علم الله

الفصل الثانى



الفصل الثانى

الفصل
الثا
نى

التعريف
بالكنيسة

في
الكتاب المقدّس تسميات كثيرة للكنيسة، أشار إليها المجمع الفاتيكاني الثاني في
دستوره العقائدي “نور الأمم” (رقم 6): فالكنيسة هي “حظيرة
الخراف” (يو 10: 1- 10) التي يرعاها المسيح، و”حقل الله” (1 كو 3: 9)،
والزيتونة والكرمة، و”بناء الله” (1 كو 3: 9) و”هيكل الله”
حيث يسكن الله في الروح (اف 2: 19- 22؛ رؤ 21: 3)، و”أورشليم السماوية”
و”أمّنا” (غلا 4: 26؛ رؤ 12: 17) والعروس النقية للحمل القدّوس (رؤ 19: 7؛
أف 5: 26). وإنّ كلّ هذه التسميات إذا ما أردنا أن نحصرها تُجمع في ثلاث هي: الكنيسة
شعب الله، والكنيسة شركة وجماعة، والكنيسة جسد المسيح.

أوّلاً-
الكنيسة شعب الله

1- شعب
واحد في المسيح

إنّ
بولس رسول الأمم (والأمم هي الشعوب التي ليست من نسل إبراهيم) قد أوضح في رسالته
إلى الأفسسيين، وهم من أصل غير يهودي، أنّ جميع الشعوب من نسل إبراهيم ومن غير نمو
أصبحت شعبًا واحدًا في المسيح:

“تذكّوا
أنكم كنتم قبلاً- أنتم الأمم بحسب الجسد، المدعوين “قَلَفاً” ممّن
يُدعَون “ختانًا”.. بفعل اليد في الجسد- تذكّروا أنّكم كنتم قبلاً
وقتئذٍ بدون مسيح، أجنبيين عن رعوية إسرائيل، غرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لكم
في هذا العالم ولا إله. أمّا الآن، في المسيح يسوع، فأنتم الذين كانوا قبلاً
بعيدين قد صرتم قريبين بدم المسيح. لأنّه هو سلامنا، هو الذي جعل من الشعبين
واحدًا، إذ نقض الحائط الحاجز بينهما، أي العداوة، وأزال، في جسده، الناموس مع
وصاياه وأحكامه، ليكوّن في نفسه من الاثنين إنسانًا واحدًا جديدًا، بإحلال السلام
بينهما، ويصالحها مع الله، كليهما في جسد واحد، بالصليب الذي به قتل العداوة. فلقد
جاء وبشّر بالسلام لكم، أنتم البعيدين، وبالسلام للذين كانوا قريبين. لأنّ به، لنا
كلينا، التوصّلَ إلى الآب، بروح واحد. ومن ثمّ، فلستم بعد غرباء ولا نزلاء، بل أنم
مواطنو القدّيسين، وأهل بيت الله. أنتم بناء أساسُه الرسل والأنبياء، ورأس الزاوية
المسيح يسوع نفسه، الذي فيه يُنسَق البناء كلّه، ويرتفع هيكلاً مقدّسًا، في الرب.
وفيه أنتم أيضاً تندمجون في البناء لتصيروا مسكنًا لله، في الروح” (أف 2: 11-
22).

ويضيف
بولس أنّه في القيود لأنّه رسول الأمم: “أنا بولس أسير المسيح يسوع من أجلكم،
أيّها الأمم”. ثم يكشف لهم “السر الذي لم يُعلَن لبني البشر في الأجيال
السابقة، كما أعلنه الآن الروح لرسله القدّيسين وأنبيائه: أي إنّ الأمم هم من أهل
الميراث الواحد، وأعضاء في الجسد الواحد، وشركاء في الموعد الواحد، في المسيح يسوع
بالإنجيل، الذي صرت له خادمًا، على حسب موهبة النعمة، التي منَّ بها الله عليّ،
بفعل قدرته” (أف 3: 1- 7).

وعندما
يتكلّم بولس عن مواعد الله، يؤكّد أنّها قد تحقّقت كلّها على أكمل وجه في المسيح:

فالميراث
الذي وعد به الله إبراهيم لم يعد أرضاً مادّية، أرض كنعان، بل أصبح ملكوت الله: “إنّ
الله يدعوكم إلى ملكوته ومجده” (1 تسا 2: 12). والوارث لم يعد نسل إبراهيم
بالجسد بل المسيح نفسه وكل الذين يؤمنون به: “إنّ المواعد قد تيلت لإبراهيم
ولنسله. إنّه لا يقول: لأعقابه، بالجمع، بل لنسلكَ، بالإفراد، ونسله هو
المسيح” (غلا 3: 16). والذين يؤمنون بالمسيح يصبحون ورثة معه. وهذا ما يؤكده
بولس في المقارنة التي يقيمها بين الإيمان والناموس:

“أيّها
الغلاطيون الأغبياء، من سحركم، أنتم الذين رُسم أمام عيونهم يسوع المسيح مصلوبًا؟
لا أريد أن أعرف منكم سوى أمر واحد: أبأعمال الناموس نلتم الروح أم بسماعكم
الإيمان؟.. فهكذا إبراهيم: “آمن بالله، فحُسب له ذلك برًا”. فافهموا إذن
أنّ المؤمنين هم وحدهم أبناء إبراهيم. ولذلك، فإنّ الكتاب إذ سبق فرأى أنّ الله
يبرّر الأمم بالإيمان، سبق فبشّر إبراهيم قائلاً: “بك تتبارك جميع
الأمم”. فالمؤمنون إذن وحدهم يبارَكون مع إبراهيم المؤمن” (غلا 3: 1- 9).

أمّا
الناموس الذي أعطي لليهود فلم يكن سوى

“مؤدّب
يرشدنا إلى المسيح، لكي نبرّر بالإيمان. فبعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب.
لأنّكم جميعًا أبناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع. لأنّكم، أنتم جميع الذين
اعتمدوا للمسيح، قد لبستم المسيح. فليس بعد يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر
“ليس ذكر وأنثى” لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع. فإذا كنتم للمسيح،
فأنتم إذن نسل إبراهيم وورثة بحسب الموعد” لم غلا 3: 24- 29).

فالكنيسة
التي تضمّ جميع المؤمنين بالمسيح هي إذن الآن شعب الله الجديد الذي يرث مواعد الله.
هي شعب الله المختار الذي اختاره الله ليحمل الله وخلاصه بالمسيح يسوع إلى جميع
الأمم، وهي مكوّنة من جميع الذين آمنوا بالمسيح، من اليهود أم من اليونانيين أم من
جميع الشعوب، وعبّروا عن إيمانهم بتقبّل المعمودية.

وهذا
ما يوضحه المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور العقائديّ “في الكنيسة”:

“إنّ
من بتّقي الله ويعمل البر، في كل زمان، وكل أمّة، لمقبول عند الله (أع 10: 35).
وإنّما شاء الله أن يقدّس الناس ويخلّصهم، لا متفرقين بدون ما ترابط في ما بينهم،
بل أراد أن يجعلهم شعباً يعرفه في الحقيقة ويخدمه في القداسة. فاختار لنفسه شعب
إسرائيل شعباً، وقطه معه عهداً، ونشّأه شيئًا فشيئًا، مظهرًا له نفسه ومقاصده في
غضون تاريخه، ومقدّسًا إيّاه لنفسه. بيد أنّ هذا كلّه كان على سبيل التهيئة والرمز
للعهد الجديد الكامل الذي سيُبرَم في المسيح، وللوحي الكامل الذي سينزل به كلمة
الله المتجسّد نفسه: “ها إنّها تأتي أيّام، يقول الرب، أقطع فيها مع آل
إسرائيل وآل يهوذا عهدًا جديدًا.. فأجعل شريعتي في أحشائهم، وأكتبها في قلوبهم،
وأكون إلههم ويكونون شعبي.. وكلّهم سيعرفونني من أكبرهم إلى أصغرهم، يقول
الرب” (إر 35: 31- 34). فهذا العهد الجديد هو العهد الذي أبرمه المسيح، العهد
الجديد بدمه، داعيًا اليهود والأمّيين ليجعل منهم شعبًا يجتمع في الوحدة، لا بحسب
الجسد بل بحسب الروح، ويصير شعب الله الجديد. ومن ثمّ فإنّ الذين يؤمنون بالمسيح-
وقد ولدوا ثانية لا من زرع قابل الفساد بل من زرع لا يفسد، وهو كلمة الله الحي (1
بط 1: 23)، ولا من الجسد بل من الماء والروح القدس (يو 3: 5، 6)، أُقيموا أخيراً
“ذرية” مختارة، كهنوتًا ملوكيًا، أمّة مقدّسة، شعبًا مقتنى.. لم يكونوا
من قبل شعبًا فصاروا اليوم شعب الله (1 بط 2: 9، 10).

فهذا
الشعب المسيحي رأسه المسيح “الذي اسم من اجل خطايانا وقام لأجل برّنا”
(رؤ 4: 25)، الذي، بعد إذ نال اسمًا لا اسم فوقه، يملك الآن مجيدًا في السماوات.
وهذا الشعب حاله حال الكرامة وحرّية أبناء الله، في قلوبهم يسكن الروح القدس سكناه
في هيكله. وشريعته الوصية الجديدة: أن يحبّ كما أحبّنا المسيح نفسه (يو 13: 34).
وغايته أخيرًا ملكوت الله الذي بدأه الله نفسه على الأرض، وعليه أن يمتدّ من بعد
إلى أن يتمّه الله نفسه، في آخر الزمان، عندما يظهر المسيح حياتنا (كو 3: 4)،
“وتُعتَق الخليقة من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رو 8: 21).
وهذا الشعب المسيحي، وإن كان بعد لا يضمّ في الواقع جميع الناس، ويبدو في الغالب
بمظهر القطيع الصغير، فهو مع ذلك للجنس البشري برمّته خمير وحدة ورجاء وخلاص بالغ
الفعالية. لقد أقامه المسيح شركة حياة ومحبة وحقيقة، وهو في يده أداة فداء لجميع
الناس، وأرسله في العالم كلّه نورًا للعالم وملحًا للأرض (متى 5: 13- 16)

“وكما
أنّ إسرائيل بحسب الجسد قد دعي، فيما كان سالكًا في القفر، بكنيسة الله (2 عز 13: 1؛
عد 20: 4؛ تث 23: 1 وما بعده)، كذلك إسرائيل الجديد، السالك في الدهر الحاضر في
طلب المدية الآتية الباقية (عب 13: 14)، قد دعي هو أيضاً بكنيسة المسيح (متى 16: 18)،
لانّه هو الذي اقتناها بدمه (أع 20: 28)، وملأها من روحه، وجهّزها بالوسائل
المؤاتية لأجل اتحادها الظاهر المجتمعي. فإن الله قد دعا جماعة الذين في الإيمان
ينظرون إلى يسوع، صانع الخلاص ومبدإ الوحدة والسلام، وأنشأ مدنهم الكنيسة لكي تكون
للجميع ولكل واحد منهم السر المنظور لهذه الوحدة الخلاصية. ولمّا كان عليها أن
تمتد إلى جميع المناطق دخلت تاريخ البشر على كونها تتخطى حدود الشعوب في الزمان
والمكان. وإذ تسلك الكنيسة طريقها في وسط المحن والشدائد يعضدها الله بقوة نعمته
التي وعدها الرب بها لئلا تخلّ بالأمانة الكاملة بسبب وهن الجسد، بل تظلّ لربها
العروس الخليقة به، وتستمر على التجدد الذاتي بفعل الروح القدس، إلى أن تبلغ في
طريق الصليب النور الذي لا يعقبه غروب”.

من
هذا النص يمكننا استنتاج الأمور التالية:

أوّلاً،
هناك تحمل بين شعب الله في العهد القديم وشعب الله في العهد الجديد. فالكنيسة هي
إذاً وارثة لماضٍ قديم، تاريخها يعود إلى إرادة الله منذ فجر التاريخ بتكوين شعب
له مقدّس.

ثانيًا،
إنّ الكنيسة لم تنشأ عن إرادة بشر ولا عن أعمالهم الخاصة، إنّما “لكي يثبت
قصد الله بحسب اختياره، لا من قبل الأعمال بل من قبل الذي يدعو” (رو 9: 11).
لقد نشأت عن الخلاص المجّاني الذي حصل عليه البشر بالمسيح الذي، بدمه، أنشأ عهدًا
جديدًا مع الله. إنّها وليدة دعوة مجانية من الله: “إنّ الذي سبق فحدّدهم،
إيّاهم دعا أيضاً. والذين دعاهم، إيّاهم برّر أيضاً. والذين بررهم، إيّاهم مجّد
أيضاً” (رو 8: 30)

ثالثًا،
إنّ جميع أعضاء هذا الشعب هم مقدّسون، إذ أصبحوا بالفداء أبناء الله وهياكل الروح
القدس. فالمسيح قد “أحبّنا وغسلنا بدمه من خطايانا، وجعلنا ملكوتًا وكهنة
لإلهه وأبيه” (رؤ 1: 6). فهناك إذًا مساواة جذرية بين أعضاء شعب الله، إذ
يشتركون كلّهم في كهنوت المسيح، وإن تنوّعت الخدم بين الكهنوت والعلمانيين (راجع
“كهنوت المؤمنين المشترك” في دستور المجمع الفاتيكاني الثاني “في
الكنيسة”، رقم 10).

رابعًا،
إنّ دعوة الله للدخول في شعبه هي دعوة جامعة تشمل جميع الناس وضح الشعوب. لذلك
فإنّ شعب الله هو في نمو دائم. وإن بدا في الغالب بمظهر القطيع الصغير، غير أنّه
خمير وحدة ورجاء وخلاص للجنس البشري برمّته.

أخيرًا،
إنّ هذا الشعب يسير في تاريخ البشر سيرًا واثقًا نحو غايته الأخيرة، وهي ملكوت الله
الذي بدأ على الأرض وعليه أن يمتدّ حتى ظهور المسيح الأخير. إنّ دعوة الله هي دعوة
ديناميكية تجعل من البعد الاسكتولوجي بعدًا أساسيًا في الكنيسة يحملها على التجدد
الدائم إلى أن تبلغ “النور الذي لا يعقبه غروب”.

2-
تكوين شعب الله وامتداده في التاريخ

ء)
الكنسية والأمم

إنّ
انتقال “شعب الله” من الأمّة اليهودية إلى الكنيسة المكوّنة من مختلف
أمم العالم هو الدليل على أنّه لا يسع أيّ أمّة أن تصير شعب الله إن لم يكن مع أمم
أخرى ودون هيمنة من أمة على غيرها. وهذا يفرض على كل أمّة أن تكفر بذاتها
وبالغريزة التي تدفعها إلى التسلّط على سائر الأمم لامتصاصها. هذا الصليب لا بد
لكل أم العالم من حمله ليتكوّن شعب الله. فكما أنّ الكنيسة نشأت من صليب المسيح،
كذلك لا يمكنها أن تنمو إلاّ بحمل هذا الصليب مع المسيح. لقد رفض المسيح أن يكون
ملكًا زمنيًا، لأنّ “ملكوته ليس من هذا العالم” (يو 18: 36)، أي ليس من
روح هذا العالم ولا بحسب منطق هذا العالم وممالكه. والكنيسة إلى تحسّد ملكوت الله
في هذا العالم لا يمكنها أن تثبت إلاّ إذا ثبت فيها روح الصليب الذي يطلب لا قتل
الآخرين بل الموت عنهم، لا الهيمنة عليهم بل الحياة معهم كأعضاء في شعب واحد.

إن
الخطر كبير في أن تحاول الكنيسة- وقد حدث ذلك في الأمّة اليهودية ويحدث في الأمم
المعاصرة- التهرّب من هذا الصليب، فإنّها عندئذ تنغلق على سياسة أمّة معينة،
وتنجرف في الصراعات الحتمية بين الأمم. فالمطلوب من الكنيسة أن تكون ضمير الأمم
كلّهما لتذكّرها بنهج المسيح المصلوب ونهج شعب الله، وتدعوها إلى تحقيق فداء
المسيح في وحدة البشرية كلّها.

ب)
كيف ينمو شعب الله؟ الرسالة في الكنيسة

إنّ
الرسالة هي من صميم الكنيسة، لا تستطيع أن تهملها دون أن تتلاشى، لأنّ الكنيسة هي
دعوة جميع الشعوب لتكوّن شعب الله الواحد. فالكنيسة إذًا تكون مرسلة أولا تكون.
وتتحقق هذه الرسالة على صعيدين، بالكرازة المباشرة، وبالكرازة غير المباشرة.

أمّا
الكرازة المباشرة فهي دعوة غير المؤمنين إلى الإيمان بمجيء الملكوت في شخص المسيح،
أي إلى الإيمان بالمسيح. فالعلاقة مع المسيح هي التي تجعل من الكنيسة شعب الله.
لذلك يصير الإنسان عضوًا في شعب الله بالإيمان بالمسيح وتقبل الأسرار، ولا سَيّمَا
سرّي المعمودية والأفخاريستيا، التي فيها يشترك المؤمن في حياة المسيح وسر موته
وقيامته. فإنّ الإيمان والأسرار هما العنصران الجوهريان اللذان يكوّنان شعب الله،
فيهما يتحقّق على مدى الزمن العهد الجديد الذي خُتم بدم المسيح بين الله والبشر،
والذي هو عهد جماعي مع الشعب كلّه وعهد شخصي مع كل عضو من أعضاء هذا الشعب. وإنّ
الروح القدس الذي أفاضه الله على الشعب قد أفاضه في قلب كل مؤمن، وهو الذي يدعوه
إلى الإيمان والارتداد الشخصي. وهذا الإيمان وتقبّل الأسرار يتكون شعب الله وينمو
على مدى الزمن والتاريخ. فالكنيسة، شعبُ الله، هي إذًا جماعة تلتئم لتعبّر عن
إيمانها بالمسيح وتحيا أسراره.

وأمّا
الكرازة غير المباشرة فهي الشهادة للقيم التي بشّر بها المسيح في تعليمه وحياته
وموته، والعمل على تجسيد هذه القيم في المجتمعات البشرية، دون الدعوة المباشرة إلى
الإيمان بالمسيح والمعمودية. فالرسالة ملحّة، لأنّ ملكوت الله قد جاء في المسيح،
ولا بدّ من التبشير بالمسيح. ولكنّ التبشير يجب أن يتكيّف مع الأوضاع التاريخية
التي يحيا فيها الناس، وهو تبشير بالقيم التي بشّر بها المسيح، والتي هي ممكنة في
جميع الأوضاع وتلخّص بالمحبة المتبادلة بين جميع الناس، وتنتج من الإيمان بأنّ
جميع الناس هم أبناء الإله الواحد، “الآب الذي في السماوات، الذي يطلع شمسه
على الأضرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والأثمة” (متى 5: 45).

ج)
من يمثّل الكنيسة؟ أين نجد الكنيسة؟

بقولنا
إنّ الكنيسة هي شعب الله، نؤكّد أنّ من يمثّل الكنيسة هو أوّلاً الشعب كلّه، جماعة
وأفرادًا، من حيث إيمانه بالمسيح وعلاقته به. وعلى هذا الصعيد لا فرق بين الأساقفة
والكهنة والعلمانيين، فكلّهم على حد سواء أبناء الله وأعضاء في شعبه. لا شكّ أنّ
هناك وظائف وخدمات متنوّعة في الكنيسة، وأنّ هناك نخبة من الأساقفة والكهنة
والرهبان والعلمانيين تبشّر وتعلّم وتجاهد لنقل الإيمان ونشره. لكنّ هذه النخبة لا
تمثّل وحدها الكنيسة شعب الله. ثمّ إنّ الهدف من الكرازة هو، بحسب قول بولس الرسول،
“جعل كل إنسان كاملاً في المسيح” (كو 1: 28)، ومساعدته على إنشاء علاقة
خاصة معه وتجسيد شخص المسيح وتعاليمه في كل ميادين العالم ومرافق الحياة.

فأين
نجد الكنيسة إذًا؟ نجدها أوّلاً حيث يعمل روح المسيح. ومن يمثّل الكنيسة؟ يمثلها
أولاً الذين يجسّدون في حياتهم حياة المسيح، كهنة كانوا أم علمانيين. فإنّ كل
مسيحي يمثّل الكنيسة بقدر ما يحيا حياة المسيح.

إنّ
كرامة أبناء الله تسبق وتفوق الكرامة الناجمة عن الكهنوت والأسقفية. وهذا ما أشار
إليه المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي “في الكنيسة”، عندما
تكلّم في الفصل الثاني عن “شعب الله” قبل أن يعرض في الفصل الثالث
“نظام السلطة في الكنيسة ولا سيّمَا الأسقفيّة”. إنّ هذا الترتيب قد
أراده آباء المجمع للتأكيد أنّ أوّلية “الكيان المسيحي” بالنسبة إلى
نظام السلطة في الكنيسة، لا سيّمَا أنّ السلطة هي “في خدمة جميع المنتمين إلى
شعب الله لينعموا بالكرامة المسيحية الحقة” (رقم 18 من الدستور العقائدي
“في الكنيسة”).

هكذا
صنع يسوع نفسه، إذ جمع أوّلاً حوله تلاميذ، ثم اختار من بينهم اثني عشر رسولاً،
وبعد ذلك اختار بطرس من بين الاثني عشر ليثبّت إخوته ويرعى شعبه.

إنّنا
بتأكيدنا أنّ الكنيسة تتمثّل أوّلاً بالشعب المؤمن، لا نهدف إلى التقليل من أهمّية
السلطة في الكنيسة، بل إلى إعادة التوازن في الأهمّية والأدوار بين “الكيان
المسيحي” من جهة “والخدمات المتنوعة” من جهة أخرى “لتنظيم
القدَيسين في سبيل بنيان جسد المسيح”، حسب قول بولس الرسول (أف 4: 12).

ونضيف
الآن أنّ الكنيسة تتمثّل أيضاً في السلطة الكنسية، ولا سيّمَا في الأساقفة الذين
يكمّلون كرازة الرسل أساس الكنيسة: “أنتم بناء أساسه الرسل والأنبياء، ورأس
الزاوية المسيح يسوع نفسه” (أف 2: 20). وسنتوسّع في ذلك في حديثنا عن
“رسولية” الكنيسة.

ثانياً-
الكنيسة أسرة روحية يشترك أعضاؤها معًا في حياة الله

1-
الأسرة الروحية: الكنيسة أمّ والمسيحيّون إخوة

الكنيسة
هي شعب الله. إنّ هذا التعريف الأوّل يتّضح بالتعريف الثاني الذي يؤكّد أنّ أعضاء
هذا الشعب يشتركون في حياة الله. ورباط الشركة في الحياة الإلهية يجعلهم إخِوة في
أسرة واحدة. فالكنيسة أسرة روحية تعيش من حياة الله التي ظهرت في شخصِ يسوع المسيح
كلمة الله. وكما أنّ الإنسان يولد في عائلة تعطيه الغذاء والحنان، ويشترك ني
خيراتها الجسدية والروحية مع أب وأم وإخوة، هكذا يولد المسيحي في عائلة روحية تسكب
في قلبه محبة الله للبشر، تلك المحبة التي ظهرت للعالم في المسيح ولا تزال تستمرّ
بواسطة الإنجيل والأسرار وتغدق عليه نعمة الله وحياته الإلهية. ففي الكنيسة يشترك
المؤمن في حياة الله الآب والابن والروح القدس مع إخوة له مؤمنين.

لقد
دُعيت الكنيسة أُمًّا، لأنّه فيها يولد المؤمن من جديد للحياة الإلهية. إنّ
الكنيسة لم تتكوّن، كما تتكوّن سائر الجماعات البشرية، بقرار اتّخذه بعض الناس
بالاجتماع معًا لتحقيق هدف معيّن. فللدخول في سر الكنيسة يجب التأكيد أنّ هناك
معطيات تسبق إرادة البشر في الاجتماع معًا، هناك حقيقة جديدة تكوّنت بالعهد الجديد
الذي تمّ في المسيح بين الله والبشر. فقبل إرادة البشر حقّق الله المصالحة الشاملة
بينه وبين الناس بحسب قول بولس الرسول: “إنّ الله هو الذي صالح، في المسيح،
العالم مع نفسه، ولم يحسب عليهم زلاّتهم، وأودعنا كلمة المصالحة”. لذلك
“إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة” (2 كو 5: 17- 19).

والدخول
في الكنيسة هو، بحسب قول يسوع لنيقودموس، ولادة جديدة: “ليس أحد يقدر أن يدخل
ملكوت السماوات، ما لم يولد من الماء والروح” (يو 3: 5). وهذا ما يعنيه بولس
الرسول بقوله للغلاطيين: “يا أولادي الصغار، الذين أتمخّض بهم من جديد إلى أن
يتصوّر المسبح فيهم” (غلا 4: 19).

إنّ
الكنيسة هي عروس المسيح التي تلد أولادًا للحياة الإلهية. إنّها، كما جاء في سفر
الرؤيا، “أورشليم الجديدة، التي نزلت من السماء من عند الله مهيّأة كعروس
مزيّنة لعريسها” (رؤ 21: 9). إنّها عروس المسيح، “الذي أحبّها وبذل نفسه
لأجلها ليقدّسها بغسل الماء والكلمة، إذ كان يريد أن يزفّها إلى نفسه كنيسة مجيدة،
لا كلف فيها ولا غضن ولا شيء مثل ذلك، بل مقدّسة، عيب فيها” (أف 5: 25- 27).

وفي
هذه الأسرة الروحية يقدّس المسيح جميع المسيحيين ويغذّيهم بالكلمة، أي بالإنجيل،
وبالماء، أي بالمعمودية وسائر الأسرار، ولا سيّمَا سر الإفخاريستيا المنّ السماوي.

في
المسيح، يصير جميع المؤمنين إخوة يعيشون الشركة في الإيمان الواحد والشركة في
الأسرار الواحدة، على غرار الشركة التي تتحقّق بين إخوة في أسرة واحدة في قرابة
الدم وشراكة المسكن والمأكل والمشرب والحياة. إنّ اشتراك المسيحيين هو اشتراك في
منابع الحياة التي منها تنبثق حياتهم المسيحية وبها تتغذى لتنمو وتدوم.

2-
الكنيسة مؤسَّسة فيها خِدَم متنوّعة

إنّ
رباط الشركة والأخوّة بين المسيحيين لا يمكن أن يتحقّق إلاّ إذا دخل الإنسان بالإيمان
في هذا الرباط. والإيمان يقتضي الرسالة، والرسالة تتطلّب الخدم المتنوعة: “يؤمنون
به إن لم يسمعوا به، وكيف يسمعون به بلا مبشّر، وكيف يبشّرون إن لم يرسَلوا..
فالإيمان إذن البشارة، والبشارة بأمر من المسيح” (رو 10: 14- 17). لا يمكن
الاكتفاء في الكنيسة “بشركة الأخوّة”، ذاك الرباط السري الذي يربط
المسيحيين بعضهم ببعض، وإهمال الخدم. يقول بولس الرسول:

“لا
جرم أنّ المواهب على أنواع، إلاّ أن الروح واحد، وإن الخدم على أنواع، إلاّ أن
الرب واحد، وإنّ الأعمال على أنواع، إلاّ أنّ الله واحد، وهو يعمل كل شيء في
الجميع. وكل واحد إنّما يعطى إظهار الروح للمنفعة العامة. فالواحد يعطى، من قبل
الروح، كلام حكمة، والآخر كلام علم، بحسب الروح عينه، والآخر الإيمان، بذلك الروح
عينه، والآخر موهبة الشفاء بالروح الواحد عينه، وآخر إجراء العجائب، وآخر النبوّة،
وآخر تمييز الأرواح، وآخر أنواع الألسنة، وآخر ترجمة الألسنة. وهذه كلّها يفعلها
الروح الواحد بعينه، موزّعاً، كيف شاء، كل واحد خصوصاً” (1 كو 12: 4- 11).

تتّخذ
الكنيسة في الزمن الحاضر شكل “مؤسّسة” فيها خدم متنوّعة وهذه الخدم لا
بدّ منها لإظهار غزارة مواهب الروح وإنماء الحياة في أعضاء الكنيسة. أمّا تنظيم
هذه الخدم فلا يمكن أن يُترَك لحرية كل مسيحي، بل يعود إلى الأساقفة خلفاء الرسل،
الذين أو إليهم المسيح مهمة رعاية الكنيسة، حسب قول بولس الرسول لأساقفة كنيسة
أفسس:

“إحذروا
لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أقامكم فيه الروح القدس أساقفة لترعوا كنيسة الله التي
اقتناها بدمه الخاص”. تم يضيف: “وإنّي لعالم بأنّه بعد فراقي سيدخل
بينكم ذئاب خاطفة، لا تشفق على القطيع، ومنكم أنفسكم سيقوم رجال يحاولون بأقوالهم
الفاسدة أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم. فاسهروا إذن، وتذكّروا أنّي، مدة ثلاث سنوات،
لم أكفّ ليلاً ونهاراً عن نصح كل واحد منكم بالدموع” (أع 20: 28- 31).

ويوصي
بولس أساقفة تلك الكنيسة بالسهر على إيمان القطيع الذي أوكل إليهم، وتلك إحدى
النواحي التي تهدف الخدم المتنوّعة في الكنيسة إلى تحقيقها. وفي مواضع مختلفة من
الرسائل يؤكّد بولس ضرورة اهتمام الأساقفة والكهنة بالتمسك بالكلام الصحيح (2 تي 1:
13- 14؛ 1 تي 1: 9) وبوديعة الإيمان (1 تي 6: 20 “يا تيموثاوس، احفظ
الوديعة”).

إذن
الإيمان والأسرار والمسؤولية الرعائية هي النواحي الثلاث الأساسية التي تدور حولها
جميع المؤسّسات الكنسية وجميع الخدم الكهنوتية، وهي تكمّل إحداها الأخرى: فالأسرار
تعبّر عن الإيمان وتنميه، والمسؤولية الرعائية هي في خدمة الإيمان والأسرار،
وكلّها تهدف إلى سكب حياة الله في قلوب المسيحيين ومن خلالهم في مختلف مرافق
العالم. إنّ المؤسّسات الكنسية لا يمكنها أن تكون مؤسّسات جامدة، فلقد أرادها
المسيح ينبوع حياة، وعلى الكنيسة أن تقوم “بإصلاح دائم في مؤسّساتها البشرية
الأرضية”، على قول المجمع الفاتيكاني الثاني (الحركة المسكونية، رقم 6).

3-
الأخوّة المسيحية حقيقة روحية تتخطّى الأخوّة البشرية

إنّ
رباط الأخوّة الذي يربط المسيحيين بعضهم ببعض هو رباط روحي إلهي. فبيسوع المسيح
نحن إخوة بعضنا لبعض. إنّ قريبي هو أخي بسبب ما صنعه المسيح لأجله، وأنا أخ لقريبي
بسبب ما صنعه المسيح لأجلي. إنّ هذا الرباط هو حقيقة مختلفة عن كل ما يمكن تحقيقه
على الصعيد البشري والنفساني. فالمساجين والمرضى والمشرّدون في الشتات، والمرسلون
إلى البلاد النائية غالباً ما يشعرون بالعزلة على الصعيد الإنساني والنفساني. وقد
يشعر بتلك العزلة المسيحيون العائشون في العالم، والرهبان العائشون في “حياة
مشتركة” في الأديرة. فإنّ تحقيق الأخوّة تحقيقاً محسوساً، بحيث يشعر المسيحي
بدفء الأخوّة المسيحية، أمر ثانوي بالنسبة إلى الإدراك الروحي العميق للرباط الذي
يربط المسيحي بأخيه المسيحي. فهناك في أغلب الأحيان مفارقة لا بدّ للمسيحيّ من
حملها والاضطلاع بها بين الأخوّة الروحية والشعور النفساني الحسي بحرارة تلك
الأخوّة.

ثمّ
إنّ الأخوّة المسيحية لا ثقتصر على العلاقات بين الأشخاص القريبين بعضهم من بعض،
بل تتعداهم إلى جميع البعيدين عنّا والذين لا نعرفهم.

وأخيراً
تعمل المحبة المسيحية ليس فقط في الأشخاص بل أيضاً في جميع الشرائع والبنى
الاقتصادية والسياسية التي تؤثّر في عمل الناس وحياتهم. فكل تلك الشرائع والبنى
العالمية مدعوّة إلى أن تمتلئ بروح الأخوّة التي يحياها المسيحيون بعضهم مع بعض.

وهكذا
تمتدّ الكنيسة، حياة الله بين البشر، ليس فقط بين المسيحيين، بل بين جميع الناس
وفي جميع المؤسسات العالمية امتداد الخمير في العجين، إلى أن يصل جميع الناس إلى
إدراك حياة الله الواحد في ذواتهم وفي العالم أجمع، ويسبّحوا بفم واحد وقلب واحد
اسم الله الواحد، الآب والابن والروح القدس.

ثالثاً-
الكنيسة جسد المسيح

1- غاية
التجسد تأليه الإنسان

“لماذا
صار الإله إنساناً”؟ “لكي يصير الإنسان إلهاً”. هذ هو جواب آباء
الكنيسة الشرقية منذ القدّيس إيريناوس. فغاية التجسّد ليست التكفير عن الخطيئة
الأصلية بل تأليه الإنسان بولادته ولادة جديدة في المسيح وعلى صورة المسيح. إنّ
القدّيس إيريناوس يرى أنّ الخطيئة ليست حادثاً غيّر قصد الله فقرّر إرسال ابنه
لخلاص العالم، بل إن تجسّد ابن الله هو في قصد الله منذ خلق العالم. إنّ العالم خلق
طفلاً، والخطيئة هي مرحلة عابرة ملازمة لحالة الإنسان قبل بلوغه. في المسيح بلغ
الإنسان كمال الإنسانية، في المسيح ظهر “الإنسان البالغ”. وزمن الكنيسة
هو الزمن الذي يدعى فيه كل إنسان ليحقّق في ذاته “حالة الإنسان البالغ وملء
اكتمال المسيح” (أف 4: 13).

وهذا
الإنسان البالغ هو “الإنسان الجديد” الذي يتكلّم عنه بولس الرسول في
رسالته إلى الأفسسيين حيث يجمع بين “الإنسان البالغ” و”الإنسان
الجديد”:

“ومن
ثمّ، فلا نكون بعد أطفالاً تتقاذفنا الأمواج، وتعبث بنا كل ريح تعليم على هوى مكر
الناس وخبثهم في طرق التضليل، بل نعتصم بالحق في المحبة فننمو في كل وجه، مرتقين
نحو من هو الرأس، أي المسيح، الذي منه ينال الجسد كلّه التنسيق والوحدة، وبتعاون
جميع المفاصل، على حسب العمل المناسب لكل عضو، ينشئ لنفسه نمواً، ويبنى في
المحبة” (أف 4: 14- 16).

وبعد
هذا التوسّع في نمو الإنسان إلى المسيح، يتابع الرسول فيتحدّث عن الإنسان الجديد:

“ينبغي
لكم أن تخلعوا عنكم، ما هو من أمر حياتكم السالفة، الإنسان العتيق، الفاسد بشهوات
الغرور، وأن تتجدّدوا في صميم أذهانكم، ودق تلبسوا الإنسان الجديد، الذي خُلق على
مثال الله في البرّ وقداسة الحق” (4: 2- 24).

وحتى
يستطيع الإنسان أن يحيا حياة الله كان لا بدّ أن يصبح الإله إنساناً ليرفعه إليه،
كان لا بدّ أن يأتي آدم الثاني إنساناً روحياً، إنساناً “نازلاً من
السماء”. إن هذا التعبير المكاني هو صورة بشرية لحقيقة هوى إلهية هي أن
المسيح هو ابن الله، هو “إنسان كامل وإله كامل”، بحسب تعبير مجمع
خلقدونية. وهذا ما يعينه بولس بقوله:

“جُعل
الإنسان الأوّل، آدم، نفساً حية، وآدم الآخر روحاً محيياً. ولكن لم يكن الروحاني
أوّلاً، بل الحيواني ثم بعدئذٍ الروحاني. الإنسان الأوّل من الأرض، من التراب،
والإنسان الثاني من السماء. فعلى مثال التراب يكون الترابيون، وعلى مثال السماوي
يكون السماويون. وكما لبسنا صورة الترابي فلنلبس أيضاً صورة السماوي” (1 كو
15: 45- 49).

وهذا
ما يعنيه أيضاً يسوع بقوله “إنّه لم يصعد أحد إلى السماء إلاّ الذي نزل من
السماء، ابن البشر الكائن في السماء” (يو 3: 13).

إن
تأليه الإنسان لا يزيل طبيعته الإنسانيّة. فكما أنّ الطبيعة الإلهية والطبيعة
الإنسانية اتّحدنا في شخص المسيح “دون اختلاط ولا انفصال”، بحسب قول
المجمع الخلقيدوني عن المسيح الإله والإنسان، كذلك في الإنسان المؤله بالمسيح تبقى
الطبيعة الإنسانية كاملة، ولكنّ النعمة تضفي عليها بعداً جديداً هو بعد الإتحاد
بحياة المسيح وكيان المسيح، حتى يتصوّر المسيح في الإنسان. يقول متوديوس الأوليمبي:
“كأنّ الكنيسة حبلى وفي المخاض، إلى أن يتصوّر المسيح في كلّ منا، بحيث يشترك
كل من القدّيسين في المسيح، ويصير مسيحاً”.

2-
الكنيسة جسد المسيح

أ)
الكنيسة أعضاء مختلفة متّحدة برأس واحد هو المسيح

إنّ
إتحاد المسيحيين جميعهم بالمسيح يجعلهم، على كونهم أعضاء مختلفة، جسداً واحداً: “فكما
أنّ الجسد واحد، وله أعضاء كثيرة، وأنّ جميع أعضاء الجسد، مع كونها كثيرة، هي جسد
واحد، كذلك المسيح أيضاً. فإنّا جميعاً قد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحد، يهوداً
كنّا أم يونانية، عبيداً أم أحراراً، وسقينا جميعاً من روح واحد” (1 كو 12: 12،
13).

بالمعمودية
يصبح المسيحيون واحداً في المسيح. وكذلك بالإفخارستيا: “كأس البركة التي
نباركها أليست هي شركة في دم المسيح؟ والخبز الذي نكسره أليس هو شركة في جسد
المسيح؟ فبمَا أن الخبز واحد، فنحن الكثيرين جسد واحد، لأنّا جميعاً نشترك في
الخبز الواحد” (1 كو 10: 16، 17)

إنّ
الكنيسة جسد واحد يحيا فيه جميع الأعضاء من حياة الله التي ظهرت للبشر في يسوع
المسيح، ولا تزال تُمنح لهم في الأسرار المقدّسة. والمسيح هو رأس هذا الجسد: “إنه
رأس الجسد، أي الكنيسة. إنّه المبدأ، البكر من بين الأموات، لكي يكون هو الأوّل في
كل شيء، ففيه ارتضى الله أن يُحلَّ الملء كلّه” (كو 1: 18). ففي المسيح يحلّ
ملء اللاهوت، “وهو الرأس الذي ينال الجسد كله التنسيق والوحدة” (أف 4: 16).
والمسيح هو “مبدأ ائتلاف” كل أعضاء الجسد.

ثمّ
إنّ قصد الله هو “أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح، كل شيء، ما في السماوات
وما على الأرض” (أف 1: 10). “لقد أخضع الله كل شيء تحت قدميه، وأقامه،
فوق كل شيء، رأسًا للكنيسة، التي هي جسده وكال من يكتمل في جميع الكائنات”
(أف 1: 22- 23). فالكنيسة هي “كمال المسيح”، والمسيح يكتمل بالمسيحيين
كمَا أنّ الرأس يكتمل بالأعضاء. وبقدر ما تتسع الكنيسة بأعضاء مجدّدين بالمسيح
بقدر ذلك يكتمل المسيح. يقول يوحنا الذهبي الفم: “يكتمل الرأس عندما يصير
الجسد كاملاً، عندما نصير كلّنا متحدين ومرتبطين بعضنا ببعض”.

ب)
الكنيسة “جسد المسيح السرّي”

يدعو
بولس الرسول الكنيسة “جسد المسيح”. أمّا عبارة “جسد المسيح
السرّي”، فقد وردت أوّلاً في كتابات إيسيخيوس الأورشليمي (+ 438) الذي يقول: “نحن
أيضاً نصير جسد المسيح بتناولنا جسده السرّي”. ويعني بعبارة “الجسد
السرّي” القربان المقدّس. فالسرّي هنا نسبة إلى سر الإفخارستيا كمَا في عبارة
“العشاء السرّي”.

وفي
القر التاسع أخذ اللاهوتيون في الغرب يميّزون بين ثلاثة تعابير لحضور المسيح، جسد
المسيح المولود من مريم العذراء، وجسد المسيح الحاضر في سرّ الإفخارستيا الذي دعوه
على غرار القرون الأولى “الجسد السرّي”، وجسد المسيح، الكنيسة، التي
دعوها “الجسد الحقيقي”.

وفي
القرن الرابع عشر أصدر البابا بونيفاسيوس الثامن براءة في “الكنيسة الواحدة
المقدّسة” ودعا فيها الكنيسة “جسد المسيح السرّي”، بينما دعا جسد
المسيح الحاضر في سر الإفخارستيا “الجسد الحقيقي”. ومن هذا الاستعمال قد
بدأ في الغرب كردة فعل على أفكار اللاهوتي “بيرنجيه” الذي كان تعليمه عن
حضور المسيح الحقيقي في سر الإفخارستيا ملتبساً ومثيراً للشك. فلتأكيد أنّ المسيح
حاضر حضورا حقيقياً في سر الإفخارستيا دعا اللاهوتيون هذا الحضور “الجسد
الحقيقي”، بينما أطلقوا على الكنيسة عبارة “جسد المسيح السرّي”.

وفي
القرن العشرين كانت تسمية الكنيسة “جسد المسيح السَرّي” منتشرة في
الكنيسة الكاثوليكية، عندما نشر البابا بيوس الثاني عشر رسالته العامة في
“الكنيسة جسد المسيح السرّي”، وفيها يؤكد ثلاثة أمور رئيسة:

أوّلاً،
إنّ الكنيسة هي جسد المسيح السرّي. إنّ الكنيسة جسد له رأس هو المسيح، والروح
القدس هو الروح الذي يحي هذا الجسد.

ثانياً،
إنّ الكنيسة هي، كالمسيح، سر تجسّد. فهي في الوقت نفسه منظورة وغير منظورة. وتشدّد
الرسالة على الناحية المنظورة: فالكنيسة هي “جسم واحد وغير منقسم”،
“محسوس” و”واقعي”.

ثالثاً،
إنّ هذا الجسم المنظور هو الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. فرأي البابا بيوس الثاني
عشر أنّ أعضاء الكنيسة، جسد المسيح السرّي، هم فقط الذين ولدوا من جديد بالمعمودية
ولم ينفصلوا أو لم تفصلهم السلطة الشرعية عن مجمل الجسد. فجسد المسيح هو إذاً
الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وليس سواها.

لكنّ
المجمع الفاتيكاني الثاني انفتح على المسيحيين غير الكاثوليكيين. فبعد حديثه عن
الكنيسة جسد المسيح السرّي (رقم 7)، ينتقل إلى وجه الكنيسة المنظور، فيقول: “هذه
الكنيسة التي أنشئت ونظمت كمجتمع في هذا العالم إثمَا نستمرّ في الكنيسة
الكاثوليكية التي يسوسها خليفة بطرس والأساقفة الذين على الشركة معه، وإن تكن
عناصر عديدة للتقديس والحقيقة لا تزال قائمة خارج هيكلها العضوي المنظور، وتدفع،
من حيث هي مواهب خاصة بكنيسة المسيح، إلى الوحدة الكاثوليكية” (دستور عقائدي
في الكنيسة، رقم 8).

قبولاً
صحيحاً هم على الشركة، وإن غير كاملة، مع الكنيسة الكاثوليكية.. لمّا كانوا قد
برّروا بالإيمان الذي نالوه في المعمودية، وصاروا به أعضاء لجسد المسيح، فإنهم بحق
يحملون الاسم المسيحي، وبحقّ يرى فيهم أبناء الكنيسة الكاثوليكية إخوة في
الرّب” (رقم 3).

ج)
مَن هم أعضاء جسد المسيح؟

إنّ
المعمودية هي التي تجعل الإنسان عضواً في الكنيسة جسد المسيح. فالجسد واحد،
والكنيسة واحدة، رغم انقسام المسيحيين إلى كنائس مختلفة، وكلّنا أعضاء في جسد
المسيح الواحد، وكلّنا إخوة في أسرة واحدة، ولكنّنا إخوة قد اختلفوا على بعض
الحقائق المسيحية وبعض التعابير اللاهوتية، فانفصلوا بعضا عن بعض، ولكن انقساماً
لا يجعل البعض منهم أعضاء في جسد المسيح والآخرين خارج هذا الجسد. فكل الذين
اعتمدوا هم أعضاء على حد سواء في جسد المسيح، ولكنّهم أعضاء منفصلون بعضهم عن بعض،
يتوقون إلى الوحدة الكاملة.

إنّ
عبارة “جسد المسيح” هي عبارة كتابية يجب الاحتفاظ بها لأنّها تحمل معنى
عميقاً، ولكنّها تشبيه، ولا يمكن أيّ تشبيه، مهمَا كان غنيّاً، أن يفي بسر الكنيسة
الكامل. وقد يؤدي التمسّك بهذا التشبيه تمسّكاً مطلقاً وحرفياً إلى الوقوع في
مغالطات لاهوتية. فمن يقول مثلاً إنّ الانفصال عن كرسي رومة هو انفصال عن جسد
المسيح يعتبر الاتحاد مع كرسي رومة أهمّ من الاتحاد مع المسيح بالمعمودية.
ولاجتناب الوقوع في مثل هذا الخطر يجب الاستعانة بالتشبيه الآخر وهو “الكنيسة
شعب الله”. فجميع المسيحيين هم أعضاء في شعب الله الواحد، ويبقون أبناء الله
الواحد وأخوة للمسيح الواحد، ويحييهم الروح الواحد، وإن وضعوا، بانفصالهم بعضا عن
بعض، عراقيل بشرية تمنع عمل الله الكامل فيهم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى