علم الله

الفصل الثاني



الفصل الثاني

الفصل
الثاني

موضوع
علم اللاهوت

 

1 – ما هو تعريف علم اللاهوت؟

* يَبحث علم اللاهوت عن
حقائق الكتاب المقدس وتعاليمه كما نبحث في العلوم الطبيعية عن حقائق الطبيعة
وقوانينها. وكما أن غاية العلوم الطبيعية أن تجمع حقائق العالم الخارجي ومعرفة
قوانينه وتنظيمها، كذلك غاية علم اللاهوت هي تنظيم حقائق الكتاب المقدس ومعرفة
أصوله والتعاليم المتفرّعة منها. فعلم اللاهوت يُظهِر تعاليم الكتاب المقدس
بنظامها وعلاقاتها الداخلية الروحية، ويستنتج فوائد أخلاقية دينية منها. ولذلك
عرَّفه بعضهم بأنه تعليم الله في ما لله، ومُرشد النفس إليه.

 

2 –
ما هي علاقة علم اللاهوت بالديانة؟

* علم اللاهوت من توابع
الديانة ولوازمها. ومن فوائده جمع حقائقها وتنظيمها على أسلوبِ علميّ.

 

3 –
ما هي أقسام علم اللاهوت الوحيي؟

* أربعة أقسام هي:

(1) علم اللاهوت التفسيري:
وهدفه مطالعة الكتاب المقدس بكل دقّة وتأنٍ لتفسيره تفسيراً صائباً، ومعرفة كل
فوائده، واستخلاص الحقائق التي يُبنى منها علم اللاهوت التعليمي.

(2) علم اللاهوت التعليمي:
وهدفه ترتيب الحقائق المتحصّلة من علم اللاهوت التفسيري وتنظيمها.

(3) علم اللاهوت الدفاعي
أو الجدلي: وغايته دفع الضلال والدفاع عن الحق، وهو يتم بدحض الآراء الخاطئة
والهرطقات بأسلحة الحق وبراهين الصدق.

(4) علم اللاهوت التاريخي:
وغايته بيان تقدُّم التعاليم اللاهوتية من قرنٍ إلى آخر، وما طرأ عليها من التغيير
إلى أن بلغت حالتها الحاضرة.

أما
كتابنا هذا فيحيط بهذه الأقسام الأربعة، لأنه يهدف إلى التفسير، والتعليم،
والدفاع، والتاريخ. ويصح أن نسمّيه “علم اللاهوت النظامي” لأن غايته
تنظيم علم اللاهوت، وأن يبيِّن الحق ويدفع الضلال.

 

4 –
لماذا قسَّمنا علم اللاهوت إلى قسمين، وما هما؟

* لما كان الكتاب المقدس
يتضمّن حقائق معلَنة فيه فقط، وحقائق معلنة فيه وفي الخليقة أيضاً، قُسم علم
اللاهوت لقسمين عظيمين، هما اللاهوت الطبيعي واللاهوت الوحيي. فالطبيعي هو ما يبحث
عن الأمور الطبيعية، أي المخلوقات كافةً سواء كانت مادية أو عقلية لاستخراج
تعليمها في الله وعلاقتنا به. أما اللاهوت الوحيي فيبحث حقائق الكتاب الموحَى بها
وفوائدها التعليمية.

 

5 –
ماذا قيل في علم اللاهوت الطبيعي؟

* اختلفت الآراء فيه، فقال
قوم إننا لا نقدر أن نتّكل على شهادة الطبيعة بوجود الله وصفاته، لأن الأمور
الطبيعية لا تعلّمنا شيئاً يُوثق به عن الله. وقال آخرون إن شهادة الطبيعة واضحة
جليّة لا نحتاج معها للوحي أصلاً.

 

6 –
ما هو الرد على القول إن الأمور الطبيعية لا تعلّمنا شيئاً يوثق به عن الله؟

* (1) يؤكد الكتاب المقدس
أن أعمال الله تُعلن وجوده وصفاته، ومن ذلك قول المرنم: “السموات تحدِّث بمجد
الله. والفلك يخبر بعمل يديه” (مز 19: 1-4).

(2) يمكن أن يعرف الوثنيون
الله من أدلة وجوده الواضحة في الطبيعة، ومن ذلك قول المرنم في مزمور 94: 8-10
وأعمال 14: 15-17 و17: 24-29. وأكد بولس هذه الشهادة بقوله: “معرفة الله
ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى” (رومية 1:
19-21). ولا شك أن الله أعلن بأعماله عن وجوده وأزليته وقوته ولاهوته، وذلك جوهر
علم اللاهوت الطبيعي.

 

7 –
هل تُغني شهادة الطبيعة عن إرشاد الوحي؟

* لا يستطيع إنسان بدون
إرشاد الوحي أن يعرف شروط الخلاص، فذلك يتوقّف على تعليم الكتاب المقدس الذي منه
وحده نعرف حالتنا الطبيعية، واحتياجاتنا الروحية، وشروط الخلاص، ومَن الذي يناله.
أما الذين يعتقدون أن أعمال الله وحدها تعلِّم ما يكفي لإرشاد الإنسان الساقط إلى
الخلاص فهم العقليون والماديون، الذين ترفضهم كل الطوائف المسيحية. ولقد بحث البشر
عن كيفية تبرير الخاطئ قروناً عديدة ولم يحصلوا على ما يفيدهم لا من ضمائرهم، ولا
من الطبيعة الخارجية.

 

8 –
ما هو الدليل من شهادة الطبيعة على أن الإنسان مسؤول أمام الله بغَضّ النظر عن
الوحي؟

* هذا واضح من رومية 1:
20. ومن الأدلة التي تتّفق مع شهادة الوحي حالة الإنسان وعلاقته بالكون، فالإنسان
بحواسه يبحث عن الأمور الطبيعية، وبوجدانه يبحث عما يختص بحياته الروحية، ويجد في
الخارج والداخل ما لا يقدر أن يعلّله إلا في علاقته بخالقٍ مجيد يستحق الشكر
والحمد والعبادة من الجميع على الدوام. وكلما دقَّق الإنسان في البحث يرى ما يشهد
لمشيئة مبدعٍ عظيم خلق الكائنات لغاياتٍ فائقة ومقاصد سامية، ولا بد أنه صاحب
العقل والحكمة والمشيئة والقدرة. وكلما نظر الإنسان في أحواله الداخلية تحقق أنه
ذو مسؤولية روحية أمام حاكمٍ روحي عظيم، ينبغي أن يقدّم له الإكرام والطاعة
والخدمة اللائقة. وعلى هذا يكون الله الخالق حاكماً أخلاقياً له حق التسلط على
الإنسان. فإذا أشهد الإنسان ضميره وعقله، وأصغى إليهما بإخلاص نال منهما أوضح
شهادة. وإذا أضفنا لشهادة الطبيعة شهادة الوحي وتعاليم المسيح وأعماله وفاعلية
الديانة المسيحية في العالم اتَّضحت لنا عظمة مسؤولية الإنسان أمام الله.

 

9 –
بماذا نردّ على الذين قالوا إن المعرفة اليقينية لا يمكن تحصيلها إلا بالحواس؟

* نرد عليهم بأمرين:

(1) هذا القول لا دليل
عليه.

(2) إنه يخالف الواقع،
فيمكن أن ننال المعرفة اليقينية بوسائط أخرى كثيرة، منها الاختبار الروحي أو
العقلي، والتأمل والتفكير والإصغاء لصوت الضمير، والغرائز التي غرسها فينا الخالق،
وشهادة التاريخ. فإذا أهملنا هذه الوسائط كلها تعذَّر علينا معرفة الحقائق
اللاهوتية، لأن علم اللاهوت مبنيٌّ على شهادة التاريخ للمسيح، والكنيسة المسيحية
التي تأسست منذ مجيئه، وللنبوات وتحقيقها، وعلى شهادة الوحي لله ولتعاليمه ومقاصده،
وشهادة كل مؤمنٍ لفعل الديانة المسيحية في قلبه، وشهادة ضمائرنا وعقولنا
واختباراتنا المختلفة. فالمعرفة المبنيَّة على الشهادة الكافية هي يقينية.

 

10 –
ما هو البرهان على أن علم اللاهوت الطبيعي يؤيد احتياجنا للوحي؟

* (1) يعلّمنا علم اللاهوت
الطبيعي كثيراً عن وجود الله وصفاته وأعماله، ومقاصده، غير أنه لا يكفي لحلّ
المشاكل وسَدّ احتياجاتنا. ولذلك رأى مطالعو كتاب الطبيعة لزوماً لكتابٍ أكثر
إيضاحاً وتكميلاً له، هو كتاب الوحي، الذي بدونه تكون معاملة الله للبشر ناقصة من
جهة التعليم والإرشاد وبيان إرادته، وخاصةً في تعليم الرحمة وإعلان طريق الخلاص من
الخطية والدينونة.

(2) يتَّضح نقص علم
اللاهوت الطبيعي أيضاً من ضعف تأثيره ونقص سلطانه على ضمائر البشر، لأننا لا نسمع
منه أمراً صريحاً بأن ما يعلِّمه هو قول الرب كما يعلن هذا كتاب الوحي. فعلم
اللاهوت الطبيعي ينشئ في قلوبنا شوقاً للوحي الكتابي.

 

11 –
ما هي أقسام علم اللاهوت بحسب مواضيعه؟

* لعلم اللاهوت أربعة
أقسام:

(1) الثيولوجيا: ويبحث عن
الله وصفاته. ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب في وجود الله، وصفاته، والتثليث، وعلاقة
الله بالعالم في قضائه وأعمال الخليقة وعنايته بها.

(2) الأنثروبولوجيا: ويبحث
في الإنسان. ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب عن أصل الإنسان، وطبيعته، وحالته قبل
السقوط، وعن سقوطه، وماهية الخطية وما أحدثته خطية آدم في نفسه وفي نسله.

(3) السوتيريولوجيا: ويبحث
في الخلاص. ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب عن شروط خلاص الإنسان من تجسُّد الفادي،
وأنه إله وإنسان معاً، وعمله، وعمل الروح القدس في تخصيص الفداء للمؤمنين وتجديدهم
وتبريرهم وتقديسهم، ووسائط النعمة.

(4) الإسخاتولوجيا: ويبحث
في الآخرة، ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب عن حالة النفس بعد الموت، وفي القيامة،
ومجيء المسيح ثانيةً للدينونة العامة، ونهاية العالم، والسماء وجهنم.

وقد
زاد بعضهم قسماً خامساً وسمّوه “الإكليزيولوجيا” وهو يبحث في الكنيسة،
ويشمل تعليم الكتاب في ماهية الكنيسة وصفاتها وحقوقها ونظامها.

وقد
بنينا كتابنا هذا على مبادئ ثابتة، نذكر منها:

(1) إن الكتاب المقدس موحى
به من الله، وإنه الدستور الوحيد المعصوم للإيمان والعمل.

(2) إن محور علم اللاهوت
هو المسيح وعمله.

(3) إن الخلاص كما يقدِّمه
الإنجيل هو من الله، بنعمة مجانية وبوسائط إلهية يستخدم الله البشر لإجرائها، غير
أن فعلها العظيم هو بواسطة الروح القدس الذي ينير القلب ويجدّده ويقدسه.

(4) غاية المعرفة الدينية
هي إصلاح الجنس البشري وبنيانه في الأخلاق والقداسة والسيرة اللائقة والخدمة
الخيرية للعالم، وكل ذلك لمجد الله.

 

12 –
كيف استخرجت الكنيسة الحقائق التعليمية اللاهوتية من الكتاب المقدس؟

* كان ذلك بالتدريج، ففي
أزمنتها الأولى استخرجت التعاليم المختصّة بتثليث الله، وشخص المسيح. وفي القرون
المتوسطة استخرجت التعاليم المختصة بالإنسان، ثم استخرجت بعد ذلك ما يتعلّق
بالفداء، أي تعليم التبرير. ولا نقصد أن الكنيسة لم تعرف الحق بتمامه منذ نشأتها،
بل أنها أخذت تلك الحقائق المهمة كمواضيع للبحث الدقيق بالتتابع.

 

13 –
هل يسلِّم الجميع بأن علم اللاهوت يعتمد على حقائق الكتاب المقدس فقط، باعتباره
القانون الوحيد المعصوم لإيمان المسيحيين وأعمالهم؟

* لا، فقد زعم العقليون أن
للعقل سلطاناً في أمور الديانة أكثر مما للكتاب المقدس، أو معادلاً له، فنسبوا
للعقل سلطاناً أكثر مما يحقّ له. وزعم الباطنيون أن للإنسان نوراً داخلياً فوق
طبيعي، يفوق سلطانُه سلطانَ الكتاب أو يعادله. وزعم التقليديون أن سلطان كنيستهم
(وقد اعتبروها معصومةً من الخطأ) بمنزلة سلطان الكتاب المقدس، وأثبتوا أن التقاليد
جزء من الوحي. ولما كان الكتاب المقدس وحده هو المصدر المعصوم لمعرفة أمور الدين،
وجب قبل دراسة علم اللاهوت أن نبيِّن بطلان آراء العقليين، والباطنيين،
والتقليديين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى