علم الله

الفصل الخامس



الفصل الخامس

الفصل
الخامس

إعلان
الله لذاته من خلال الأحلام

 

كل
إنسان يحلم أثناء النوم، ويقول العلماء أنه لا يمكن أن يوجد نوم خال تماماً من
الأحلام إلا نوم الموت، والحلم الطبيعى الذى يحلمه أى إنسان أثناء النوم هو عبارة
عن سلسلة من الأفكار والصور والعواطف تحدث أثناء النوم، هو مظهر خارجى للواقع يحدث
أثناء نوم أى شخص بسبب الإيحاء وتداعى الأفكار أو ما يخزنه العقل الباطن أو
اللاوعى أو بسبب أو نتيجة لاضطراب جسمانى مثل سوء الهضم أو اضطراب الدورة الدموية
أو سوء التهوية أو الحرارة غير المناسبة أو الوضع غير المريح أثناء النوم. وهو على
أية حال ميدان خبره له مغزاه العقلى والأخلاقي والروحى. يقول سليمان الحكيم عن هذا
الحلم الطبيعى “الحل يأتى من كثرة الشغل وقول الجهل أو كثرة الكلام(143)“.

أما
الحلم الإلهى والروحى والإعلانى، الذى من الله، فهو وسيلة اتصال بين الله
والإنسان، هو أحد وسائل الإعلان الإلهى، إعلان الله عن ذاته وإرادته، للآباء
والأنبياء وغيرهم كفرعون ملك مصر ونبوخذ نصّر ملك بابل، انه يحمل رسالة من الله
للإنسان، يقول الكتاب:

·              
“إن كان منكم نبياً للرب فالبرؤيا استعلن
له فى الحلم أكلمه(144)“.

·              
“ويكون بعد ذلك إنى اسكب روحى على كل بشر فيتنبأ
بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى(145)“.

·              
“فقال لهُ (إبراهيم) الله فى الحلم …(146)“.

·              
“وقال لى ملاك الله فى الحلم يا يعقوب(147)“.

·              
“فكلم الله إسرائيل فى رُؤى الليل وقال
يعقوب يعقوب(148)“.

·              
“ولكن الله يتكلم مره وبأثنين لا يلاحظ
الإنسان، فى حلم فى رؤيا الليل عند سقوط ثبات على الناس فى النعاس على المضجع(149)“.

·              
“وأتى الله إلى لابان فى حلم الليل. وقال
لهُ …(150)“.

·              
“فى جبعون تراءى الرب لسليمان فى حلم وقال
لهُ …(151)“.

·              
“ولكن فيما هو (يوسف النجار) متفكر فى هذه
الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر لهُ فى حلمٍ قائلاً يا يوسف ابن داود …(152)“.

ولأن
الحلم الإلهى، الإعلاني، هو من الله، وسيلة من وسائل إعلان الله عن ذاته وإرادته،
فقد كان الله هو الذى يبادر دائماً بالإعلان عن ذاته وإرادته من خلال الأحلام وذلك
فى الزمان والمكان الذى يحدده هو والشخص الذى تختاره إرادته ومشورته الإلهية، دون
توقع من الإنسان أو تدخل منه، فقد كان يتكلم مع الإنسان فى الأحلام دون توقع أو
انتظار ودون أى تدخل من غير الله، يقول الكتاب إنه عندما رفض الرب شاول أول ملك
إسرائيل، وأراد شاول أن يسأل الله “فلم يجبه الرب لا بالأحلام ولا بالأروبيم
ولا بالأنبياء(153)“، وفى يأس قال شاول
“الرب فارقنى ولم يعد يجيبنى لا بالأنبياء ولا بالأحلام …(154)“.

وقد
عرف وتأكد قديسوا العهد القديم أن هذه الأحلام الإعلانية هى رُؤى من الله
“رؤى ليلية” كقول أيوب “فى حلم فى رؤيا الليل(*)
أو كما جاء فى سفر دانيال النبى “رأى دانيال النبى حلماً ورُؤى رأسه على
فراشة … أجاب دانيال النبى وقال كنت أرى فى رؤياى ليلاً(155)“.

وكان
لهذا الحلم الإعلانى، رؤيا الليل، دوراً كبيراً فى العهد القديم حيث تكررت كلمة
“حلم” 116 مرة منها 52 مرة فى سفر التكوين و29 مرة فى سفر دانيال، وسجل
العهد القديم 14 حلماً أكثرها فى سفر التكوين، ويليه سفر دانيال وحلم واحد فى سفر
القضاة وآخر فى سفر الملوك الأول. بينما سجل العهد الجديد 6 أحلام كلها مرتبطة
بالحبل بالسيد المسيح وميلاده وهروبه إلى مصر وعودته إلى الناصرة ومحاكمته.

 

وتنقسم الأحلام فى الكتاب المقدس إلى نوعين:

1- أحلام سماعية:

تحمل
رسائل صوتية، وتركز بالدرجة على رسائل الله من خلال أقواله الإلهية، وهى كالآتى:

 

أ- حلم أبيمالك ملك جرار:

عندما
قال له “إبراهيم عن سارة امرأته هى أختى. فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة.
فجاء الله إلى أبيمالك فى حلم الليل وقال لهُ ها أنت ميت من أجل المرأة التى
أخذتها فإنها متزوجة ببعل. ولكن لم يكن أبيمالك قد اقترب إليها. فقال يا سيد
أأُمّةً بارة تقتل. ألم يقُل هو لى أنها أختى وهى أيضا نفسها قالت هو أخى. بسلامة
قلبى ونقاوة يدىّ فعلتُ هذا. فقال لهُ الله فى الحلم أنا أيضاً علمت إنك بسلامة
قلبك فعلت هذا. وأنا أيضاً أمسكتك عن أن تخطئ إلىّ لذلك لم أدعك تمسها. فالآن رُد
امرأة الرجل فأنهُ نبى فيصلى لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردُّها فأعلم أنك موتأ
تموت أنت وكل من لك(156)“. وهنا يركز الحلم
على حديث الله دون أن يذكر الطريقة، الكيفية التى جاء بها الله.

 

ب- حلم لابان الآرامى خال يعقوب:

عندما
سعى لابان خال يعقوب وراء يعقوب بعد أن تركه دون أن يخبره وأدركه فى جبل جلعاد
يقول الكتاب “أتى الله إلى لابان الآرامي فى حلم الليل. وقال له أحترز من
تكلم يعقوب بخير أو بشر(156)“.

 

ج- حلم سليمان الحكيم:

فى
بداية حكم سليمان يقول الكتاب “فى جبعون تراءى الرب لسليمان فى حلم ليلاً.
وقال الله أسأل ماذا أعطيك فقال سليمان
أعط عبدك قلباً فهيماً
لأحكم على شعبك وأميز بين الخير والشر لأنهُ من يقدر أن يحكم على شعبك العظيم هذا.
فحسن الكلام فى عينى الرب لأن سليمان سأل هذا الأمر. فقال الله من أجل أنك سألت
هذا الأمر ولم تسأل لنفسك أياماً كثيرة ولا سألت لنفسك غنىَّ ولا سألت أنفس أعدائك
بل سالت لنفسك تمييزاً لتفهم الحكم هوذا فعلت حسب كلامك. هوذا أعطيك قلباً حكيماً
ومميزاً حتى أنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك. وقد أعطيتك أيضاً ما لم
تسألهُ عنىَّ وكرامةً حتى أنه لا يكون رجل مثلك فى الملوك كل أيامك. فإن سلكت فى
طريقى وحفظت فرائضى ووصاياى كما سلك داود أبوك فغنى أطيل أيامك. فاستيقظ سليمان
وإذ هو حلم. وجاء إلى أورشليم ووقف أمام تابوت عهد الرب وأصعد محرقةٍ وقرّب ذبائح
سلامةٍ وعمل وليمة لكل عبيده(157)“.

وتركز
هذه الأحلام الثلاثة على أحاديث الله وإعلاناته عن ذاته بالأقوال دون أن تركز على
تفاصيل الظهورات الإلهية وكيفية مجيئ الله وترائيه فى الأحلام، تركز على كشف
وإعلان إرادة الله من جهة إبراهيم ويعقوب وسليمان.

 

د- أحلام يوسف النجار:

خطيب
العذراء القديسة مريم وطفولة الرب يسوع المسيح:

1-
عندما
حبلت العذراء بالروح القدس ولم يكن يوسف يعرف سبب الحبل ولأنه كان رجلاً باراً،
يقول الكتاب “ولم شاء أن يشهرها أراد تخليتها سراً. ولكن فيما هو متفكر فى
هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر لهُ فى حُلمٍ قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن
تأخذ مريم امرأتك. لأن الذى حبل فيها هو من الروح القدس. فستلد أبناً وتدعو أسمهُ
يسوع لأنهُ يخلّص شعبه من خطاياهم(158)“.

2-
وعندما
علم هيرودس ملك اليهودية بمولد السيد المسيح فى بيت لحم وأراد التخلص منه بقتله،
يقول الكتاب “وإذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلمٍ قائلاً قم وخذ الصبى وأمه
وأهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه(159)“.

3-
“فلما
مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر فى حلم ليوسف فى مصر قائلاً. قُم وخُذ الصبىّ
وأمّهُ وأذهب إلى أرض إسرائيل. لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبى(160)“.

4-
“ولكن
لما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضاً عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى
هناك. وإذا أوُحى إليه فى حلم أنصرف إلى نواحى الجليل(161)“.

 

ر- حلم المجوس:

عندما
جاء المجوس من المشرق للسجود للطفل الإلهى يسوع وتقديم الهدايا له، بعد أن هداهم
النجم إلى مكان ولادته، وكانوا مزمعين أن يرجعوا إلى هيرودس ليخبروه بمكان الطفل
حسب وعدهم له ولم يكونوا قد علموا شئ عن نيته قتل الطفل “أوُحى إليهم فى حلم
أن لايرجعوا إلى هيرودس(162)” ومن ثم
“انصرفوا فى طريق أخرى إلى كورتهم”.

وفى
هذه الأحلام الخمسة التى يذكرها العهد الجديد يركز الوحى الإلهى لا على تفاصيل
كيفية الظهور الإلهى الملائكى أو الوحى وإنما على المضمون، مضمون ومحتوى الأوامر
الإلهية، الإعلانات الإلهية التى حملها الملاك وأعلنها فى الحلم وأوحى بها إلى كل
من يوسف والمجوس.

وجميع
هذه الأحلام السماعية سواء التى وردت فى العهد القديم أو فى العهد الجديد معناها
واضح فى ذاته ولا يحتاج إلى تفسير ورسالاتها مباشرة وصريحة ومفهومة وقد فهم وأدرك
مغزاها الذين رأوها بسهولة وقاموا بتنفيذ ما جاء بها، ما أمرهم به الله أو الملاك
أو الوحى الإلهى، فيها، بكل دقة وبكل أمانة فى طاعة الله وخوفه.

 

2- أحلام مرئية:

تُرى
فى صور وأشكال رمزية تصويرية، وهى عادة ما نحتاج إلى مفسر من قبل الله سواء كان
داخل الحلم نفسه، أثناء الحلم وفى داخله مثل الملاك الذى ظهر فى حلم ليعقوب فى
حاران عند خاله لابان، أو بعد أن يستيقظ رائى الحلم من النوم، وغالباً ما كان
يصاحب الملاك رائى الحلم إذا كان نبياً أو رجلاً من رجال الله مثل يعقوب ودانيال
النبى، أما الذين رأوا أحلاماً إعلانية إلهية من غير رجال الله مثل فرعون ملك مصر
ونبوخذ نصر ملك بابل فقد دفعهم الله إلى البحث عن مفسر وقادهم إلى مفسرين من قبله،
من عبيد الله ورجاله، يوسف البار “صاحب الأحلام” ومفسرها ودانيال النبى،
الرائى، مفسر الأحلام الإلهية. ولم يكن ينفع فى تفسير هذه الأحلام الإلهية، التى
حملت رسالات الله وإعلاناته، مواهب وعلوم مفسرى الأحلام الخاصة بتفسير الأحلام
الطبيعية وغيرها، ولا قدراتهم الطبيعية. هى من الله ولا يستطيع تفسيرها سوى رجال
الله:

·              
“فقال لهما يوسف أليست التعابير لله(163)“.

·              
“فقال يوسف لفرعون حلم فرعون واحد. قد أخبر
الله فرعون بما هو صانع(164)“.

·              
“ثم قال فرعون ليوسف” بعد أن فسر له
حلميه “بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك(165)“.

·     
“أجاب دانيال قدام الملك وقال. السر الذى
طلبهُ الملك لا تقدر الحكماء ولا السحره ولا المجوس ولا المنجمون على أن يبينوه
للملك. لكن يوجد إله فى السموات كاشف الأسرار وقد عرف الملك نبوخذ نصّر ما يكون فى
الأيام الأخيرة. حلمك ورؤيا رأسك على فراشك هو هذا … وكاشف الأسرار يعرفك بما
يكون(166)“.

 

ويميز
الكتاب المقدس بين الأحلام العادية التى يحلم بها كل إنسان كل يوم والأحلام التى
من الله، والأحلام الإلهية الإعلانية التى تحمل كلمة الله، بالتأثير النفسى على
المتلقى، رائى الحلم الإلهى، والاضطراب والقلق الشديد والإلحاح والإصرار على معرفة
التفسير وما سيحدث نتيجة له،وكان يستيقظ رائى الحلم، خاصة إذا كان من غير رجال
الله مثل فرعون ملك مصر ونبوخذ نصر ملك بابل، ويصحو من النوم وهو فى حالة شديدة من
الانزعاج والاضطراب ويجد نفسه مدفوعاً بقوة للبحث عمن يفسر له الحلم، ولأن الحلم
من الله فقد فشل كل مفسرى الأحلام ولم ينفعهم علمهم ولم تنفعهم كتبهم فى تفسير
الأحلام ولا مواهبهم الطبيعية، فعندما حلم كل من رئيس السقاة ورئيس الخبازين فى
قصر فرعون حلميهما ودخل إليهما يوسف فى الصباح وجدهما “وإذا هما مغتمان”
ولما سألهما “لماذا وجهاكما مكمدان اليوم؟ فقالا له حلمنا حلماً وليس من
يعبرّه (يفسره)(167)“. ولما حلم فرعون
حلميه يقول الكتاب “وكان فى الصباح أن نفسهُ انزعجت. فأرسل ودعا جميع سحرة
مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمهُ. فلم يكن من يعبرّه (يفسره)(168)“.
وفى حلم نبوخذ نصر يقول الكتاب “انزعجت روحه وطار عنه نومه” ثم أستدعى
جميع العلماء وقال لهم “حلمتُ حلماً وانزعجت روحى لمعرفة الحلم(169)“، “رأيت حلماً فروعنى والأفكار على
فراشى ورؤى رأسى أفزعنى(170)“، وفى كلا الحلمين
فشل العلماء فى تفسيرهما(171).

وأحياناً
كان يتكرر الحلم مرتين فى صورتين مختلفتين تحملان نفس المضمون والجوهر، مثل حلمى
يوسف بن يعقوب وحلمى فرعون. وهذا التكرار يدل على أهمية مضمون ومغزى هذه الأحلام،
وأهمية الرسالة الإلهية التى تحملها، ويؤكد على حتمية وقرب حدوث الأحداث
المستقبلية، المتنبأ عنها والمعلن عنها فى الحلمين، وهذا ما أكده يوسف لفرعون
“وأما عن تكرار الحلم على فرعون مرتين فلأن الأمر مُقرر من قبل الله والله
مسرع ليصنعه(172)“.

وأحياناً
أخرى يتكرر الحلم أو الرؤيا لشخصين فيرى الأول الحلم ويحتاج بشره لتفسيره ويرى
الثانى الحلم، هو هو، ولكن، هذه المرة، بتفسيره مثل حلم نبوخذ نصر للتمثال العظيم
البهى الذى رآه أيضا دانيال النبى فى رؤيا وأعطاه الله معها التفسير، كما رأى
دانيال النبى نفس مضمون الحلم بعد ذلك بعشرات السنين، وفى أواخر أيامه، فى هيئة
أربعة وحوش خارجة من البحر(173). وقد دل هذا التكرار
الثلاثى للحلم الإلهى، أو بمعنى أدق للحلمين الإلهيين، حلم نبوخذ نصر ورؤيا دانيال
النبى التفسيرية له، وحلم دانيال النبى، على حتمية تحقيق ما جاء بها من نبوات
متعلقة بالإمبراطوريات العالمية وتجسد السيد المسيح ومجيئه الأول وأيضا مجيئه
الثانى، أى بمستقبل العالم.

كما
تميزت هذه الأحلام الإلهية الإعلانية برسالاتها وإعلاناتها الإلهية الواضحة فى
ذاتها وأيضا من خلال تفسير رجال الله لها، بل كانت فى معظمها تحمل رسالة صريحة
وإعلان مباشر أعلن عنه وكشف عنه الله أو أحد ملائكته فى الحلم ذاته، أو كان المعنى
المقصود واضح ومفهوم تماماً مثل حلمى يوسف اللذان أدرك أخوته وأبوه مغزاهما بسهولة
وبشكل مباشر(174).

 

وفيما يلى تفصيل لهذه الأحلام:

1- حلم يعقوب فى بيت إيل:

فى
طريق يعقوب إلى بيت خاله لابان، فى فدان آرام، بعد أن أخذ بركة أبيه اسحق صادف
مكاناً وبات هناك لأن الشمس قد غابت. وأخذ من حجارة المكان ووضعهُ تحت رأسه فأضطجع
فى ذلك المكان. ورأى حلماً وإذا سُلّم منصوبة على الأرض ورأسها يمسُّ السماء وهوذا
ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها. وهوذا الرب واقف عليها فقال أنا الرب إله إبراهيم
أبيك وإله إسحق. الأرض التى أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك. ويكون نسلك كتراب
الأرض وتمتد غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً ويتبارك فيك وفى نسلك جميع قبائل الأرض.
وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب وأردُّك إلى هذه الأرض لأنى لا أتركك حتى أفعل ما
كلمتك به. فأستيقظ يعقوب من نومه وقال حقاً أن الرب فى هذا المكان وأنا لم أعلم.
وخاف وقال ما أرهب هذا المكان. ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء.

وبكرّ
يعقوب فى الصباح وأخذ الحجر الذى وضعهُ تحت رأسهُ وأقامهُ عموداً وصب زيتاً على
رأسه. ودعا أسم المكان بيت إيل(175)“.

 

2- وعندما أراد الله ليعقوب أن يرجع إلى أرض
كنعان:

وعندما
أراد الله ليعقوب أن يرجع إلى أرض كنعان باركه ببركات كثيرة وأراه هذه البركة فى
حلم إلهى حيث يقول هو “وحدث فى وقت توحُّم الغنم إنى رفعتُ عينى ونظرتُ فى
حلم وإذا الفحول الصاعدة على الغنم مخطَّطه ورقطاءُ ومُنمّرة(*).
وقال لى ملاك الله فى الحلم يا يعقوب. فقلت هأنذا. فقال ارفع عينيك وأنظر جميع
الفحول الصاعدة على الغنم مخطّطة ورقطاءُ ومُنمّرة. لأنى قد رأيت كل ما يصنع بك
لابان. أنا إله بيت إيل حيث مسحت عموداً. حيث نذرت لى نذراً الآن قم أخرج من هذه
الأرض وارجع إلى أرض ميلادك(176)“.

 

3- أحلام يوسف عن سيادته على بيت أبيه:

شاءت
إرادة الله ومشورته الأزلية أن يكون يوسف سيداً على أخوته وعلى أرض مصر وأن يكون
سبباً فى ذهاب بنى إسرائيل إلى مصر لقضاء فترة فى العبودية سبق أن قررتها المشورة
الإلهية(177)، فكشف الله له عن ذلك
جزئياً فى حلمين أثارا حسد أخوته ومهدا الطريق لتربعه على كرسى رئيس وزراء مصر:
“وحلم يوسف حلماً وأخبر أخوتهُ. فازدادوا أيضا بغضاً له. فقال لهم اسمعوا هذا
الحلم الذى حلمت. فها نحن حازمون حُزماً فى الحقل. وإذا حزمتى قامت وانتصبت
فاحتاطت حُزمكم وسجدت لحزمتى، فقال له أخوتهُ ألعلك تملك علينا ملكاً أم تتسلط
علينا تسلُّطاً. وازدادوا أيضا بغضاً لهُ من أجل أحلامه ومن أجل كلامه. ثم حلم
أيضاً حلماً آخر وقصَّهُ على أخوتهُ. فقال إنى قد حلمت حلماً أيضاً وإذا الشمس
والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة لى. وقَصّهُ على أبيه وأخوتهُ. فأنتهرهُ أبوهُ وقال
لهُ ما هذا الحلم الذى حلمت. هل نأتى أنا وأمك وأخوتك لنسجد لك إلى الأرض. فحسده
أخوته. وأما أبوه فحفظ الأمر(178)“.

 

4- حلما ساقى فرعون وخبازه:

وبسبب
حسد أخوة يوسف له بسبب أحلامه باعوه بعشرين من الفضة لقافلة إسماعيليين والذين
باعوه بدروهم “فى مصر لفُوطيفار خصىّ فرعون رئيس الشرط(179)“،
ثم تسببت امرأة فوطيفار فى دخوله السجن بعد أن رفض أن يخطئ ويفعل الشر معها. وفى
تلك الفترة “سخط فرعون على خصّييه رئيس السقاة ورئيس الخبازين” ووضعهما
فى السجن مع يوسف “وحلما كلاهما حُلماً فى ليلةٍ واحدة كل واحدٍ حُلمهُ كل
واحدٍ بحسب تعبير (تفسير) حُلمه … فدخل يوسف إليهما فى الصباح ونظرهما وإذا هما
مغتَّمان” فسألهما يوسف قائلاً “لماذا وجهاكما مكمدان اليوم. فقالا له
حلمنا حلماً وليس من يعبّرهُ (يفسرهُ). فقال لهما يوسف أليست التعابير (التفاسير)
من الله. قصّا علىّ.

فقص
رئيس السقاة حلمهُ على يوسف وقال لهُ كنتُ فى حلمى وإذا كرمه أمامى. وفى الكرمة
ثلاثة قضبان. وهى إذ أفرخت طلع زهرها وأنضجت عناقيدها عنباً. وكانت كأس فرعون فى
يدى. فأخذت العنب وعصرته فى كأس فرعون وأعطيتُ الكأس فى يد فرعون. فقال لهُ يوسف
هذا تعبيرهُ الثلاثة قضبان هى ثلاثة أيام. فى ثلاثة أيام أيضا يرفع فرعون رأسك
ويردك إلى مقامك. فتعطى كأس فرعون فى يده كالعادة الأولى حين كنت ساقيه. وإنما إذا
ذكرتنى عندك حينما يصير لك خير تصنع إلىّ إحساناً وتذكرنى لفرعون وتخرجنى من هذا
البيت … فلما رأى رئيس الخبازين أنه عبرّ جيداً قال ليوسف كنتُ أنا أيضاً فى
حُلمى وإذا ثلاثة سلال حُوّارى (من الخبز الأبيض) على رأسى. وفى السلّ الأعلى من
جميع طعام فرعون من صنعه الخبّاز. والطيور تأكله من السل عن رأسى. فأجاب يوسف
وقال: هذا تعبيرهُ الثلاثة السلال هى ثلاثة أيام. وفى ثلاثة أيام أيضا يرفع فرعون
رأسك عنك ويعلّقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك. فحدث فى اليوم الثالث يوم ميلاد
فرعون أنهُ صنع وليمة للجميع وعبيده … وردَّ رئيس السقاة إلى سقيه. فأعطى الكأس
فى يد فرعون. وأما رئيس الخبازين فعلّقهُ كما عبرّ (فسر) له يوسف ولكن لم يذكر
رئيس السقاة يوسف بل نسيهُ(181)“.

 

5- حلما فرعون وتفسير يوسف لهما:

“وحدث
بعد سنتين من الزمان أن فرعون رأى حلماً. وإذا هو واقف عند النهر. وهوذا سبع بقرات
طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم. فأرتعت (فرعت) فى روضةٍ. ثم هوذا سبع
بقرات أخرى طالعة من البحر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم. فوقفت بجانب البقرات الأولى
على شاطئ النهر. فأكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقات اللحم البقرات السبع
الحسنة المنظر والسمينة. وأستيقظ فرعون. ثم نام فحلم ثانيةً. وهوذا سبع سنابل
طالعة فى ساقٍ واحدٍ سمينة وحسنة ثم هوذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة الريح الشرقية
نابتة ورائها. فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع الثمينة الممتلئة. وأستيقظ
فرعون وإذا هو حلم. وكان فى الصباح أن نفسهُ انزعجت فأرسل ودعا جميع سحرة مصر
وجميع حكمائها وقصّ عليهم فرعون حلمهُ. فلم يكن من يعبره لفرعون”.

وهنا
تذكر رئيس السقاة، حسب إرادة الله، يوسف وأخبر فرعون عنه، فأرسل فرعون ودعاه من
السجن وقص عليه حلميه وأخبره بعجز علمائه عن التفسير. “فقال يوسف لفرعون حلم
فرعون واحد. قد أخبر الله فرعون بما هو صانع. البقرات السبع الحسنة هى سبع سنين.
والسبع سنابل الحسنة هى سبع سنين. هو حلم واحد. والبقرات السبع الرقيقة القبيحة
التى طلعت ورائها هى سبع سنين. والسنابل السبع الرقيقة الملفوحة بالريح الشرقية
تكون سبع سنين جوعاً. هو الأمر الذى كلمتُ به فرعون. قد اظهر الله لفرعون ما هو
صانع. هوذا سبع سنين قادمة شبعاً عظيماً. فى كل أرض مصر. ثم تقوم بعدها سبع سنين
جوعاً فينسى كل الشبع فى أرض مصر ويتلف الجوع الأرض … وأما عن تكرار الحلم على
فرعون مرتين فلأن الأمر مقرر من قبل الله والله مسرع ليصنعهُ”. ثم أشار يوسف
على فرعون أن يختار رجلاً حكيماً يوفر من طعام سنين الشبع لسنين الجوع. “فحسن
هذا الكلام فى عينى فرعون وفى عيون عبيده. فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلاً
فيه روح الله. ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك(182)“.وأجلس فرعون يوسف على كرسى رئيس وزراء
مصر. وفى أيام المجاعة أضطر أبوه وأخوته للجوء إلى مصر لكى تتم إرادة الله وينمو
بنو إسرائيل هناك تحت نير العبودية ثم يعودوا إلى أرض كنعان ثانية بعد أن يكون ذنب
الأموريين، سكان الأرض، قد أكتمل(183).

 

6- جدعون القاضى وحلم الجندى المديانى:

عندما
أراد الله أن يشجع جدعون ويقويه فى حربه ضد المديانيين “قال لهُ قم أنزل إلى
المحلة لأنى قد دفعتها إلى يدك. وإن كنت خائفاً من النزول فأنزل أنت وفورة غلامك
إلى المحلة وتسمع ما يتكلمون به وبعدُ تتشدد يداك”. وكان الله قد كشف عن
انتصار جدعون ورجاله على المديانيين فى حلم، ولم يكن جدعون هو رائى الحلم. بل شاءت
إرادة الله أن يكون رائيه ومفسره أيضا من المديانيين أنفسهم ليكون رعباً عليهم
وتشجيعاً لجدعون عند استماعه إليه. يقول الكتاب “وجاء جدعون فإذا رجل يخبرّ
صاحبهُ بحلمٍ ويقول هوذا قد حلمت حُلماً وإذا رغيف خبز شعير يتدحرج من محلة
المديانيين وجاء إلى الخيمة وضربها فسقطت الخيمة. فأجاب صاحبهُ وقال ليس ذلك إلا
سيف جدعون بن يوآش رجل إسرائيل. قد دفع الله إلى يده المديانيين وكل الجيش. وكان
لما سمع جدعون خبر الحلم وتفسيرهُ أنهُ سجد ورجع إلى محلة إسرائيل وقال قوموا لأن
الرب قد دفع إلى يدكم جيش المديانيين(184)“.

 

7- حلم نبوخذ نصر وكشف سره لدانيال النبى فى رؤيا
الليل:

حلم
نبوخذ نصر حلماً(185) انزعجت روحه بسببه وطار
نومه عنه فاستدعى جميع العلماء وطلب منهم أن يفسروا له الحلم، ولكن لم يقص الحلم
عليهم، بل طلب منهم هم أن يخبروه بالحلم ذاته أولاً ثم يقدموا له التفسير ثانياً
وإلا فمصيرهم الهلاك والخراب، فقال له العلماء أن ما يطلبه هو المستحيل ذاته، فلا
يقدر على ما يطلبه الملك إلا الله وحده. ولما علم دانيال ورفاقه
الفتية الثلاثة بذلك صلوا إلى الله “حينئذ لدانيال كشف السر فى رؤيا
الليل”. وكان مضمون الحلم يتلخص فى أن نبوخذ نصر رأى، فى حلمه، تمثال عظيم
وبهى ومنظره هائل جداً، رأسه من ذهب، صدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذاه من نحاس،
ساقاه من حديد وقدماه من حديد مختلط بخزف، وفجأة يرى حجر قطع بدون يدين وضرب
التمثال على قدميه وسحقه بجميع معادنه سحقاً وذراه فى الريح وصار الحجر جبلاً
كبيراً وملأ الأرض كلها.

هذا
التمثال بمعادنه كما فسره دانيال النبى، يرمز لأربع ممالك أو إمبراطوريات عالمية،
هى بابل، ومادى وفارس، والرومان وسيأتى المسيح فى حكم الإمبراطورية الرابعة ليؤسس
مملكة القديسين أو ملكوت الله(186).

 

8- حلم نبوخذ نصّر بالشجرة العظيمة وتفسير دانيال
النبى له:

كان
الله قد أعطى نبوخذ نصر الحكم وسلطة على بعض الممالك(187)،
فتكبر وتعظم وتصور أنه صنع ذلك بقدرته هو وسلطانه هو، فأراد الله أن يعلمه، أنه هو
وحده، الله، الذى ينصب الملوك ويعزل الملوك، وانه هو المتسلط على الكون ويعطى
الحكم والقوة والسلطان “لمن يشاء”. فرأى نبوخذ نصر فى حلمٍ شجرة كبيرة
وعظيمة اتسعت فى الأرض وكان ورقها جميلاً وثمرها للجميع، ثم رأى وإذا ملاك، قدوس،
نزل من السماء يعلن حكم الله وقضاءه وهو أن تقطع الشجرة وأغصانها وفروعها على أن
يترك “ساق أصلها فى الأرض وبقيد من حديد ونحاس فى عشب الحقل ولتبتل بندى
السماء وليكن نصيبه مع الحيوان فى عشب الحقل”، ويتحول قلبه إلى قلب حيوان
لمدة سبعة أزمنة إلى أن يعلم الحقيقة الأبدية، أن الله هو سيد الكون وهو الذى يعطى
الملك لمن يشاء. وكان تفسير دانيال النبى، هو أن هذه الشجرة هى نبوخذ نصر نفسه،
ترمز له، ولتعظمه وتكبره وقضاء الله عليه بالطرد من بين الناس، بعد أن يجرد من
ملكوته، ويسكن مع الحيوان ويأكل العشب مثل الحيوان ويبتل بندى السماء لمدة سبع
سنين، حتى يعلم أنه وضع على العرش بإرادة الله ونزل عنه بإرادة الله أيضا.

وهذا
ما حدث كما يذكر المؤرخ اليهودى يوسيفوس(188)
نقلاً عنه بيروسوس. فقد أصيب بمرض عقلى أفقده وعيه كإنسان، هذا المرض يسميه
العلماء بمرض “الأستذئاب” والذى يتخيل صاحبه أنه نسخ، تحول، إلى، ذئب.
ثم عاد بعد ذلك إلى وعيه ومُلكه وسبح الله قائلاً: “فالآن أنا نبوخذ نصر
اُسبح وأُعظم وأحمد ملك السماء الذى كل أعماله حق وطرقهُ عدل ومن يسلك بالكبرياء
فهو قادر أن يذله(189)“.

 

9- حلم دانيال ورؤياه الليلية

المذكورة
فى الإصحاح السابع والذى سندرسه تفصيلاً مع بقية رؤى الكتاب المقدس فى الصفحات
التالية(190).

 

10- وأخيراً حلم زوجة الوالى الرومانى بيلاطس

الذى
رأته أثناء محاكمة زوجها للسيد المسيح والذى كشف الله لها فى الحلم عن
“بر” السيد المسيح، يقول الكتاب المقدس وإذا كان (بيلاطس) جالساً على
كرسى الولاية أرسلت إليه امرأته إياك وذلك البارّ لأنى تألمت كثيراً فى حلمٍ من
أجلهُ(191)“.

وبرغم
من أنها لا تذكر كيفية الحلم ولا تفاصيله إلا أنها ركزت فى رسالتها على جوهر ومغزى
الرسالة الإلهية فى الحلم وهو “بر” المسيح. وهذا كان سبباً رئيسياً من
الأسباب التى جعلت بيلاطس يأخذ ماء ويغسل “يديه قدام الجميع قائلاً إنى برئ
من دم هذا البار(192)“.

 

(144)
عدد 6: 12

(145)
يوئيل 28: 2

(146)
تك 6: 20

(147)
تك 11: 31

(148)
تك 2: 46

(149)
اى 13: 33،14

(150)
تك 24: 31

(151)
1مل 5: 3

(152)
متى 20: 1 + دا 1: 7،2

(153)
1صم 6: 28

(154)
1صم 15: 28

(*)
أى 15: 33

(155)
تك 2: 20-7

(156)
تك 24: 31

(156)

(157)
1مل 5: 3-15

(158)
متى 18: 1-21

(159)
متى 13: 2

(160)
متى 19: 2،20

(161)
متى 22: 2

(162)
متى 12: 2

(163)
تك 8: 40

(164)
تك 25: 41

(165)
تك 39: 41

(166)
دا 27: 2،28

(167)
تك 6: 4-8

(168)
تك 8: 41

(169)
دا 1: 2،3

(170)
دا 5: 4

(171)
دا 10: 2،11؛ 7: 4

(172)
تك 32: 41

(173)
دا 7،2

(174)
تك 5: 37-9

(175)
تك 11: 28-19

(*)
كان لابان قد أتفق مع يعقوب أن يعطيه “كل شاه رقطاء وبلقاء وكل شاه سوداء بين
الخرفان وبلقاء ورقطاء بين المعزى” (تك 22: 30) أجرة له. فبارك الله يعقوب
وولدت الغنمّ “مخططات ورقطاء وبلقاء” (تك 39: 30).

(176)
تك 10: 31-13

(177)
تك 13: 15،14

(178)
تك 5: 37-11

(179)
تك 28: 37،36

(181)
تك ص 40

(182)
تك 1: 41-39

(183)
تك 16: 15

(184)
قض 9: 7-15

(185)
دا 19: 2 أقرأ الشرح التفصيلى فى كتاب إعجاز الوحى والنبوة فى سفر دانيال للمؤلف ص
76-92

(186)
دا ص 2 أنظر كتابنا إعجاز الوحى والنبوة فى سفر دانيال ص 76-92

(187)
أر 8: 25-11؛ 4: 27-8

(188)
Ag. Apion 1: 20

(189)

(190)

(191)

(192)

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى