اللاهوت الروحي

الفصل الحادى عشر



الفصل الحادى عشر

الفصل الحادى عشر

الخدمة وشروطها الناجحة

41- أهمية الخدمة وعموميتها

ليست الخدمة قاصرة على الذين يعملون في مجال
التعليم، إنما هى لازمة للكل ونافعة للكل. وتعتبر من الوسائط الروحية العامة. وهى
مبدأ روحى عام يطالب به كل مؤمن: الكبار والصغار، المتزوجين وغير المتزوجين. يكفى
قول الكتاب:

” من يعرف أن يعمل حسنا ولا يفعل، فتلك
خطية له ” (يع 4: 17).

فالخطايا ليست هى فقط السلبيات في تصرفات
الإنسان، إنما عدم عمل الخير يعتبر خطية. ولذلك فالإنسان الروحى هو الذي يعمل
الخير باستمرار، كصورة لله الذي نصفة بأنه ” صانع الخيرات “. وكما قيل
عن السيد المسيح له المجد، إنه ” كان يجول يصنع خيراً ” (أع 10: 38).
فهل أنت كذلك؟

 

الإنسان الروحى لا يحيا لنفسه فقط..

بل إن المثل المشهور يقول ” ما عاش من عاش
لنفسه فقط “. إذن في الخدمة لابد أن تخرج من فوقعة نفسك، لتلتقى بالغير. تخرج
من مجال (الأنا). لتشبع من حبك للكل. وتشعر أن رسالتك في الحياة أن تفعل خيراً نحو
كل من يدفعه الله في طريقك وكلما تكتسب خبرة في الحياة وسعة في القلب، تتسع دائرة
خدمتك. فلا تقتصر على بيتك وأسرتك، ولا على أقاربك وجيرانك ومعرفك وزملائك
وأصدقاءك، بل تصل إلى نطاق أوسع وأوسع..

 

و الخدمة في جوهرها، إن هى إلا تعبير عن الحب
المختزن في القلب من نحو الله والناس..

فالمفروض في كل مؤمن أن يحب الله من كل القلب
والفكر والنفس. وهذه وصية منذ العهد القديم (تث 6: 5). وقد تكررت في العهد الجديد
أيضاً (مت 22: 37. 39). والمحبة ليست مجرد شئ نظرى. فالكتاب يقول ” لا نحب
بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق ” (1يو3: 18). والمحبة العملية تظهر عن
طريق الخدمة. فأنت تحب الله، فتعبر عن محبتك له بنشر ملكوته، بخدمة الكنيسة وخدمة
الكلمة. وأنت تحب الناس فتخدمهم بكل الوسائل المتاحة لك والنافعة لهم..

 

المهم أن يوجد في حياة الإنسان، كل إنسان، عنصر
البذل والعطاء.

 

وهكذا تجد أن الخدمة قد اكسبتك فضيلة روحية، هى
الحب والعطاء والبذل وتكون قد استفدت من خدمتك.. وقد تخدم الفقراء، وتجد أن
الفقراء أو الاحتياج، تتبرم بهؤلاء، ولا تيأس منهم، ولا تتضايق، ولا يكون رد الفعل
عندك هو أن تعاملهم معاملة سيئة.. ربما سمح الله لك أن تلتقى بهؤلاء لتتعلم
الاحتمال وطول البال، وأيضاً الحكمة في التصرف، أو خدمتهم روحياً لكى يتخلصوا من
مثل هذه الطباع السيئة. وتكون أنت قد استفدت فضائل فيما تخدمهم..

 

42- أنواع من الخدمة

و الخدمة على أنواع: منها الإجتماعية، ومنها
الروحية، وخدمات أخرى كثيرة..

ومن أجل ما قيل في الخدمة الروحية، قول الكتاب
” من رد خاطئاً عن ضلال طريقه، يخلص نفساً من الموت ويستر كثرة من الخطايا
” (يع 5: 20). وأيضاً ” لاخظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت
هذا، تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً ” (1تى 4: 16). إذن هى خدمة تتعلق بخلاص
النفس. ما أمجدها!! والكتاب يقول “نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس”
(1بط 1: 9).

 

أما الخدمة الإجتماعية، فمن سموها أيضاً جعلها
الرب ميزاناً للدينونة في اليوم الأخير:

إذ يقول للذين عن يمينه ” كنت جوعاناً
فأطعمتونى، عطشت فسقيتمونى. كنت غريباً فآريتمونى، عرياناً فكسوتمونى، مريضاً
فزرتمونى. محبوساً فأتيتم إلى ” (مت 25: 35 – 40) (. ويشرح ذلك بقوله ”
بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتى هؤلاء الأصاغر، فبى قد فعلتم “. معتبراً كل
هؤلاء المحتاجين كشخصه تماماً..

 

ويقول الكتاب أيضاً ” الديانة الطاهرة
النقية عند الله الآب هى هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في فى ضيقته، وحفظ الإنسان
نفسه بلا دنس من العالم ” (يع 1: 27).

و قد رأينا أنواعاً من الخدمة تشمل المجتمع كله.
وتتعداه إلى مستوى عالمى..

فالهيئات العالمية مثل الصليب الأحمر وجمعيات
الإسعاف، والهيئات الدولية للإغاثة، وأمثالها، هذه التي تقدم معونة لكل محتاج
أينما كان، سواء في البلاد التي حديث فيها كوارث طبيعية كالفيضانات مثلاً، أو
كوارث حربية، أو مجاعات، تجد المعونات تصلها من بلاد بعيدة ربما ما كانت تعرفها من
قبل، ولا كانت بينها وبينها صلة. ولكنه الشعور الإنسانى والمحبة نحو الكل، التي
تهب من تلقاء ذاتها لإغاثة المحتاج.

 

فإن كانت الهيئات العلمانية التي لا صلة لها
بالكنيسة تفعل هكذا، فكم بالأولى نحن؟!

أنت مطالب أن تفعل شيئاً من أجل أخيك الإنسان.
وقد أعطانا الرب مثال السامرى الصالح (لوقا 10: 30 – 37) الذي أغاث وهو سائر في
الطريق إنساناً، على الرغم من وجود عداوة بين شعبه وشعبه. ولكنها المحبة التي لا
تعرف تفريقاً.

 

و لا يقل أحد في نفسه ” لست مدعواً
للخدمة”!! كلا، فأنت مدعو أن تحب الكل، وتعبر عن محبتك بالخدمة. أما الخدمة
التعليمية فتحتاج إلى أن ترسلك الكنيسة (رو 10: 15) لأنه ليس كل إنسان صالحاً
للكرازة والتعليم..

إذن هى أنواع عديدة من الخدمة. وكل إنسان يخدم
حسب النعمة المعطاة من الله.

ولا يستطيع إنسان مطلقاً أن يقول إن الله لم
يهبه أية إمكانات للخدمة. لابد أنه يستطيع أن يفعل شيئاً.. والإنسان الخدوم، أقصد
الذي فيه روح الخدمة، تجده يخدم في كل مجال: في البيت، في مكان العمل أو الدراسة،
في الكنيسة، في الطريق، في النادى.. مع كل أحد. إنه إنسان معطاء. كل من يقابله،
لابد أن ينال من عطائه.

 

أسأل نفسك إذن: ما نصيب الآخرين في حياتى؟

 إن التكريس
يحتاج إلى دعوة. أما الخدمة العامة فلا تحتاج إلا إلى الحب، والدافع القلبى نحو
خدمة الأخرين. وهذه في حد ذاتها دعوة قلبية..

 

 أتذكر
في إحدى المرات سألنى طبيب جراح عما يستطيع أن يعمله لأجل الآخرين. فقلت له: على
الأقل عشر العمليات الجراجية التي تقوم بإجرائها، لتكن للفقراء بالتنازل عن أجرك
من مهنتك..

 

43- فوائد الخدمة روحيّاً

إن الخدمة تقوى روحيات الخادم. كما أن روحيات
الخادم تقوى الخدمة فأنت فيها تعطى وتأخذ.

ولذلك نعتبر أن الخدمة من الوسائط الروحية، إن
سلك فيها الإنسان حسناً. فكما تعطى المخدومين حباً من قلبك، كذلك يشبع قلبك حباً
بهذه الخدمة. لاشك أن الإنسان الذي يخدم الأيتام أو المرضى أو المعوقين أو الفقراء
والمحتاجين عموماً، يشبع قلبه في هذه الخدمة بمشاعر عميقة تسمو بنفسه، وتغنيه عن
عواطف العالم الزائلة. فإن العاطفة التي يكتسبها الإنسان من ملاقاة الألم والمعاناة،
هى أقوى بكثير من العواطف التي تقدمها مجالات اللهو والترف. وهكذا أنت تأخذ من
خدمتك أكثر بكثير مما تعطى. مجرد شعورك أن أسعدت إنساناً، أو حللت مشكلة، يفيض على
قلبك بمشاعر عميقة.

 

و هناك ألوان من الخدمة، غير التعليم.

كنت أعرف زميلاً في مدارس الأحد منذ حوالى
45عاماً، لم يكن له فصل في التدريس، إنما كانت خدمته هى الافتقاد وحل مشاكل الناس
قبل أن تتعقد، وأحياناً حل المشاكل المعقدة. وكان يجد سعادة كبيرة في هذه الخدمة.
وكان برى يد الله في كل ما يحله من مشاكل، أقصد في المشاكل التي يحلها الله على
يديه، وكان يحكى لنا عن عمل الله، حديثاً روحياً ممتعاً جداً.

 

إذن من الفوائد التي تتركها الخدمة في حياتك: الخبرات
الروحية.

إنه شرف عظيم لك في الخدمة أنك تعمل مع الله.
كما قال القديس بولس الرسول (عن نفسه وعن زميله أبولوس “نحن عاملان مع الله
” (1كو 3: 9). أنت في الخدمة تعمل مع الله معك، ويعمل فيك، ويعمل بك. وفى كل
ذلك ترى عجائب من عمله، وتلمس كيف تتدخل يد الله، فتحل كل الأمور المعقدة، أو تفتح
لك بعض الأبواب المغلقة، أو تقدم لك حلولاً ما كنت تفكر فيها، أو ترسل لك تفتح لك
بعض الأبواب المغلقة، أو تقدم لك حلولاً ما كنت تفكر فيه، أو ترسل لك معونات من
حيث لا تدرى. فتمجد الله في كل عمله. أم الذين لا يخدمون، فإنهم يحرمون أنفسهم من
كل هذه الخبرات، ومن شركة الله في الخدمة..

 

الخدمة أيضاً تفيدك في أنها مدرسة للصلاة:

إنك كلما تخدم، كلما تشعر أن هناك أموراً تحتاج
إلى معونة إلهية، فتتدرب على الصلاة من أجلها، كما أنك تصلى لكى يبارك الله العمل
ويدخل فيه ولا يتركك وحدك. كذلك تصلى لكى تكون خدمتك روحية، وليست مجرد نشاط أو
روتين، أو مجرد عمل اجتماعى. كذلك كثيراً ما تصلى مع المخدومين، أو تدخلك الخدمة
في اجتماعات صلاة. وهكذا تتدرب على عمل الصلاة

 

و الخدمة عموماً تدخل الإنسان في جو روحى.

وهذا نافع له بلا شك. إذ يجد نفسه في جو كنسى،
ومع أشخاص روحيين،وملتزماً بمبادئ وقيم روحية. وقد يجد نفسه في الخدمة ملتزماً
أيضاً باجتماعات وقداسات. ويجد نفسه كذلك ملتزماً بحياة روحية خاصة حتى يكون في
خدمته قدوة للمخدومين، أو على الأقل لا يكون عثرة لهم. بل يردد قول الكتاب

 

“من أجلهم أقدس أنا ذاتى، لكى يكونوا هم
أيضاً مقدسين في الحق ” (يو 17: 19)

 

السيد المسيح قال هذه العبارة بمعنى. وأنت
تقولها بمعنى آخر، لتكون حياتك مقدسة في الخدمة، ومثالاً للمخدومين في كل عمل صالح.

 

وقد تقول لله في صلاتك: إن هؤلاء الناس يا رب،
يحتاجون أن أكون متصلاً بك باستمرار من جهتهم. فأعطى أن تكون لى هذه الصلة بك. ليس
من أجلهم فقط، وإنما أيضاً من أجل نفسى، لكى ترعانى وترعاهم، وتحفظنى وتحفظهم.
وليتنى أكون جسراً صالحاً يصلون به إليك أو أكون حاملاً لهم أمامك في قلبى..

 

و بهذا تجد أن الخدمة أوجدت لك صلة بالله.
وأصبحت هذه الصلة من ضروريات الخدمة. وبالتوالى تصبح الخدمة أيضاً ضرورة توصلك
بالله باستمرار. ولذلك أستطيع أن أقول:

 

غالبية الذين تركوا الخدمة فترت حياتهم.

ولم تعد لهم الحرارة التي كانت لهم أثناء خدمتهم،
ولا الصلاة ولا العمق ولا الالتزام.. ولم تعد الغيرة المقدسة التي كانت لهم، ولا
حتى الفضائل الاجتماعية التي صاحبت الخدمة.

 

و الخدمة أيضاً كثيراً ما تعطى فرصاً أوسع
لقراءة الكتاب المقدس، وللمعرفة الروحية بوجه عام. مع ما يصحب ذلك أيضاً من تأمل
ومن تفسير، وبخاصة للذين يخدمون خدمة روحية أو تعليمية بكافة أنواعها.

 

وهكذا تكون من فائدة الخدمة تنمية المعرفة
الروحية، روبما المعرفة الدينية من نواح متعددة.

 

وهذه المعرفة تأتى من مصادر كثيرة: منها القراءة
سواء قراءة الكتاب المقدس أو سير القديسين أو الكتب الروحية. وتأتى أيضاً من حضور
الاجتماعات الدينية الخاصة بالخدمة.. وكذلك مما يسمعه الإنسان في القداسات من فصول
الكتاب ومن العظات..

 

وهذه المعرفة تدخل الإنسان في تدريبات روحية
عملية. وإن ترك الخدمة، ربما يترك كل هذا..

 

بل قد يأخذ الإنسان ألواناً أخرى من المعرفة.

فبعرف مشاكل الناس، ويعرف تفاصيل كثيرة عن النفس
البشرية وما يجول فيها من مشاعر. ويعرف حروب الشياطين وحيلهم. ويعرف ايضاً الحلول
العملية لكل هذا، وإن كانت خدمته تتطرق أيضاً إلى معالجة ما يتعرض له الناس من
مشاكل داخلية وخارجية. فإن لم يكن يعرف، فعلى الأقل سيرى كيف يتدخل المرشدون
الروحيون أو الآباء في هذه المشاكل، وكيف يحلونها. وفى كل ذلك تزداد خبراته في
الحياة.

 

44- خدمة غير ظاهرة

هناك أنواع من الناس لم يذكرنا لنا الكتاب
خدمتهم أو تفاصليها، إنما كانوا يخدمون الخدام، أو يقدمون الإمكانات للخدمة.

نسوة كثيرات كن يتبعن السيد المسيح ”
ويخدمنه من أموالهن ” (لو 8: 3). وفى بداية الكنيسة الأولى تركت مريم أم مرقس
الرسول بيتها ليكون أول كنيسة يجتمع فيها المؤمنون ويصلون. كذلك ذكر لنا القديس
بولس الرسول عن أكيلا وبريسكلا ” ” والكنيسة التي في بيتهما ” (رو
16: 5). وأيضاً الكنيسة التي كانت في بيت نمفاس (كو 4: 15). وشرح لنا التاريخ
الخدمات العديدة التي كان يقوم بها المعلم ابراهيم الجوهرى وأخوه المعلم جرجس
الجوهرى للكنائس والأديرة..

ربما أناس لا يخدمون القرى، لكنهم يتبرعون بعربة
تنقل الخدام إلى هذه القرى.

أو يدبرون المكان، أو يعدون المكان للخدمة. أو
أن يشتروا الأناجيل والبشائر والأجابى، والصور والجوائز، ما يوزعه الكاهن من صلبان
وأيقونات. أو يهتمون بالعمل الإدارى للاجتماعات. كأن يقومون بكتابة أسماء الحاضرين،
أو يعدون كشوف الغائبين لافتقادهم، وما إلى ذلك من الخدمات التي تبدو بسطة ولكنها
لازمة ونافعة.

 

على الأقل هناك من يقومون بخدمة الصلاة من أجل
الاجتماعات ونجاحها، والمشاكل وحلها.

وقد تكون لصلواتهم استجابة أكثر نفعاً من خدمة
الكلمة، وتقتدر كثيراً في فعلها، وتكون هى الخدمة المخفية التي تقوم على أساس
الخدمة الظاهرة. المهم يا أخى أن تخدم..

 

45- شروط الخدمة الناجحة

# هلكوا فى الخدمة:

ليست كل خدمة واسطة روحية، فهناك من هلكوا وهم
في محيط الخدمة، أو سقطوا وتعبوا..

مثال ذلك الإبن الكبير الذي لم يفرح برجوع أخيه
الضال، ورفض أن يدخل البيت ولما خرج إليه أبوه يتوسل إليه، قال لأبيه ” ها
أنا أخدمك سنين هذا عددها، وقط لم أتجاوز وصيتك. ولم تعطنى قط جدياً لأفرح مع
أصدقائى.. ” (لو 15: 28 – 30).

 

كان في الخدمة سنين هذا عددها، ومع ذلك كانت
مشيئته غير مشيئة الآب، ولم يكن قلبه صافياً من جهة أخيه0

 

مثال آخر هو بعض ملائكة الكنائس السبع:

على الرغم من أنهم كانوا رعاة للكنائس، إلا أن
واحداً منهم قال له الرب ” إن لك إسماً أنك حى وأنت ميت ” (رؤ 3: 1).
كما قال لآخر ” لأنك فاتر، ولست حاراً ولا بارداً، أنا مزمع أن اتقيأك من فمى
” (رؤ 3: 16). وقال لثالث: ” أنك تركت محبتك الأولى. فاذكر من أين سقطت
وتب” (رؤ 2: 4، 5). وذكر الرب لكل هؤلاء أسباباً جعلتهم – وهم في قمة الخدمة
– في حاجة إلى توبة

 

وآخرون من مساعدى بولس الرسول هلكوا تماماً.

 

أولئك الذين قال عنهم ” لأن كثيرين ممن كنت
أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صليب المسيح، الذين
نهايتهم الهلاك.. ومجدهم في خزيهم، الذين يفتكرون في الأرضيات ” (فى 3: 18،
19). ولعل من أمثلة هؤلاء أيضاً ديماس، الذي ذكره الرسول في إحدى المرات قبل
القديس لوقا (فل 24)، يعود الرسول فيقول عنه ” ديماس قد تركنى، إذ أحب العالم
الحاضر ” (2تى 4: 10). كل هؤلاء ضاعوا، وغيرهم سقط وتاب.

 

ولم تكن الخدمة هى سبب ضياعهم. ولكنهم نسوا
روحياتهم في مجال الخدمة. فسقطوا وبعضهم هلكوا..

 

إذن يمكن أن تكون الخدمة واسطة روحية. ويمكن أن
يسقط الإنسان فيها أو يهلك، إن لم يسلك بطريقة روحية. فما هى إذن شروط الخدمة
الروحية؟

 

# الحب:

تحب الله، وتحب الملكوت، وتحب الناس.

 

و المحبة تولد محبة. أما إذا كنت تخدم وفى نفسك
ضيق وتبرم، وإن كنت تعطى مضطراً وفى النفس تذمر، فهل تظن أنك تستفيد روحياً؟!

 

يحدث أحياناً أن بعض الناس يبدأون الخدمة وليس
لهم الهدف الروحى السليم. ولكنهم حينما يرون احتياجات المخدومين، ويلاحظون آلامهم
وضيقاتهم (، يتحرك في قلوبهم العطف عليهم والاشفاق فيخدمونهم بقلب محب. وتكون هذه
المحبة نتيجة للخدمة وليس سبباً. وتبدأ المحبة تمتزج بخدمتهم، وتعلمهم كيف يخدمون
بعاطفة.

 

أشخاص يخدمون الفقراء. ثم يجدون أن طلاب الحاجات
يلجأون في طلبهم إلى الكذب والاحتيال، أو يمتزج طلبهم بالحاح متعب، أو بضجيج وعلو
صوت.. فيتبرمون بهم، قد يطردونهم ويقسون عليه..

 

 أما
القلب المحب، فإنه يحتمل متاعب هؤلاء.. لأن المحبة تحتمل كل شئ (1كو 13: 7)

 

فإن خدمت، ووجدت أن أعصابك بدأت تتعب في الخدمة،
وأنك بدأت تحتد وتشتد، وعلى الفقير إذا كذب واحتال، أو على التلميذ إذا عاند وشاغب،
أو على الذين يفقدون النظام في الاجتماعات. فاعرف أن في داخلك شيئاً يحتاج إلى
علاج، وأن الخدمة قد كشفت في نفسك عيباً كيما تصلحه.

لا تقل إن العيب في الخدمة، إنما فيك..

قل لنفسك: ينبغى أن أوسع صدرى، وأن أطيل بالى،
وأن أحتمل غيرى مهما أخطأ. وأن أضرب لهم باحتمالي مثلاً يقتدون به أو أن تقول: لقد
كشفت لى الخدمة أن هؤلاء الفقراء، ليسوا فقط في حاجة إلى مال يسدون به أحتياجاتهم،
إنما هم أيضاً في حاجة إلى عمل روحى يقودهم إلى التوبة ومعرفة الله وإلى السلوك..
وهكذا تبدأ في عمل روحى معهم، حتى معهم، حتى يستفيدوا من الخدمة مادياً وروحياً..

ونفس الوضع مع التلاميذ المشاغبين، ومع الذين لا
يحفظون النظام في الاجتماعات..

إذن شروط الخدمة الروحية أن تمتزج بالاحتمال.

 

# الاحتمال:

كل خدمة فيها متاعب. وكل خادم – كما قال الرسول
– سيأخذ أجرته بسبب تعبه ((1كو3: 8). وآباؤنا الرسل تعبوا كثيراً في خدمتهم. يقول
القديس بولس الرسول عن خدمته هو وزملائه ف الخدمة “بل في كل شئ نظهر أنفسنا
كخدام لله في صبر كثير، في شدائد في ضرورات، في ضيقات في ضربات في سجون، في
اضطرابات في أتعاب، في أسهار في أصوام.. بمجد وهوان، بصيب حسن وصيت ردئ ”
(2كو6: 4- 8).

 

ويقول أيضا ” مكتئبين في كل شئ، لكن غير
متضايقين. متحيرين لكن غير بائسين. مضطهدين لكن غير متروكين، مطرحين لكن غير
هالكين ” (2كو4: 8، 9). ويشرح الرسول أمثلة من المتاعب إلى احتملها في (2كو
11: 23 – 29). يكفى قوله ” في الأتعاب أكثر ” ولكنه إحتمل كل هذا،
واكتسب أكاليل من الاحتمال.

 

وكما نذكر بولس الرسول نذكر كثيرين من شخصيات
الكتاب.

مثال ذلك العذابات التي تحملها القديس يوحنا
الإنجيلى مع نفيه إلى جزيرة بطمس، حيث كتب سفر الرؤيا وفى أوله ” أنا يوحنا
أخوكم وشريككم في الضيقة ” (رؤ1: 6). كذلك دانيال النبي وكيف ألقوه في جب
الأسود ” (دا 6) والثلاثة فتية والقاؤهم في أتون النار (دا 3) ولا ننسى قول
السيد المسيح لتلاميذ ” ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب ” (مت 10: 16)
” سيسلمونكم إلى مجالس وفى مجامعهم يجلدونكم. وتساقون أمام ملوك وولاة من
أجلى.. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل أسمى (مت 10: 17، 22). والرسل احتملوا كل
هذا وصبروا.

 

و الصمود يمنح الخادم قوة روحية من الرب.

 يمنحه
قوة في الرجاء فلا ييأس. كما يقويه أيضاً في الرجاء، مؤمناً أن الرب لابد سيتدخل
ويصلح كل شئ. وهكذا ينال فضيلة أخرى هى انتظار الرب. كما قال المرتل في المزمور
” إنتظر الرب. تقو وليتشدد قلبك وانتظر الرب ” (مز 27: 14). وهكذا قال
في خبراته الروحية أيضاً ” انتظرت نفسى الرب من محرس الصبح حتى الليل ”
(مز130) نقطة أخرى تميز الخدمة وتسبب نجاحها وهى:

اهتم أن تكون خدمتك روحية وعميقة.

 

# روحانية الخدمة:

كثير من الناس خدمتهم مجرد نشاط يستهلك كل
طاقاتهم: هم عبارة عن شعلة متحركة من الأنتاج والعمل، ولكن بلا روح. مثل هذه
الخدمة لا تفيدك روحياً، لأن الله لا نصيب له فيها.. بل كثيراً ما يحدث أن هذا
النشاط الحركى المتزايد، يعطل في مشغولياته العمل الروحى.

 

متجد مثلاً أميناً لمدارس الأحد، له طاقاته
الواسعة من جهة تطبيق المناهج، وكراسات التحضير، واجتماعات الخدام، واجتماعات
الشباب، والمكتبة والنادى، والنشاط الصيفى.. وتساله عن نفسه وروحياته، فلا يجد لها
وقتاً. فتفتر حياته، وبالتالى تفتر أيضاً خدمته، وتجدها مجموعة ضخمة من التنظيمات،
بلا روح. لا تفيد حياته ولا تفيد الآخرين..

 

و تتحول الخدمة إلى أمور إدارية بحته.

وربما يحدث هذا الأمر أيضاً بالنسبة إلى الخدمة
الاجتماعية، وإلى خدمة الملاجئ والمسنين، والمغتربين، ومجالس الكنائس.. وفى هذا
العمل الإدارى قد تكثر المناقشات والمجادلات والضجيج والصياح. وربما المنافسات
أيضاً والحزبيات. وفى هذا كله تضيع روح الخادم. لأن الخدمة لم تتسم بالطابع الروحى.
ولم يكن الله شريكاً فيها. ولم تدخل فيها الصلاة ولا التنفيذ العملى للوصية.

 

حاول إذن في كل خدمة تخدمها، أن تبعد عن الروتين
والشكليات، وأن تدخل الله فيها، ويكون لها الطابع الروحى.. حتى في الأعمال
الإدارية فلتكن لها ” روحانية الإدارة “. وهذه عبارة تحتاج منا إلى
موضوع خاص يشرح تفاصيلها..

 

فرق كبير بين رجل الله حينما يدير، وأهل العالم
في إدارتهم.

 

إذن في خدمتك، ابعد عن الأخطاء الروحية.

إبعد عن أسلوب الأمر والنهى، وليكن لك روح
الاتضاع وأدب التخاطب مع الصغير كما مع الكبير. ومهما أوتيت من سلطة في الخدمة، لا
تكلم الناس من فوق ولا تتعال على أحد، ولا تدخل إلى قلبك روح السيطرة والتسلط.
وتذكر قول الرب ” أكبركم يكون خادماً لكم. لأن من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع
نفسه يرتفع ” (مت 23: 11). وأيضاً ” إن ابن الإنسان لم يأت ليخدم، بل
ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين ” (مت 20: 28).

 

لذلك لا تجعل الخدمة تفقدك وداعتك وتواضعك.

إن وجدت صوتك بدأ يعلو ويحتد في الخدمة، لابد أن
تحترس وتراجع نفسك. وإن وجدت أنك بدأت تتحدث عن نفسك وما تفعله من أمور عظيمة،
إحترس أيضاً لئلا شيطان المجد الباطل يحصد كل ما زرعته في الخدمة. وإن نظرت
باحتقار إلى غيرك، مقارناً بين مستواه ومستواك، فاعرف أن الكبرياء قد دخلت إلى
نفسك.. ضع أمامك إذن قول الرسول ” لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك. فإنك إن
فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً ” (1تى 4: 16). قل لنفسك باستمرار: أنا
ما دخلت إلى الخدمة لكى أقع في خطايا جديدة، إنما لكى أنمو روحياً ‍‍

 

فى الخدمة أيضاً إحترس من الذات ال Ego

لا تجعل الخدمة وسيلة لكى ترتفع بها أو تبنى
كرامتك. فأتت فيها مجرد خادم للرب، تقول عنه كما قال القديس يوحنا المعمدان ”
ينبغى أن ذلك يزيد، وأنى أنا أنقص ” (يو 3: 30) أو كما قيل في المزمور ”
ليس لنا يا رب ليس لنا. لكن لاسمك القدوس أعط مجداً” (مز 115: 1).

 

احترس من انذار الرب للرعاة الذين يرعون أنفسهم
(خر 34: 8- 10).

وليكن هدفك هو ملكوت الله، وخلاص الناس.. وليس
نفسك وكرامتك.

الخدمة المفيدة روحياً، هى التي تنسى فيها كلمة
أنا.

كثيرون دخلوا في الخدمة. وبعد حين بدأوا يهملون
أنفسهم، وينشغلون بتدبير الخدمة، ثم يصطدون بالكنيسة، وكاهن الكنيسة، ومجلس
الكنيسة، والعاملين في الكنيسة. ويتحدثون عن تصرفات هؤلاء وأولئك، وما يفعلونه من
خطأ ومن صواب، ويركزون على الخطأ! وتصبح اخطاء الاخرين، أو ما يظنونها أخطاء، هى
موضع حديثهم الدائم وإدانتهم المستمرة. بل يتحولون من الإدانه إلى التشهير، ويفسدون
عقول غيرهم.

 

و العجب أنهم يغطون كل ما يقعون فيه من إدانة
وتشهير، بتبرير هو الدفاع عن الحق!!

 

وباسم الدفاع عن الحق يقعون في خطايا لا تحصى.
ويدخلون في خصومات وانقسامات. ولكى ينتصروا في حروبهم، يحاولون أن يكسبوا أكبر عدد
ممكن ينضم إليهم في الإدانة والتشهير. ويتعكر جو الخدمة، ويفقد روحانية، يفقد روح
المحبة، ويفقد الوداعة والبساطة!! وهل كل هذا من أجل الدفاع عن الحق؟! دون أن يسأل
أحد نفسه: هل من حقى أن أفعل كل هذا؟ ودون أن يسأل نفسه: هل هذا هو الأسلوب الروحى
الذي أدافع به عن الحق؟! ما أكثر الذين ضاعوا واضاعوا غيرهم، وهم في الخدمة!!

 

لكى تنتفع روحياً، إهتم في خدمتك بالعمل
الإيجابى وليس بالسلبيات.

دع امامك المثل الذي يقول ” بدلاً من أن
تلعنوا الظلام، أضيئوا شمعة “. كن قدوة للكل، وثق أن هذه في حد ذاتها رسالة
وخدمة.. واعرف أن العمل الإيجابى البناء هو الباقى على الدوام، ولا ينتقدك فيه أحد،
ولا تخطئ فيه إلى أحد. أما الإنشغال بالسلبيات، فإن يتعب فكرك وروحك. وربما تصل به
إلى أسلوب الهدم ويوقعك في خطايا كثيرة.

أليس الأفضل لك أن لا تخدم، من أن تخدم بأسلوب
يوقعك في الخطية؟!

و تصبح فيه عثرة لغيرك. وقد قال الرب ” ويل
لمن تأتى بواسطته العثرات ” (لو 17: 1).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى