 16.

(164)
يو 16: 14-26: 18.

(165)
يو 26: 15،27.

(166)
متى 7: 16-16.

(167)
1كو 11: 6.

(168)
1بط 11: 1.

(169)
فى 19: 1.

(170)
رو 9: 8.

(171)
يو 30: 10.

(172)
متى 19: 28.

(173)
غل 6: 4.

(174)
مز 7: 2؛ أع33: 13؛ عب 5: 1؛5: 5.

(175)
يو 26: 15.

(176)
1يو 1: 2.

(177)
1كو 16: 3.

(178)
1كو 9: 6.

(179)

(180)
1كو 14: 2.

(181)
1تى 16: 6.

(182)
خر 20: 33.

(183)
لو 39: 24.

(184)
1يو 6: 5-11.

(185)
1يو 20: 2،27.

(186)
لو 11: 12،12.

 

(187)
متى 19: 10،20.

(188)
لو 24: 21،25.

(189)
مر 11: 13.

(190)
أع 8: 4-12.

(191)
يو 16: 12.

(192)
لو 34: 18.

(193)
مر 32: 9.

(194)
لو 34: 18.

(195)
يو 16: 12.

(196)
يو 22: 2.

(197)
لو 8: 24.

(198)
يو 6: 14.

(199)
يو 13: 15.

(200)
أع 1: 2-4.

(201)
أع 8: 4.

(202)
أع 31: 4.

(203)
أع 9: 6،10.

(204)
أع 29: 8.

(205)
أع 39: 8،40.

(206)
أع 19: 1؛12: 11.

(207)
أع 28: 11.

(208)
أع 2: 13_4.

(209)
أع 28: 15.

(210)
أع 6: 16-10.

(211)
أع 5: 18.

(212)
أع 22: 20،23.

(213)
أع 28: 20.

(214)
أف 3: 3_5.

(215)
أع 9: 18.

(216)
أع 11: 23.

(217)
أع 21: 1.

 

(218)
أع 41: 10.

(219)
يو 6: 17،8.

(220)
يو 11: 2.

(221)
متى 2: 17_5.

(222)
لو 3: 1.

(223)
أع 3: 1.

(224)
يو 26: 15،27.

(225)
لو 3: 1.

(226)

(227)
1يو 1: 1_3.

(228)
1يو 14: 4.

(229)2بط
16: 1_18.

(230)
1بط 1: 5.

(231)
يو 27: 15.

(232)
لو 44: 24-48

(233)
أع 22: 2-41

(234)
أع 13: 3-15

(235)
أع 33: 4

(236)
أع 37: 10-42

(237)
أع 26: 13-31

(238)
أع 3: 14

(239)
عب 3: 2

(240)
يو 23: 13؛ 26: 19؛ 2: 20؛ 7: 21،20،24

241)
يو 23: 13

(243)
يو 24: 21

(244)
رؤ 1: 1،2

(245)
رؤيا 9: 1

(246)
رؤ 9: 6

(247)
رؤ 11: 12

(248)
رؤ 17: 12

(249)
رؤ 10: 19

(250)
متى 8: 10

(251)
لو 9: 10،17-19

(252)
مر 17: 16،18

(253)
أع 15: 5،16

(254)
أع 11: 19،12

(255)
أع 34: 9

(256)
أع 12: 3-16

(257)
متى 18: 18

(258)
يو 21: 20-23

(260)
أع 21: 8

(261)
أع 11: 13

(262)
متى 40: 10

(263)
لو 16: 10

(264)
أع 1: 15-29

(265)
1كو 28: 12

(266)
أف 20: 2

(267)
أف 11: 4

(271)
متى 8: 23

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى