علم الله

الفصل الخمسون



الفصل الخمسون

الفصل
الخمسون

الدينونة
الأخيرة ونهاية العالم

 

1 – هل يُثبت الكتاب المقدس الدينونة الأخيرة،
وماذا يعلمنا عنها؟

*
يعلمنا الكتاب أن الله أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل (أع 17:
31) فإن البشر في هذا العالم تحت سلطان الله الأخلاقي، ولا بد من الحكم على كل
شخصٍ بحسب استحقاقه. على أن المفديين بالمسيح يخلصون من حكم الدينونة بحسبان
استحقاق المسيح لهم، سواء عاشوا قبل مجيئه أم بعده. ويعلمنا الكتاب عن الدينونة
الأخيرة:

(1)
أنها حادثة منظورة تحدث في وقت معيّن، فإن الأشرار من الملائكة والبشر محفوظون إلى
يوم الدين (2بط 2: 4، 9) وهي حادثة مستقبلية (أع 24: 25 وعب 10: 27) تأتي بعد
الموت (عب 9: 27) وتسبقها القيامة (يو 5: 29) وهي من جملة الحوادث المعاصرة
لانقضاء العالم كالقيامة ومجيء المسيح مثلاً، وهي جميعاً من الحوادث الحقيقية (يو
5: 28، 29 و2بط 3: 10 و2تس 1: 7، 8).

(2)
يظهر في ذلك اليوم عدل الله ظهوراً كاملاً، وتُعلن كل أسرار البشر، ويُحكم على كل
واحد بحسب أعماله في هذه الحياة، فذلك اليوم هو يوم استعلان دينونة الله العادلة
(رو 2: 5، 6 ولو 12: 2، 8، 9 و2كو 5: 10).

 (3)
تتم هذه الدينونة عند مجيء المسيح ثانية، كما يتضح من مثَل زوان الحقل (مت 13:
37-43) ومن النبوات بمجيء المسيح ثانية (مت 25: 31-46 و1كو 4: 5 و2تس 1: 7-10 و2تي
4: 1 وفي 3: 20، 21).

(4)
المسيح هو الديان فقد قال “الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة للابن”
(يو 5: 22، 23، 27) وقال بطرس إن المسيح هو المعين من الله دياناً للأحياء
والأموات (أع 10: 34-43). وقال بولس إن الله قد أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين
المسكونة بالعدل برجُلٍ قد عيَّنه إذ أقامه من الأموات (أع 17: 31 و2كو 5: 10)

(5)
تجري الدينونة على كل الناس والملائكة الأشرار، لأنه يجازي كل واحد بحسب أعماله
(رو 2: 6) وكذلك قيل في الملائكة الأشرار إن الله أسلمهم إلى قيود الظلام محفوظين
للقضاء (2 بط 2: 4). وعند مجيء المسيح ثانيةً يُطرح الشيطان والملائكة في الهاوية.

(6)
تتم الدينونة وفقاً لأحكام شريعة الله كما هي معلنة في الضمير وفي الوحي (يو 12:
488 ورو 2: 12). ولا يخلص من حكم شريعة العدل إلا مَن لهم نصيب في نعمة المسيح،
الذين كُتبت أسماؤهم في سفر الحياة، لا بسبب استحقاقهم بل لأن برّ المسيح حُسب
لهم، وقد اتحدوا بالمسيح بواسطة الإيمان ونالوا فوائد موته هبةً منه (رؤ 20: 12)
فإن جميع الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. فجميع الذين يقبلونه
إلهاً ومخلصاً لهم يخلصون، وجميع الذين لا يكرمونه ولا يتكلون عليه يهلكون. وليس
سبب الهلاك مخالفتهم لشريعة الله فقط، بل لسبب خطيتهم العظيمة في رفضهم للمسيح،
كما قيل “إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن أناثيما” (اكو 16:
22).

(7)
تتم دينونة كل إنسان بحسب النور الذي وصله “العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا
يستعد، ولا يفعل بحسب إرادته، فيُضرب كثيراً. ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق
ضربات يُضرب قليلاً. فكل من أُعطي كثيراً يُطلب منه كثيرٌ” (لو 12: 47، 48).
وقال المسيح إنه تكون لصور وصيدا حالة أكثر احتمالاً في يوم الدين مما لأهل عصره
(مت 11: 22) وقال بولس إن الأمم بلا عذر لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه
كإله (رو 1: 20، 21). وقال إن الذين يخطئون بدون الناموس فبدون الناموس يهلكون،
ومن يخطئ في الناموس فبالناموس يُدان (رو 2: 12).

(8)
في الدينونة يتعين نصيب الأبرار والأشرار تعييناً، يتغير، لأن الحكم يحدد مكانهم
الأبدي، وهذا واضح من كلمات المسيح “فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار، إلى
حياة أبدية” (مت 25: 46).

2- ما هو تعليم الأسفار المقدسة عن انتهاء العالم؟

*
الآيات التالية تشرح هذا:

“مِن
قِدَمٍ أسَّست الأرض والسماوات هي عمل يديك. هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى.
كرداءٍ تغيّرهن فتتغير” (مز 102: 25، 26). “ارفعوا إلى السموات عيونكم
وانظروا إلى الأرض من تحت. فإن السموات كالدخان تضمحل، والأرض كالثوب تبلى”
(إش 51: 6). “لأني هأنذا خالقٌ سماواتٍ جديدة وأرضاً جديدة، فلا تُذكر الأولى
ولا تخطر على بال” (إش 65: 17). “السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا
يزول” (لو 21: 33). “لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله، إذ
أُخضِعت الخليقة للبُطل، ليس طوعاً، بل من أجل الذي أخضعها على الرجاء. لأن
الخليقة نفسها أيضاً ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله ” (رو
8: 19-21). “العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك. وأما السماوات والأرض
الكائنة الآن فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها، محفوظة للنار إلى يوم الدين وهلاك
الناس الفجار. ولكن سيأتي كلصٍ في الليل يوم الرب الذي فيه تزول السموات بضجيج
وتنحل العناصر محترقة، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها. ولكننا بحسب وعده ننتظر
سموات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البر” (2بط 3: 6، 7، 10، 13). “ثم
رأيت عرشاً عظيماً أبيض والجالس عليه، الذي من وجهه هربت الأرض والسماء، ولم يوجد
لهما موضع” (رؤ 20: 11). “ثم رأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء
الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد في ما بعد” (رؤ 21: 1).

3- ماذا تعلّمنا آيات الكتاب عن انتهاء العالم؟

*
(1) تنحل السماء والأرض أخيراً، كما يقارن الرسول بطرس بين هلاك العالم بمياه
الطوفان والخراب الأخير بواسطة النار (2 بط 3: 6-13). فالهلاك بالطوفان حدث حقيقة،
والخراب بالنار سيحدث كذلك. ولنا أدلة كثيرة على أن الأرض كانت في أول أمرها لهيب
نار، ورجوعها إلى تلك الحال سهل إذا شاء الله.

(2)
الخراب الذي تتنبأ به تلك الآيات ليس هو “الملاشاة” لأن احتراق العالم،
يلزم أن ينتج ملاشاة المادة، فقد سبق ووصف ذلك بأنه تجديدها (مت 19: 28) ووصفه
بأنه رد كل شيء (أع 3: 21) وبالعتق من عبودية الفساد (رو 8: 21) وبسماءٍ جديدة
وأرض جديدة (رؤ 21: 1).

(3)
لا يكون التغيير الذي يحدث في اليوم الأخير في جميع الكون المادي بل في أرضنا فقط،
وفي ما يتعلق بها من العناصر الجوية. وليس من المرجح أن هذا الكون العظيم يزول كله
عند الحكم على الجنس البشري الذي يسكن هذه الأرض التي ليست إلا مثل قطرة في بحر
أعمال الله. وقد لُعنت الأرض بسبب معصية الإنسان، وهذه اللعنة تزول عندما يتم فداء
الإنسان. والخليقة التي أُخضعت للبطل بسبب ذلك العصيان هي أرضنا، وهي الخليقة التي
ستُعتق من عبودية الفساد، فإن العالم الذي ضرب بالماء هو نفسه سيخرب بالنار (2 بط
3: 6-13).

(4)
يُنتِج هذا التغيير إيجاد سماوات جديدة وأرض جديدة. والأغلب أن هذه الأرض الجديدة
هي التي ستصير مسكناً للأبرار. على أن ذلك ليس معلناً في الأسفار المقدسة بوضوح.
وإذا صارت هذه الأرض المتجددة مسكناً للقديسين وكرسياً لعرش المسيح فلا يُستنتج من
ذلك أن القديسين يصيرون محصورين في هذه الحدود الأرضية (يو 14: 2) بل الأرجح أن
القديسين سيتمكنون من الذهاب إلى عوالم أخرى ولا يكونون محصورين في مكان واحد (أف
1: 10 وكو 1: 20).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى