علم الله

الفصل الرابع



الفصل الرابع

الفصل
الرابع

ملاك
الرب أو الظهور المسيانى

كريستوفانى
Christophany قبل التجسد

 

كلمة
ملاك فى اللغة العبرية هى حرفياً “ملاك
Malak
وفى اللغة اليونانية “إنجيلوس
Angelos” وتعنى فى اللغتين “رسول” بصفة عامة. وبالنسبة
للكائنات الروحية السمائية التى يرسلها الله من السماء وتدعى “ملاك” أو
“ملائكة” تعنى “رسول سمائى” أو “رُسل سمائيون”، أى
أن الملاك الذى هو كائن روحانى سمائى، يعنى رسول قادم من السماء، وسيط روحانى
سمائى حامل رسالة من الله إلى الناس. ومن هذا المنطلق دعا الوحى الإلهى الكثير من
الظهورات الإلهية ظهورات ملائكية، ودُعى الله فيها ب “ملاك يهوه” أى
“ملاك الرب”، و”ملاك إيلوهم” أى “ملاك الله”،
و”ملاك العهد”، و”ملاك حضرته”، لأن الله فيها أعلن عن ذاته
بذاته فى ظهورات إلهية دعاه الكتاب فيها بهذه الألقاب.

ولا
يعنى استخدام الوحى الإلهى لتعبيرات “ملاك الرب” و”ملاك الله”
و”ملاك حضرته” و”ملاك العهد” للتعبير عن الظهورات الإلهية أن
الذى ظهر هو مجرد ملاك، كائن روحانى سمائى، من ضمن الكائنات الروحية السمائية التى
لا تحصى، وإنما ليدل على أن الله ذاته موجوداً وعاملاً فى العالم ويعلن عن حضور
الله فى زمان محدد ومكان معين، يعلن عن ربوبية الله وسيادته وحضوره الشخصى فى
العالم، ومن ثم دعى هذا الظهور فى سفر أشعياء ب “ملاك حضرته(117)“.

وعلى
الرغم من أنه ظهر فى هيئة جسمية كإنسان وادى وظائف إنسانية(118)،
فقد كان مميزاً عن البشرٍ والملائكة، فلا إنسان ولا ملاك، بل مختلف عنهم اختلافاً
تاماً، فقد كان يحمل أسم الله يهوه ويتكلم باعتباره هو الله، يهوه، ويستخدم فى
الحديث عن الله ضمير المتكلم “أنا” الذى يساوى “أنا الله”
ويساوى نفسه بالله وينسب لنفسه صفات الله ويعلن الذين رأوه أنهم رأوا الله، فيقبل
العبادة ويغفر الخطايا ويعلن ما سيحدث فى المستقبل.

 

وفيما يلى أهم ظهوراته فى العهد القديم:

1- ظهوره لهاجر:

ظهر
ملاك الرب لهاجر وكلمها على أنه هو الله، يهوه، وسجل موسى النبى بالروح أن الذى
ظهر لها هو الله، يهوه: “وقال لها ملاك الرب تكثيراً أكثر نسلك فلا يُعد من
الكثرة” وأعلمها بمستقبل أبنها الذى فى بطنها، إسماعيل، ثم يقول الوحى الإلهى
” فدعت أسم الرب الذى تكلم معها أنت “إيل رئى
El Roi
لأنها قالت: “هنا أيضا رأيت لعد رؤية(119)“،
أى “أنت الإله الذى رأنى” أو “لقد رأيت الآن الواحد الذى رآنى(120)“.

 

2- ونادى إبراهيم من السماء:

وعندما
امتحن الله إبراهيم وطلب منه أن يأخذ أبنه وحيده اسحق الذى يحبه ويذهب إلى جبل
المريا ويقدمه محرقة لله، وأطاع إبراهيم الأمر وذهب إلى الموضع الذى قال لهُ الله
وبنى المذبح ورتب الحطب “وربط اسحق أبنهُ ووضعه على المذبح فوق الحطب”
وأخذ السكين وهم بذبحه، يقول الكتاب “فناداه ملاك الرب من السماء وقال
إبراهيم إبراهيم. فقال هأنذا. فقال لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً. لأنى
الآن علمت أنك خائف الله” ثم يتكلم ملاك الرب بضمير المتكلم تأكيداً على أنه
هو الرب نفسه ويقول لإبراهيم “فلم تمسك ابنك وحيدك هنا”، وتأكيداً لذلك
يقول الكتاب “فدعا إبراهيم اسم ذلك المكان يَهْوَه يِرْأه (أى الرب يرى). حتى
أنه يقال اليوم فى جبل الربُّ يُرَى”. ثم رأى إبراهيم كبشاً ممسكاً، عالقاً،
بقرنيه فى الغابة فأخذه وأصعدهُ محرقةً عوضاً عن ابنه. “ونادى ملاك الرب
إبراهيم ثانية من السماء وقال بذاتى أقسمتُ يقول الرب. أنى من أجل أنك فعلت هذا
الأمر ولم تمسك أبنك الوحيد. أباركك مباركةً وأكثرِّ نسلك تكثيراً كنجوم السماء
وكالرمل الذى على شاطئ البحر. ويرث نسلك باب أعدائه. ويتبارك فى نسلك جميع أمم
الأرض. من أجل أنك سمعت لقولى”.

وهنا
يكلمه الملاك باعتباره ملاك الرب الذى يحمل رسالة من الله، ثم يتكلم كالرب نفسه،
بأعتباره هو الرب نفسه.

 

3- وظهر ليعقوب فى هيئة إنسان وصارعه حتى طلوع الفجر:

وعندما
سأله يعقوب عن أسمه قال له “لماذا تسأل عن أسمى. وباركه هناك. فدعى يعقوب أسم
المكان فنيئيل. قائلاً لأنى نظرت الله وجهاً لوجه ونُجّيت نفسى(121)“.
وهنا يؤكد يعقوب على أنه رأى إلهى لله ذاته: “الله الذى سار أمامه أبواى
إبراهيم واسحق. الله الذى رعانى منذ وجودى إلى اليوم. الملاك الذى خلصنى من كل شر
يبارك الغلامين(122)“. الملاك الذى ظهر
للأباء إبراهيم واسحق ويعقوب وسار أمامهم وساروا هم خلفه والذى رعاهم هو، هو، نفسه
الله فى ظهوره الإلهى فى هيئة جسميه وقتيه.

 

4- وظهر لموسى النبى فى سيناء:

وظهر
لموسى النبى فى سيناء أكثر من مره معلناً أنه هو الله، يهوه، وأنه هو أيضاً ملاك
الرب، يهوه، ملاك الله:

أ‌- ظهر له أول
مره فى العليقة، كما يقول الكتاب “وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط
العليقة” ثم عرف موسى أن ملاك الرب هو الرب ذاته، وتكلم معه بإعتباره الرب
“فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى موسى
. أنا إله
أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله(123)“.

ب‌- وقال الله
لموسى عن هذا الملاك، الذى هو الله ذاته “ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك
ليحفظك فى الطريق وليجئ بك إلى المكان الذى أعددتُه. أحترز منه وأسمع لصوته ولا
تتمردّ عليه لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن أسمى فيه”. وهو هنا يعلن أن ملاك
الرب، هو ظهور إلهى فى شكل مرئى “
Theophany” يمثل الله
ذاته ويقوم بعمله ويحمل أسمه “لأن أسمى فيه(124)“.

ج-
وظهر لموسى ولبنى إسرائيل فى عمود السحاب والنار، ومن خلال هذا الظهور أعلن أن
الرب الذى سار أمامهم فى عمود السحاب هو نفسه ملاك الرب: “وكان الرب يسير
أمامهم نهاراً فى عمود سحابٍ ليهديهم فى الطريق وليلاً فى عمود نارٍ ليضئ لهم(125)“، “فأنتقل ملاك الله السائر أمام
عسكر إسرائيل وسار ورائهم. وأنتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف ورائهم(126)“.

 

5- وظهر لبلعام بن بعور:

وظهر
لبلعام بن بعور ثم كشف الرب عن عينى بلعام فأبصر ملاك الرب واقفاً فى الطريق وسيفه
مسلول فى يده فخر ساجداً على وجهه “وأمره أن لا يتكلم إلا بما يقوله لهُ
“فقال ملاك الربّ لبلعام أذهب مع الرجال وإنما تتكلم بالكلام الذى أكلّمك به
فقط(127)” وكان الله قد أتى
“إلى بلعام ليلاً وقال لهُ إن أتى الرجال ليدعوك فقم أذهب معهم. إنما تعمل
الأمر الذى أكلمك به فقط(128)“.

 

6- وظهر ليشوع بن نون خادم موسى النبى:

وظهر
ليشوع بن نون خادم موسى النبى بعدما تسلم قيادة الشعب وقال له “أخلع نعلك من
رجليك لأن المكان الذى أنت واقف عليه هو مقدس”(129).
وهذا نفس ما سبق أن قاله الله لموسى فى العليقة “أخلع حذائك من رجليك لأن
الموضع الذى أنت واقف عليه أرض مقدسة(130)“.

 

7- وظهر للقاضى جدعون:

على
أنه ملاك الرب وكلمُه على اعتبار أنه الرب ذاته “فظهر ملاك الرب
فقال الرب
إنى أكون معك
فقال جدعون
أه يا سيدّى الربّ لأنى قد رأيت ملاك الرب وجهاً لوجهٍ. فقال له الرب السلام لك.
لا تخف. لا تموت(131)“.

 

8- وظهر لمنوح وزوجته:

وبشرهما
بولادة شمشون “فتراءى ملاك الرب للمرأة (زوجة منوح) وقال لها. ها أنت عاقر لم
تلدى. ولكنك تحبلين وتلدين أبناً”، “فدخلت المرأة وكلمت رجلها قائلة.
جاء إلىّ رجل الله ومنظره كمنظر ملاك الله مرهب جداً. ولم أسأله من أين ولا هو
أخبرنى عن أسمه”. ثم ظهر ملاك الرب للمرأة ومعها زوجها والذى سأل الملاك عن
اسمه فقال له “لماذا تسأل عن أسمى وهو عجيب” ولما صعد ملاك الرب إلى
السماء قال “منوح لامرأته نموت موتاً لأننا قد رأينا الله(132)“.

 

9- وكان ملاك الرب قد سبق وظهر لبنى إسرائيل:

عندما
عصوا الله بعد استقرارهم فى أرض كنعان “وصعد ملاك الربّ من الجلجال إلى بوكيم
وقال: أصعدتكم من مصر وأتيت بكم إلى الأرض التى أقسمت لآبائكم وقلت لا أنكث عهدى
معكم إلى الأبد(133)“. وهنا يتكلم ملاك
الرب على اعتبار أنه الرب، الله، الذى أخرج بنو إسرائيل من مصر وسار بهم حتى أتوا
إلى الأرض التى سبق أن وعد بها.

ويؤمن
الكثير من أباء الكنيسة فى القرون الأولى وعلماء اللاهوت ومفسرى الكتاب المقدس، أن
هذه الظهورات الإلهية، هى ظهورات مسيانية “كريستوفانى
Christophany“، أى ظهورات للأقنوم الثانى، من اللاهوت، كلمة الله، المسيح،
ويستدلون على ذلك بالبراهين التالية:

‌أ-
تكرار
قول الكتاب أن “الله لم يره أحد قط(134)
وقول القديس يوحنا بالروح القدس “الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى هو فى
حضن الآب هو خبرّ(135)“، “الذى أخبر
عنه(136)“، الابن، الإله،
الوحيد، الذى فى حضن الآب، ومن ذات الآب، وفى الآب، هو وحده الذى يظهر الله ويعلن
عنه لأنه كلمته وصورة جوهره وإشعاع وبهاء مجده، “صورة الله غير المنظور(137)“، “بهاء مجده ورسم (صورة) جوهرة(138)“.

‌ب-
يؤكد
القديس يوحنا بالروح أن السيد الرب الذى رآه أشعياء النبى فى رؤياه هو نفسه الابن
الوحيد، الرب يسوع المسيح، بقوله “قال أشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم
عنه”؛ مشيراً إلى الرب يسوع المسيح(139).

‌ج-
عندما
سأل منوح ملاك الرب عن أسمه قال له “لماذا تسأل عن أسمى وهو عجيب”،
وكلمة أو لقب “عجيب” تشير فى نبؤه أشعياء النبى إلى الرب يسوع المسيح
“ويدعى أسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام(140)“.

‌د-
كما
وصف السيد المسيح ولقب فى سفر ملاخى النبى ب “ملاك العهد” والذى هو الرب
نفسه “ويأتى بغتةً إلى هيكلة السيد الذى تطلبونه وملاك العهد الذى تسرون به
هو ذا يأتى قال رب الجنود(141)“.

‌ه-
كما
يرى العلماء فى توقف ظهوره بعد تجسد السيد المسيح دلالة على أنه كان ظهوراً
مسيانياً للأقنوم الثانى قبل التجسد، ظهوراً مؤقتاً، فلم تعد هناك حاجة إليه بعد
حلول لمة الله بين البشرية باتخاذه جسداً حقيقياً كاملاً “والكلمة صار جسداً وحل
بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمةً وحقاً … ومن ملئه نحن
جميعاً ونعمةً فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أعطى أمّا النعمة والحقُّ فبيسوع
المسيح صار. الله لم يرهُ أحد قط الابن (الإله) الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو
خبرّ (الذى أخبر عنه)(142)“.

 

(117)
أش 9: 63

(118)
تك 2: 18،22 مع عب 2: 13؛ تك 24: 32؛ عدد 23: 22،31

(119)
تك 7: 16-13

(120)
NIV

(121)

(122)
تك 15: 48،16.

(123)
خر2: 23.

(124)
خر 20: 23،21.

(125)
خر 21: 13.

(126)
خر 19: 14.

(127)
عدد 21: 22،35.

(128)
عدد 20: 22.

(129)
يش 13: 5-15.

(130)
خر 5: 3.

(131)
قض 3: 6،6،18،22.

(132)
قض 3: 6،6،18،22

(133)
قض 1: 2،2

(134)
يو 18: 1؛ 46: 6؛ 1تى 16: 6؛ 1يو 12: 4

(135)
يو 41: 12

(136)
الترجمة اليسوعية.

(137)
كو 15: 1

(138)
عب 3: 1

(139)
يو 41: 12

(140)
أش 6: 9

(141)
ملا 1: 3

(142)
يو 14: 1-18

(143)
جا 3: 5

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى