علم

الفصل الرابع والأربعون



الفصل الرابع والأربعون

الفصل
الرابع والأربعون

وإن كان الله قد خلق الإنسان بكلمة فلماذا لا يخلّصه بكلمة؟ ولكن: (1) الخلقة
من العدم تختلف عن إصلاح ما هو موجود فعلاً (2) والإنسان كان موجودًا وله حاجة
معيّنة ويتطلب علاجًا معينًا. ولقد تأصل الموت في طبيعة الإنسان. فكان لابد للحياة
أن تلتصق بالجسد وتصير فيه. لذلك تجسد الكلمة لكى يلتقي بالموت ويقهره في الجسد
. تشبيه بالقش والاسبستوس.

 

1 وربما بسبب الخجل[1]
يوافقون على هذا[2]،
ولكنهم يريدون أن يقولوا إن الله
 لو أراد أن يردَّ البشرية ويخلّصها كان يمكنه أن يفعل هذا بنطق
عالٍ وبدون أن يتخذ كلمته جسدًا، أى بنفس الطريقة التي أوجد بها البشرية من
العدم في البدء[3].

2 ونجيب على اعتراضهم هذا بجواب معقول قائلين إنه
في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد “نطق” مع
إرادة (إلهية) لإتمام الخلق[4].
ولكن بعد أن خُلق الإنسان (وصار موجودًا) واستدعت الضرورة علاج[5]
ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلّص
فيما هو موجود لكى يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا واستخدم جسده
أداة بشرية.

3 لأنه لو لم تكن هذه هي الطريقة الصحيحة فكيف
كان ممكنًا للكلمة، الذى اختار أن يستخدم أداه “بشرية”، أن يظهر؟
أو من أين كان سيأخذ ” هذه الأداة “[6]
إلاّ من أولئك الموجودين فعلاً، والذين هم في حاجة (أن يأتي) بلاهوته في واحد
مشابه لهم؟[7]
لأن الأشياء غير الموجودة لم تكن هى المحتاجة للخلاص (بالتجسد) بل كان يكفيها مجرد
كلمة أو صدور أمر، ولكنه الإنسان (المخلوق
) الذي كان موجودًا فعلاً وكان منحدرًا إلى الفساد والهلاك هو الذي
كان محتاجًا أن يأتي الكلمة[8]
ويستخدم أداة بشرية، ويعلن نفسه في كل مكان[9]،
وكان هذا أمرًا طبيعيًا وصائبًا.

4 ثم ينبغي أن يُعرف هذا أيضًا، أن الفساد الذي
جرى لم يكن خارج الجسد
، بل كان ملتصقًا به[10]،
وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في
الجسد تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا.

5 والآن لو أن الموت كان خارج الجسد لكان من الملائم أيضًا أن تصير الحياة خارج الجسد أيضًا. ولكن ما
دام الموت قد صار داخل نسيج الجسد وبوجوده في كيانه صار سائدًا عليه لذلك كان من
اللازم أن تصير الحياة داخل نسيج الجسد أيضًا حتى إذا لبس الجسد الحياة بدل الموت
فإنه يطرح عنه الفساد[11].
وإضافة إلى ذلك فلو افترضنا أن الكلمة قد جاء خارج الجسد وليس فيه، لكان
الموت قد هُزم منه (من الكلمة) بحسب قانون الطبيعة
، إذ إن الموت ليس له سلطان على الحياة. ولكن رغم ذلك، كان الفساد
سيظل باقيًا في الجسد.

6 لهذا السبب كان من الصواب أن يلبس المخلّص جسدًا لكي إذا اتحد الجسد ” بالحياة ” لا يعود يبقى في الموت كمائت بل إذ قد لبس
عدم الموت فإنه يقوم ثانية ويظل غير مائت
 فيما بعد. ولأنه كان قد لبس الفساد فإنه لم يكن ممكنًا أن يقوم
ثانية ما لم يلبس الحياة. وكما أن الموت بحسب طبيعته[12]
لم يكن ممكنًا أن يظهر إلاّ في الجسد لذلك لبس الكلمة جسدًا لكى يلاقي
الموت في الجسد ويبيده. لأنه كيف كان مستطاعًا البرهنة على أن الرب هو ” الحياة
” ما لم يكن قد أحيا ما كان مائتًا؟

7 وكما أنه من الطبيعي أن القش تفنيه النار، فإذا افترضنا أن إنسانًا أبعد النار عن القش فرغم أنه لم يحترق
يظل مجرد قش قابل للاحتراق بالنار لأن النار لها خاصية إحراقه بطبيعتها. أما لو
حدث أن إنسانًا غلّف القش بمادة الأسبستوس
[13] التي يقال
عنها أنها لا تتأثر بالنار فإن القش[14]
لا يتعرض لإحراق النار فيما بعد إذ قد تحصن بإحاطته بمادة غير قابلة للاحتراق.

8 وبنفس الطريقة نستطيع أن نقول عن الجسد والموت. إنه لو كان الموت قد أُبعِدَ عن الجسد بمجرد إصدار أمر من
الكلمة لبقى رغم ذلك قابلاً للموت والفساد بحسب طبيعة الأجساد[15].
ولكى لا يكون الأمر كذلك فإن كلمة الله
 الذي بدون جسد[16]
قد لبس الجسد لكى لا يعود الموت والفساد يُرهب الجسد لأنه قد لبس الحياة كثوب[17] وهكذا
أبيد منه الفساد الذي كان فيه[18].



اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى