علم الاخرويات

الفصل الثاني: الأرواح الشريرة



الفصل الثاني: الأرواح الشريرة

الفصل
الثاني: الأرواح الشريرة

من
هو الشيطان؟ هل هو الأعمال الشريرة؟ كما يُقال لنا؟ وهل هناك وجود له؟
.

أولاً:
هل للشيطان وجود؟

النزعة
الحاضرة إلى إنكار الشيطان:

1-
في الماضى كان البشر يميلون إلى رؤية الشيطان في كل شاردة وواردة، وأن ينسبوا إلى
عمله المباشر كل شرّ ومرض وويل. أما اليوم، وقد شاعت ذهنية جديدة تتّسم بالتنقيب
عن الأسباب الطبيعية لمختلف الظواهر، وازداد من جرّاء ذلك تحكّم الإنسان في سياق
الطبيعة والحياة، فقد تفشّت نزعة مضادة إلى إنكار وجود الشيطان، بحيث يُنْسب إلى
أسباب طبيعة وخلقية كل ما كان سابقًا ينسب إليه
.

 

شهادة
يسوع وكبار أتباعه:

2-
النزعة هذه منتشرة حتى بين المسيحيين. ولكنها تصطدم بتأكيدات المسيح الصريحة
.

 

فيسوع
قد واجه شخصيًا الشيطان طيلة رسالته
.

 

صحيح
أنه، كإنسان بالفعل لا بالظاهر وحسب، تبنّى تصورات عصره من حيث نسبة الأمراض،
والنفسية منها بنوع خاص، إلى الأرواح الشريرة
.

 

ولكن
الأمر يذهب عنده على أعمق وأبعد من هذا
.

 

فقد
اختبر الشيطان خصمًا قويًا وعنيدًا لخطة الله من أجل إحياء الإنسان وتحريره،
واختبر سلطانه الرهيب على البشر وسماه
(رَئِيسَ هَذَا
الْعَالَمِ
) (يوحنا 14:
30
)، واختبر
رسالته على أنها تدمير مملكة الشيطان لإقامة ملكوت الله على أنقاضها
.

 

لقد
خاض يسوع ضراوة هذا الصراع حتى النهاية، حتى ساعة الظلمة:
(إِذْ كُنْتُ
مَعَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ فِي اَلْهَيْكَلِ لَمْ تَمُدُّوا عَلَيَّ
اَلأَيَادِيَ.وَلَكِنَّ هَذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ اَلظُّلْمَةِ
) (لوقا 22: 53) حيث تمكن
الشرير في الظاهر من القضاء عليه عن طريق مؤامرة رؤساء شعبه، ولكن انتصاره الظاهرى
انقلب عليه وتحوّل بالقيامة إلى شر هزيمة له
.

 

لأن
المسيح بالموت وطئ الشر والموت ودخل إلى عقر دار العدوّ ليفجرها من الداخل
. (يَسُوعُ
النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ
وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا أَنْتُمْ
أَيْضاً تَعْلَمُونَ. هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ
الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ
وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ إِذْ
لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ:
كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي لِكَيْ لاَ
أَتَزَعْزَعَ. لِذَلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي
أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي
الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ
الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ
) (أعمال الرسل
2: 22 – 28
).

 

هذا
وإن كبار الروحانيين الذين ساروا في أثر يسوع المسيح، شاركوه في اختباره هذا
.

 

من
الرسول بولس الذى كتب:
(الْبَسُوا سِلاَحَ اَللهِ الْكَامِلَ
لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ
مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ
السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ
أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ]
(أفسس 6: 11،
12
).

 

إلى
أنطونيوس الكبير الذى صمد ضد تجارب شيطانية مريعة داهمته
. إلى
الفيلسوف الأورثوذكسى الوجودى الكبير نقولا بردياييف الذى سمعت المطران جورج خضر
ينقل عنه، وقد عرفه شخصيًا أثناء دراسته في المعهد اللاهوتى الأرثوذكسى في باريس،
أنه يقول أنه اختبر شخصيًا وجود الشيطان.

 

إن
يسوع المسيح، الذى من فيض خبرته الروحية – التى لا مثيل لها – نغتذى كلن، واتباع
يسوع المسيح هؤلاء، هم مرجعنا في تأكيد وجود الشيطان. إننا على خبرتهم نستند
لتأكيد ما قد لا يكون، في خبرتنا نحن، واضحًا بهذا المقدار. فكما أننى أصدق بوجود
القطبين لأن هناك أناسًا موثوقين استكشفوهما وتحدثوا عنهم، كذلك أسلّم بوجود ذلك
الكيان العظيم، المتميز عن البشر، لأن يسوع المسيح وتلاميذه استكشفوا ذلك الكيان
ودفعوا الثمن غاليًا
.

 

قرائن
وجود الشيطان:

 3-
أما نحن، عامة المسيحيين، فقد لا يُتاح لنا أن نواجه الشيطان شخصيً، سافر الوجه
إذا صح التعبير، ولكن بوسعنا أن نستدل إلى وجوده بالقرائن التالية (التى ليست
بالبراهين بالمعنى الدقيق بل قرائن لا يُستهان بها):

 

أ
– من عدم التناسب السافر بين محدودية الإنسان من جهة، وقدريته الهائلة على الشر
والتدمير من جهة أخرى.

فالإنسان،
الذى لم يستطع حتى الآن – وربما لن يستطيع أبدًا – أن يصنع ولو خلية حية واحدة،
بلغ، من حيث قدرته على القتل والتدمير، شأوًا مرعبً، تشهد عليه مثلاً فظائع الحرب
العالمية الثانية حيث قُتل حوالى أربعون مليونًا من البشر، ومخازى معسكرات
الاعتقال النازية والستالينية التى شهدت تفننًا مرعبًا في أساليب الاذلال والتعذيب
والإبادة الجماعية، كما تشهد عليه القوة التميرية الهائلة التى تمتلكها الأسلحة
الحديثة التى يصنعها البشر، من السيارات المفخخة التى تحصد الأبرياء بالعشرات، إلى
الأسلحة النووية التى يبلغ مخزنها ما يعادل قوة أكثر من مليون قنبلة من التى دمرت
هيروشيم، وما بوسعه أن يزيل من الوجود حوالى 140 مليار إنسان أى ما يوازى عدد سكان
الأرض 35 مرة.

 

إن
التفاوت الشائع بين هشاشة الإنسان وسرعة عطبه من جهة، وبين قدرته المرعبة على
التدمير من جهة أخرى، لمؤشر يستدل منه إلى وجود قوة تفوق الإنسان تمدّه بطاقة
تدميرية تتجاوز حدود قدراته التلقائية.

 

فكما
أن الإنسان، عندما يبدى إنجازات سامية من المعرفة والابداع والبطولة والقداسة،
إنما يرتفع فوق ذاته بفعل قدرة إلهية تحمله وتجنحه، هكذا فإنه لالأعمال لمتوغلة في
الشر والدمار، يذهب أيضًا إلى أبعد من ذاته إنما في إتجاه الظلمة والموت، بقعل
قدرة شريرة خارقة تدفعه في سبيل الهلاك هذا
.

 

ب
– من التفاوت الصريح الذى كثيرًا ما نلحظه بين النوايا والنتائج:

فكثيرًا
ما تتجاوز تصرفات الإنسان، من حيث فداحة نتائجها البشعة والمدمرة، مقاصده الواعية،
فيفاجأ بما جلبه على نفسه وعلى سواه من شرّ وشقاء ولم يكن ليفطن أن تصرفه سوف يقود
إليهما
.

 

وكأن
هناك قوة شريرة تسخر منه وتمعن في تضخيم مساوئ سلوكه وتدفع به إلى حيث لم يكن يريد
أن يذهب. فالذين قتلوا المسيح لم يكونوا مجرمين محترفين بل أناسًا متديّنين كانوا
يعتقدون أنهم، بفعلهم هذ، إنما ” يقدمون عبادة لله”، ولكن عمى قلوبهم
وتحجّرها أسلماهم إلى قوى الظلمة التى سخّرتهم في تنفيذ مآربه، فتحققت فيهم كلمة
السيد المسيح في صلاته من أجلهم على الصليب:
(فَقَالَ
يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ اِغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا
يَفْعَلُونَ
) (لوقا 23: 34).

 

والحياة
الحاضرة تقدم العديد من الأمثلة في هذا المجال
.

 

خذوا
مثلاً هذين الزوجين اللذين يحوّلان زواجهما إلى جحيم في حين أن كلاً منهما كان
يرغب بالسعادة لنفسه ولشريكه، وهذين الوالدين اللذين يحطمان شخصية ولدهما في حين
أنهما كانا يرغبان في توفير ما يعود إلى خيره ومصلحته
.

 

أم
خذو، على الصعيد الجماعى، السلوك والتعصب الطائفى وحجم الخراب الذى يحلّ بالجميع
وينقلب على الطوائف كله، في حين أن المقصود قد يكون مجرد مزيد من تأكيدات الذات
فرديًا وجماعيًا على حساب الآخرين وجماعاتهم؟
.

 

هذا
التفاوت بين القصد والنتائج له بالطبع أسباب طبيعية، ومنها مثلاً اللاوعى وما
يحمله من ” شهوة التدمير”. ولكن هذه الأسباب، على أهميته، لا تضع حدًّا
للتساؤل. إذ من حقّنا أن نسال مثلاً ما الذى يعطى ” شهوة التدمير” تلك
الفعالية الرهيبة
.

 

ثانيًا:
من هو الشطان؟:

فإذا
كانت تجربة السيد المسيح وكبار أتباعه، وما نستدلّه نحن من خبرتنا الذاتية وخبرة
من حولنا ومعاناة التاريخ، إذا كان ذلك كله يشير إلى وجود فعلىّ للشيطان ككائن
قائم بذاته، لا كمجرد تسمية رمزية لأعمالنا ودوافعنا الشريرة، فمن يكون هذا الكائن
وما هى هويته؟.

 

1-
معنى عبارة ” الشيطان”:

عبارة
” شيطان” تعنى في أصلها العبرانى ” خصمًا”
.

 

وهى
اسم جنس يتّخذ أحيانًا اسم علم يُطلق على قدرة شريرة متمرّدة على الله ومبغضة له،
تسعى، مدفوعة بهذه الكراهية، إلى إيذاء الإنسان كونه على صورة الله، وإلى تشويه
تلك الصورة فيه، مما يؤدى إلى تدمير إنسانيته
.

 

إن
كلمة
DIABOLLEIN باليونانية، تعنى ” ألقى هنا وهناك”، ”
فَرَّقَ”.

الشيطان
هو المُفرّق
.

عندما
يسأل أولادنا: هل الشيطان موجود؟
.

ربما
باستطاعتنا أن نجيبهم على الوجه التالى: إذا كنت تتحدث عن وحش له قرون وذنب مفلوق،
فأعتقد جيدًا أنه لا يوجد إلا في الصور
.

وإذا
كنت تتحدث عن رغبتك في صنع الشر، وعن اللذة التى تجدها في ذلك، فهذا موجود
..

هل
هذا أنت وحدك؟
.

أم
أنه موحى لك من قوة موجودة خارجًا عنك؟
.

 

الناحية
الشريرة التى تحسّها في كيانك، وما تشعره من رداءة في نفسك
. هل يأتى
ذلك من أرواح شريرة؟
.

 

كثيرون
يعتقدون في ذلك
.

على
كل حال، فأنت غاضب ضد ذاتك، ناقم عليه، أنت منقسم، مُقرّق
.

هذا
الانقسام إنما هو ما أسميه أنا شيطانًا
.

لأن
الشيطان عبارة أخرى للدلالة على الانقسام.

 

2-
أصل الشيطان:

ليس
الشيطان كائنًا أبديًا وإلهيًا
.

كإله
الشر في الدين الفارسىّ القديم الذى كان يتصوّر مبدأين إلهيين متصارعين منذ الأزل،
مبدأ الخير والنور (أورموزد) ومبدأ الشر والظلمة (أهريمان)
.

الكتاب
المقدس لا يقر هذه الثنوية لأنه يؤكد وحدانية الله
.

الشيطان،
في التراث الكتابى، مخلوق لا جسد له
.

كان
في الأصل صالحًا نورانيًا (لأن خلقة الله صالحة بجملتها)
.

ولكنه
شاء أن يكتفى بذاته في محاولة منه بأن يصبح معادلاً لله كما تصوره
. (كَيْفَ
سَقَطْتِ مِنَ اَلسَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ بِنْتَ اَلصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى
اَلأَرْضِ يَا قَاهِرَ اَلأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى
اَلسَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اَللَّهِ وَأَجْلِسُ عَلَى
جَبَلِ اَلاِجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي اَلشِّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ
اَلسَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ اَلْعَلِيِّ. لَكِنَّكَ اِنْحَدَرْتَ إِلَى
اَلْهَاوِيَةِ إِلَى أَسَافِلِ اَلْجُبِّ
) (أشعياء 14:
12 – 15].

 

فانفصل
من جراء ذلك عن النور الإلهى، وأصبح ساقطًا ومظلمًا
.

3-
خصائص الشيطان:

خصائص
الشيطان عبر عنها اليسد المسيح بقوله:

 

(أَنْتُمْ
مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا.
ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ
لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ
مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ
) (يوحنا 8: 44).

 

يتضح
إذًا من هذا القول أن الشيطان ” كذاب” وأنه ” مهلك”.

أ
– كذاب:

إنه
كذّاب لأنه يحاول أن يفتن البشر بتقليده لله (كونه يدرك أن قلوبهم في الأساس
توّاقه إليه، تفتش عنه) تقليدًا ممسوخًا (ربما أتى من هنا هذا التقليد الشعبى الذى
يجعل ترادفًا بين الشيطان و” القرد”، ذلك المخلوق الذى يبدو وكأنه صورة
ممسوخة عن الإنسان)، أى بإتخاذه مظاهر الحق والخير والجمال التى هى سمات الله
.

 

فالشيطان
يتراءى للناس بأبعد ما يكون عن المظهر المنفّر الذى يصوّر به عادة (السواد والقرون
والذنب)، إنما نكون أقرب بكثير إلى الواقع لو صورناه بمظهر ” الجنتلمان”
المتأنق، المتأدب المظهر، الحسن المعشر، ذات الحديث الجذاب، الذى لا تنكشف حقيقته
إلا لذاك الذى استطاع أن يلحظ ذلك البريق الخبيث المقلق الذى يلتمع في عينيه بين
الفنية والفنية.

 

فى
إفتتاحية لصحيفة ” لموند دبلوماتيك” يبين المعلق السياسى الكبير كلود
جوليان أن المجال الذى يسود فيه الشيطان حقًا ليس مجال التجديف الفاقع الذى يتجلى
في روايات وأفلام تثير غضب المتديننين، إنما هو صقيع مملكة المال التى يضحى في
سبيلها بحياة جماهير من البشر وكرامتهم: “
. يمكن
الاعتقاد أن الشيطان جعل نفسه صاحب مصرف. إنه يغالى في المجاملة ويعرف كيف يراقب
نزواته ويتحاشى جدًا التجديف. على قطع نقده وأوراقه المالية، يكتب باحترام ”
بالله نثق”
. ” أنا البرد عينه” يقول هذا
الشيطان الغريب. هذا العالم المصقع، حيث حرارة الإخاء تتراجع أمام جنون التملك
“.

 

فالشيطان
بارع، كما يشير الرسول بولس، إلى التستر بزى ملاك نور.
(وَلاَ
عَجَبَ. لأَنَّ اَلشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ
نُورٍ!
) (كورونثوس
الثانية 11: 14
)، إنه يتقن
إخفاء قباحته وراء ستار برّاق من الوعود المضللة، وعود بالحياة والحرية والعظمة
والمعرفة والجمال والسعادة
. إنه مثلاً وراء أحابيل المجتمع
الاستهلاكى الذى يغرى الملايين من البشر باللهاث وراء اقتناء سلعه المتجددة أبدً،
سعيًا وراء سراب سعادة يوهمهم بأنها تكمن في تلك الأشياء، فيضيعون العمر في الجرى
وراء هدف يتوارى عنهم باستمرار مخلفًا في نفوسهم خيبة واحباطًا دائمين
.

 

وهو
كذلك وراء الدعايات الطائفية التى تلوّح للناس بالعظمة والسمو في حين أنها تقودهم
إلى الهمجية والتهلكة، وتتسربل ببريق التدين فيما هى بالحقيقة أدهى أشكال الكفر
.

 

وهو
أيضًا وراء المخدرات وما تعد به المدمنين عليها من احلام فردوسية سرعان ما تتحوّل
إلى كوابيس
.

 

لا
بل إنه يبرع في حمل البشر إلى إسقاط صورته البشعة على خصومهم ليحوّل أبصارهم عن
الشر الذى فيهم ويمنحهم ذريعة لتبرير أشنع الأعمال يرتكبونها بحق هؤلاء الخصوم
الذين سُوّدت صفحتهم إلى حد انهم لم يعودوا يظهرون وكأنهم بشر بل وكأنهم الشر
المجسّد، مما يعطى المبرر لإبادتهم شر إبادة
.

 

هكذا
فالعديد من الأصوليين اليوم، من مختلف الأديان والأيديولوجيات، يرون في الطرف
الآخر معسكر الشيطان (” إمبراطورية الشر”، حسب التعبير الشائع للرئيس
ريجان) الذى تُعتبر كل وسيلة لإبادته مشروعة ومبررة (حتى إذا كانت حربًا نووية،
كما يعتقد العديد من الأصوليين الإنجيليين في الولايات المتحدة، وكانت أعمالاً
إرهابية لا إنسانية كما يعتقد غيرهم
.). في هذ الحالات يبلغ
خداع الشيطان أوجه إذ أنه يحقق انتصارًا ساحقًا في الوقت الذى يعتقد فيه الفريق
المتشنّج أنه قضى عليه بتصفية الخصوم، ينتصر بهم فيما يتوهمون أنهم انتصروا عليه
.

 

ب
– مهلك

ولكن
مَنّ اِنقاد لغواية الشيطان فسعى إلى ما زَيّن له على انه نور وحق وعظمة وحرية
وسعادة وسموّ
.، إنما يكون
قد استجاب فعلاً لنداء الفراغ والعدم
. إن الإنسان الفرد
والجماعة الإنسانية اللذين ينقادان لهذه الغواية يسيران على درب تدمير الإنسانية
فيهما وفى الآخرين، لا يل كثيرًا ما يندفعان في طريق الفناء الجسدى، فرديً
وجماعيً، ويحملان الفناء عينه للآخرين
.

 

ثالثًا:
موقفنا من الشيطان:

فى
ضوء ما سبق، يمكننا أن نرسم، على ما أرى، معالم موقف من الشيطان يستجيب لمطالب
الإيمان والعقل
.

 

1-
فخاخ ينبغى تجنبها:

فهناك
أولاً فخان يقتضى الاحتراس من السقوط في أحدهما. فمن جهة ينبغى أن لا نضخم أهمية
دور الشيطان، ومن جهة أخرى أن لا نستهتر بوجوده.

 

أ
– أن لا نُضَخّم دور الشيطان:

***
علينا أن لا نتخذ من الشيطان ذريعة لنستعفى من التفتيش عن الأسباب الفردية
والاجتماعية التى تؤدى إلى الشر والبؤس:

فالطب
النفسى، مثل، لم يتسنّ له أن ينطلق إلا عندما بدأ الناس يتخلون عن تعليل
الاضطرابات النفسية والعقلية بتأثير مباشر للشيطان (في حين أن هذا التعليل كان
يعيق اكتشاف الآسباب العضوية والنفسية للمرض النفسى والعقلى، لا بل كان يبرّر في
احيان كثيرة المعاملة اللا إنسانية للمريض بضربه وتعذيبه، مما كان يشكل انتصارًا
فعليًا للشيطان بحجة ردعه وقمعه!)
.

 

كذلك
فإنه من الجهل والتقصير بمكان أن نكتفى بأن ننسب احتدام الخلاف الزوجى إلى
الشيطان، فنطلب من الزوجين أن ” يلعنا الشيطان”، وكأن بذلك يكون الحلّ
الشافى لمشكلتهم، في حين أنه ينبغى تقصّى الأسباب اللا واعية للخلاف ومساعدة
الطرفين على مواجهته، عبر إنشاء مراكز متخصصة للارشاد الزوجى مثلاً
.

 

فى
مجال آخر لا يصح بحال من الأحوال أن يغنينا إيماننا بدور الشيطان في إذكاء
الصراعات الطائفية إلى حد الجنون المدمر، عن تحليل أسباب هذه الصراعات على
الصعيدين النفسى والاجتماعى
.

 

***
علينا كذلك أن لا نتّخذ من الشيطان ذريعة لنتهرب من مواجهة مسؤولياتنا الشخصية في
ما نرتكبه من آثام وما نقع فيه من اخطاء، وأن نحترس من نزعتنا إلى أن نُسْقِط عليه
نزواتنا المكبوتة:

 

فالسواد
الذى يصوّر به الشيطان إنما يعبر أيضًا عن الناحية التى لا نجرؤ على مواجهتها في
شخصيتنا فتشكل فيها منطقة مظلمة يطلق عليها المحلل النفسى ” يونج” تسمية
” الظلّ “، ويسهل بالتالى إسقاطها على كائنات أخرى وكأنها ليست لنا.

هذا
الاسقاط على الشيطان لذواتنا المكبوتة

 يؤول
إلى الإمعان في كبتها أى في استبعادها عن مركز شخصيتن،

ويحُول
بالتالى دون إمكانية ضبطها الواعى،

كما
أنه يعيق توجهها وتهذيبها والتسامى بها
.

 

***
هكذا فإنن، إذا اتخذنا الشيطان حُجّة للتهرب من تحليل الأسباب الطبيعية للشر ومن
مواجهة مسؤوليتنا وخفايان، فإننا نكون بالفعل قد دخلنا في لعبته وحققنا مآربه:

 

لأننا
عند ذلك نستقل من مواجهة الشر على قدر طاقتنا بحجة أن الأمر يتجاوزن، فنصبح بذلك
لقمة سائغة للشر كا يريد لنا الشيطان أن نكون
.

 

***
لقد أكد الروحيون مرارًا أن الشيطان لا قدرة له علينا إن لم نتواطأ نحن معه ونسلمه
زمام أمرنا:

 

ويحضرنى
هنا تشبيه قد يكون معبرًا عمّا نحن بصدده. فالصر لوحده لا يمثل شيئً، إنه عدم
مطلق. ولكننى إذا وضعت رقمًا عن يساره، فهو يعطى هذا الرقم عشرة أضعاف قيمته
.

هكذا
فالشيطان عاجز حيالى

إن
لم أ قدم لمسعاه الخبيث مساهمة

يتلقفها
فيضاعف أثرها المؤذى في حياتى وحياة من حولى
.

 

ب
– أن لا نستهتر بهذا الدور:

هذا
المثل الأخير، إن عنى شيئً، فهو يعنى أنه يقتضى، إلى جانب الاحتراس من تضخيم دور
الشيطان، عدم الانقياد إلى الاستهتار بهذا الدور، لأن المرء، إن فعل، جعل نفسه في
وضع من الأمن الزائف الذى يتيح للشيطان مجالاً أكبر للعمل
.

فتجاهُل
الخطر يحول دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة لدرئه ومقاومته
.

من
هنا صحة قول أحدهم بأن:

أعظم
انتصار أحرزه الشيطان في عصرنا هو أنه قد جعل الناس يتناسون وجوده
.

 

2-
الموقف المطلوب: اليقظة الواثقة:

الموقف
الحكيم هو الذى يتجنب كلاً من المقلبين السابقين ويتجلى بيقظة واثقة:

أ
– يقظة:

فاليقظة
واجبة لأن ضعفاتنا الفردية والجماعية إنما هى الثغرة التى يمكن للشيطان أن يتسلل
منها فيضاعف، بشكل مرعب أحيانًا آثارها ونتائجها
.

ب
– واثقة:

ولكن
اليقظة هذه بعيدة عن الارتباك والخوف. إنها يقظة واثقة، وذلك:

لأن
الكتاب المقدس يؤكد لنا أن الله لا يسمح بان نُجرّب فوق طاقتنا:
(لَمْ
تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اَللهَ أَمِينٌ اَلَّذِي لاَ
يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ
اَلتَّجْرِبَةِ أَيْضاً اَلْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا].
(كورونثوس
الأولى 10: 13
).

ولأن
المسيح حقّق، بحياته وموته وقيامته، غلبة حاسمة ونهائية على الشيطان:
(فَلأَنَّ
رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ]
(يوحنا 16: 11].

(فَقَالَ
لَهُمْ: رَأَيْتُ رلشَّيْطَانَ سَاقِطاً مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ. هَا
أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَاناً لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ
قُوَّةِ الْعَدُّوِ وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ
) (لوقا 10:
18، 19
).

 

إن
الشيطان قد هُزم وكُسرت شوكته، ولو كانت انتفاضته الأخيرة لا تزال مرعبة
.

 

الخلاصة:

ينبغى
أن لا ندع فكرة الشيطان تستحوذ علينا
.

إن
من كان مأخوذًا بمحبة الله له ومشغولاً بخدمة الله لا يكاد يجد الوقت ليفكر ب
” الخصم”
.

ولكنه،
إلى ذلك، يعرف أنه، على حدود منطقة النور التى فيها يحيا ويتحرك،

 تتربّص
قوة مظلمة ينبغى درء هجماتها الدائمة الاحتمال
.

وينبغى،
أكثر من ذلك،

 الجهاد
لإرغامها على التراجع كى تتسع باستمرار فينا

،
وفى الكون قاطبة، بتعاوننا مع قوة الله الظافرة،

 رقعة
الملكوت النورانى
.

 

الأرواح
هل يمكن أن تسيطر على الإنسان؟
.

مقدمة

السؤال
يرتبط على الأرجح بموضوع احتمال وجود علاقة بين الأرواح الشريرة وبين ما يحصل
للإنسان أحيانًا من اضطراب شديد على الصعيد العقلى والنفسى
.

من
هنا رأينا أن نبدا بلمحة تاريخية عن تطوّر مفهوم الأمراض العقلية عبر الأجيال
.

ثن
أن ننتقل إلى موقف يسوع المسيح من المرض العقلى كما نستشفه من الإنجيل
.

وصولاً
إلى تحديد سمات لموقفنا اليوم كمؤمنين مستفيدين من مكتسبات تقدم البشرية
.

 

أولاً:
لمحة تاريخية عن تطور مفهوم المرض العقلى:

‏1-
ظاهرة المرض العقلى: ‏

وجد
البشر أنفسهم منذ القديم أمام أعراض المرض العقلى المتنوعة والمتفاوتة الخطورة، من
عُصاب يُفقد المرء توازنه دون أن يقصيه بالكلية عن متطلبات الحياة العائلية
والاجتماعية والمهنية
.

وذُهان
ينفيه تمامًا عن عالم الواقع ومقتضياته ويسجنه في عالم خاص به مغرق في الأوهام
.

وقد
لاحظوا كيف أن المريض، في كل هذه الحالات، يفقد، وإن بدرجات متفاوتة، القدرة على
التحكم بتصرفاته وفقًا لما يقتضيه العقل والأعراف ولما يتناسب مع مصلحته وسلامته
ومصلحة أقرب الناس إليه وسلامتهم، إلى حدّ أنه قد يُقدم على إيذاء نفسه وحتى قتله
والاعتداء على أقرب الناس إليه
.

 

‏2-
التعليل بالأرواح: ‏

كان
لا بد للبشر، بفضل الملكية العقلية التى يتميزون به، أن يتساءلوا عن علة هذه
الظواهر الغريبة المقلقة
.

 

وبم
أنهم، قبل القرن التاسع عشر، لم يكونا قد توصلوا بعد إلى معرفة أسباب المرض، من
عضوية ونفسانية، التى تكمن وراء هذه الاضطرابات، وبما أنه كان لا بد لهم من إيجاد
تفسير لها يشبع فضولهم ويخفّف من حدّة قلقهم ويسمح لهم بالتعامل معها بشكل محدّد
منهجى، فقد نسبوها إلى أرواح شريرة قالوا أنها تتسلط على المريض فتخرجه من طوره وتسيّره
وفقًا لمشيئتها الخبيثة التى تتناقض بالطبع كليًا مع حاجاته وسلامته وكرامته، بحيث
أنها تجعل منه، في أقصى الحالات، كائنًا مستلب الإنسانية، متغربًا عن ذاته وعن
محيطه (هذا ما توحى به كلمة
ALIENE التى تعنى ” المجنون” بالفرنسية، والتى تشق من أصل
لاتينى
ALIUS الذى يعنى ” الآخر” أى الغريب).

 

تسلّط
الأرواح المزعوم هذا عبّرت عنه اللغة العربية بقولها أن ذلك الإنسان ” به
مسّ”
. أى أن
الأرواح قد مسّته فحوّلته عن الخط السوىّ، وأنه ” مجنون” (وهو أصلاً
مَنّ جُنَّ، أى استحوذت عليه الجنّ)
.

 

هذا
الاعتقاد بأن السلوك الشاذ مردّه إلى عوامل غيبية خارقة كان يمثل المحاولة الأولى
التى قامت بها الإنسانية لتفسير ظاهرة المرض العقلى
.

 

‏3-
أثر هذا التعليل: ‏

هذه
النظرة قد تكون برزت منذ قبل التاريخ، كما توحى به جماجم بشرية من ذلك العهد وُجدت
مثقوبة بفعل عملية جراحية نسميها اليوم ” التربنة”
TREPHINE، ولربما كان المقصود من هذه العملية إتاحة الفرصة أمام الأرواح
للخروج من تلك الثقوب، فيتحرر المريض من وطأتها
.

 

ومهما
يكن من أمر، فقد سادت هذه النظرة في العالم القديم وتسببت في موقف اضطهادى حيال
المرضى العقليين غذاه هذا القلق الغامض الذى يشعر به الإنسان ” السوى”
حيال المريض العقلى والنابع من كون هذا الأخير يقدم له صورة مضخمة عما يشعر به هو
في قرارة نفسه من نزعة إلى اختلال التوازن (ألا نتوجه إلى الإنسان الذى يتصرف بشكل
متهور بقولنا: ” وهل جننت؟”، ألا يقول الواحد منا: ” أنا مجنون
بهذا أوذاك من الأشياء؟
.)، فيكره في المريض صورة الخطر الذى
يتهدده في داخله، مما يدفعه إلى الإمعان في إقصائه عنه بشتى الوسائل، كأنه بذلك
يحاول أن يطرد عن نفسه شبح المرض بإقناع نفسه بأن ذلك المريض لم يعد إنسانًا ولم
يعد بالتالى يمت بصلة الشبه إلى البشر” الأسوياء”
.

 

أن
نظرية تسلط الأرواح الشريرة على المريض العقلى، تعطى لهذه النزعة الاستعبادية
والاضطهادية مبررًا قويً، إذ يقنع الإنسان نفسه بفضلها أنه بإقصائه المريض
واضطهاده له لا يتعرض لإنسان مثله بل للأرواح الخبيثة التى اتخذت من ذلك الإنسان
مسكنًا وأداة لها
.

 

هذا
ما أدى إلى ترك المرضى العقليين يهيمون في البراراى والأماكن المقفرة، وإلى
إيداعهم في غياهب السجون، لا بل إلى قتلهم أحيانًا
.

 

‏4-
أولى محاولات التعليل الطبيعى: ‏

مع
ذلك برزت في العالم القديم محاولات لتفسير الأمراض العقلية بالأسباب الطبيعية
.

 

هذا
ما فعله أبقراط (حوالى 400 ق.م.) إذ نسب السلوك الشاذ إلى أسباب عضوية تعود،
برأيه، إلى اضطراب في ” الأخلاط” و” الأمزجة” وهى خليط من
السوائل كان يزعم أنها تتحكم بالجسم، وأن امتزاجها بهذ النسبة وتلك يحدد نمط سلوك
الفرد ويفسر أحوال الصحة والمرض
.

 

ثم
أتى جالينوس (وهو طبيب رومانى عاش بين 100 و200 ب.م.) فطوّر أفكار أبقراط وأيد
النظرة الطبيعية إلى المرض العقلى
.

 

لقد
كانت هذه المحاولات، على بدائيته، خطوات رائدة في طريق التفسير الموضوعى لاضطرابات
السلوك
.

 

‏5-
عودة إلى التعليل الخرافى: ‏

ولكن
النموذج الشيطانىّ عاد إلى السيطرة بسبب تأويل خاطئ لمعطيات الإيمان المسيحى.

فقد
أدى هذا التأويل إلى إحياء التصورات الخرافية القديمة ودعمه، للأسف، بسلطة الكنيسة
التى كان له، كما هو معلوم، نفوذ اجتماعى وسياسى بالغ الأهمية في العصر الوسيط وما
تلاه
.

 

فلا
بداية الأمر، أى في الجزء الأول من العصور الوسطى، كانت المحاولات التى تُبذل لطرد
الأرواح الشريرة لطيفة نسبيً، تقوم معظمها على الصلوات والأدعية
.

 

ولكن
الموقف من المرضى العقليين اتخذ قرب نهاية العصر الوسيط شكلاً بالغ القسوة لا بل
وحشيًا
.

 

وقد
نجد تعليلاً لذلك في الاضطرابا الشديدة التى عصفت بالمجتمع الأوروبى في ذلك العهد
(من حروب وأوبئة وما شابه ذلك)، وهى حالات ينزع فيها الناس إلى إتخاذ كبش فداء
يحمّلونه وزر كل ما يعانونه من مصائب ويسقطون عليه التأثيم الذى يشعرون به من جراء
حلول تلك الويلات بهم
.

 

وعادة
ما يكون كبش الفداء هذا من فئة تختلف عن سائر المجتمع بميزة وبأخرى – وهذا كان شأن
المرضى العقليين
.

 

‏6-
مخازى مطاردة السحرة: ‏

ولكن
المحزن جدًا أن تلك القسوة اللا إنسانية التى أُلحقت بأناس كانوا أجدر بالرثاء
والمساعدة، إتخذت من الدين (ومن دين المحبة والرحمة بالذات) ذريعة لها
.

فتحقق
بذلك النداء المأساوى الذى أطلقه شوقى:

يا
حَامِل الآلاِم عَنْ هَذَا الوَرَى كَثُرتْ عَلَيْه بِاسمِك الآلامُ.

 

ذلك
أن المرضى العقليين اعتُبروا سَحَرة يتحكم بهم الشيطان، وبالتالى أُعتُبِروا
مستحقين لعقوبة الموت وفقًا لما نصّ عليه ناموس العهد لقديم:
(وَإِذَا
كَانَ فِي رَجُلٍ وامْرَأَةٍ جَانٌّ وتَابِعَةٌ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ.
‏بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ
) (لاويين 20:
27
). وتجند
العديد من الرهبان للتحرّى عن هؤلاء وتقديمهم للمحاكمة حيث كانوا يُرغمون على
الاعتراف بما نُسب إليهم باخضاعهم لشتى أنواع التعذيب. وكثيرًا ما كان يُنفّذ بهم
حكم الإعدام خنق وحرق وبوسيلة أخرى
.

 

ومن
وسائل التحرّى عن هؤلاء السحرة المزعومين التفتيش عما زُعم أنه ” علامات
الشيطان” المسجلة في أجسامهم، ومنها مواضع مخدّرة من الجلد (يُعرف اليوم أنها
من أعراض العُصاب الهستيرى). واستخدمت ” مطارق الوخز” في تشخيص مثل هذه الحالات،
ووضعت كتب بتكليف من بابا الفاتيكان، مثل ” مطرقة السحرة” سنة 1486م،
الذى كان يبين كيفية الكشف عن هؤلاء والإجراءات اللازمة لتقديمهم إلى المحاكمة
وإصدار الأحكام عليهم!!!
.

 

هكذا
اُضطهدَت أعداد كبيرة من الأبرياء وتعرض الألوف منهم للإبادة المنظمة، باسم الكنيسة
وباسم الله، وبحجة مطاردة الشيطان، في حين أن أكبر انتصار للشيطان إنما كان،
برأيى، في انتصار الوحشية لدى الإنسان على هذا الشكل المخزى
.

 

هذا
في حين أن قلة من الأصوات الشجاعة ارتفعت بالاحتجاج، ولكن لم تلبث أن غطت عليها
الهيستيريا الجماعية التى تفشّت في تلك الأيام القلقة المضطربة
.

 

‏7-
تحامل خاص على النساء: ‏

والجدير
بالذكر أن ذلك العدوان الوحشى قد اِنّصب بتحيز صارخ على النساء
(Malleus Maleficarum). إذ يُقدّر لأنه، مقابل كل رجل كان يُدان لاتصاله بالأرواح
الشريرة، كانت هناك خمسون إمرأة يتمّ إعدامهن حرقًا. وكان تبرير ذلك أن النساء
مخلوقات ضعيفات فاسدات، أكثر استعدادًا من الرجال للخضوع لتأثير الشيطان. وكان
يُقال أن النسوة يتحولن إلى ساحرات من خلال الاتصال الجنسى بالشيطان. هذا الادعاء
الأخير يفضح السبب الحقيقى الكامن وراء ذلك التحامل السافر على النساء
.

 

فالنزعة
الجنسية التى طُردت من مجال الوعى إلى عتمة اللا شعور وبقيت قابعة هناك في عنفوان
تأججها الغريزى العشوائى دون أن يتاح للشخصية الواعية أن تتعامل معها فتضبطها
وتوجهها وتصقلها وتحولّه، هذه النزعة الجنسية التى قُمِعت ولم تُهذّب إذا أفلتت من
رقابة العقل الواعى، والتى استُبْعِدت، ولكنها ما زالت تصرخ في الأعماق فيُشيع
نداؤها الفجّ الاضطراب في الفكر والسلوك، هذه النزعة الجنسية المكبوتة – بالمعنى
العلمى لهذه الكلمة – لا بدّ وأن توحى لصاحبها بنظرة إلى المرأة، يعقلنها بشتى
المبررات لأنه لا يعى منابعها الانفعالية المظلمة، نظرة لا ترى فيها سوى جسد مغوٍ
وخطِر بآن، فتجعل منها شيطانً وعملية شيطانية
.

 

الرجل
يُسقط عن ذاك على المرأة حصيلة صراعاته النفسية اللا واعية، يحمّلها وزر ذلك
النداء المكتوم الذى يضجّ في داخله ويقضّ مضجعه، هذا ما قد يحصل خاصة لرجال
متبتلين (كهؤلاء الرهبان الذين كان هاجسهم مطاردة الساحرات) إذا ما اكتفوا من
البتولية بحرفها ولم ياخذوا بالروح التى تلهم الحرف وبها يستقيم معناه، روح المحبة
التى لا تتجاهل الجنس ولا تحتقره بل تتعهد طاقاته وتذهب بها إلى مداها الأبعد
والأرحب
.

 

‏8-
احتجاجات في القرن السادس عشر: ‏

وفى
القرن السادس عشر، تعالت الأصوات المحتجة على نظرية الأرواح الشريرة في تفسير
المرض العقلى. وكان أقوى هذه الأصوات صوت طبيب ألمانى يُدعى ” جوهان
ويبر”. هذا أصدر سنة 1563 كتابًا من جزئين بعنوان ” نفوذ الشيطان”
فند فيه الفروض غير المنطقية التى بُنى عليها كتاب ” مطرقة السحرة”. كما
انه حمل على الرهبان الساديين وإجراءاتهم غير الإنسانية، وذكّرهم بأن واجبهم يفرض
عليهم العلاج لا القتل. فكان كتابه بداية انطلاق رأى مستنير عن المرض العقلى
.

 

‏9-
استمرار تأثير النموذج الشيطانى: ‏

ومع
أن نظرية السحر وإحراق السحرة أخذا يتضاءلان في منتصف القرن السابع عشر، إلا أن
النموذج الشيطانى في تفسير المرض العقلى لم يزل سائدً، وقد اتضح ذلك في طريقة
معاملة المرضى العقليين في البلاد الأوروبية
.

 

فالعديدون
منهم كانوا يودعون السجون ويتركون يتسكعون في الشوارع يستجدون الطعام. أما الذين
كانوا نزلاء المستشفيات العقلية، فكانوا يعاملون معاملة بالغة القسوة، تُقيد
أيديهم بالأغلال ويشدون بالسلاسل يسكنون أكواخًا لا يدخلها الضوء عراة وشبه عراة،
يعاقبون بالسياط والحبس في زنزانات تحت الأرض، وهم تحت رحمة قيمين على أمورهم
يتميزون بالبربرية والجهل معًا
.

 

كل
ذلك كان بتأثير النموذج الشيطانى السائد في تفسير المرض العقلىّ، إذ أن كل معاملة
للمصاب بالمرض العقلى على أساس من الرأفة والكرامة، كانت تعتبر وكأنها مهادنة
للقوى الشيطانية المتسلطة عليه، وكل قمع له يعتبر بمثابة ردع للشيطان المتحكم به
.

 

‏10-
تطور النظرة إلى المرض العقلى: ‏

ولكن
النظرة إلى المرض العقلى كانت آخذة بالتطور، نابذة النموذج الشيطانى ومتبينة من
جديد النموذج الطبيعى الذى حاول أبقراط ومن بعده جالينوس إطلاقه كما أشرنا
.

 

هذا
أدى على تحول في معاملة المرضى العقليين كان رائده ” فيليب بينيل” وهو
طبيب فرنسى عُيّن سنة 1793 مديرًا لمستشفى بيستر الكبير، فبادر بتخليص المرضى من
السلاسل وحرم الممارسات العنيفة القاسية والطرق الفظة في العلاج، واقنع العاملين
بالمستشفى بأن يعاملوا المرضى معاملة تحفظ كرامتهم. فكان أن استجاب المرضى لذلك
استجابة طيبة، حيث غادرها عددًا منهم بعد أن كانوا نزلاء بالمستشفى طيلة عشرات
السنين
.

 

‏11-
انتصار المذهب الطبيعى: ‏

وقد
انتصرت النظرة الطبيعية إلى المرض العقلى بين 1800 و1900، وأدت إلى نشأة نظريتين
في علم الأمراض النفسية، كلاهما تنتميان إلى المذهب الطبيعى، وهما بالفعل
تتكاملان:

 

1-
المذهب العضوى الذى فسّر السلوك الشاذ بتأثير سبب عضوى يؤدى إلى اضطراب في وظائف
الجهاز العصبى، وبالتالى إلى اختلال في السلوك. هذا السبب هو تلف في الأنسجة
العصبية واختلال كيمائى وكهربائى في المخ
.

 

2-
المذهب النفسى، وأهمه مذهب التحليل النفسى الذى أطلقه ” فرويد ” (1856 –
1939)، والذى يفسر الاضطرابات النفسية ناسبًا إياها إلى تأثير العقل الباطن وما
تكوّن فيه من عقد عائدة في الأساس إلى مآزم الطفولة
.

 

فى
هذا المنظور تكون القوة الغامضة التى تتحكم بسلوك المريض بمعزل عن إرادته، لا قوة
روح شرير مسيطر على الإنسان، بل قوة دوافعه المكبوتة التى تبدو وكأنها غريبة عن
ذاته لأنها بالفعل غريبة عن شخصيته الواعية ونابعة من كيان باطنى استقل عن إدراكه
وإرادته وأضحى فيه وكانه جسم غريب
.

 

ثانيًا:
موقف يسوع المسيح من المرض العقلى: ‏

1-
إذا كنا نؤمن أن يسوع كان إنسانًا كاملاً بالفعل، وأن ابن الله لم يقتصر على اتخاذ
مظهر بشرى ليس إلا كما زعمت بدعة الدوسيتية التى شجبتها الكنيسة ورفضتها في عهدها
الأول، فعلينا أن نقبل بأن يسوع المسيح الإنسان الكامل كان ابنًا لعصره بكل معنى
الكلمة ومنتميًا بالتالى إلى حضارة ذلك العصر ومفاهيمها
.

 

2-
من هنا أنه كان من الطبيعى أن يتبنى نظرة عصره إلى المرض العقلى على أنه من فعل
الشيطان. فالأعراض التى يصفها لنا الإنجيليون على أنها أعراض ” ممسوسين”
شفاهم يسوع بعد أن تعامل معهم على هذا الأساس، أى على أنهم واقعون تحت سيطرة أرواح
شريرة، إنما هى أعراض نفسية تُفسّر اليوم على أنها وليدة أسباب طبيعية.

 

فإذا
راجعنا مثلاً قصة الولد الذى أخرج يسوع الشيطان منه نزولاً عند رغبة والده، كما
وردت في إنجيل مرقس الرسول، نجد أن الإنجيل يقدم لنا وصفًا شبه عيادىّ لأعراض داء
الصرع: الصيحة التى تبدأ بها النوبة أحيانًا والوقوع أرضً، والتشنج، بما فيه تشنج
الفكين، الانتفاض، الغيبوبة الختامية العميقة مع فترة من توقف التنفس، والطابع
الفجائى للنوبات:

 

(يَا
مُعَلِّمُ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكَ اِبْنِي بِهِ رُوحٌ أَخْرَسُ وَحَيْثُمَا
أَدْرَكَهُ يُمَزِّقْهُ فَيُزْبِدُ وَيَصِرُّ بِأَسْنَانِهِ وَيَيْبَسُ
.. فَقَدَّمُوهُ
إِلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ لِلْوَقْتِ صَرَعَهُ اَلرُّوحُ فَوَقَعَ عَلَى اَلأَرْضِ
يَتَمَرَّغُ وَيُزْبِدُ. فَسَأَلَ أَبَاهُ: { كَمْ مِنَ اَلزَّمَانِ مُنْذُ
أَصَابَهُ هَذَا؟ } فَقَالَ: { مُنْذُ صِبَاهُ. وَكَثِيراً مَا أَلْقَاهُ فِي
اَلنَّارِ وَفِي اَلْمَاءِ لِيُهْلِكَهُ. لَكِنْ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئاً
فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا }. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: { إِنْ كُنْتَ
تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ فَكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ }.
فَلِلْوَقْتِ صَرَخَ أَبُو اَلْوَلَدِ بِدُمُوعٍ وَقَالَ: { أُومِنُ يَا سَيِّدُ
فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي }. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ اَلْجَمْعَ
يَتَرَاكَضُونَ اِنْتَهَرَ اَلرُّوحَ اَلنَّجِسَ قَائِلاً لَهُ: { أَيُّهَا
اَلرُّوحُ اَلأَخْرَسُ اَلأَصَمُّ أَنَا آمُرُكَ: اُخْرُجْ مِنْهُ وَلاَ
تَدْخُلْهُ أَيْضاً! } فَصَرَخَ وَصَرَعَهُ شَدِيداً وَخَرَجَ فَصَارَ كَمَيْتٍ
حَتَّى قَالَ كَثِيرُونَ: إِنَّهُ مَاتَ. فَأَمْسَكَهُ يَسُوعُ بِيَدِهِ
وَأَقَامَهُ فَقَامَ
) (مرقس 9: 17 – 27).

 

3-
هذا لا ينفى البتة حقيقة مواجهة السيد المسيح للشيطان، تلك المواجهة القاسية التى
تقول عنها الأناجيل أنها كانت محورية في رسالته
.

 

إنما
ينبغى أن نؤول هذه المواجهة وفقًا لمكتسبات عصرنا (التى هى على كل حال ناقصة
ونسبية)
.

 

يمكن
القول، في هذا المنظار، أن العوامل الطبيعية التى تتحكم بالمرض العقلى لا تنفى
تدخلّ ذلك الكائن الذى رأى فيه المسيح عدوًا لدودًا لله وللإنسان المخلوق على
صورته، والذى بوسعه أن يستفيد من العوامل الطبيعية نفسها ليؤذى الإنسان به ومن
خلالها
.

 

لأنه
كما يقول السيد:
(ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ
وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ
فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ
) (يوحنا 8: 44). فيزيدها
أذى على أذى، ويكون دوره شبيهًا إلى حد ما بدور الحافز
Catalyst،
الذى لا يتدخل مياشرة في التفاعل الكميائى ولكنه ينشط بحضوره هذا التفاعل
.

 

وقد
يكون هذا الدور المنشط للشيطان بارزًا بشكل خاص في بعض حالات المرض النفسى، دون أن
يلغى، حتى في هذه الحالات، أولوية العوامل الطبيعية
.

 

4-
ثم أنه لا بدّ من الإشارة إلى أن يسوع المسيح، رغم تبينه النظرية الشيطانية في
تفسير المرض العقلى، التى كانت شائعة في عصره، لم يجنح يومًا إلى معاملة المرضى
العقليين بقسوة تشبه من قريب وبعيد تلك التى عاملهم به، للأسف، أتباعه في ما بعد،
والتى عوملوا بها في المجتمعات التى تسمت باسمه
.

 

بل
كان رئيفًا بهم، يميز بوضوح بينهم وبين القوى الشريرة التى يرى أنها تسلطت عليهم،
ويُسخّر في سبيل تحريرهم منها ما أوتى من طاقة شافية وسلطان
.

 

ثالثًأ:
كيف نحدد موقفنا اليوم؟: ‏

لا
بد لنا أن نكون اليوم حذرين جدصا من حيث تصوّر الدور الذى قد تلعبه الأرواح
الشريرة في مختلف انحرافات السلوك الإنسانى. ولمزيد من الدقة والوضوح ينبغى،
برأيى، أن نميز بين مجالات ثلاثة: التجربة، المرض النفسى، إزدواجية السلوك.

 

‏1-
التجربة: ‏

فهناك
أولاً التجربة، أى محاولة الشيطان إذكاء الميول الشريرة فينا وتنشيط قوى الوهم
التى ترينا الخير شرًا والشر خيرًا
.

 

لا
بدّ هنا من التذكير بأن الكلمة الإلهية تؤكد لن، كما سبق فأشرن، أن الله لا يدع
الشرير يجربنا فوق طاقاتنا:

 

(لَمْ
تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اَللهَ أَمِينٌ اَلَّذِي لاَ
يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ
اَلتَّجْرِبَةِ أَيْضاً اَلْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا
) (كورونثوس
الأولى 10: 13
).

 

إذا
لا يمكن للشرير أن يخضعنا قسرًا للتجربة إن لم نختر نحن أن ننقاد له، علمًا بأن
هذا الانقياد قد يحصل من جراء تنازلات متكررة ترسّخ شيئًا فشيئًا تبعيتنا لغوايته
.

 

‏2-
المرض النفسى: ‏

أما
في حال حصول المرض النفسى، من عُصاب وذهان، فلا بدّ من إعطاء الأولوية في تفسيره
للعوامل الطبيعية، من عضوية ونفسية. مما يسمح بالتوجه إلى العلاج المتخصص لدى شخص
تؤهله له كفاءاته العلمية. هذا لا يمنع بالطبع أن يُرفق هذا العلاج بصلوات فيها
المعونة الإلهية للمريض وحفظه من كل روح شرير
.

 

3-
ازدواجية السلوك: ‏

هذا
وقد تراودنا فكرة احتمال سيطرة روح شريرة علينا إذا ما عانينا من ازدواجية في
سلوكن، بحيث نجد انفسنا مدفوعين بقوة، بين الحين والحين، إلى أعمال تتنافى كليًا
مع مألوف توجهاتنا
.

 

فمثلاً
قد نشعر بعدوانية مدمرة تتملكنا حيال هذا الشخص وذاك وتدفعنا إلى إذائه، في حين
أننا ننفر عادة من غيذاء أى كان ونرغب بالخير للجميع ونودّ مسالمة كل الناس. من
هنا إننا نرتاع إذا ما اكتشفنا فجأة هذا الجانب المظلم في شخصيتن، فننزع إلى إلقاء
مسئوليته على قوة خارجية تبغى التحكم بنا
.

 

فى
هذه الحال ينبغى أن يكون لنا من الوعى والحكمة ما يقينا من ان نتسرع فننسب النزعة
المستغربة التى برزت فينا إلى روح شرير يحاول التسلط علينا
.

 

فالتفسير
الأقرب للواقع والمعقول، والذى يأخذ بعين الاعتبار مكتسبات العلم الحديث في تقصيه
لتعقيدات النفس البشرية، هو ذاك القائل بأننا في ما اشرنا إليه، لا نواجه أساسًا قوة
خارجية بل نزعة من نزعات كياننا الذاتىّ، نزعة تجاهلناها ولم نمنحها حقها من
الاهتمام، فاستقلت عن مسار شخصيتنا حتى أضحت بالنسبة إليها بمثابة جسم غريب مستقر
فيها من غير اندماج
. وإذا بها تتصرف بهذه الصفة فتبرز أحيانصا على
الواجهة على غير انتظار وتثار من إهمالنا لها بفرض إرادتها علينا
.

 

وإليكم
مثلان على ذلك:

أ
– مثل عن النزعة العدوانية: ‏

ينبغى
ان نراعى وجود هذه النزعة فينا..

فهى
بحد ذاتها ليست سيئة، بل ضرورية للحياة ولا بدّ منها في كل نضال، مهما سمت أهدافه
ووسائله..

ينبغى
بالتالى أن لا نهمل هذه النزعة بل أن نمنحها ما تتطلبه من إشباع مشروع:

 

مثلاً:
أن ندافع عن رأينا إذا كنا مقتنعين بصوابه، أن نطالب بحقوقنا المشروعة بحزم مقرون
بالاتزان.. إلخ.

 

هكذا
نبقى في تعامل حىّ مع هذه النزعة ونستطيع، عبر هذا التعامل، أن نلطفها ونهذبها
ونوجهها.

 

أما
إذا تجاهلناها وتصرفنا كأنها غير موجودة فينا (مثلاً إذا تحاشينا أن نقاوم أحدً،
أن نعارض أحدً، أن نخالف أحدً، إذا تهربنا من إبداء أى رأى شخصى تلافيًا للصدام مع
سوان، إذا تجنبنا أن نرفع صوتنا ولو في ما ندر.. إلخ)، فإن النزعة العدوانية، التى
تجاهلنا وجودها على هذه الصورة، لا تتلاشى فينا كما قد نظن بل تتوارى في أعماقنا
وتبقى رابضة في عتماته، وتبنى لذاتها كيانًا مستقلاً عن قيمنا وقناعاتن، وتنحرف
لغياب وقابتنا عليها وتوجيهنا لها
.

 

فتتخذ
من جراء هذا الانحراف شكلاً عشوائيًا مدمرً، ويصبح بمقدوره، لغياب الرقابة الواعية
عليه، أن تباغتنا بين الحين والحين، إذا سنحت لها الفرصة، فتنقضّ علينا وتتحكم
بسلوكنا وتقودنا إلى حيث لا نريد
.

 

من
هنا ضرورة الاعتراف بوجود النزعة العدوانية فينا وإعطائها حقها لخدمة أهداف
متوازنة راقية، بدل أن تسمح لنا باتخاذ هذا الوجه


الشيطانى” الذى تداهمنا به وتتحكم بنا وفقًا لطبيعته المدمرة
.

 

ب
– مثل عن النزعة الجنسية: ‏

المثل
الثانى يتعلق بالنزعة الجنسية. فإذا ما شعرنا بين الحين والحين بشهوة جنسية عارمة
تداهمنا وتجتاح كياننا بحيث لا يعود بمقدورن، في تلك اللحظات، أن نرى في المرأة
أكثر من جسد أنثوى يضج بالغواية، في حين أننا اعتدنا على حياة العفة والتعقل، فلا
بدّ، والحالة هذه، أن نطرح السؤال على أنفسنا حول نمط هذه العفة ومدى أصالتها
.

 

فلعلنا
نكتشف، إذا ما كنا جادين بهذه المراجعة لذواتنا ووضعها على المحك، أن هذه ”
العفة” لم تقم الحساب بما فيه الكفاية للناحية الجنسية الكائنة فينا
ولأهميتها الفعلية
.

 

ذلك
أننا قد نتصرف وكأن لا جنسية لن، تحاشيًا لكل مشكلة وصراع، فيثأر الجنس لنفسه بأن
يبرز بشكل صارخ بين الحين والحين في وجدانن، فيذكرنا بوجوده ويعكر علينا صفو
طمأنينتنا الزائفة ويخربط سائر حساباتنا المبنية على كذب تجاهله
.

 

وهو
بذلك يدعونا إلى رؤية لأنفسنا أكثر صدقًا وشمولاً وواقعية وتوازنً، وإلى إعادة
النظر في أسلوب حياتنا كما ألفناه، بحيث نقبل بالإصغاء إلى نداء الجنس فينا ونعطى
هذا النداء حقه
.

 

مما
لا ينبغى أن ننقاد إلى ممارسات جنسية مبتذلة، بل أن نتعامل بصدق وإخلاص مع النزعة
الجنسية فين، فنعطيها مكانها المشروع في حياتنا وفقًا لمبادئنا وقناعاتن، وبذلك
نقدم لها إشباعًا معقولاً ينفس من ضغطها علينا ويجعلها بالتالى أكثر مطواعية لما
نبذله من سعى لتهذيبها وتوجيهها
.

 

فمثل،
بدل أن نتفرغ كليًا للدرس ولما شابهه من أعمال قد نعتبرها وحدها جديّة وجديرة
بالاهتمام، نخصصّ بعضًا من وقتنا لمخالطة الجنس الآخر وإقامة الرفقة والصداقة
البريئة مع أفراده، نستمع إلى الألحان الكنسية والأغانى، نشاهد أفلامًا سينمائية
تعالج العلاقات بين الجنسين، إلى ما هنالك من ممارسات رياضية بناءة تسمح لنا
بترويض النزعة الجنسية والتعايش معها في سلام، وتحول دون اتخاذها وجهًا شيطانيًا
مرعبًا ومدمرًا
.

إن
التعامل الصادق مع النزوة الجنسية

هو
وحده الكفيل بأن يؤول إلى وحدة للكيان لا تجزئة فيها ولا إزدواجية،

وبالتالى
إلى هذا التكامل الإنسانى الذى يرى فيه التراث الروحى الشرقى سمة الفعة الأصلية
.

 

إن
الاعتراف بالغريزة وإيفاءها حقها من الاهتمام والرعاية، من شأنه أن يجنّب المرء
خطر طغيانها عليه، لا بل إنه يخوّله أن يتخذ منها حليفة لبلوغ أهداف أبعد منها
وأسمى، كالحب الزوجى والبتولية المكرّسة
.

 

والمثل
الفرنسى معبّر بهذا الصدد إذ يقول: ” من أراد السفر إلى مكان بعيد، كان عليه
أن يراعى مطيّته”
.

 

أما
تجاهل الغريزة، فإنه يعطيها فرصة الانقضاض على الكيان وتملّكه على حين غفلة،
والتحكم به بشكل خفىّ مقنّع والانحراف به عن أهدافه الواعية المعلنة
.

 

ألم
يعبّر باسكال عن هذه الحقيقة بقوله: ” ليس الإنسان ملاكًا ولا هو بهيمة، فمن
أراد أن يصطنع الملائكية سقط في البهيمية”.

 

الخلاصة: ‏

لا
بدّ من التروى الكثير في تحديد دور الأرواح الشرية في حياتنا.

 

إن
وجودها وفاعليتها اللذين تشهد عليهما الكلمة الإلهية،

 

 ينبغى
أن لا يكونا ذريعة لاعتماد حلّ كسول يلقى المرء بموجبه على هذه الأرواح وزر كل
أمراضه واضطراباته وشروره،

 

فيستقيل
بالتالى من مسئولية مواجهة أوضاعه وتطويرها نحو الأفضل بما أوتيه من عقل وقدرة
.

 

فكلما
وعى الإنسان أهمية العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية والتربوية والروحية
. التى تؤثر
في سلوكه
.

 

وكلما
ازداد إحساسه بمسئوليته الشخصية في التعامل مع تلك العوامل وتحديد مواقفه منها
وخياراته
.

 

كلما
ازدادت لديه تلك الحرية التى أعدّه الله له، وتعاظمت قدرته، التلا تستمد من الله
مصدره، على التحرر من كل تسلط داخلى وخارجى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى