علم

الفصل الثَّاني عشر



الفصل الثَّاني عشر

الفصل
الثَّاني عشر

إڤاجريُوس
البُّنطي (مارِ أُوغريس) (345 – 399م)

أحد
رُهبان بريِة شيهيت (إسقيط مصر)

 

إڤاجريُوس
البُّنطي

ونتجِه
من طرسوس إلى الحدود الشمالية لآسيا الصُغرى، وعلى وجه التحديد إلى مُقاطعة بنطُس،
حيث نأتي إلى لاهوتي كنسي، علَّم كثيراً عن الثيولوچيا، وقُدِّرَ له أن يُؤدي
دوراً بالِغ الأهمية في تعميق التعليم اللاهوتي الآبائي.

إڤاجريُوس البُّنطي لاهوتي ناسِك، سُيِّمَ قارِئاً
(أغنسطُس) على يدي القديس باسيليوس الكبير، ثم شماساً (دِياكون) على يدي القديس
غريغوريوس النزينزي (الناطِق بالإلهيات) الذي تبعهُ إلى القسطنطينية عام 381م
ولكنه تركها إلى أورشليم ومنها إلى بريِة مصر حيث بريِة شيهيت بوادي النطرون
(382م)، واسترشِد بالأب أمونيوس.

وبسبب
حياته النُّسكية، كان المُحتوى النُّسكي يشمل كل كِتاباته، لذلك رأى إڤاجريُوس اللاهوت بطريقة أكثر اختباراً وعملية، وقد
تبع في ذلك نهج غريغوريوس الناطِق بالإلهيات وأيضاً العلاَّمة أوريجانوس، وكانت
نقطة البدء لإڤاجريُوس موجودة في المقولة التالية:

” المسيحية عقيدة من ثلاث مُكوِنات: العملي والطبيعي (الفيزيقي)
واللاهوتي (الثيولوچي) “ (1).

وهذه
المُكوِنات الثَّلاثة تتطابق مع المراحِل الثَّلاث للحياة المسيحية:

1.           
الحياة الفعَّالة التي تُجاهِد من أجل
اللاهوى (
Ảπάθεια) الآباثيا.

2.           
الحياة التَّأمُلِية التي قوامها
التأمُّل والجِهاد لمعرفة الطبائِع الحِسِية والعقلانية (
Θεωρία
φυσικη
).

3.           
والحياة اللاهوتية المُرتبِطة بمعرفة
الله (
Θεωρία
γνωστική
).

وهذا
الثَّالوث للحياة المسيحية والذي يقود في النهاية إلى اللاهوت، يمكن بسهولة ارجاعه
إلى العلاَّمة أوريجانوس، الذي له نص ركيزي يُوجِز فيه الأمر هكذا:

” حيث أنَّ النَّفْس مسكن (بيت) فهي تأخذ الله سيِّد لها، وعندما
تصير هيكلاً يكون المسيح فيها إلهاً، وبالخبرة والعِشرة تكتسِبه النَّفْس كرب لهذا
المسكن، وبالتأمُّل تتلامس معه كملِك، وتتمتع بمعرفته من خلال اللاهوت كإله.. “
(2).

فأولاً
التدريب والمُمارسة ” النُّسك
ascetiscism “ والنُّسك يبدأ بالإيمان (Πίστισ بستيس) الذي يتأكد ” بمخافِة الله “، التي
تلِد العِفة (
Εγκράτεια) والتي بدورها تتأكد بالصبر (إيبوموني)،
والرَّجاء (هلبيس) (
Ελπίσ).

وأخيراً يُؤدي الصبر والرَّجاء إلى ميلاد اللاهوى (الآباثيا)، ومن
اللاهوى ينتقِل الإنسان إلى المحبة (أغابي
Ẩγάπη)، وهي أعلى درجات النُّسك (قامات اللاهوت العملي النُّسكي)، وهذه
المحبة هي الباب إلى المعرِفة الطبيعية لأنَّ الله محبة لذلك أعطانا البركة
العُظمى اللاهوت (3).

وفي
موضِع آخر، يعرِض إڤاجريُوس الأمر هكذا:

” اللاهوى زهرِة النُّسك ” براكتيكي Πρακτική ” والاختبار النُّسكي أساسه ملاحظة
الوصايا بتدقيق، ففي ممارسِة الوصايا مخافِة الله التي هي بدورها وليدة الإيمان
الصحيح “ (4).

والمحبة
(الأغابي) هنا ليست شعوراً بسيطاً بل هي حالِة النَّفْس المُترقِبة عمل الصَّلاح
وصُنع المحبة من نحو الله والقريب، ليست تلك المحبة العاطِفية، لكنها الأغابي
الفائِقة للنَّفْس العاقِلة التي وِفقاً لها تكون محبة أي شئ في هذا العالم أمراً
مُستحيلاً لتضادِها لمعرفة الله (5).

ويكتُب
أيضاً:

” محبة الصَّلاح هي التي تبقى في هذا الدَّهر، والتي هي محبة معرفة
الحق “ (6)، فالغاية من ” النُّسك هي المحبة “ (7).

والتي
تُؤدي إلى المرحلة الثانية لسمو روحانيات المُؤمنين، والتي تُدعى ” الرؤية الطبيعية “، فعندما يتنقى الإنسان بهذا النُّسك
الاختباري العملي (8)، عندئذٍ يستطيع أن يُعايِن ” حكمِة “ المسيح في العالم
الطبيعي الذي خلقهُ وجَبَلَهُ على غير فساد، وهذا يعني أنَّ العالم ليس إلاَّ

مرآة لصلاح الله وحِكمته (9).

والفِكر
الطاهِر، يتدرج مواصِلاً طريقه من مجال الرؤية الطبيعية للعالم إلى رؤية روحانية
فائِقة، وإن كان الإنسان لا يقدر أن يسبِر أغوار الحِكمة الإلهية ويُدرِكها
ادراكاً كامِلاً. إلاَّ أنه من خلال ما يكتسِبه يبدأ الدخول إلى أعتاب الملكوت
السماوي، لأنه كما يقول إڤاجريُوس ” ملكوت
السموات هو لا شهوانية النَّفْس مع المعرِفة الحقيقية للكيانات “ (10)، عندئذٍ
يدخل الإنسان ملكوت الله أي معرِفِة الثَّالوث القدوس (11).

وإن كان مفهوم إڤاجريُوس عن الثيولوچيا يتضمن ثلاثة نوعيات،
إلاَّ أنه لاهوت واحِد داخلي.

ويرى أنَّ ” النُّسك الاختباري “ و” الرؤية الطبيعية “ هما
الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً “
(12).

أيضاً،
كما أنَّ الإيمان هو بدايِة الاختبار النُّسكي (براكتيكي)، والمحبة غايته ومُنتهاه
هكذا أيضاً فإنَّ الرؤية الطبيعية (الثيوريا) هي بدايِة معرِفة الله، واللاهوت
غايتها ومُنتهاها، فاللاهوت خطوة نهائِية بعد الرؤية، كما يُعبِّر عنها إڤاجريُوس أنها
المعرِفة الروحانية “ (13)، وهذه المعرِفة الروحانية هي ” ثروِة النَّفْس “
بعكس الجهل (14) الذي
يتحدَّث عنه مُعتبِراً أنه فِكر عار، وتُكتمل وتبلُغ
مُنتهاها في رُؤيِتها واستحقاقها للاشتراك في رؤيِة الثَّالوث القدوس (15).

لهذا
فإنَّ الخطوة الثَّالثة في سُلَّم إڤاجريُوس
اللاهوتي تتألَّف من شَرِكَة الإنسان مع الله أي معرِفة التريادلوچيا (الثَّالوث
القدوس)، وهذه المعرِفة اللاهوتية يُحقِقها الإنسان في الصَّلاة.

حقاً إنَّ اللاهوتي هو الذي يُصلِّي واللاهوت صلاة، لذلك يقول
عنها إڤاجريُوس ” إن كنت لاهوتياً فسوف تُصلِّي
بالحق، وإن كنت تُصلِّي بالحق فأنتَ لاهوتي “ (16)، لذلك نقول أنَّ اللاهوت
بالنسبة لإڤاجريُوس هو معرِفة الثَّالوث والصَّلاة، تلك الصَّلاة التي تُعرف
بصلاة الفِكْر – الذِهن المُتحِد بالله، تلك الصَّلاة التي تشترِط مُسبقاً اللاهوى
(الآباثيا)، والتحرُّر من الماديات والمفاهيم المُجردة (17)، فكيف لنفس شهوانية
شارِدة وبعيدة أن تتكلَّم عن اللاهوت أو أن تعرِفه، وكيف يصير الله قضية للبحث
والتساءُل؟ فقط حينما يكون العقل مُقدساً ونقياً من كل الأباطيل يُصبِح قادِراً
على أن يكون شريكاً للنور الإلهي الذي لا يُدنى منه (18).

ويتطلب هذا الأمر قراراً واستجابة وجهاداً مُتواصِلاً وتوبة مُستمرة
ومواظبة على كل وسائِط النِّعمة لأنَّ بعض الشياطين تُحارِبنا بسبب حِفظنا الوصايا
والتداريب النُّسكية، وأخرى تُحارِبنا بسبب فِهمنا وحِكمتنا البشرية وأخرى بسبب
اللاهوت الذي نعرِفه ونحياه!! (19).

ويقول إڤاجريُوس في مواضِع أخرى ” أنه لصالِحنا ولمنفعتنا أن
نُواظِب على الصَّلاة والنُّسك والتسبيح والتأمُّل إلى أخر نَفَسْ في حياتنا “
(20).

فاللاهوت إذن هو معرِفة الإنسان لله ومن ثمَّ فإنَّ الصَّلاة هي
المكان أو الموضِع اللائِق باللاهوت لذلك تُعرف بأنها ” الصعود إلى فِكْر الله “
(21)، وحالِة الصَّلاة هي حالِة اللاهوى التي بفضل العِشق العفيف السَّامي تقود
إلى محبِة الحِكمة (الفيلوصوفيا) ويصير الفِكْر روحاني أسير لطاعِة المسيح يُحلِّق
نحو الإلهيات الغير حِسِيَّة (22).

والإنسان
بطبيعة الحال لا يدخل بالكامِل إلى عظمِة الله ولا يفهم تماماً الجمال الإلهي لذلك
يُحذِّرنا إڤاجريُوس:

” في حالِة ما يتأمل الإنسان لاهوتياً بطريقة غير لائِقة (نظرية)
بوضع تعارِيف عن الله، فالألفاظ والعِبارات والتعاريف تنطبِق فقط على المخلوق
والمُركَّب “ (23).

ويتحدَّث إڤاجريُوس أيضاً عن الشَرِكَة والاتحاد بالله،
فالمسيحي يشترِك في جسد ودم المسيح فيصير شريكاً لكلِمته (لوغوسه) وحِكمته، لذلك
في تفسير القديس لإنجيل يوحنا (6: 56) يقول:

” من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبُت فيَّ وأنا فيه “
فالجسد والدم هما مجيئه وتعليمه الذي يتألَّف من أجزاء ثلاثة:

العملي (النُّسكي)

الغنُوصي (المعرِفي)

الثيولوچي (اللاهوتي) (24).

ونجِد
في مواضِع أخرى في كِتابات إڤاجريُوس تعليماً آخر
أيضاً:

” جسد المسيح هو الفضائِل النُّسكية ومن يأكله يصير بلا هوى (شهوة
ردية) ودم المسيح هو الرؤى لما يحدُث، ومن يشربه يصير به حكيماً، وصدر الرب هو
معرِفة الله، الذي يسنِد رأسه عليه يصير لاهوتياً كيوحنا الحبيب تلميذ المحبة “
(25).

ومن
ثمَّ فإنَّ معرِفة الله واللاهوت هما حقيقة اشتراك الإنسان في سِر التدبير
الإلهي، سِر التجسُّد بكل بركاته الخلاصية، والاشتراك في مفهوم إڤاجريُوس كما في مفهوم مُعلِّمه القديس غريغوريوس
اللاهوتي، يتم بالتداريب والمُمارسات النُّسكية وتحرير الفِكْر، إذ يتنقَّى
الإنسان ويتطهر يتحرَّر من المفاهيم الهيولية ويغتسِل بالغفران الإلهي مُستضِيئاً
بنور الثَّالوث الإلهي، ففي المسيح وحده ندخل إلى اللاهوت واشراقات الثَّالوث
القدوس (26).

===

مراجِع
الفصل

1)           
P.G. 40,
1221 D
.

2)           
P.G. 12,
1641 D – 1644 A
.

3)           
P.G. 40,
1221 B C
.

4)           
P.G. 40,
1233 B
.

5)           
Πφοβληματα
γνωστικα 1, 86
.

6)           
Ibid. , IV,
50
.

7)           
P.G. 40,
1233 C
.

8)           
CF. P.G. 40,
1233 AB
.

9)           
Gnostic
Problems: 1, 2, ed. By
W.
Frankenberg
Berlin, 1914 p. 129.

10)       
Practical
Chapters, P.G. 40, 1221 D
.

11)       
Ibid. P.G.
40, 1221 D
.

12)       
Gnostic
Problems III, 67, P. 235
.

13)       
Gnostic
Problems II, 3, Ibid., P. 131
.

14)       
Ibid. II, 8,
P. 135
.

15)       
Ibid. III,
6, P. 193
.

16)       
On Prayer,
P.G. 79, 1180 B; cf Lossky
.

17)       
CF. P.G. 79,
1168 C, 1177 D, 1177 D – 1180 D
.

18)       
Gnostic
Problems, VII, 30, P. 455
.

19)       
Ibid. 1, 10,
p. 57
.

20)       
Gnostic
Problems, ed. By
W.
Frankenberg
, Berlin, 1914, p. 547.

21)       
On Prayer,
P.G. 79, 1173 D
.

22)       
Ibid. , 1177
C; cf. Lossky
.

23)       
Gnostic,
Ibid P. 549
.

24)       
Epistle of
Faith, ed. by W.
Frankenberg, Berlin, 1914, p. 625.

25)       
H.
Gressmann, T.V. 39, P. 163
.

26)       
Gnostic
Problems, III, 6, P. 197.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى