علم الله

الفصل الثامن



الفصل الثامن

الفصل الثامن

الخلاص وَالفداء بيَسوع المسِيح

“وصُلِبَ عنّا على عهد بيلاطس البنطي، وتألّم وقُبر”.

يتضمّن إيماننا بيسوع المسيح ناحيتين متكاملتين: يسوع في شخصه، ويسوع
في عمله الخلاصي. فيسوع، في شخصه، هو “ابنُ الله الوحيد المولودُ من الآب قبل
كلِّ الدهور، نورٌ من نور، إلهٌ حقّ من إلهٍ حقّ، مولودٌ غيرُ مخلوق ومساوٍ للآب
في الجوهر”. هذا ما عرضناه في الفصل السابق.

 

أما في هذا الفصل، فسننظر إلى يسوع في عمله الخلاصي. فالتجسّد وحياة
يسوع الانسان وصلبه وموته وقيامته، كل هذه الأحداث نعلن في قانون الإيمان أنها
تمّت “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا”. ماذا نعني بالخلاص؟ وكيف
خلّصنا يسوع المسيح بتجسّده وحياته وموته وقيامته؟

 

القِسم
الأول ما هو الخلاص

1- حالة الانسان

“اني بائس ومسكين، فليعضدني خلاصك يا ألله” (مز 68: 30).
هناك خبرتان يختبرهما الانسان طوال حياته: خبرة ايجابية من الانسجام مع ذاته ومع
الآخرين ومع الكون، وخبرة سلبية من النقص في ذاته وفي المجتمع وفي الكون. لذلك
يقضي الانسان حياته متقلبًا بين الفرح والحزن، بين الصحة والمرض، بين السلام
والحرب، بين السعادة والشقاء.

 

يدرك الانسان النقص في ذاته: يرغب في الانسجام مع ذاته وفي السلام
الداخلي، الا أنه غالبًا ما يعاني القلق والتمزّق الداخلي. يريد سعادة كاملة دائمة
فلا يحصل الا على أفراح جزئية ممزوجة بالحزن والشقاء. يريد الصحة الدائمة والحياة
الخالدة فيصطدم بالأمراض والمصائب والموت المحتوم. يريد عمل الخير وراحة الضمير
فيسقط في عمل الشر ويشعر بتوبيخ الضمير.

 

ويدرك الانسان النقص في علاقاته مع الآخرين وفي جميع المجتمعات: يرغب
في الانسجام مع الآخرين، ويريد أن يسود السلام وتسود المحبة علاقات الناس بعضهم
ببعض وعلاقات المجتمعات بعضها ببعض، وغالبًا ما يرى حوله الخصومات والمنازعات والحروب.

 

جميع الناس يدركون بؤس الانسان وضعفه وقلقه، ولكن المؤمن وحده ينظر
الى الله ويقول: “اني بائس فليعضدني خلاصك يا ألله”.

 

2- الخلاص من الله

يرى المؤمن أنّ سبب حالة الانسان هذه هو بعده عن الله وبعده عمّا يجب
ان يكون. فالانسان خلق لأجل الله وهو كائن ينسم فيه روح الله، فان ابتعد عن الله
انما يبتعد عن ذاته وينفصل عن جوهره ويفقد هويته. هذا ما يعبّر عنه الكتاب المقدس
بقوله ان الله قد خلق الانسان على صورته ومثاله. الا أن الانسان شوّه تلك الصورة
بالخطيئة. والله وحده الذي خلق الانسان يستطيع ان يعيد اليه بهاء الصورة الاصلية،
أن يخلّصه.

 

انّ في عمق القلب البشري نزعة نحو المطلق، لذلك لا يكتفي الانسان
بالأمور الجزئية العابرة: لا يكتفي بالحب الوقتي بل يسعى نحو الحب المطلق، ولا
يقبل بتجزئة كيانه بل يريد الوحدة مع ذاته ومع الآخرين ومع الكون اجمع، ويدرك ميله
الى الشر ويشعر أن الشرّ هو دمار لذاته وهلاك لنفسه فيرغب في الخير الثابت المطلق.

 

هذا الفراغ الذي يشعر به الانسان في مختلف أبعاد كيانه انما هو نداء
يوجهه الله الى الانسان للارتقاء اليه. من خلال هذا الاختبار البشري، اختبار الضعف
والقلق والضياع، يدخل الله الى قلب الانسان ويظهر ذاته الكائن الوحيد الذي يستطيع
ان يملأ فراغ الانسان ويعيد اليه أصالته وملء كيانه، اي أن يمنحه الخلاص. والانسان
الذي يحصل على الخلاص هو كالمريض الذي تعاد اليه عافيته، وكالأعمى الذي يعاد اليه
بصره، وكالمخلّع الذي تعاد اليه قدرته على السير، وكالأبرص الذي تعاد اليه نقاوته؛
انه كالذهب الذي ينقّى من الاوحال والأتربة وجميع الشوائب العالقة به فيعود الى
خلوصه وصفائه ولمعانه؛ انه كالعبد الذي يحرَّر من عبوديته ويعود الى حريته.

 

3- مرادفات الخلاص

هذا التغيير الذي يحدثه الله في الانسان بحضوره اليه يعبّر عنه الكتاب
المقدس بألفاظ مختلفة:

فيدعوه الخلاص، لانه به يخلّص الانسان من ضياعه وتغرّبه.

ويدعوه الحياة، لانه به يدخل الانسان في الحياة الحقيقية، حياة الله.

ويدعوه الملكوت، لأنه به يملك الله ملكًا دائمًا على قلوب البشر.

ويدعوه النعمة، لأنه عطية مجانية ينعم بها الله على الانسان.

ويدعوه الفداء والتحرير، لأنه به يفتدي الله الانسان ويحرّره كما
يفتدى الأسرى ويحرّر العبيد.

 

تشير هذه التعابير الى جوانب مختلفة لحقيقة واحدة هي حضور الله حضورًا
محبًا محييًا في كل انسان وفي الجماعات البشرية وفي التاريخ بأسره، لتجديد الانسان
والبشرية والتاريخ. وهذا الحضور هو ثمرة استمرار حب الله المجّاني للكون والانسان
منذ خلقهما. فكما أحبّنا الله وخلقنا، هكذا أيضا أحبّنا وخلّصنا من ضياعنا، أحبنا
وأشركنا في حياته، أحبّنا وأدخلنا في ملكوته، احبّنا وحضر فينا بنعمته، احبنا
وافتدانا من خطيئتنا وحرّرنا من عبوديتنا.

 

هذا ما نقرأه في كل صفحة من صفحات الكتاب المقدس. وما كتب في الاسفار
المقدسة لم يكن نتيجة تفكير نظري او تحليل فلسفي لسرّ الله، بل نتيجة اختبار حياتي
لعمل الله في التاريخ ولظهوره، عند بلوغ ملء الزمان، في شخص ابنه يسوع المسيح.

 

4- اختبار الخلاص في
العهد القديم

لقد اختبر الشعب اليهودي في العهد القديم محبّة الله المجانية لهم
وحضوره الدائم معهم على مدى تاريخهم، منذ ان اختار ابراهيم ووعده بأن “يجعل
منه أمة كبيرة” (تكوين 12: 1، 2) الى أن أصبح أمة كبيرة مع داود وسليمان.
ولقد اختبر الشعب اليهودي بشكل فائق خلاص الله في العمل العظيم الذي عمله لأجلهم
عندما خلّصهم على يد موسى من عبودية المصريين: “قال الرب لموسى: لقد سمعتُ
أنين بني اسرائيل الذين استعبدهم المصريون، فذكرت عهدي. لذلك قل لبني اسرائيل: أنا
الرب، لأخرجنّكم من تحت أثقال المصريين، وأُخلّصكم من عبوديتهم، وأفديكم بذراع
مبسوطة وأحكام عظيمة، وأتخّذكم لي شعبًا، وأكون لكم الهًا، وتعلمون اني أنا الرب
الهكم.. ” (خروج 6: 5- 7).

 

“أخلّصكم.. وأفديكم”. الخلاص والفداء هما أمر واحد يتضمّن
عنصرين متكاملين: العنصر الأول هو انقاذ الشعب من حالة العبودية التي كان عائشًا فيها،
والعنصر الثاني الملازم للأول هو ادخاله في صداقة الله: “اتخذكم لي شعبًا
واكون لكم الهًا”. وهذا الخلاص هو عمل مجاني يصنعه الله لشعب دون اي استحقاق،
كالخلق، فيضا من محبة الله للانسان.

 

وقد حفظ اليهود ذكرى هذا العمل الخلاصي رمزًا لكل اعمال الخلاص التي
يصنعها الله للانسان: “ويكون هذا اليوم لكم ذكراً، فتعيّدونه عيداً للرب،
تعيّدونه مدى أجيالكم فريضة أبديّة” (خروج 12: 14).

 

القِسم الثَاني الخلاص بيسوع المسيح

لقد انحنى الله على البشر عندما أخذ ترابًا وجبله وخلق الانسان، ثم
انحنى عليهم عندما كلّمهم بواسطة انبيائه، ولما بلغ ملء الزمان انحنى عليهم في شخص
ابنه يسوع المسيح الذي جاء مخلصا للانسان في شخصه وحياته وموته وقيامته.

 

1- يسوع المسيح
خلّصنا بتجسده

“اني أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: اليوم، في مدينة داود،
ولد لكم مخلّص، هو المسيح الربّ،” (لوقا 2: 10، 11). تلك هي الكلمات التي
وضعها لوقا على لسان الملائكة في روايته لتبشيرهم الرعاة بميلاد يسوع. هكذا يعرّف
لوقا المولود الجديد: انه “المخلص”، وهذا معنى اسمه. فلفظة
“يسوع” تعني بالعبرية “الله يخلّص”. وهذا ما جاء ايضًا في
انجيل متى الذي يروي بشارة الملاك ليوسف بميلاد يسوع: “يا يوسف ابن داود، لا
تخف أن تأخذ امرأتك مريم، فانّ الذي حبل به فلا انما هو من الروح القدس. وستلد
ابنًا فتسميه يسوع، لأنه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم”.

 

لم يولد يسوع كما يولد سائر الناس من رجل وامرأة، بل “ولد من
الروح القدس ومن مريم العذراء”، كما نقول في قانون الإيمان. وهذا يعني أنه في
عمق كيانه حضورُ الله على الأرض. انه “عمانوئيل”، اي “الله
معنا”، فليس هو انسانًا وحسب، وليس الخلاص الذي جاءنا به من انسان. فالله
نفسه هو الذي أتى الينا في شخص يسوع، والله نفسه هو الذي خلّصنا في شخص يسوع.

 

في هذا يقول انجيل يوحنا: “الكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا،
وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنه الوحيد الممتلئ نعمة وحقًا.. اجل، من
امتلائه نحن كلنا قد أخذنا، ونعمة فوق نعمة. فان الناموس قد اعلي بموسى، وأما
النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا” (يو 1: 14، 16، 17). والنعمة والحق في
انجيل يوحنا مرادفان للخلاص.

 

ان خلاص الله قد بدأ يتحقق للبشرية بتجسّد كلمة الله في احشاء مريم
العذراء. قد نسمع احيانًا بعض اللاهوتيين والوعّاظ، في حديقهم عن الفداء والخلاص،
يحصرون الفداء والخلاص في موت المسيح. انها نظرة ضيّقة لسر الخلاص. لقد كان لآباء
الكنيسة الاولى نظرة اوسع واشمل للخلاص، اذ رأوا علاقة وطيدة بين الخلاص والتجسد،
كما جاء مثلاً في احدى عظات القديس كيرلس الاسكندري: “منذ ان اتخّذ الكلمة
جسدًا، انطفأ في الجسد سمّ الحية، وقوّة الشر أزيلت منه، وقضي على الموت الذي نتج
من الخطيئة.. لقد أخذ الكلمة جسدًا مخلوقًا ومائتًا، وبما أنه الخالق جدَّده
وألَّهه في ذاته، ليقودنا جميعًا على مثاله الى ملكوت السماوات”.

 

بتجسّد الكلمة في احشاء امرأة، بظهور يسوع المسيح ابن الله في الجسد،
ظهر في البشرية الانسان الجديد الذي لا نقص فيه ولا اعوجاج، لا ضياع ولا تغرّب، لا
ذنب ولا خطيئة. بتجسّد الكلمة حصلت الطبيعة البشرية على الخلاص واتحدت بشخص ابن
الله القدوس، “فتجدّدت وتألّهت”. في شخص يسوع المسيح وُجدت طبيعة بشرية
خالصة كاملة، فإنّ خلاص الانسان هو قبل كل شيء خلاص كيانيّ. وهذا الخلاص يتم
باتحاده في كيان المسيح، الانسان الجديد، الانسان المتّحد بالله اتحادًا جوهريًا.

 

2- يسوع المسيح
خلّصنا بأعماله.

ان يسوع المسيح الذي هو المخلّص في كيانه قد حقّق لنا هذا الخلاص في
اعماله. يروي لوقا ان يسوع دخل المجمع يوم سبت وقام ليقرأ، “فدُفع اليه سفر
أشعيا النبي؛ فلما نشر السفر وقع على الموضع المكتوب فيه: “روح الرب عليّ،
لأنه مسحني لأبشّر المساكين، وأرسلني لأنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر،
وأطلق المرهقين أحرارًا، وأعلن سنة نعمة للرب”. ثم طوى السفر، ودفعه الى
الخادم، وجلس. وكانت عيون الذين في المجمع شاخصة اليه بأجمعها. فشرع يقول لهم: “اليوم
تمّت هذه الكتابة التي تليت على مسامعكم وكانوا جميعًا يشهدون له، ويعجبون بكلام
النعمة الخارج من فيه” (لو 4: 14- 22).

 

كان اليهود يحتفلون كل خمسين سنة بسنة يوبيل يريحون في اثنائها الأرض
ويطلقون الأسرى ويحرّرون العبيد. لقد كانت تلك السنة سنة نعمة للرب. وبمجيء المسيح
اصبحت سنة النعمة هذه سنة دائمة، لأنّ المسيح هو نعمة الله التي انسكبت على جميع
البشر ولا سيما على الفقراء والمرهقين والخطأة.

 

يعيش الانسان في القلق والعبودية والخوف عندما تسيطر عليه مخاطر من
ذاته، من شهواته وامياله، فيسقط في الخطيئة ويصبح عبدًا لها، وبالتالي في حاجة الى
من يخلّصه من خطيئته؛ ومخاطر من المجتمع، عندما يدرك ان المجتمع يرذله ويحتقره
ويستعبده، فيمسي في حاجة الى من ينقذه من قيود المجتمع، ومخاطر من الطبيعة والكون،
كالأمراض والمصائب والموت.

 

ولقد جاء المسيح مخلصا للانسان ينقذه ويحرّره من سطوة تلك الخاطر: جاء
يغفر الخطايا ويظهر للخطأة ان محبة الله اعظم من خطاياهم، وجاء يظهر بأقواله
واعماله ان الخطأة والغرباء والفقراء هم أقرب الى قلب الله من الفريسيين
والمتسلّطين والاغنياء، ويؤكد أنّ محبة الله تشمل جميع الناس على السواء، وجاء
يشفي المرضى وينهض المخلّعين ويقيم الموتى، مظهرًا ان محبة الله أقوى من مخاطر
المرض والموت.

 

المحبة وحدها هي، التي تخلّص الانسان في جميع ابعاده: في ذاته وفي
علاقته بالآخرين وفي ارتباطه بالحياة والكون. وقد أظهر لنا يسوع في حياته واعماله
عمق تلك المحبة التي ليست محبة انسان لآخر بل محبة الله نفسه التي تنسكب على جميع
الناس فتحيي نفوسهم وتخلّصهم من عبوديتهم.

 

3- يسوع المسيح خلّصنا بموته

“ليس لأحد حب اعظم من ان يبذل الحياة عن اصدقائه” (يو 15: 13).
لقد خلّصنا يسوع في حياته عندما أظهر لنا بأقواله واعماله وفرة محبة الله. وقد
ظهرت تلك المحبة في اقصى حدودها في موت يسوع. لذلك ترى المسيحية في موت يسوع قمة
عمله الخلاصي.

 

أ) بقي يسوع أمينًا لرسالته حتى الموت: مات موت الأنبياء

لمِ يرد يسوع الموت لاجل الموت ولا العذاب لاجل العذاب، فالعذاب يبقى
شكًا وجنونًا. ويسوع، في بستان الزيتون، حيال الموت الذي كان يتوقعه، “طفق
يحزن ويكتئب” (متى 26: 37)، “وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض”
(لوقا 22: 44)، وراح يصلي: “يا أبتاه! ان شئت فأجزعني هذه الكأس! ولكن، لا
تكن مشيئتي بل مشيئتك” (لوقا 22: 42).

 

لم يرد يسوع الموت والعذاب، الا أنه لم يتهرّب منهما ولم يتراجع
أمامهما بل بقي أمينًا لرسالته حتى الموت. لقد أظهر في تعاليمه واعماله محبة الله
لجميع الناس على السواء وخلّص الانسان من استعباد الخطيئة ومن تعاليم الفريسيين
المبنية على تفسير حرفي للناموس، فأثار بذلك حقد الفريسيين والكتبة وحنق رؤساء الكهنة
والشيوخ الذين رأوا في تعاليمه خطرًا على الناموس وفي اعماله ومعجزاته خطرًا على
سلطتهم، فعقدوا العزم على قتله وقبضوا عليه. واذ كانت اليهودية ولاية خاضعة
للامبراطورية الرومانية، وكانت رومة قد حرمت المحاكم اليهودية حق الحكم بالاعدام،
اسلموه الى بيلاطس الوالي الروماني وطلبوا منه ان يحكم عليه بالموت بحجة انه جعل
نفسه “ملك اليهود” وانه “يفتن الشعب”: “لقد وجدنا هذا
الرجل يثير أمّتنا، ويمنع من أداء الجزية لقيصر، ويدّعي أنه المسيح الملك”
(لوقا 23: 2). لم يقتنع بيلاطس باتهاماتهم وشكاياتهم، بل “كان يعلم أنهم قد
أسلموه عن حسد” (متى 27: 18؛ مر 15: 10). واراد أن يطلقه، الاّ أن اليهود
هددوه قائلين: “ان أنت أطلقته، فلستَ مواليًا لقيصر، لأنّ كل من يجعل نفسه
ملكًا يقاوم قيصر” (يو 19: 12).

 

وهيّج رؤساء الكهنة الشعب للمطالبة بصلب يسوع. “وشاء بيلاطس ان
يرضي الجمع.. فأسلم اليهم يسوع، بعد أن جلده، ليُصلب” (مر 15: 15).

 

لقد كان بإمكان يسوع تجنّب الموت بالهرب من اليهود الذين كانوا يطلبون
قتله، أو بالتوقف عن التعليم. الا أنه لم يرد التراجع امام تطلبات رسالته. وعندما
سأله بيلاطس في أثناء محاكمته: “أنت اذًا ملك؟”، أجابه: “أنت قلت،
اني ملك، لقد ولدت وجئت الى العالم لأجل هذا: أن أشهد للحق. وكل من هو للحق يسمع
صوتي” (يو 18: 37). جاء يسوع ليشهد للحق وبقي أمينًا لرسالته حتى الموت. لم
يتّبع منطق ملوك العالم ونهجهم: “ان مملكتي ليست من هذا العالم. فلو كانت
مملكتي من هذا العالم لكان رجالي يقاتلون عني فلا أسلم الى اليهود. ولكن، لا، ان
مملكتي ليست من هذا العالم” (يو 18: 36).

 

وعندما قبض اليهود على يسوع في بستان الزيتون، وأراد بطرس ان يدافع
عنه بالسبيل الذي يلجأ اليه معظم الناس، اي بالسيف والقتل، قال له المعلّم: “ردّ
سيفك الى موضعه، لأنّ جميع الذين يأخذون السيف يهلكون بالسيف. أوَ تظنّ أني لا
أستطيع ان اسأل أبي فيقيم لي، في الحال، ما ينيف على أثنتي عشرة كتيبة من الملائكة..
فكيف اذًا تتمّ الكتب القائلة: ان هذا ما ينبغي أن يكون؟” (متى 26: 52- 54).

 

ان النهج الذي اتّبعه يسوع في تعليمه وفي اعماله كان لا بدّ أن يقوده
الى الموت. فالظلم لا يحتمل قوة العدل، والباطل لا يصبر على تحدي الحق. هذا ما
تعبّر عنه مختلف أسفار العهد الجديد عندما تظهر موت يسوع أمرًا ضروريًا. فيسوع
أنبأ تلاميذه ثلاث مرات قبل آلامه “أنه ينبغي لابن البشر أن يتألم كثيرًا،
وأن ينتبذه الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأن يُقتل ويقوم بعد ثلاثة أيام”
(مر 8: 31، 32). ولدى ظهوره لتلميذي عماوس اللذين كانا منذهلين من موته، قال لهما:
“ما أقصر أبصاركما، وما أبطأ قلوبكما في الإيمان بكل ما نطقت به الانبياء،
أما كان ينبغي للمسيح ان يكابد هذه الآلام ويدخل في مجده؟” (لو 24: 25، 26).

 

لم يكن موت يسوع على الصليب أمرًا محتومًا. انه لم يأت صوت على الصليب
ويحقّق تصميماً الهيًا حدّده له الآب بمعزل عن ارادته، بل جاء ليجمع ابناء اورشليم
“كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها” (راجع متى 23: 37). الاّ أن
ابناء اورشليم “قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها.. لم يريدوا”، بل
قبضوا عليه وأسلموه للموت. انّ ما اعتبره يسوع أمرًا ضروريًا ورأى فيه مشيئة الله،
كما قال في صلاته في بستان الزيتون “يا أبتاه، ان شئت فأجز عني هذه الكأس!
ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك” (لو 22: 42)، هو مجابهة عالم الخطيئة والشهادة
للحق. وهذا ما بقي امينًا له حتى الموت.

 

على هذا الصعيد يشبه موتُ يسوع موتَ سائر الانبياء والمرسلين الذين
استشهدوا للدفاع عن الحق. لكنّ يسوع “اعظم من نبي” (متى 12: 41، 42).
انه المسيح. لذلك كان لموته، الى جانب معنى الشهادة، معنى آخر هو معنى الفداء.

 

ب) يسوع هو المسيح الذي افتدانا بموته من الخطيئة

يسوع غفر لقاتليه

كان الشعب اليهودي ينتظر مجيء مسيح ملك يخلّصه من عبوديته ويحرّره من
سيطرة الرومان ويعيد مملكة داود، منشئاً مملكة دنيوية كسائر الممالك مبنية على
القوة والسيادة. لذلك رفض الاعتراف بأنّ يسوع هو المسيح المنتظر. ولقد حقق يسوع
رغبة الاجيال السابقة ونبوءات الأنبياء، وجاء ليخلّص الانسان ويحرّر الشعب، لكنه
رفض تحقيق ذلك باللجوء الى طرق ملوّثة بالخطيئة، لأنّ الخطيئة لا تزيلها خطيئة
أخرى: فالحقد لا يزيله الحقد، والإثم لا يمحيه الإثم، والقتل لا يبطله القتل.
المحبة وحدها تستطيع ان تزيل الحقد، والمغفرة وحدها تستطيع ان تمحي الإثم، والموت
في سبيل القاتل يستطيع وحده ان يبطل القتل. لقد استطاع الحقد ان يعلّق يسوع على
الصليب، ولكنه وقف عاجزًا أمام المغفرة التي منحها يسوع لصالبيه: “يا أبتاه!
اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ما يعملون” (لوقا 23: 34).

 

أوصى يسوع تلاميذه بأن تكون محبّة الأعداء العلامة المميّزة لهم،
لأنها العلامة المميّزة للآب السماوي: “أحبوا اعداءكم، وصلّوا لأجل الذين
يضطهدونكم، لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات، فإنه يطلع شمسه على الأشرار
والصالحين، ويمطر على الأبرار والأثمة” (متى 5: 44، 45). تلك المحبة التي
تقوم، لا على اقامة الحواجز وتدمير الآخرين بحجة أنهم أعداء وأثمة، بل على رفع كل
حاجز يفصل الانسان عن أخيه الانسان، والانسان عن الله، قد حقّقها يسوع في حياته، عندما
غفر للخطأة، وحققها الى أقصى حدّ في موته عندما غفر لقاتليه.

 

انّ من يرفض الدخول في مسلسل القتل والإثم والخطيئة يوقف انحطاط
البشرية، ومن يرفضه أن يسيطر عليه الحقد يسيطر على الخطيئة، ومن يغفر لأعدائه يزيل
العداوة. وبما أنّ يسوع هو مسيح الله “وابن البشر الذي أعطاه الله على الأرض
سلطان مغفرة الخطايا” (مر 2: 9، 10)، وبما أنه “ابن الله الذي لا يستطيع
من نفسه أن يعمل شيئًا، الاّ ما يرى الآب يعمله” (يو 5: 19)، و”كما أن
الآب له الحياة في ذاته، كذلك اعطى الابنَ ان تكون له الحياة في ذاته، وآتاه
سلطانًا أن يدين لأنه ابن البشر” (يو 5: 26، 27)، “لأنّ الآب لا يدين
احدًا، بل فوّض الى الابن كلّ دينونة” (يو 5: 22)، فالمغفرة التي منحها يسوع
وهو على الصليب تعبّر عن المغفرة التي منحها الله لقاتلي يسوع ومن خلالهم لجميع
القتلة والخطأة على مدى التاريخ كلّه.

 

مبادرة الخلاص تأتي من الله

لقد وردت في تاريخ اللاهوت بعض تفسيرات لموت المخلص الفدائي تظهره
عملاً قام به المسيح لتسكين غضب الله أو فدية دفعها المسيح عن الانسان لتحريره من
عبودية الشيطان. انّ غضب الله على الخطأة وعبودية الخطأة للشيطان هما صورتان
أدبيتان هدفهما اظهار البعد السحيق والتناقض العميق ص بين الخطيئة والله. وذبائح
الحيوانات التي كانت شعوب العهد القديم تقدمها لله كانت تعبّر عن ادراك الانسان
لهذا البعد الذي تنشئه الخطيئة بينه وبين الله، وعن اقتناع الانسان بأن الموت وحده
يمكنه التكفير عن الخطيئة، لأن الخطيئة هي اهانة قصوى لله.

 

كان الانسان في العهد القديم يحاول هو التقرّب من الله لارضائه
والتصالح معه. اما في العهد الجديد فالمبادرة تأتي من الله نفسه. فالله هو الذي
يبادر برحمته الخلاّقة الى تبرير من كان خاطئًا واحياء من كان مائتًا. لا يقول
العهد الجديد ان الانسان هو الذي يتصالح مع الله، بل “ان الله هو الذي صالح،
في المسيح، العالم مع نفسه” (2 كور 5: 19). ويعبّر العهد الجديد عن هذه
الفكرة بأمثال وتشابيه متنوعة: فالله هو الراعي الصالح الذي يمضي هو نفسه في طلب
الخروف الضال حتى يجده ويحمله على منكبيه، ويعود به الى بيته فرحًا (لوقا 15: 4-
7)؛ والله “هكذا أحبّ العالم حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن
به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو 3: 16). ويشبّه بولس الرسول الله بابراهيم
الذي لم يذخر ابنه بل اسلمه الى المحرقة، فيقول: “اذا كان الله معنا فمن
علينا؟ هو الذي لم يذخر ابنه الخاص، بل اسلمه عنا جميعًا، كيف لا يهبنا معه كلّ
شيء؟” (روم 8: 31). ويقول في موضع آخر من الرسالة عينها: “ان الله قد
برهن عن محبته لنا بأن المسيح قد مات عنّا ونحن خطأة” (روم 5: 8).

 

يسوع المسيح حمل الله

في العهد القديم قدّم ابراهيم ذبيحة لله كبشًا عوضا من ابنه اسحق
(تكوين 22: 12، 13). اما في العهد الجديد فيسوع كان هو نفسه الحمل الذي رخ خطيئة
العالم بتقدمة ذاته على الصليب، كما يصفه انجيل يوحنا: “ها هوذا حمل الله،
الذي يرفع خطيئة العالم” (يو 1: 29). وقد مات يسوع في الساعة الثالثة من بعد
ظهر يوم الجمعة السابق عيد الفصح، وهي الساعة التي كانت تذبح فيها امام هيكل
اورشليم الحملان الفصحية. ويؤكد انجيل يوحنا هذا الشبه بين يسوع والحمل الفصحي
عندما يشير أيضا الى ان يسوع وهو على الصليب “لم يُكسر له عظم” (يو 19: 36)،
على مثال الحمل الفصحي (خروج 12: 46).

 

لقد افتدانا يسوع من الخطيئة مظهرًا ان العبادة الحقيقية ليست تقدمة
ذبائح الحيوانات بل تقدمة الذات لتتميم ارادة الله في البرّ والقداسة. هذا ما
يفسّره بولس الرسول بقوله: “ان ناموس روح الحياة التي في المسيح يسوع قد
أعتقك من ناموس الخطيئة والموت. انّ ما لم يستطعه الناموس لعجزه بسبب الجسد قد
انجزه الله اذ أرسل ابنه، من اجل الخطيئة، في شبه جسد الخطيئة، فقضى على الخطيئة
في الجسد، لكي يتمّ برّ الناموس فينا” (روم 8: 2- 4). أراد الله ان يحرّر
البشرية من الخطيئة وأن يفتديها ويخلّصها ويقدّسها. واذ أصبح الناموس القديم
عاجزًا عن ذلك “بسبب الجسد”، أي بسبب خطيئة الانسان، أرسل الله ابنه
“في شبه جسد الخطيئة”، اي انّ ابن الله صار انسانًا مثلنا في كل شيء ما
خلا الخطيئة، “فقضى على الخطيئة في جسده”، اي انه عاش في هذا الجسد حياة
برّ وقداسة. وهكذا أتمّ فينا البرّ الذي كان الله يطلبه منا في الناموس ولم يستطع
الناموس ان ينجزه.

 

وتتوسّع الرسالة الى العبرانيين في هذا الفداء فتقول: “ان كان دم
ثيران وتيوس يرشّ على المنجّسين، فيقدّسهم لتطهير الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح،
الذي بروح أزلي قرّب لله نفسه بلا عيب، يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله
الحيّ” (عب 9: 13، 14). وترى هذه الرسالة في ذبائح العهد القديم رموزًا
لذبيحة العهد الجديد: “اذ انه من المحال ان دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا.
لذلك يقول المسيح عند دخوله العالم: ذبيحة وقربانًا لم تشأ، غير أنك هيأت لي جسدًا.
لم ترتض محرقات ولا ذبائح خطيئة. حينئذ قلتُ: ها أنا ذا آتي -اذ عني قد كُتب في
درج الكتاب- لأعمل، يا ألله، بمشيئتك. فلقد قال اولاً: انك لم تشأ ذبيحة وقرابين،
ولا محرقات، ولا ذبائح خطيئة.. ولم ترضَ بها -مع أنها كلها تقرّب بموجب الناموس-،
ثم يقول: ها أنا ذا آتي لأعمل بمشيئتك. فهو اذًا يُبطل النظامَ الأول ليقيم الثاني.
وبقوّة هذه المشيئة قُدّسنا نحن بتقدمة جسد يسوع مرّة لا غير” (10: 4- 10).

 

وقد رأى العهد الجديد أيضاً في موت يسوع تحقيق النبوءات القديمة، ولا
سيما نبوءة النبي أشعيا عن عبد الرب الذي سيحمل خطايا الكثيرين: “لقد أخذ
عاهاتنا وحمل أوجاعنا، فحسبناه ذا برص، مضروبًا من الله ومذلّلاً. جُرح لأجل
معاصينا وسُحق لأجل آثامنا. عليه وقع القصاص الذي يعيد الينا السلام، وبجراحه
شفينا. كلّنا ضللنا كالغنم، كل واحد مال الى طريقه، فألقى الرب عليه إثم كلّنا.
قُدّم وهو خاضع ولم يفتح فاه. كشاة سيق الى الذبح، وكحمل صامت أمام الذين يجزّونه
ولم يفتح فاه.. الرب رضي ان يسحقه بالعاهات. فإنه اذا جعل نفسه ذبيحة تكفير عن
الخطايا، يرى ذرّيّة وتطول أيامه، وارادة الرب تتمّ علىِ يده. بعد عناء نفسه، سيرى
النور وتُحقّق رغباته. بعلمه يبرّر الصديق عبدي كثيرين حاملاً هو نفسه آثامهم. فلذلك
أجعل له نصيبًا مع الكثيرين وغنيمة مع العظماء. لأنه بذل نفسه للموت وأحصي مع
الأثمة، وهو حمل خطايا الكثيرين وشفع في العصاة” (أشعيا 53: 4- 12).

 

العشاء الفصحي والعهد الجديد بدم يسوع

انّ هذا المعنى الذي نجده في العهد الجديد وفي الكنيسة الاولى لموت
المسيح، قد عبّر عنه يسوع نفسه في العشاء الفصحي الأخير الذي تناوله مع تلاميذه.
“ففي الليلة التي أُسلم فيها، يقول بولس الرسول، أخذ خبزًا وشكر وكسره وقال: هذا
هو جسدي الذي هو لأجلكم؛ اصنعوا هذا لذكري” (1 كور 11: 23، 24). ويوضح لوقا
عبارة “الذي هو لأجلكم” بقوله “هذا هو جسدي الذي يُبذَل
لأجلكم” (لو 22: 19). “وكذلك اخذ الكأس من بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس
هي العهد الجديد بدمي الذي يهراق من أجلكم” (لو 22: 20). ويضيف انجيل متى: “الذي
يهراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا” (متى 26: 28).

 

رأى يسوع انّ رفض اليهود رسالته وحقدهم عليه سيقودانهم الى قتله.
انتظر الموت، الاّ أنه جعل من موته لحظة المغفرة والمسامحة للذّين سيقتلونه. لقد
اعطى موتَه معنى الفداء “في الليلة التي اسلم فيها”، وبينما كان معه على
العشاء “يهوذا الذي سيسلمه” (متى 26: 21- 25)، ممثّلاً حقد اليهود
وخطايا العالم أجمع. وهو الذي قال: “انا الراعي الصانع. والراعي الصالح يبذل
حياته عن خرافه.. لا احد ينتزع مني حياتي، وانما أنا أبذلها باختياري” (يو 10:
11- 18)، يستبق الآن موته ويعطيه معنى الفداء، فيبذل حياته، جسده ودمه، لاجل
أصدقائه واعدائه، ويكسر الخبز ويقول: “هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم”،
ويَسكب الخمر في الكأس ويقول: “هذا هو دمي الذي يهراق عن الكثيرين”.

 

“هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي”. لقد اعطى يسوع حياته
لينشَأ عهد جديد بين الله والناس. وهكذا كان موته نقطة انطلاق لحياة جديدة في
العالم. من البشرية التي قتلته بُعث شعب جديد مقدّس هو أولاً جماعة التلاميذ الذين
بذل يسوعٍ حياته لأجلهم، كما جاء في انجيل لوقا: “هذا هو جسدي الذي يبذل
لأجلكم”، وهو أيضا العالم أجمع، بحسب ما جاء في متى ومرقس: “هذا هو دمي
الذي يهراق عن الكثيرين”. ولفظة الكثيرين تعني هنا الجميع، كما جاء في رسالة
بولس الأولى الى تيموثاوس: “ان الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد،
الانسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فداء عن الجميع” (1 تيم 2: 5، 6).

 

ان تقدمة يسوع ذاته للموت تنشئ عهدًا جديدًا. والعهد يتضمّن طقوسًا
وشريعة وشعبًا. فالعهد القديم أنشئ بين الله وشعبه على يد موسى بواسطة دم
الحيوانات (راجع الخروج 24: 8 “واخذ موسى الدم ورشّه على الشعب وقال: هوذا دم
العهد الذي عاهدكم به الرب على جميع هذه الأقوال”)، اما يسوع فينشئ عهدًا
جديدًا بدمه الخاص؛ والعهد القديم كان مبنياً على شريعة الله التي اعطيت لموسى،
أما العهد الجديد فمبنيّ على تعاليم يسوع ومحبته التي جعلته بسكب دمه عن أحبّائه: وفي
العهد القديم نشأ مع موسى شعب الله المكوّن من الشعب اليهودي، أما في العهد الجديد
فنشأ مع المسيح شعب الله الجديد المنفتح على جميع الشعوب.

 

من صليب المسيح نبع الغفران للجميع وتصالح الجميع مع الله: “وانا
متى ارتفعت عن الأرض، يقول يسوع، اجتذبت اليّ الجميع” (يو 12: 32). لم يمت
يسوع “عن الأمّة اليهودية وحسب، بل ليجمع أيضا في الوحدة أبناء الله
المتفرّقين” (يو 11: 52). وعندما “طعن أحد الجنود جنب يسوع بحربة فخرج
منه للوقت دم وماء” (يو 19: 34)، رأى آباء الكنيسة في الماء والدم رمزًا
لسرّي المعمودية والافخاريستيا ورمزًا لولادة الكنيسة التي تنشأ بالمعمودية
وتترعرع وتتوحد بالافخاريستيا. إنّ الكنيسة، شعب العهد الجديد، ولدت من فيض محبة
الله التي ظهرت لنا في موت يسوع المسيح، وهي تترعرع وتنمو بقدر ما تشترك في تلك المحبة
وتحققها في حياتها.

 

عاش يسوع تلك المحبة بتقدمة ذاته على الصليب، ويطلب من كل من يريد
اتّباعه والتتلمذ له ان يدخل في تيار محبته: “من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه
وليحمل صليبه كل يوم ويتبعني” (لوقا 9: 24). وفي العشاء السري طلب يسوع من
تلاميذه ان يأكلوا جسده ويشربوا دمه: “خذوا كلوا، هذا هو جسدي.. اشربوا من
هذا كلكم، هذا هو دمي..”. فمن يأكل ذبيحة المسيح يدخل في جميع معاني تلك
الذبيحة ويلتزم تطلباتها، فيقدّم حياته مع المسيح، ويغفر ويحبّ كما غفر وأحبّ
المسيح، وهكذا يتحقق فيه العهد الجديد الذي أنشأه المسيح بدمه بين الله والانسان،
عندما تسري في عروقه حياة الله، حياة المحبة والمغفرة، وهكذا يتحقق على مدى الزمن
والتاريخ الخلاص الذي حققه يسوع بموته على الصليب.

 

ج) يسوع هو ابن الله الذي كشف لنا بموته سر الله

تؤمن المسيحية ان يسوع الذي قدّم ذاته على الصليب ليس بمجرّد في ولا
المسيح الملك وحسب، بل هو ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. لذلك لم
يكن موته على الصليب عملاً غريباً عن كيان الثالوث الأقدس ولا خارجاً عن حياته،
إنما كان تعبيراً عن ذلك الكيان وتلك الحياة.

 

هنا يبلغ اللاهوت المسيحي قمة الوحي في موضوع الفداء والخلاص. لقد
حصلت البشرية على الفداء والخلاص ليس لأنّ يسوع مات موت الأنبياء وحسب، وليس لأنّ
المسيح قدّم حياته كحمل فصحي تكفيرًا عن خطايا البشر وحسب. رأينا في مقطع سابق انّ
النظرة الى الفداء كإلى عمل قام به المسيح تسكينًا لغضب الله هي نظرة وثنية.
فالفداء هو اولاً عمل محبة الله، فالآب احبنا وبذل ابنه الى الموت لأجلنا، والابن
أحبنا وبذل نفسه الى الموت لأجلنا.

 

في نهاية العشاء الفصحي “رفع يسوع عينيه الى السماء وقال: يا
أبتاه، لقد أتت الساعة! فمجّد ابنك لكي يمجّدك ابنك، ويعطي -وقد قلّدته السلطان
على كل بشر- الحياة الابدية لجميع الذين اعطيتهم له. والحياة الأبدية هي ان يعرفوك،
أنت الاله الحقيقي الوحيد، والذي أرسلته، يسوع المسيح” (يو 17: 1- 4).

 

يحصل الانسان على الحياة والخلاص عندما يعرف الله كما هو. وبموت يسوع
على الصليب انكشف لنا سرّ الله: الله محبة. وتلك المحبة قد ظهرت لنا في حياة يسوع
واعماله، وظهرت لنا في أقصى حدودها في موت يسوع على الصليب. فمن يؤمن بيسوع وبما
يمثّله يخلص، ومن يحيَ من تلك المحبة يجد الخلاص على هذه الأرض ويحيَ مع الله الى
الأبد.

 

الإيمان في المسيحية هو الإيمان بأن الله محبة. وهذا الإيمان هو
كالصخرة الثابتة غير المتزعزعة التي تعطي من يبني بيته عليها الأمان والاطمئنان.
والخلاص يقوم في النهاية على اعتناق الانسان هذا الإيمان بالله المحبة اعتناقًا
وجوديًا، وليس اعتناقًا عقليًا وفكريًا فقط، فيثبّت عليه اساس كيانه ويحيا به،
ويقوم على انفتاح الانسان على الله مبدأ وجوده وينبوع حياته.

 

انّ قمة الوحي في التعريف بيسوع المسيح هو القول انه “ابن
الله” أو “الابن”. والابن لا وجود له الا من الآب وفي الآب. انه
ليس أقنومًا قائمًا بذاته ومنفصلاً عن جوهر الآب. انه والآب جوهر واحد. انه في
صميم كيانه وفي عمق جوهره انفتاح دائم وعطاء مستمّر للآب. انه “الكائن لأجل
الله”. وما تأنّسه الا تعبير لبنوّته الالهية وتجسيد لجوهره الذي هو انفتاح
وعطاء. لذلك كانت حياته حياة انفتاح وعطاء ومحبة للناس. انه، في انفتاحه على الآب،
“الكائن لأجل الله”، وفي انفتاحه على الآخرين، “الكائن لأجل الآخرين”.
لم يصنع في حياته الا مشيئة الآب، وبذلك حقّق “كيانه لأجل الله”. وفي
بذل ذاته الى الموت حقق “كيانه لأجل الآخرين”، وحقق رسالته التي حدّدها
هو نفسه بقوله: “ان ابن البشر لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم ويبذل نفسه فداء عن
كثيرين” (مر 10: 45).

 

عند سائر الناس رسالة الشخص منفصلة عن كيانه، فهو انسان اولاً ثم له
رسالته التي يعمل على تحقيقها. اما في يسوع المسيح فالرسالة والكيان أمر واحد، فهو
في كيانه الابن الذي لا وجود له ولا حياة الا من الآب وللآب؛ وقد كانت رسالته
تعبيرًا وظهورًا لكيانه، فعاش ومات لأجل الله ولأجل الآخرين.

 

يجد الانسان الخلاص عندما يتحد بيسوع المسيح ويحيا حياته في هذين
البعدين: انفتاحه على الله وانفتاحه على الآخرين. “اذهبوا في العالم أجمع،
واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. فمن آمن واعتمد يخلص” (مرقس 16: 16). فمن
يؤمن بيسوع المسيح وبإنجيله وبرسالته ويحيَ حياته يخلص. والمعمودية هي السرّ الذي
يعبّر بواسطته المؤمن عن إيمانه بالمسيح وعن رغبته في الموت عن الخطيئة والتحرر من
عبوديتها للحياة مع الله كابن مع أبيه: “ان كل من يعمل الخطيئة، يقول يسوع،
هو عبد للخطيئة. والعبد لا يقيم في البيت على الدوام. اما الابن فيقيم على الدوام.
فان حرّركم الابن كنتم في الحقيقة أحرارًا” (يو 8: 34- 36).

 

يجد الانسان الخلاص عندما يتوب عن خطاياه ويتخلّى عن انانيته ويعتنق
رسالة يسوع المسيح ابن الله ويحيا حياة ابن الله في جميع ابعادها: “من أراد
أن يتبعني فلينكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم، ويتبعني. فإنّ من اراد ان يخلص نفسه
يهلكها؛ وأما من أهلك نفسه من أجلي يخلّصها” (لوقا 9: 23، 24). فمن أراد ان
يخلّص نفسه بعيدًا عن الله وعن المسيح يهلكها ويعيش في التغرّب والضياع. لا يخلص
الانسان من التغرّب والضياع ولا يجد نفسه الا اذا أضاع نفسه لأجل المسيح، أي اذا
تخلّى عن ذاته الضيّقة وعن حياته الأنانية ودخل في ذات الله وانفتح على حياته التي
لا نهاية لها.

 

4- يسوع المسيح
خلّصنا بقيامته

“ان كان المسيح لم يَقُم، فإيمانكم باطل، وانتم بعد في خطاياكم؛
ومن ثمّ فالذين رقدوا في المسيح أيضا قد هلكوا. ان كان رجاؤنا في المسيح، في هذه
الحياة فقط، فنحن أشقى الناس أجمعين. ولكن، لا، فإنّ المسيح قد قام من بين الأموات،
باكورة للراقدين، لأنه، بما أنّ الموت كان بإنسان، فبإنسان أيضاً قيامة الأموات.
فكما أنه في آدم يموت الجميع، كذلك أيضا في المسيح سيُحيا الجميع” (1 كور 15:
17- 22).

 

حيال الموت يقف الانسان حائرًا يائسًا يسأل نفسه: ما نفع حياةٍ
نهايتُها الموت والفناء؟ قيامة المسيح انقذت الانسان من الحيرة واليأس امام الموت.
لقد خلّصنا المسيح بموته من الخطيئة وبقيامته من الموت. لو لم يقم المسيح لبقيت
الخطيئة مسيطرة والموت سيدًا. لكن الله أقام يسوع مصدّقًا رسالته ومعلنًا أنّ
الكلمة الأخيرة هي للمغفرة لا للخطيئة، للمحبة لا للحقد، للحياة لا للموت: “فليس
اذًا بعد من قضاء على الذين في المسيح يسوع، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع
قد حرّرك من الخطيئة والموت” (روم 8: 1، 2).

 

لقد قام المسيح وأرسل الينا روحه القدوس الذي يستمّر حضوره مدى
التاريخ في ما بيننا وفي داخلنا. وهو الذي يجددنا تجديدًا دائمًا ويقود الى الكمال
الخلاص الذي حققه المسيح في حياته وموته وقيامته.

 

ما هي سائر أبعاد قيامة المسيح؟ وما هو عمل الروح القدس في امتداد
خلاص المسيح في الكنيسة وفي العالم أجمع؟ هذا ما سنعالجه في الفصل الثامن.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى