علم الله

الفصل الثامن والثلاثون



الفصل الثامن والثلاثون

الفصل
الثامن والثلاثون

ارتفاع
المسيح

 

1 – بماذا يقوم ارتفاع المسيح؟

*
في اليوم الثالث قام المسيح من بين الأموات بنفس الجسد الذي تألم فيه، وبه أيضاً
صعد إلى السماء، وهناك جلس عن يمين أبيه يشفع. وسوف يعود ليدين الناس والملائكة
عند انقضاء العالم. وارتفاع المسيح يقوم بقيامته من الأموات في اليوم الثالث،
وصعوده إلى السماء، وجلوسه عن يمين الله الآب، وإتيانه أيضاً ليدين العالم في
اليوم الأخير. فيشمل ارتفاع المسيح حسب هذا النص أربعة أمور هي: قيامته، وصعوده
إلى السماء، وجلوسه عن يمين الله، ومجيئه ليدين العالم في اليوم الأخير.

2 – ما هي الأدلة على قيامة المسيح؟

*
لم يذكر الكتاب المقدس قيامة المسيح على أنها مجرد خبر حادثة، بل على أنها حقيقة
أساسية في الإنجيل. قال الرسول “إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا،
وباطلٌ أيضاً إيمانكم” (1كو 15: 14) “وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلٌ
أيضاً إيمانكم. أنتم بعد في خطاياكم” (آية 17). ولا شك أن إقامة المسيح هي
أهم الحوادث في تاريخ العالم وأصدقها.

أما
الأدلة عليها فهي:

(1)
إنباء المسيح نفسه بها.

(2)
كفاية البراهين التي ظهرت حينئذٍ على حدوثها، وأنها من الأمور التي يمكن تحقيقها
بسهولة.

(3)
كثرة الشهود الذين عاينوا المسيح حياً بعد موته على الصليب، وأهليتهم لتأدية
الشهادة، وأنهم من الذين يُركَن إليهم من كل جهة.

(4)
إخلاص اقتناعهم الثابت، فقد خسروا من الدنيا حتى الحياة بسبب شهادتهم لصحة حادثة
القيامة.

(5)
أثبت الله شهادتهم بالآيات والعجائب والمعجزات ومواهب الروح القدس (عب 2: 4).

(6)
حفظ المسيحيون اليوم الأول من الأسبوع كيوم العبادة، لأن القيامة تمت فيه.

(7)
عدم إمكان تعليل ما أحدثه الإنجيل في العالم من النتائج والتغييرات تعليلاً يقبله
العقل إلا بحقيقة موت المسيح ثم قيامته (انظر فصل 19 عن ماهية المعجزة).

3 – كيف تظهر أهمية قيامة المسيح؟

*
(1) كل ما قاله المسيح، وكل نجاح عمله، مبنيٌ على قيامته من الموت. فإن كان قد قام
فإنجيله صادق، وإلا فهو باطل. وإن كان قد قام فهو ابن الله ظهر في الجسد مخلص
الناس، وهو المسيح الذي أنبأ به الأنبياء، نبي شعبه وكاهنهم وملكهم، الذي قبِل
الآب ذبيحته إيفاءً للعدل الإلهي، ودمه فديةً عن كثيرين، وبُنيت رسالة الروح (التي
بدونها يكون عمل الناموس باطلاً) على قيامته.

(2)
قيامة المسيح ضمان وتحقيق لقيامة شعبه الذي مات عنه باعتباره مخلصاً ونائباً له.
فكما أنه حي سيحيون هم أيضاً. ولو بقي تحت سلطان الموت ما كان مصدراً للحياة
الروحية في البشر، لأنه الكرمة ونحن الأغصان. فإذا كانت الكرمة ميتة كانت الأغصان
بالضرورة ميتة أيضاً.

(3)
لو لم يكن المسيح قد قام لفشل كل مسعى الفداء، ولثبت أن كل ما سبق من النبوات
والآمال بشأن نتائجه المجيدة في الدنيا والآخرة إنما هو أوهام. “أما الآن فقد
قام المسيح من الموت وصار باكورة الراقدين”. ولذلك يكون الكتاب صحيحاً من سفر
التكوين إلى الرؤيا، وانتصر الحق على الضلال والخير على الشر والسعادة على الشقاء
إلى الأبد.

4 – ماذا تُعلّمنا الأسفار المقدسة عن الجسد الذي قام فيه المسيح؟

*
(1) الجسد الذي قام فيه المسيح هو نفس الجسد الذي مات على الصليب. ومن الأدلة على
ذلك بقاء أثر المسامير في يديه وقدميه. غير أنه حصل فيه شيءٌ من التغيير، لا نعرف
ما هو بالتحقيق. وتقول الأناجيل عن جسده في المدة بين قيامته وصعوده: (أ) إنه لم
يُعرف في أول الأمر أنه هو، لأن مريم المجدلية توهَّمته البستاني (يو 20: 15) ولم
يعرفه تلميذا عمواس لما سار معهما إلى أن أظهر ذاته لهما عند كسر الخبز (لو 24:
31). ولما ظهر للتلاميذ على بحر طبرية لم يعرفوه، إلى أن صادوا بأمره سمكاً كثيراً
فعرفوا أن ذلك معجزة إلهية (يو 21: 7). (ب) ظهر بغتة وسط التلاميذ في غرفةٍ مغلقة
الأبواب (يو 20: 19 ولو 24: 36). (ج) إنه كان نفس الجسد المادي بلحمه وعظامه.
وواضح أن ظهوره للتلاميذ المذكور في لو 24: 36 كان فوق الطبيعي، لأنه قيل إنهم
جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحاً، فطمأنهم المسيح قائلاً “انظروا يديَّ
ورجليَّ. إني أنا هو. جسّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي”.
ويظهر من تجلي المسيح أنه لما كان على الأرض كان جسده قابلاً للانتقال من حال إلى
أخرى، مع دوام كونه هو هو.

(2)
بقي ذلك الجسد في الحال المذكور مدة 40 يوماً بعد قيامته، ثم انتقل إلى الحال
الممجدة. وكل ما نعلمه عن ذلك هو ما ذكره الرسول بشأن الأجساد التي يلبسها
المؤمنون بعد القيامة، إنها ستكون على صورة جسد مجد المسيح (في 3: 21) ولذلك يصدق
وصف الواحد على الآخر. وقد أوضح ذلك في مقارنة الجسد الحاضر بجسد المؤمن عند
القيامة، فقال إن الواحد جسم حيواني والآخر جسم روحاني، وإن الأول يناسب الحال
الحاضرة والثاني الحال الآتية. ووصف الرسول انتقال الجسد من إحدى الحالين إلى
الأخرى بقوله “يُزرع في فساد ويُقام في عدم فساد. يُزرع في هوان ويُقام في
مجد. يُزرع في ضعف ويُقام في قوة”. والمعنى أنه يُزرع جسماً حيوانياً ويُقام
جسماً روحانياً (1كو 15: 42-44). غير أنه لا يزال جسداً مادياً بقيت فيه جميع
الصفات المادية الجوهرية، لأنه ذو أبعاد ثلاثة وهي الطول والعرض والعمق، ويشغل
حيزاً (أي مكاناً)، وله صورة بشرية. وقد رآه بولس مرةً في طريقه إلى دمشق ومرات
أخرى، ورآه أيضاً يوحنا والشهيد استفانوس. ومع ذلك لا يبقى لحماً ولا دماً، لأن
لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ومن طبيعتهما الفساد. ولذلك قال الرسول
“لا يرث الفساد عدم الفساد”. وقال أيضاً على سبيل النتيجة “هذا
الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت عدم موت” (1كو 15: 50-53). ولا
يكون الجسد الآتي عُرضة للاحتياجات والضعفات وميول الحالة الحاضرة، بدليل قول
المسيح “في القيامة لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون، بل يكونون كملائكة الله في
السماء” (مت 22: 30).

فيتضح
مما تقدم أن جسد المسيح بعد قيامته وبعد جلوسه عن يمين الله في السماء مجيد غير
قابل للفساد ولا الموت، روحاني. لكنه هو نفس جسده الذي كان على الأرض.

5 – ما معنى صعود المسيح، وكيف يُحسب ذلك من باب الارتفاع؟

*
بعد ما كلم يسوع تلاميذه ارتفع إلى السماء (مر 16: 19). وقال لوقا “وأخرجهم
خارجاً إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعد إلى
السماء” (لو 24: 50، 51). وقال أيضاً “ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون،
وأخذته سحابة عن أعينهم. وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق، إذا رجلان قد
وقفا بهم بلباس أبيض وقالا: أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى
السماء؟ أن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً
إلى السماء” (أع 1: 9-11). وكان صعوده: (1) بشخصه الكامل، فالذي صعد هو ابن
الله اللابس طبيعتنا، ذو الجسد الحقيقي والنفس العاقلة. (2) كان منظوراً، لأن
التلاميذ رأوه صاعداً عن الأرض إلى أن حجبته سحابةٌ عن أعينهم. (3) كان انتقالاً
من مكان إلى آخر، من الأرض إلى السماء. وعلى هذا تكون السماء مكاناً، لا نعلم في
أي قسم من الكون هي. إلا أنه يظهر من تعليم الكتاب أنها قسم محدّد المكان، حيث
يعلن الله حضوره الخاص، تحيط به ملائكته الذين لا يمكن أن يكونوا في كل مكان في
وقت واحد، لأنهم محدودون. وتحيط بهم أيضاً أرواح الأبرار المكمّلين.

وقد
وردت كلمة “سماء” في العهد القديم والجديد بمعانٍ مختلفة. غير أن المعنى
المقصود هنا هو المكان الذي يسكنه الله، وتجتمع فيه الملائكة وأرواح الأبرار.
وجاءت في الكتاب بهذا المعنى حيث قيل إن الله أبونا الذي في السماء، وإن السماء
كرسيه وهيكله ومسكنه، وهي المكان الذي جاء المسيح منه ورجع إليه، كما قال لتلاميذه
إنه ذاهب ليُعدّ لهم مكاناً فيه (يو 14: 2).. إذاً كان للمسيح جسد حقيقي يشغل
مكاناً محدوداً. وحيث يكون المسيح فهناك سماء المسيحي.

6 – ما هي أسباب صعود المسيح؟

*
(1) إنه جاء من السماء: فهي وطنه والمحل اللائق به بل المكان الذي يحل فيه. ولذلك
لا تصلح هذه الأرض أن تكون مسكنه في حال ارتفاعه، ما لم تتطهر من كل شر وتتجدد
وتصير سماءً جديدة وأرضاً جديدة.

(2)
إنه رئيس كهنتنا: ولذلك وجب بعد تقديم نفسه ذبيحة أن يجتاز السموات ليظهر أمام
الله عنا، ويقوم هناك بقسم جوهري دائم من وظيفة الكاهن، وهو الشفاعة الدائمة في
شعبه. فكما مات لأجل خطايانا قام لأجل تبريرنا. وقد أشارت إلى ذلك رموز العهد
القديم، فقد كان الحيوان يُذبح خارجاً في دار الهيكل، ثم يحمل رئيس الكهنة الدم مع
بخور كثير إلى داخل الحجاب ويرشه على الغطاء. فكان من الضروري أن ما عمله رئيس
الكهنة في الهيكل الأرضي يعمله رئيس كهنة إيماننا في الهيكل غير المصنوع بأيدٍ، الأبدي
في السموات. وقد أوضحت رسالة العبرانيين هذا الأمر.

(3)
إرسال الروح: قال المسيح “خيرٌ لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم
المعزي. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم” (يو 16: 7). فإن تخصيص الفداء بعمل الروح
ضروري، لأنه لو ترك المسيح الناس لأنفسهم لبقوا في خطاياهم، ويكون المسيح قد مات
عبثاً. والبركة العظيمة المميزة للعصر المسيحي حسب الأنبياء هي فيض الروح القدس
الذي لا تناله الكنيسة إلا بصعود المسيح إلى السماء.

(4)
إعداد مكان لتلاميذه: فقد قال لهم “أنا أمضي لأُعِدَّ لكم مكاناً. وإن مضيت
وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وأخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً”
(يو 14: 2، 3). وهو دليل واضح على أن صعود المسيح للسماء كان ضرورياً لإكمال عمله.

7 – ما معنى جلوس المسيح عن يمين الله؟

*
بعد صعود المسيح إلى السماء شارك الآب في المجد والسلطان، ولم يكن هذا الارتفاع
خاصاً بالكلمة الإلهي ولا بالطبيعة البشرية وحدها، بل بالإله المتأنس. كما أنه إذا
رُفع مقام إنسان لا تُرفع نفسه منفصلة عن الجسد، ولا الجسد دون النفس، وإنما يُرفع
الشخص بجملته.

ولارتفاع
المسيح سببان: (أ) صفاته الإلهية التي يحق لها الإكرام الإلهي وإجراء السلطان المطلق
العام، و(ب) وساطته في خلاص البشر. وقد ذكرهما الرسول في عب 1: 3 حيث ذكر أن
المسيح جلس عن يمين العظمة في الأعالي، لسببين: أولهما لأنه بهاء مجد الآب
ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بقدرته. وثانيهما لأنه صنع بنفسه تطهيراً
لخطايانا. ومثل ذلك قوله إن الذي كان في صورة الله ومعادلاً له وضع نفسه وأطاع حتى
الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله (أي بناءً على هذين السببين) وأعطاه اسماً فوق
كل اسمٍ، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبةٍ ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض
(في 2: 6-11). وقوله إن الله “أقام المسيح من الأموات وأجلسه عن يمينه في
السماويات فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسمٍ يُسمى ليس في هذا الدهر فقط،
بل في المستقبل أيضاً، وأخضع كل شيءٍ تحت قدميه” (أف 1: 20-22) وكثيراً ما
ورد ذكر هذه العبارة الأخيرة المنقولة عن المزمور الثامن شاهداً بالسلطان المطلق
العام المفوض إلى المخلِّص الذي قام من الموت. ومن ذلك قول الرسول “إذ أخضع
الكل له لم يترك شيئاً غير خاضعٍ له” (عب 2: 8) وقوله أيضاً “حينما يقول
إن كل شيء قد أُخضع فواضح أنه غير الذي أَخضع له الكل” (1كو 15: 27) ولذلك لا
يُستثنى من هذا الخضوع شيء من المخلوقات. ومن ذلك أيضاً قول المسيح “دُفع
إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض” (مت 28: 18). والمقصود بالسماء والأرض
في الكتاب المقدس جميع الكون كما قال بطرس الرسول “الذي هو في يمين الله، إذ
قد مضى إلى السماء وملائكةٌ وسلاطين وقوات (أي كل الخلائق الناطقة) مُخضَعة له”
(1بط 3: 22). وجاء في أسفار العهد القديم النبوية أن كل هذا السلطان العام يفوَّض
إلى المسيح (انظر مز 2 و45 و72 و110 وإش 9: 6، 7 ودا 7: 14). ومن المعلوم أن مثل
هذه القوة لا تسلم إلى المخلوق، لأن الكمالات الإلهية، كالعلم بكل شيء، والقدرة
على كل شيء، والحضور في كل مكان، وما لا يحد من الحكمة والصلاح ضرورية لإجراء هذا
السلطان العام على كل طبقات المخلوقات العاقلة وغير العاقلة، الذي يمتد إلى العقل
والضمير والعالم الخارجي إجراءً فعالاً عادلاً. وهذا هو تعليم الكتاب الصريح، فقيل
إن الله “لم يقُل قط لأحدٍ من الملائكة (أي لأحد من المخلوقات العاقلة)
اِجلِس عن يميني” (عب 1: 13). وإن كل الملائكة والمخلوقات العاقلة أُمروا بأن
يخضعوا له (1بط 3: 22).

8 – ما هي العلاقة بين الطبيعة الإلهية
والطبيعة البشرية في أثناء إجراء المسيح سلطانه؟

*
بين لاهوت المسيح وناسوته علاقة في إجراء السلطان لا يمكننا إدراكها، كما لا نقدر
أن ندرك علاقة النفس والجسد في الأعمال الاختيارية المشتركة بينهما كالكتابة
والتكلم. وغاية ما نعلمه من ذلك هو أن صفات العقل لا تتحول إلى الجسد، ولا صفات
الجسد إلى العقل. وكذلك صفات لاهوت المسيح لا تتحول إلى ناسوته، ولا صفات ناسوته إلى
لاهوته. فهذا الملك العظيم على الكون هو إنسان تام وإله تام، ولا يزال يحس كالبشر
ويترفَّق بهم ويرثي لضعفاتهم. وشعب المسيح يفرح بسرور لا يوصف لأن كل سلطان في
السماء وعلى الأرض قد دُفع للمسيح، وهو ليس بعيداً عن أحدٍ منا، وهو الذي يحل فيه
كل ملء اللاهوت جسدياً، ولا يزال ممتلئاً بكل المحبة والرقة والحنو والوداعة
والأناة التي أظهرها وهو على الأرض.

9 – ما هي النبوة الشهيرة التي تمت بارتفاع المسيح إلى سلطانه
المطلق؟

*
هي قول المرنم إن كل الأشياء تخضع للإنسان حسب تفسير الرسول بولس (في عب 2: 8 و1كو
15: 27). وحجَّة الرسول في عب 2: 8 هي أن العهد الإنجيلي، أو العالم مدة العصر
المسيحي، لم يُخضَع للملائكة، لأن الكتاب يقول إن كل الأشياء تخضع للإنسان بدون
استثناء. ولكننا الآن لا نرى كل الأشياء مخضعة للإنسان من حيث الإنسانية، ولكننا
نرى الإنسان يسوع المسيح بسبب آلام الموت مكللاً بهذا السلطان العام المطلق. ولذلك
لم تجثُ الرياسات والسلاطين بالخضوع والتسليم والمحبة إلا عند قدمي الإنسان الذي
حل فيه كل ملء اللاهوت، ويطرح جميع المفديين أكاليلهم عند قدمي المصلوب.

وقد
فُوض هذا السلطان المطلق إلى المسيح لأنه الوسيط بين الله والناس أي الفادي
الإلهي، فإن الذي صار فوق الكل هو رأس الكنيسة، وقد رُفع فوق كل الخلائق باعتباره
الإله والإنسان معاً لأجل الكنيسة، ولأجل إكمال عمل الفداء (أف 1: 22 وكو 1: 17،
18 و1كو 15: 25-28). ولأن هذا السلطان العام دُفع إليه باعتباره وسيطاً ولأجل غاية
خاصة، سوف يتركه متى تمت الغاية المذكورة، فإنه يملك إلى أن يضع جميع أعدائه تحت
قدميه. ومتى أُخضع العدو الأخير يُسلم ذلك الملكوت الخاص إلى الله. ولكن المسيح
سيملك إلى الأبد كملك المفديين ورأس كنيسته.

10 – ماذا يعلّمنا الكتاب عن مجيء المسيح الأخير؟

*
هو أن الذي حوكم كمذنب أمام بيلاطس وحُكم عليه ظلماً وسُخر به وصُلب مع الأثمة،
سيأتي بقوة ومجد عظيمين، ويجتمع أمامه كل البشر بكل أجيالهم ليسمعوا من فمه القضاء
الأخير عليهم، فيرتفع لدى كل الخلائق العاقلة ويكون قاضيهم المطلق المنظور.

وهاك
تعليم الكتاب المقدس في هذا الشأن:

(1)
يأتي المسيح ثانيةً.

(2)
يكون ذلك المجيء شخصياً منظوراً مجيداً.

(3)
غاية هذا المجيء الثاني هو دينونة العالم.

(4)
الذين يُدانون هم الأحياء عند ظهوره والذين ماتوا قبل ذلك.

(5)
تكون شريعة الدينونة هي شريعة الله، المكتوبة في القلب أو المعلَنة في الكتاب.
فالذين كان عندهم الكتاب يُدانون بحسب الإعلان المكتوب، والذين لم يكن عندهم إعلان
خارجي يدانون حسب النور الذي كان لهم.

(6)
تُبنى الدينونة علي ما عمله الإنسان في حياته في الجسد.

(7)
الحكم الذي يُقضى به نهائي لا يتغير إلى الأبد (انظر فصلي 48، 50).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى