اللاهوت العقيدي

الفصل الثاني



الفصل الثاني

الفصل الثاني

علاقة وليمة الأغابي بسر الإفخارستيا

وكيف انفصلت عن
الإفخارستيا واستقلت تماماً

لقد استلمت الكنيسة من
الرسل طقس عشاء الرب كاملاً كوليمة محبة (أغابي) تبدأ وتنتهي بالسر المقدَّس
(الإفخارستيا)، أي تبدأ بسرِّ كسر الخبز، وتنتهي بسرٍّ كأس البركة، ويتخللها عشاء
أو غذاء عادي من جميع الأطعمة والأشربة يشترك فيه جميع الحاضرين.

ولكن لم يدُم هذا الطقس
طويلاً، ففي بعض الكنائس كما في كورنثوس وغيرها من بلاد الغرب، انفصلت وليمة
الأغابي كغذاء عادي عن سر الإفخارستيا مبكراً جداً ربما قبل سنة 70م (1كو 11: 2022).

ونحن نقرأ عن وليمة
أغابي قائمة بحد ذاتها، أي منفصلة عن سر الإفخارستيا في رسالة يهوذا (آية رقم 12):
«في ولائم المحبة التي لكم»
™n ta‹j ¢g£paij Ømîn، وفي رسالة بطرس الرسول
الثانية (13: 2):
«ولائم معكم». وهذه الرسائل مكتوبة فيما بين عام 60م
وعام 80م.

وفي غير ذلك من الكنائس
لم تدُم أكثر من القرن الأول، فلم يأتِ القرن الثاني
([1])، إلاَّ وكل
الكنائس كانت قد جعلت للأغابي طقس صلاة خاصاً وللإفخارستيا طقس صلاة آخر، ما عدا
مصر فظلت وليمة الأغابي متصلة بالإفخارستيا حتى القرن الخامس. وقد جاء ذكرها في
التاريخ الكنسي لكل من
» سوزومين «(19: 7)، و» سقراط «(22: 5)، حيث ذُكر أن المصريين (الأقباط) كانوا حتى القرن الخامس
لا يزالون يقيمون الأغابي في كثير من الكنائس مع الإفخارستيا في كل مصر، من
الإسكندرية حتى طيبة، وكانوا لا يزالون محافظين على طقس العشاء كما استلموه من مار
مرقس الرسول، فكانت الإفخارستيا تُقدم في المساء. كذلك كانوا لا يزالون محتفظين
بالتقويم التقليدي اليهودي القديم معتبرين أن مساء السبت، أي السبت ليلاً وليس
صباح الأحد هو بداية أول الأسبوع، أو مبدأ
يوم الرب » كيرياكي «

[ولا يزال هذا التقويم
معمولاً به في الكنيسة حتى اليوم، إذ أن رفع البخور في مساء السبت يُعتبر عشية
لخدمة صلاة الأحد. وقد استُعيض عنه برفع البخور في العشية عن الإفخارستيا الليلية
كبداية ليوم الرب، ونُقلت الإفخارستيا لتكون صباح الأحد وذلك بسبب تشدُّد الكنيسة
بعد ذلك في الالتزام بالصوم تسع ساعات قبل التناول، الأمر الذي معه يمتنع ممارسته
يوم السبت لأن الكنيسة بدأت تحرِّم الصوم أيام السبت].

أمَّا
وضع الكنيسة القبطية في احتفاظها بالتقليد الرسولي القديم في الجمع بين الأغابي
والإفخارستيا في
مناسبات كثيرة، فقد اعتبره القديس أغسطينوس استثناءً خاصاً
دون كافة الكنائس في العالم
([2]).

ولكن ليس معنى بقاء
وليمة الأغابي مع الإفخارستيا في مصر، أنهما كانا مائدة واحدة بحسب طقس الرب في
العشاء السري، ولكن كانت الإفخارستيا تُتمَّم أولاً وبالكامل، وبعد ذلك مباشرةً
تبدأ وليمة الأغابي.

وسوف يتضح لنا تماماً
الانفصال الذي تمَّ مبكراً جداً بين الأغابي والإفخارستيا، عند فحص
» الديداخي «(تعليم الرسل الاثني عشر عام 100م)،
حيث نجد فيها أنه بعد أن يستنفذ الكاتب كل طقس وليمة الأغابي، يعود مرةً أخرى
ويبدأ في وصف طقس آخر للإفخارستيا، وكل طقس منهما قائم بذاته.

ومن الوثائق الهامة
جداً الوثيقة التي اكتُشفت حديثاً في مصر سنة 1919م باللغة القبطية
([3])، وهي من
مدوَّنات سنة 140م
سنة 170م، باسم » الرسالة
الرسولية
«
وهي من الأبوكريفا، والمعتقد أنها مدوَّنة في مصر، حيث يصف الكاتب
الإفخارستيا
قبل وليمة الأغابي.

أمَّا في النص الأثيوبي
لنفس الوثيقة
([4])، فيذكر الكاتب
الإفخارستيا
بعد وليمة الأغابي.

والمعروف بحسب البحوث
الدقيقة أن قيام وليمة الأغابي قبل الإفخارستيا هو الوضع الأسبق زمنياً حسب
التقليد، والذي تطور بحكم اللياقة الكنسية وقداسة سر الإفخارستيا إلى أن تكون
الإفخارستيا هي الأسبق
([5]).

فنحن
لا ننسى النص الذي أورده بولس الرسول:
» كذلك الكأس أيضاً بعد ما تعشوا «(1كو 25: 11)، الذي يوضِّح أن تكميل سر الإفخارستيا
(أي الشكر على الكأس) يجيء في ختام وليمة الأغابي.

وفي كتاب “التقليد
الرسولي” لهيبوليتس
Apostolic
Tradition of Hippolytus
،
والمسمَّى في المخطوطات ب “النظام الكنسي في مصر” والمعتبَر أساس معظم الليتورجيات،
يبدأ الكاهن (أو الأسقف) بقوله: «الرب مع جميعكم»، ثم «ارفعوا قلوبكم»، ثم
«فلنشكر الرب».

هنا تبدأ صلاة «الإفخارستيا»
بالشكر

أو بصلاة الشكر، وهذا يشير إلى أنه قبل ذلك كانت وليمة الأغابي، والتي لمَّا انتهت
بدأ الأسقف بصلاة الإفخارستيا (على الكأس).

وصلاة الشكر على الكأس
(الإفخارستيا) لا تعني أن نقول
» فلنشكر الله «فقط، ولكنها
كانت تعني أصلاً أن نصلِّي صلاة للشكر (والأصل العبري
» نبارك بركة «Nebarek
Baruk
).

وقد أخذت جميع
الليتورجيات بداية القداس هذه عن هيبوليتس، فصارت
قاعدة «أن تبدأ صلاة
الإفخارستيا بالشكر»،
مع أن صلاة الشكر أصلاً كانت آخر ما يُقال في
طقس العشاء كله.

ولذلك فإن الليتورجيات
أعادت صياغة صلاة الشكر هذه التي كانت تُقال أصلاً على وليمة الأغابي والإفخارستيا
معاً من أجل الطعام في النهاية، حتى تتناسب مع بداية الإفخارستيا أي (القداس)،
وصار لكل ليتورجيا بداية شكر خاصة. ولكن عموماً صار مضمون الشكر من أجل الخليقة
كلها والخلاص.

وعلى العموم فإن
الإفخارستيا بالرغم من التحامها بالأغابي في كثير من كنائس مصر في القرون الخمسة
الأُولى، إلاَّ أنها كانت ذات طقس محدد قائم بذاته وبداية محددة، ولا يحضرها إلى
المؤمنون المعمَّدون الذين جرت توبتهم على يدي الأسقف أو الكاهن. وكانت إقامة
الإفخارستيا بعد الأغابي تقتصر على مناسبات معينة، أمَّا في المناسبات الرسمية
الأخرى فكانت الإفخارستيا تُقام وحدها بطقسها الرسمي الخاص، مثل رسامة الأسقف أو
الكهنة، وفي أيام الأحاد.

وانفصال الإفخارستيا
طقسياً عن الأغابي من الأصل، سهَّل انفصالها بعد ذلك نهائياً من حيث الزمان
والمكان والترتيبات. فلم تعد الأغابي إلاَّ ولائم محبة قائمة بذاتها لمناسبات
وأعياد القديسين وموالد (أي تذكار يوم استشهاد) الشهداء، والمآتم أو الأفراح، أو
تكريس الكنائس، أو بعد رسامة الأساقفة والكهنة، أو في كنائس القرى النائية حيث لا
مفر من إطعام المسافرين.

وظلت ولائم الأغابي
محتفظة بطقسها الأول الوقور، كما استلمتها الكنيسة من الرب نفسه، حيث لا يحل
إقامتها إلاَّ بأمر الأسقف أو بحضوره أو حضور الكاهن، ولكن ليس داخل الكنيسة بأي
حال من الأحوال، وذلك بمقتضى قوانين مجمع
» لاودكيا «والمجمع
الثالث بقرطاجنة في شمال أفريقيا عام 391م الذي فيه حُتِّم الصوم قبل التناول،
ونُقل بالتالي ميعاد الإفخارستيا من المساء إلى الصباح (قانون 44و45). ولا يكون
المصلِّي على الخبز والخمر في الأغابي إلاَّ الكاهن.

وقد انقطعت هذه الولائم
من مصر من مدة طويلة، ولكن ظلت باقية في الأديرة بنظامها وميعادها أي بعد
الإفخارستيا مباشرةً يوم السبت مساءً (قديماً)
([6]) حتى نهاية
القرن الرابع، ثم استقرت بعد ذلك لتكون في يوم الأحد صباحاً حتى إلى زمن قريب.

وكان منوطاً برئيس
الدير، أن يكون هو المصلِّي على الأغابي، ويكون هو القارىء لكتاب
» بستان
الرهبان
«على المائدة ويكون هو القائل البركة (الشكر)
أولاً وأخيراً.

 

دراسات دقيقة لكلٍّ من
العالِم ليتزمان وريتشاردسن

تُلقي أضواء جديدة على
الأغابي في كلٍّ من مصر والحبشة

 

يقول العالِم ليتزمان:

}المصدر الأساسي لوصف
هذا العمل (الأغابي) هو النظام الكنسي (لكنيسة مصر) لهيبوليتس. وتقدمه النسخة
اللاتينية في أقدم وضع له. ولكن النسخ الشرقية لها قيمتها البالغة لأنها تقدم
إضافات أساسية متفقة مع الممارسات التي تمارسها كنائس الشرق.

الأغابي وتسمَّى “عشاء
الرب”
([7]) de‹pnon kuriakÕn كانت لا تُقام أصلاً في الكنائس ولكن في البيوت([8])، أي في بيت
شخص خاص كمُضيف يبعث دعوة للوليمة ويتحمل مصاريفها.

وعادةً
يرأسها أسقف وفي غيابه كاهن أو شماس يؤدي عمله، ولكن يمكن أن يُقام
الاحتفال بدون إكليروس، ولكن في هذه الحالة
لا يكون لها طابع الليتورجيا وتُحتسب وليمة فقط.

يجلس المؤمنون
(المعمَّدون فقط) على المائدة، أمَّا الموعوظون فيقفون.

+ وفي بداية الوليمة
يأخذ الأسقف أو مَنْ يمثله (ليس علمانياً بأي حال) خبزة ويقول عليها الشكر
([9])، وبعد ذلك
يقسِّمها ويوزعها بين المؤمنين الذين يستلمونها من يده (في قانون 47 من قوانين
هيبوليتس في النص الصعيدي يقول إنهم يستلمون من يد الأسقف جزء الخبز
kl£sma قبل أن يكسر أحدٌ خبزه الذي أمامه.)([10])

+ هذا الخبز يُسمَّى
الأولوجية
eÙlog…a بعد الصلاة عليه.

+ أمَّا الموعوظون فمحرَّم
عليهم هذا الخبز، وبدلاً عنه يأخذون “خبز الاستحلاف” أي خبز يصلِّي عليه الأسقف
خاصةً لهم ليكون بمثابة إعلان لجحد الشيطان.

وكل مشترك في الوليمة
له كأس خاص به أمامه يقول عليه الشكر (النسخة الصعيدية توضِّح جداً أن الجميع
ملتزمون أن يقولوا البركة كقانون 48 لهيبوليتس): “وإنه محتَّم على الجميع قبل
الشرب أن يأخذ كل واحد كأسه ويقول الشكر
eÙcariste‹n عليه ويشربه ثم يأكل وبهذا يطهِّرون أنفسهم”.

وعليه قبل أن يشرب أو
يأكل أن “يذكر” صاحب الوليمة بالشكر والتمنيات.

+ وهذه الصلوات “تطهِّر” الذي
يصلِّي بها من الشيطان وأفكاره الشريرة ومن الخطايا الصغيرة، وهكذا يشترك في
الاحتفال وهو بحال الطهارة أو
“قديس” ¤gioj.

+ وفي أثناء الأكل، على
“الضيوف
الحاضرين”

أن يسلكوا بلياقة وترتيب ولا يكون بينهم شوشرة أو نزاع أو عدم نظام. حتى إذا
تكلَّم الأسقف يمكن أن يسمعه الجميع في صمت واحترام.

+ ولكن قد رأينا([11]) أن في
النظام الكنسي لهيبوليتس يوجد أيضاً احتفال أغابي من هذا النوع داخل الكنيسة.

+ وتوجد نسخ شرقية
محفوظة حتى الآن في الكنائس الشرقية يعطي فيها
“قانون هيبوليتس” الذي هو
استخراج قوانين من “النظام الكنسي” الأقدم منه
يعطي
مواصفات أخرى للأغابي بطريقة أخرى مختلفة تماماً
([12]).

والاختلاف قائم بين
نوعين: أغابي تسمَّى
kuriakÕn de‹pnon ووليمة أخرى تُسمَّى أنامنيسيس ¢n£mnhsij
من أجل الراحلين.

+ أمَّا وليمة عشاء الرب حسب قوانين هيبوليتس فهي
تبدأ قبل المغرب في نفس الوقت الذي تنص عليه قوانين التقليد اليهودي القديم.
وتستمر الوليمة حتى بداية دخول الظلمة.

+ وفي وقت إشعال النور
(إيقاد المصباح)، الذي هو من وظيفة الشماس، يكون الأسقف موجود
حتماً. والانصراف
يكون قبل دخول الظلام الكامل.

+ وفي بداية الأغابي
(التي “لعشاء الرب”) ويوجد مَن يترجمها “وفي بداية الأسرار” يُعطَى كل المشتركين
“الإفخارستيا”.

+ يصلِّي الأسقف من أجل “الضيوف الحاضرين” ومن أجل المُضيف صاحب
الوليمة.

+ وينتهي الاحتفال بالتسبيح بالمزامير.

+ أمَّا وليمة التذكار فهي لها نفس الملامح ولكن لا تُقام يوم
الأحد (أو السبت)
([13]).

+ وفي البداية يتناول المشتركون
الإفخارستيا وهم وقوف، وطبعاً من كلا السرَّين (دائماً يُقال: “من الأسرار”، وهنا
الترجمة خاطئة لأن المقصود هو سر الخبز وسر الخمر أي السرَّان وليس الأسرار، ولكن
ليس في اللغة اليونانية ولا القبطية المستخدمة في الكنيسة
مثنَّى.
فكلمة “الأسرار” التي تُطلَق على الإفخارستيا خاطئة وتصحيحها: من “السرَّين”).

+ بعد توزيع الإفخارستيا على المؤمنين، يبارك الأسقف على خبز خاص
آخر ويوزِّعه على الموعوظين ويُسمَّى “خبز الاستحلاف”.

+ وكل واحد من المؤمنين بعد ذلك يجلس وتبدأ الوليمة
ويتحتَّم أن تكون بسلوك موقَّر ونظام.

وكل التعليمات هنا
تتطابق مع ما جاء في نظام الكنيسة لهيبوليتس.

أمَّا في الترجمة
الأَثيوبية من النظام الكنسي لهيبوليتس، فبعد التوجيهات اللاحقة لقانون 37
والمطابقة للنص اللاتيني تبدأ مباشرةً إضافات أخرى تتقارب في نقاط كثيرة مع قوانين
هيبوليتس، ولكنها تقدِّم شكلاً آخر جديداً للأغابي، فيها تظهر ملامح مصرية
صميمة تشهد بقدمها وأصالتها.

+ نحو المساء يبدأ الاحتفال.

عند وصول الأسقف يستحضر
الشماس مصباحاً ويوقده.

الأسقف مع الشعب يتلون
الحوار: “الرب مع جميعكم”
“ومع روحك أيضاً” “فلنشكر
الرب”
“مستحق
وعادل”.

ولكنه يخلو من “ارفعوا
قلوبكم” المحفوظة فقط للإفخارستيا.

والأسقف يقدِّم الشكر
من أجل موهبة النور إلى المساء، كلا النورين: النور للعين والنور للعقل.

+ وتبدأ الوليمة العادية، وفي نهايتها يقف كل واحد من مقعده حيث
يبدأ الأطفال من
البنات
وأولاداً بتلاوة صلوات المزامير استعداداً للنهاية الأخيرة للوليمة.

+ يأخذ كل من الشماس والكاهن “كأس الذبيحة” في أيديهما
على التوالي وكل منهما يتلو مزموراً من مزامير “الهلِّلويا” حيث يرد المشتركون
بهلِّلويا.

+ ثم يبدأ الأسقف أيضاً بعد أن يقدِّم الكأس كالواجب، يقول الشكر
على الخبز ويقسِّمه ويوزِّعه. وبهذا تنتهي الوليمة.

وبجوار هذه النصوص
الواردة في النظام الكنسي لهيبوليتس، نقدِّم ما سجَّله ترتليان في دفاعه رقم 39/16،
الذي به ينفي الادَّعاءات عن اجتماع المسيحيين:

+ تختص الوليمة بالأكثر وتسمَّى
وليمة المحبة أيضاً
بالفقراء من المؤمنين.

+ تبدأ الوليمة بصلاة تُقال والجميع وقوف.

+ ثم يجلس الجميع ليأكلوا ويشربوا باعتدال. ويتحادثون فيما يخص
الوليمة.

+ في نهاية الأكل
يدورون بالماء
كالعادة لغسل
الأيدي
([14]).

+ تُضاء الشموع.

+ يتسابق الحضور في
تقديم الأعمال الروحية.

+ يتقدم القادر لقراءة
الأسفار ويرنِّم المزامير ويقدِّم المجد لله بكلمات خاصة من عنده أو بأشعار
(ترانيم) يؤلِّفها هو.

+ تنتهي الوليمة بعظة
ثم الصلاة.

وهكذا حينما نفحص جميع
هذه التقارير بدقة نجدها تتلخص جميعها في
«غذاء جماعي» يرافقه
طقس خاص لكسر الخبز والأكل من رغيف واحد تقدَّس بالصلاة. وذلك كنواة أساسية في
جميع هذه الطقوس.

ولكن يمكن تمييز طقسين:

الأول: من هذه
النصوص:
طقس
يختص “بنظام الكنيسة لهيبوليتس” و“قوانين هيبوليتس”،
وفيه يتم “كسر الخبز”
قبل الأكل.

والثاني:
طقس آخر هو طقس الحبشة (أثيوبيا)، وفيه يتم “كسر الخبز” بعد
الأكل من الوليمة.

وللأسف فإن ترتليان لا
يعطينا أية معلومات عن هذه النقطة. كذلك فإننا نرى أن طقس
قوانين
هيبوليتس
هو
في الحقيقة تطور عن طقس
“النظام الكنسي” لهيبوليتس حيث:

(1) أصبح “كسر الخبز” =اشتراك
في الإفخارستيا!

(2) وصلاة الشكر من أجل
المُضيف التي كان يقولها كل واحد بمفرده أصبح يقولها الأسقف عن الجميع.

لذلك فإن “قوانين
هيبوليتس” لم تعد تُحسب كأصل الأغابي.

أمَّا الاحتفال اليهودي
الذي كان يحدِّد الدخول إلى يوم “السبت”، فإنه يتصل اتصالاً وثيقاً بهذه الأشكال
المتعددة للأغابي. ونحن سنكتسب معرفة أعمق إذا ما فحصنا المقارنة بين هذه النصوص.

أمَّا طقس الصلاة
الاحتفالية الخاصة “بتحديد الدخول في يوم السبت” المسمَّاه “قدوش السبت”:
Sabbath Kiddush والتي تُقام مساء الجمعة (بعد السادسة مساءً والمعتبرة أنها هي
الساعات الأُولى ليوم السبت) فهي بحسب كتب الصلوات اليهودية كالآتي:

تعليمات بخصوص البركة
على الخمر في الاجتماع المقدَّس، والتحذير من أجل عدم تناول أي شيء قبل أن يباركها
المتناول منها:

بصوت منخفض: وكان مساء
وكان صباح.

بصوت مرتفع: اليوم
السادس (الجمعة)

واكتملت السماء والأرض
وكل جندها،

وفي اليوم السابع أكمل
الله كل عمله الذي عمل،

واستراح في اليوم
السابع من كل عمله الذي عمل،

وبارك الله اليوم
السابع وقدَّسه، لأنه استراح فيه من كل أعماله التي عملها الله وخلقها.

هذا هو إيمان معلمينا
وكل الربيين وكل السلطات.

على الكأس: مبارك أنت
أيها الرب إلهنا ملك الدهور الذي خلق ثمر الكرم.

مبارك أنت أيها الرب إلهنا
ملك الدهور يا مَنْ قدَّستنا بوصاياك وأنعمت علينا، وبمحبتك ونعمتك ورَّثتنا سبتك
هذا المقدَّس،
كذكر الخليقة التي كانت منذ البدء. لأن هذا
اليوم هو بدء “الاجتماعات المقدَّسة”،
ذكر الخروج من مصر،
لأنك أنت
اخترتنا
وقدَّستنا

فوق جميع الشعوب وجعلتنا بمحبتك ونعمتك وارثين لسبتك المقدَّس.

مبارك أنت يا رب الذي
قدَّست السبت.

على الخبز: (وبعد هذا
القدوش، تقال البركة على
“رغيفين خبز”).

وعند كسر الرغيف الأسفل:
مبارك أنت أيها الرب إلهنا ملك الدهور الذي أخرجت الخبز من الأرض.

وبعد الأكل يقول:

» عندما رد
الرب سبي صهيون، حينئذ امتلأ فمنا فرحاً ولساننا تهليلاً

«[15]). ويقولون
البركة على الكأس ويسبحون التسابيح.

وعندما قام البحَّاثة ج.
إلبوجين
([16]) بتتبع تطور
قداس السبت في عصر التلمود، أي في القرنين الأول والثاني المسيحي، وجد أن الوليمة
كانت تبدأ بعد الظهر في وقت متأخر يوم الجمعة، حتى إنه أثناء الوليمة ينتشر حجاب
الظلمة ويبتدىء يوم السبت (بعد الساعة السادسة مساء) وحينئذ يتحتم تحية السبت
(بالبركة على الكأس). وتكون الوليمة في البيت والمشتركون يجمعهم طقس أخوي “حبوراه”.

وينص تلمود بابل([17]) أن رابي
عوص بن قلفطا (حوالي 150م) يقول:

[إنه من المعتاد أن
يُشترك في الوليمة حتى تدخل الظلمة وحينئذ يُملأ الكأس الأول وتقال عليه البركة،
بركة الطعام، وعلى كأس آخر تُقال “بركة اليوم”].

ثم يكتب ملاحظة يقول
فيها (إن هذا القانون الخاص برابي عوص هو خاص بأيام السبوت وأيام الأعياد ولكن ليس
الفصح).

وتقول مدرسة شماي
إن “بركة اليوم”
تقال ثم تقال بعدها بركة الخمر (الطعام) أمَّا مدرسة هلليل
فتقول إن بركة الخمر تقال أولاً وبعدها تقال “بركة اليوم”.

وقد تغلبت مدرسة هلليل
وصارت هي القانون السائد.

ومن هذا النقاش الحاد
يتبين كيف كانت تتوقف الوليمة في حالة بدء الدخول في ساعات يوم السبت الأُولى لكي
تُقال (صلاة الشكر) مردات بركات يوم السبت
([18])، ونرى من ذلك
أن بركة السبت لم تكن تقال في أي حال في بداية الوليمة
بل في بعض
الحالات كانت تُرْجَأ حتى نهاية الوليمة.

وقد أوضح العالم
“إلبوجين” أن هذا الاحتفال الخاص بقداس السبت، الذي كان في أصله شعبياً خالصاً،
كيف انقلب
وصار أثناء سبي بابل خدمة داخل المجمع،
ثم كيف أنه إزاء
الاحتجاج الذي قام للدفاع عن ضرورة جعل تلاوة “القداس” في المكان الذي تقام فيه
الوليمة، أن اضطر إلى إقامة
حجرة مجاورة للمجمع يقدم فيها الطعام، حيث تطور
هذا الوضع وصار يقال القداس في المجمع (254 ق.م) على الأكل أيضاً بالنسبة
للمسافرين.

وعلى أي حال فمن هذه
الأبحاث يظهر أن شكل هذا الطقس المسمَّى بقداس السبت
Sabbath Kiddush بكل لغته في وضعه القديم أيام السبي قبل الميلاد ظل يمارس كما هو
عند اليهود حتى الآن. حيث يظهر بوضوح أن بركة الخبز تأتي دائماً في البداية:

ويقول التقليد اليهودي:

[في السبت (مساء
الجمعة) يلزم أن يُبارَك على رغيفين خبز لأي سبب؟ لأنه مكتوب في خر 2:
16: “ثم كان في اليوم السادس أنهم التقطوا خبزاً مضاعفاً” (من المن الذي كان ينزل من السماء). ولكن نحن رأينا رابي “هابانا” قد أخذ
خبزتين ولكن كسر الواحدة “السفلى” فقط].

وهكذا فإن التميز الخاص
لوليمة السبت في مباركة الخبز هو أنه يتم على رغيفين.

وفي المدراش اليهودي في
شرح تأملي أخروي على ما جاء في التكوين 8: 21 عندما فُطم إسحق وهو صغير:

[إن “المبارك”
التسبيح لاسمه (نبوة عن المسيح) سوف يعد وليمة الأسرار في اليوم الذي
فيه سيعلن رحمته لذرية إسحق: فبعد أن يكونوا قد أكلوا وشربوا، سيقدمون “كأس
البركة” لأبينا إبراهيم لكي يقول عليه البركة ولكنه سيرد عليهم: لا أستطيع أن أقول
البركة لأنه مني خرجت ذرية إسماعيل ومن بعده (أُعطيت الكأس إلى) إسحق
ثم يعقوب ثم موسى ثم يشوع، الكل استعفى. كذلك وأخيراً أعطى الكأس لداود فهذا أخذه
وقال هذه الكلمات: سأنطق البركة وإنه ليليق بي أن أفعل هذا فقد قيل
» كأس الخلاص
آخذ وباسم الرب أدعو
«(مز
13: 116)].

وهكذا
فالوليمة الأرضية التي كانت مستخدمة قديماً تعكس بالضرورة صورة هذه الوليمة
السمائية، التي فيها تأتي البركة على الكأس “كأس البركة” في آخر الوليمة حيث تقال
عن جميع الجالسين على المائدة. وكان الكأس حسب مدونات الآثار العبرية ورسومها
يُصنع من الزجاج([19]).

والآن
علينا أن نقارن بين صورة الوليمة كما رأيناها في طقسها اليهودي القديم في التلمود
وبين الوصف الذي تمدنا به مخطوطة النظام الكنسي لهيبوليتس عن الأغابي في العصر
المسيحي.

وفي الحقيقة نجد في
الحال أن الملامح الأساسية المميزة هي واحدة في الاثنين:

في بدء الوليمة تتم
البركة على الخبز. ويُكسر رغيف. وتُوزَّع الكسر على الحاضرين على المائدة. ولكن كل
واحد يقول البركة لنفسه على الكأس. وبعد ذلك تبدأ الوليمة.

وحتى ما جاء في النسخة
اليوناني والقبطي الصعيدي (قانون 47) بخصوص أن الأسقف يلتزم أن يذوق الخبز الذي
باركه وقسَّمه([20])،
نجد أن التلمود نظيره تماماً: [إن مَنْ يقول البركة عليه أن يذوق].

ولكن في هيبوليتس لا
نجد
» كأس البركة «في نهاية الوليمة. أفلا
يُعتبر هذا اختلافاً أساسياً عن الطقس اليهودي؟
{

انتهى كلام العالِم
ليتزمان عن الأغابي

Lietzmann, Mass and Lord’s Supper, pp. 161-171.

(الرد من عندي: لقد رفع
التقليد الرسولي بحسب هيبوليتس كأس البركة من طقس الأغابي نهائياً وأضافها إلى سر
الإفخارستيا بعد العشاء بعد أن قدَّسها المسيح وجعلها كأس دم العهد الجديد
هذه بديهية، وأنا منذهل كيف تفوت على رجل عظيم مثل هذا!)

ويعود العالِم
ريتشاردسن معقِّباً:

[لقد لفتَ انتباهنا
العالِم
K. G. Kuhn لاصطلاح هام ورد في طقس مائدة النسَّاك في وادي القمران: بخصوص
كلمة “راشيت”
reshit، وهي تعني أول لقمة “ملء الفم” من الخبز والخمر معاً التي يأخذها
الكاهن المترئس على المائدة في طقس جماعة القمران وهي تشير في العهد القديم إلى
“الجزء المختار المختص” أو “النصيب الأول” من الذبيحة الذي كان يوضع على جانب حتى
يأتي الوقت ليأكلها الكاهن ([21]).
]([22])

وفي شرحه للأغابي في
طقس وادي القمران يقول نفس العالِم:

[وعند بحث الأدراج التي
اكتُشفت قدَّم لنا العالِم
K. G.
Kuhn
هذه الرسالة باعتبارها
قيِّمة للغاية بالنسبة لأصول الإفخارستيا المسيحية. وقد أعطانا ترجمة دقيقة لإحدى
صفحات هذه المخطوطات الخاصة بالقمران وهي المسمَّاة:
» دليل
التلمذة
Manual of Discipline «الذي يصوِّر مسيَّا إسرائيل وكأنه حاضر:

» وعندما
يتلاقون جميعاً على مائدة الشركة “
Communal
table
” ليشربوا الخمر، وحينما
تصير مائدة الجماعة معدَّة والخمر ممزوجاً للشرب، ليس مسموحاً لأحد أن يمدَّ يده
نحو النصيب الأَول من الخبز أو الخمر قبل الكاهن، لأنه هو الذي يقول البركة على
الجزء الأَول من الخبز والخمر ويمد يده أولاً للخبز.

ولكن
سيكون فيما بعد أن مسيح إسرائيل هو الذي سيمد يده إلى الخبز، وبعد ذلك يقول كل
أعضاء الجماعة البركة كل واحد بحسب رتبته (بالترتيب)
. «[23])

وهذا القانون يسري على
كل وليمة لا يقل الحضور فيها عن عشرة رجال. ويعلِّق على ذلك العالِم
K. G. Kuhn قائلاً:

» والآن يتبين
لنا في هذا الطقس أن بركة الكاهن على الخبز والخمر تحدث في بداية الوليمة ويأتي
الخمر بعد الخبز مباشرةً. وهذا يشكِّل أمامنا “طقساً خاصاً” يتبع التعليم
السرِّي عندهم
Disciplina arcani الذي لا يُعرف إلاَّ عند أعضاء
الجماعة الداخلة في النظام، ولا يجوز أن يُكشَف للخارجين
«]([24])

ويعلِّق ريتشاردسن
قائلاً:

[إن مسألة “مد اليد” بالنسبة
للكاهن في الأَول أو بالنسبة لأعضاء الجماعة ليست هي مسألة تناول الطعام بل “لعمل
البركة” على الخبز والخمر. ولكن أي سرِّية في هذا الطقس أو في هذا الترتيب؟]
([25])

أمَّا تعليقنا على
اعتراض ريتشاردسن فهو:

الواقع أن السرية هي
فيما كان يُقال وفيما كان يُعتقد، وخصوصاً بالنسبة لربط هذه المائدة بالمسيا. أي
أن الحضور والاشتراك في هذه المائدة كان يحمل بينهم سر مجيء المسيَّا، وهذا كان سر
الأسرار عندهم الذي من أجله
» بالجهد كانوا يعبدون
الليل والنهار.
«(أع 7: 26)

ولكن من حيث الطقس نفسه فهو ليس منطبقاً على العشاء
الأخير إلاَّ في مضمونه الروحي وفي عمقه الرؤيوي وحسب.

أمَّا الفارق الجوهري
بين مائدة الأسينيين ومائدة الرب، أن في الأولى الرب غائب، وأمَّا في الثانية فهي
مائدة الذين كانوا ينتظرونه.

مائدة الأسينيين رمز
ونبوة وظلال في الأقوال وفي الأكل والشرب، ومائدة الرب تحقيق وحضور ومأكلٌ حقٌّ
ومشربٌ حقٌّ.

مائدة الأسينيين خبز
الدموع والتوسُّل والشقاء وخمر المرارة من طول الجفاء والانتظار، أمَّا مائدة الرب
فخبز الحياة النازل من السماء وخمر العهد دم المسيا المسكوب على الصليب لخلاص
العالم.

المسيح لم يأخذ النظام القديم
بطقوسه ليطعِّمه بشيء جديد أو بقول جديد، ولكنه أخذ النظام القديم ومن خلاله ألغى
كل النظام القديم!!! وبفصحه أُلغي الفصح.

العشاء الأخير بعد
استعلان المسيح فيه من خلال نفس الخبز ونفس الخمر، أصبح لا يمتُّ بأي صلة إلى
موائد الأسينيين أو اليهود أو أي شيعة مهما تطابقت الأوصاف والأقوال ونوع الخبز
والخمر وترتيبهما. لأن في العشاء الأخير لم يَعُد خبز ولم يَعُد خمر ولم تَعُد
البركة بمفهومها القديم ولا عادت
كل
المطلوبات في كل الصلوات القديمة، بل صار جسد ودم وبركة حياة لا تزول وطلب شركة في
السماء وصلوات لكي تلتحم أعضاء الجسد وتأتي النعمة ويزول العالم!!

حينما كان المسيح
يكلِّمهم عن الملكوت بصيغة الحاضر كان يصفه كما يراه ماثلاً فيه هو نفسه، وحينما كان يتحدث عن الملكوت بصيغة المستقبل كان
يصفه كما سيراه المؤمنون عندما ينفتحون عليه.

 

عِظم قيمة وليمة
الأغابي

وبقايا هذا الطقس
ممثَّلة في «لقمة البركة»

 

ويهمنا أن ندرك قيمة
الأغابي كوليمة محبة بين المؤمنين، فهي كانت تخدم بحد ذاتها روح المحبة، كعنصر
أساسي في سرِّ الإفخارستيا، لكونها تربط فعلاً بين القلوب والأشخاص والطبقات، لذلك
كانت ذات نفع عظيم في الكنيسة لتقارب المؤمنين وتكميل وحدانية الروح في الجسد
السري للمسيح بالإفخارستيا، وخصوصاً بين المتناقضات: الفقراء والأغنياء، الأسياد
والخَدَم، الخصوم والأصدقاء. فالأغابي، كلقمة محبة وبركة وفرصة للتعليم وشرح الكتب
والوعظ، كانت جزءاً هاماً في الإفخارستيا، بل وفي العبادة المسيحية عموماً.

ولا تزال الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية تحتفظ ببقايا طقس الأغابي كجزء حي من صميم جسم الإفخارستيا.
فلقمة البركة، التي تُسمَّى لقمة “القسمة” خطأ وصحتها لقمة “الإسمه” حيث “الإسمة”
هي “الإسمو”
`Cmou أي البركة، وهي نفسها
باليوناني أيضاً تسمَّى
الأولوجية، هذه اللقمة
هي بقايا طقس وليمة الأغابي. يحرص الكاهن حالياً على أن يوزعها بيديه لتصل إلى كل
بيت، وخصوصاً للمرضى والضعفاء والذين تعذَّر حضورهم للتناول من الإفخارستيا.

وبقايا هذا الطقس
القائم الآن في توزيع لقمة البركة هو جزء أساسي في طقس ليتورجيا الإفخارستيا،
إشارةً إلى وحدة وليمة الأغابي مع الإفخارستيا قديماً وتكميلاً لمفهوم الوحدة بين
المؤمنين بالجسد والروح، ويتحتَّم توزيعها بعد التناول تماماً، لأن الأغابي موضعها
أصلاً بعد الإفخارستيا، حيث كانت كل البكورات والقرابين وعطايا الشكر
(الإفخارستيات) تُجمع حيث تُعمل منها هذه الوليمة.

كذلك فتوزيع لقمة
البركة محدد ميعاده في صميم الطقس بوقت تلاوة البركة (الأولوجيا) الأخيرة بعد
القداس، فهي لقمة بركة بسبب هذه البركة التي يتلوها الكاهن عليها في نهاية القداس.

ومن المناسب بل ومن
الضروري أن يحمل الشماس الطبق الذي فيه خبز البركة على يديه أمام الكاهن وهو يتلو
هذه البركة الأخيرة، لكي تحمل اللقمة هذه البركة إلى أصحابها وفي منازلهم.

وفي شرح قانونية خروج
لقمة البركة من الكنيسة لتوصيلها إلى منازل المرضى والمتغيبين الذين تغيَّبوا عن
ضرورة، نجد بعض القوانين تحرمها وبعض القوانين لا تمنعها. ولكن هذا الخلط ناشىء من
أن الإفخارستيا نفسها كان يأخذها المؤمنون إلى بيوتهم، وذلك عندما كان
الطقس في توزيع الإفخارستيا يسهِّل ذلك، لأنه كان يُعطَى لكل متناول جزء الجسد في
يده وهو بحريته يضعه في فمه، من هنا كان المؤمنون يحتفظون بجزء من الجسد في أيديهم
ويأخذونه معهم إلى بيوتهم. فلما حرَّمت الكنيسة هذا الوضع بقوانين مشدَّدة (سوف
نعرض لها في موضوع الإفخارستيا)، جاء في سياق هذه القوانين أنه ممنوع أخذ
الأولوجية خارج الكنيسة، حيث يُقصد بالأولوجية الإفخارستيا نفسها لأنه كان لا يوجد
أي فارق في الكلمة ومضمونها آنئذٍ.

من هنا التبس الأمر على
الشرَّاح الذين أتوا في وقت متأخر وظنوا أن الأولوجيا المقصودة هي لقمة البركة
العادية التي توزَّع في نهاية القداس، في حين أن الأولوجيا الحالية تمثِّل بقايا
عطايا الشعب من قرابين وهدايا وإفخارستيات (أي نذور شكر على استجابة الله لهم في ضيقاتهم)،
وهي كانت توزَّع غالباً على الفقراء وتُرسل لهم إلى بيوتهم.

ونحن ننقل للقارىء هنا
نص القانون الذي وضعه البابا ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية الثالث والعشرون (في عداد
باباوات الإسكندرية)، والذي يتضح منه أن بعد كمال التناول كان يتبقَّى عطايا الشعب
وبكورهم ونذورهم وخمرهم التي قدَّموها، والتي صارت من أجلها “أوشية القرابين”،
والتي أُخذ منها الخبز والخمر اللائقين للذبيحة:

[وعلى الكهنة والشعب
(المتناولين) أن يقسِّموا فيما بينهم كل قرابين الإفخارستيا
Eucharist of Oblations بعد أن يكونوا قد تناولوا. ولكن لا يُسمح لأي موعوظ أن يأكل أو
يشرب منها.
]([26])

وواضح أن الأولوجية
الحالية تقوم الآن موضع الإفخارستيا قديماً، التي يحملها الشعب معه إلى منازله،
وهي تؤُخذ على أنها خبز مقدَّس.



اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى