علم الله

الفصل الحادي عشر



الفصل الحادي عشر

الفصل
الحادي عشر

معرفة
البشر لله

 

1 –
كيف نعرف الله؟

* نستفيد كثيراً من
الطبيعة والضمير في إثبات وجود الله ومعرفة صفاته، غير أن ذلك قليلٌ بالنسبة لما
نحتاج إليه. ولا يوجد ما يكفينا من هذا إلا في الكتاب المقدس، وفي المسيح كلمة
الله المتجسد، الذي أعلن لنا الآب. “الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي
هو في حضن الآب هو خبَّر” (يو 1: 18). وقال: “كل شيء قد دُفع إليَّ من
أبي، وليس أحدٌ يعرف الابن إلا الآب، ولا أحدٌ يعرف الآب إلا الابن، ومَن أراد
الابن أن يُعلن له” (مت 11: 27).

 

2 – هل معرفة الله ممكنة؟

* يقول الكتاب المقدس نعم.
قال المسيح إن الحياة الأبدية هي معرفة الله ويسوع المسيح الذي أرسله (يو 17: 3).
وقال المرنم: “الله معروف في يهوذا” (مز 76: 1). وتنبأ إشعياء: “لأن
الأرض تمتلئ من معرفة الرب” (إش 11: 9). وقال بولس في الوثنيين إنهم عرفوا
الله ولم يستحسنوا أن يبقوه في معرفتهم (رو 1: 19، 20، 21، 28).

 

3 –
ما معنى أن معرفة الله ممكنة؟

* ليس المعنى:

(1) أننا نقدر أن نعرف
الله معرفة تامة، لأن الله غير محدود وأزلي، ونحن لا نقدر أن نستقصي معرفة غير
المحدود وغير المتناهي.

(2) وليس المعنى أننا نقدر
أن ندرك صفاته وأعماله إدراكاً تاماً، لأن هذا يعني معرفة حقيقته وعلاقته بغيره،
فنعرف مثلاً أن الحي ينمو لأننا نراه ينمو، ولكننا لا نعرف حقيقة النمو ولا كيفية
حدوثه. والله فوق إدراكنا كما قال صوفر لأيوب: “أإلى عمق الله تتّصل، أم إلى
نهاية القدير تنتهي؟” (أي 11: 7).

وعلى
سبيل الإيجاب نقول: إن معرفتنا بالله جزئية ناقصة، فنحن لا نعرف كل ما في الله.
نعم نعرف أنه يعلم كل شيء، ويعمل دائماً، لكننا لا نفهم كيفية علمه وعمله. ونعرف
أنه ذو مشاعر، فهو يحب ويترأف ويرحم ويبغض الخطية، ولكن حقيقة مشاعره مستترة عنا
كأفكاره ومقاصده. فكيف نعرف طبيعته تماماً ونحن لا نعرف إلا قليلاً من أمور
طبيعتنا؟ ما أقل ما نعرفه عن علاقة نفوسنا بأجسادنا وتأثير أحدهما في الآخر! وفي
الحالين لا ينكر أحدٌ أن معرفته جزئية وناقصة.

 

4 –
كيف نعرف الله؟

* نعرفه لما ننزع من
عقولنا كل ما يجعل لله حداً، ولما ننسب كل فضيلة إليه، وكذلك كل صفة ظاهرة في
أعماله. وبما أننا نشبهه لأننا أولاده وعلى صورته، ننسب إليه صفات طبيعتنا الروحية
والعقلية. قال بولس الرسول: “فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت
شبيهٌ بذهبٍ أو فضةٍ أو حجرٍ، نقشِ صناعةِ أو اختراع إنسانٍ” (أع 17: 29).
فيلزم عن أننا ذريته أنه ليس مجرد اسم، أو جوهر بدون صفات، أو علة مجهولة أي قوة
لا تُستقصى، بل هو مشابه لنا وصورته علينا، ونحن شبَهه في طبيعته لأنه أبونا ونحن
أولاده.

 

5 –
ما هي الشواهد التي تبيِّن صدق هذه الطريقة لمعرفة الله؟

* يتبيَّن ذلك مما يأتي:

(1) شهادة اعتقاد الجميع
بصحتها: يحسب الإنسان طبيعته الإنسانية مشابهة لطبيعة الله، وأنها صورتها ودليل
عليها، فالوثنيون ينسبون إلى ما يعبدونه صفاتٍ كصفاتهم، ويحسبون آلهتهم أشخاصاً
لهم عقول وأعمال. ولم يرفض ذلك إلا بعض أصحاب الفلسفة البشرية كالماديين ومؤلّهي
الكون ومن شابههم. ولكننا نركن إلى آراء أغلبية البشر أكثر مما نركن إلى ظنون
الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالوحي، لأن ما يؤمن به الإنسان بالفطرة يؤمن به عقلاً،
وعموم الاعتقاد يُرجح صحته.

(2) شهادة المشاعر: فإن
طبيعتنا الأخلاقية تُلجئنا لهذا الاعتقاد كما سبق الكلام في الأدلة الأخلاقية على
وجود الله، وهو أن جميع البشر يشعرون بأنهم مسؤولون أمام كائن أعظم منهم، يعرف
طبيعتهم وأعمالهم، وسوف يجازيهم حسب استحقاقهم. فيلزم أن ذلك الإله يعلم ويقصد
ويعمل، لأنه يكافئ ويعاقب، وأنه عاقل ذو مشيئة وصفات أخلاقية. ولا شك في صدق هذا
الإعلان الطبيعي لصفات الله، وإلا تكون طبيعتنا مركَّبة بطريقة تضلّنا.

(3) شهادة الميل الطبيعي
في البشر للعبادة: وهي تنسب الكمال للمعبود، وتقدم الشكر له على البركات، وتلتمس
دوامها منه، وتعترف وتتضرع وتسبح له. وفي الطبيعة البشرية ميل شديد للعبادة، وهذا
يستلزم وجود معبود شخصي يحبه الإنسان ويخشاه ويتّكل عليه، وأن لذلك المعبود صفات
مثل صفاتنا ليقدر أن يسمع اعترافنا وتسبيحنا، ويحبنا ويسدد حاجاتنا ويمنح أنفسنا
خيراً. وهذا الميل دليل على وجود معبود يشبهنا في طبيعته (ما عدا الخطية).

(4) عدم بقاء الله على صورة
حقيقية إذا جرَّدنا عنه كل صفات طبيعتنا الروحية: فإذا لم تصحّ نسبة صفات طبيعتنا
إلى الله، يكون الله على صورة مجهولة عندنا. ولو فرضنا أن الله روح وجرَّدناه من
خواص طبيعة الإنسان الروحية (أي من الشعور بذاته وبكونه فاعلاً أخلاقياً، ومن
العقل والمشيئة والإحساس) لما بقي شيء مطلقاً. ونصبح كافرين إن دعونا ذلك اللاشيء “الله”
وعبدناه.

(5) شهادة أعمال الله في
الخليقة: فإنها تشهد بالمشابهة بين طبيعتنا وطبيعته، لأنه يحق لنا أن ننسب لعلةٍ
ما كل الصفات اللازمة لتسبيب معلولاتها. فإن دلّت المعلولات (المخلوقات) على العقل
والمشيئة والفضائل، فلابد من وجود تلك الصفات في العلة (الخالق). ولما كانت أعمال
الله تُظهر تلك الصفات كان لا بد من وجودها في الله بغير حدود، وذلك كقولنا إن
إعلان الله ذاته في أعماله الخارجية يطابق إعلانه ذاته في طبيعة الإنسان.

(6) شهادة الكتاب المقدس:
فإنه ينسب إلى الله خواص طبيعتنا وفضائلها، وذلك يثبت صحة أن طبيعة الله تُعرف من
طبيعة الإنسان. فكما أننا نحن أرواحٌ نشعر بوجودنا، كذلك الله روح يشعر بوجوده.
وكما أننا أحرار ولنا مشيئة، كذلك هو. وكما أن لنا طبيعة أخلاقية (وإن تكن ساقطة)
كذلك له طبيعة أخلاقية، ولو أنها كاملة. وكل ما بين الله وبيننا من العلاقات على
ما جاء في الكتاب المقدس يستلزم أن طبيعته كطبيعتنا، مع سموه غير المتناهي.

(7) شهادة طبيعة المسيح:
لأن الله أعلن لنا ذاته في ابنه يسوع المسيح الذي هو إله حق، فكل ما أُعلن في
طبيعته أُعلن في طبيعة الله إذ قال: “أنا والآب واحد” (يو 10: 30).
ونعلم من طبيعة المسيح أنه مع أن الله غير محدود وغير متناهٍ، إلا أنه يفتكر ويعمل
ويحب ويكره الخطية، ويسمع الدعاء، ويشعر باحتياجاتنا، وأننا نقدر أن نخاطبه كما
يخاطب الإنسان إنساناً آخر. أي أن طبيعته مشابهة لطبيعتنا (ما عدا الخطية)، وبهذا
نعرفه بعض المعرفة على قدر الطاقة البشرية. على أنه لابد من وجود أسرار في طبيعته
تفوق دائرة عقولنا.

 

6 –
كيف يفيدنا الوحي في معرفة الله؟

* الوحي لازم ليكمل ويصحّح
ويوسّع معرفتنا بالله، بدءاً من النظر ووصولاً إلى بِنية طبيعتنا الأخلاقية
والعقلية، لأن الله جعل الحواس والعقل والضمير وسائط يكتسب بها الإنسان المعرفة.
وما دامت هذه الوسائط على وضعها الأصلي، وما دامت تحكم في ما هو ضمن دائرتها،
فشهادتها صادقة تستحق أن نعتمد عليها. وهي معاً تكفي لبيان علاقتنا بالعالم المادي
وبجنسنا البشري. ولولا تأثير الخطية فينا وتغيير علاقتنا بالله وانحطاط قوى العقل
وقطع المشاركة بيننا وبين الله بسببها، ما كنا نحتاج إلى مرشدٍ آخر سواها. ولكن
لما سقط الإنسان من حالته الأصلية لم يبقَ عقله وضميره كافيين لإرشاده في الأمور
المختصة بالله، فاحتاج إلى هداية الوحي الإلهي الذي يعلّمنا تعليماً حقيقياً في ما
يتعلق بالله وبأنفسنا ووسائط الفداء. ولذلك مع كل المعرفة بالله التي نحصلها من
الطبيعة ومن إرشاد الضمير لا نزال محتاجين للوحي ليكمل تلك المعرفة ويوسعها
ويثبتها.

 

7 –
ما هي طرق إعلان الله لنا في الأسفار المقدسة؟

* (1) بالأسماء والألقاب
والوظائف المستعملة له فيها، مثل “يهوه” و”إيل” و”أدوناي”
و”إيل شداي” و”ملك” و”مشترع” و”قاضٍ” و”صخر”
و”ملجأ” و”منقذ” و”راعٍ” و”آب”.

(2) بالأعمال التي تُنسب
إليه.

(3) بالعبادة المأمور بها
له.

(4) بإعلانه في يسوع
المسيح.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى