اللاهوت الروحي

الفصل التاسع



الفصل التاسع

الفصل التاسع

مقاومة الروح القدس

49- مقاومة الروح القدس

إن الروح القدس يعمل فينا. ولكنه لا يلغى
حريتنا.

إنه يقودنا إلى خير، ولكنه لا يرغمنا على فعله.

إنه يعطينا قوة.

ولكننا نبقى أحراراً نستخدم هذه القوة، أو لا
نستخدمها.. لو عاش إنسان في طاعة كاملة للروح، وفي شركة كاملة مع الروح، لصار
قديساً ونما في حياة القداسة إلى أعلى الدرجات. ولكنه في الواقع، لا يكون كذلك
باستمرار، وأنما كثيراً ما يأخذ من الروح مواقف سلبية. فما هي؟ فلنبحث ما يقوله
الكتاب عن هذا:

 

50- إطفاء الروح

إذا تكاسل الإنسان وتراخى، يطفئ حرارة الروح في
قلبه.

الأصل هو أن تكون لذلك أسباب خارجية وداخلية.
وعن هذه الأسباب الداخلية يقول الرسول “لا تطفئوا الروح” (1تس5: 19).
وقد خصصنا هذا الفصل تقريباً عن هذا الموضوع.

 

51- إحزان الروح

إذا أخطا الإنسان وسقط، يحزن روح الله الساكن
فيه.

وهناك فرق كبير بين أن يفقد الإنسان حرارته
الروحية، أو تقل هذه الحرارة عنده، وبين أن يستسلم ويسقط. وإن كان روح الله يفرح
هو وملائكته بخاطئ واحد يتوب، فلاشك إنه من الناحية الأخرى بسبب من يسقط. وعن هذا
قال الكتاب:

 

“ولا تحزنوا روح الله القدوس الذى به
ختمتم..” (أف3: 30).

ولكى يظهر أن أحزان روح الله، يأتى عن طريق
الحياة في الخطية، قال بعد هذا مباشرة: “ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب
وصياح وتجديف مع كل خبث” (أف4: 31). إن الخطية لها آثار كثيرة: من جهة
الإنسان، ومن جهة الله.. أما من جهة الإنسان، فإنه يهلك نفسه بخطيئته، ويضعف قوة الروح
فيه. وقد يؤدى غيره بهذه الخطية أو يعثره.. أما من جهة الله، فإننا نحزنه
بخطايانا.

 

ما أقسى الإنسان الذى يحزن خالقه، ولا يبالى!

نحن نحزنه، لأننا أثناء الخطية، نرفض الشركة مع
روحه القدوس، ونفصل عليها أعمال الظلمة. ونحزنه لأننا أبناؤه، وهو يرانا نهلك أمامه،
ونفقد الصورة الإلهية التى خلقنا بها (تك1). ونحزنه أيضاً لأننا بالخطية ندخل في
خصومة معه، أو ننفصل عنه. لأنه لا شركة بين النور والظلمة (2كو6: 14).

 

ومع ذلك، فالله عندما نسقط يحاول إرجاعنا إليه.

 

روحه القدوس يبكتنا على الخطية (يو16: 8). روحه
الصالح يهدينا (مز43: 10). ذلك لأن الله يسر بموت الخاطئ، بل برجوعه إليه ليحيا
(حز18: 23). وهكذا يعمل روح الله على قيادة هذا الخاطئ إلى التوبة. ويبقى بعد هذا
ان يستجيب لعمل الروح فيه أو يقاومه. وهنا نصل إلى النقطة الثالثة:

 

52- مقاومة الروح

إذا رفض الإنسان عمل الروح، فإنه يقاوم الروح.

وهكذا إن اخذ منه موقفاً سلبياً وحاربه، سواء
حارب عمل روح الله فيه، أو في غيره ولهذا فإن القديس اسطفانوس أول الشمامسة وبخ
اليهود قائلاً “يا قساة الرقاب.. أنتم دائماً تقاومون الروح القدس. كما كان
آباؤكم، كذلك أنتم. أي الأنبياء لم يضطهده آباوكم؟!” (أع7: 51: 52).

 

لذلك وصف الشيطان بأنه المقاوم، كذلك أعوانه.

وهكذا فإن ضد المسيح، إنسان الخطية، الذى يحدث
بسببه الارتداد الأخير، قيل عنه إنه ” المقاوم والمرتفع على كل مل يدعى
إلهاً” (2تس2: 4). وقال موسى النبى في ” تمردهم ورقابهم الصلبة:
“هوذا قد صرتم تقاومون الرب” (تث31: 27). على أن الإنسان قد يقاوم عمل
الروح، ولكنه لا يستمر في ذلك. مثلما قال القديس بولس الرسول عن نفسه “أنا
الذى كنت قبلاً مجدفاً ومفترياً..” (1تى1: 13) ” لأنى اضطهدت كنيسة الله
” 0 1كو15: 9). ولكنه لم يستطيع أن يرفس مناخس
kick against
the goads
. وترك المقاومة، وصار
رسولاً تعب أكثر من الجميع (1كو15: 1). ولكن إذا استمر الإنسان طول حياته في
مقاومة الروح، نخشى أن يصل إلى أخطر مرحلة في الهلاك وهي:

 

53- التجديف على الروح القدس

هذه الخطية لا غفران لها (متى12: 31).

وليس التجديف على الروح القدس، هو إنكار لاهوت
الروح القدس. فإن الذين انكروا لاهوت الروح أيام هرطقة مقدونيوس في القرن الربع،
ثم رجعوا وتابوا، قبلتهم الكنيسة. وليس التجديف على الروح القدس هو انكار وجوده،
أو عدم الإيمان به فإن الذى يعود ويؤمن به يخلص.. وليس هو أيضاً مقاومة الروح، فإن
التوبة عموماً تقود إلى الخلاص. إذن ما هو التجديف على الروح؟ ولماذا لا يغفر؟

 

التجديف على الروح القدس، هو رفض كل عمل للروح
القدس، في القلب والعقل والإرادة، رفضاً كاملاً دائماً مدى الحياة.

 

أو أنه يطرد الروح القدس من قلبه مدي الحياة،
ويرفض أن يشترك معه في أي عمل، ولا يصغى لصوت الله في قلبه، ولا لتأنيت على
الخطية.. مدى الحياة. والذى يفعل هكذا، لا يمكن أن يتوب. لأنه لا يستطيع إنسان أن
يتوب، بدون عمل الروح القدس فيه. وإذا لم يتب، لا تكون له مغفرة، حسب قول الرب
” عن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك قال أحد الاباء:

 

لا توجد خطية بلا مغفرة، إلا التى بلا توبة.

والذى يرفض عمل الروح فيه رفضاً كاملاً دائماً
مدى الحياة، لا تكون له توبة وبالتالى لا تكون له مغفرة. ولعلك تقول: فإن تاب هذا
الإنسان قبل موته؟ أقول لك: حينئذ لا تكون خطيئته تجديفاً على الروح القدس. لأن
الروح القدس. لأن توبته دليل على أنه قبل أن يعمل فيه روح الله للتوبة. وهكذا لا
يكون رفضه للروح رفضاً كاملاً مدى الحياة.. وهنا نتذكر صرخة داود النبى في المزمور
التوبة، إذ يقول:

“لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ،
وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي” (سفر المزامير 51: 11).

 

هنا الخوف من أن يفارقة روح الله تماماً، بغير
عودة!! كما حدث لشاول الملك الذى قيل عنه ” وذهب روح الرب من عند شاول. وبغتة
روح ردئ من قبل الرب” (1صم16: 14). لذلك استولى عليه الشيطان. ولم ناح عليه
صموئيل النبى، قال له الرب ” حتى متى تنوح على شاول، وأنا قد رفضته”
(1صم16: 1).

 

إذن التجديف على الروح القدس، هو رفض من الإنسان
لروح الله، رفضاً كاملاً مدى الحياة.. يؤدى إلى رفض الله لهذا الإنسان، فيتسلمه
الشيطان بالتمام..

 

وقد يحاول الشيطان مراراً أن يوهم البعض أنهم قد
وقعوا في التجديف على الروح القدس، لكيما بهذه الحرب يوقعهم في اليأس، فيستسلمون
له، على اعتبار أنه لم يعد لهم خلاص.. لكن طالما كان الإنسان حياً في هذا الجسد،
فمازال باب التوبة والخلاص مفتوحاً أمامه، كما كان مفتوحاً أمام اللص على الصليب.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى