اللاهوت الروحي

الفصل الأول



الفصل الأول

الفصل
الأول

الحروب
داخلك وخارجك

1-
مقدمة عن الحروب الروحية

حياة
كل إنسان لا تخلو من الحروب..

حتى
سير الآباء القديسين، لا تخلو من حروب روحية، بعضها خارجي كان من الشياطين، والبعض
وهو قليل كان من داخلهم.

والحروب
التي من الشياطين أصدرنا لأجل شرحها كتاباً خاصاً فيه عن 25 نوعاً من محاربات
الشياطين. كما تحدثنا أيضاً عن 11 طريقة في كيفية الانتصار على تلك الحروب. لذلك
سنمر على هذه الحروب الشيطانية مروراً عابراً في هذا الفصل..

من
الحروب الخارجية أيضاً حروب تأتي من العثرات الخارجية، من البيئة ومن الصدقات
الضارة. وسوف نتحدث عن هاتين النقطتين وننصح بقراءة ما يتعلق بهما كذلك في كتابنا
[حياة التوبة والنقاوة].

ومن
جهة الحروب الداخلية، ركزنا على نقطتين هامتين هما الأفكار والشهوات الأفكار تحارب
العقل. والشهوات تحارب القلب والحواس. على أن حروب الفكر رأينا بالإضافة إلى ما ورد
في هذا الفصل أن نخصص لها باباً مستقلاً في هذا الكتاب. نتركك الآن إلى الصفحات
المقبلة لتقرأ عن الحروب الداخلية والخارجية، واعتبر ما تقرأه مجرد مقدمة للحروب
الروحية بوجه عام..

 

2-
الحروب التي في داخلك

الحروب
الروحية قد تأتي إلى الإنسان من داخل نفسه، أو من الشيطان، أو من العالم، أو من
الناس الأشرار، أو قد تتحول من حالة إلى حالة.

تأتي
من شهوات القلب من الداخل، ومن أفكار العقل، ومن حركات الجسد.

والحرب
الداخلية أصعب من الحرب الخارجية، لأن الإنسان يكون فيها عدو نفسه. وهذه الحرب
تكون صعبة، لأنه يشتهيها ولا يريد مقاومتها.

لذلك
كانت نقاوة القلب هي أهم شئ في حياة الإنسان. وكما قال أحد القديسين: إن القلب
النقي حصن لا ينال..

القلب
يشبه البيت المبني على الصخر مهما هبت الزوابع عليه من الخارج، لا يمكن أن تضره
بشيء (مت7: 24، 25)..

والذي
لا تكون له حروب من الداخل، فهذا إن أتته حرب من الخارج تكون خفيفة عليه. ويمكنه
الانتصار عليها، لأن قلبه رافض لها: وإرادته لا تميل إلى التجاوب معها وقبولها..

والحرب
الداخلية ربما يكون سببها طبع اندمج في الخطيئة. وهنا يكون قد ترسب من الماضي في
قلب الإنسان وفكره ما يحاربه.

وقد
يكون سبها حالة فتور، أو طبيعة ضعيفة تستسلم للخطأ. وربما يكون سببها إهمال من
الإنسان في ممارسة الوسائط الروحية فيضعف القلب من الداخل، ويترك الفكر يطيش حيثما
يشاء بلا ضابط.

وربما
تبدأ بالتراخي في ضبط الحواس.. والحواس هي أبواب يدخل منها الفكر.

والحرب
الداخلية قد تأتى خفيفة أو عنيفة. وحتى إن بدأت خفيفة: كلما تراخي الإنسان لها،
تسيطر عليه..

ومن
الحروب الداخلية حرب الأفكار.

 

3-
حرب الأفكار

قد
تكون الأفكار في اليقظة. وقد تكون في المنام. والأفكار أثناء النوم ربما تكون
مترسبة من أفكار وأخبار النهار، مما ترسب في العقل الباطن من شهوات ومن أفكار، وما
جلبته الأذن من أخبار وحكايات، وما قرأة الشخص من قراءات رسبت في ذهنه.

كل
هذه تأتي في أحلام، أو في سرحان، أو ما يسمونه أحلام اليقظة. ويستمر فيها الإنسان
طالما كان القلب قابلاً لها.. فإن كان رافضاً لها تتوقف، ويصحو لنفسه..

وإرادة
الإنسان ضابط هام للفكر فهي التي تسمح بدخول الفكر.. وحتى إن دخل خلسة، هي التي
سمح باستمراره أو بإيقافه..

 

ومن
هنا تأتي المسئولية..

ومن
هنا نرد على السؤال القائل: هل هذه الأفكار إرادية، أم غير إرادية أم شبه إرادية،
أي من النوع الذي هو غير إرادي الآن، ولكنه نابع من إرادة سابقة تسببت فيه.

فقد
يغرس الشيطان فكراً في عقل الإنسان، يدخل إليه بغير إرادته. ولكن حتى هذا الفكر،
الذي لا مسئولية عليك في قبوله.

إن
أردت، يمكنك أن تطرد الفكر، ولا تتعامل معه، ولا ترحب به.. لأنك إن قبلت الفكر
الخاطئ، تكون خائناً للروح القدس الساكن فيك، وخائناً لمحبة الله، ومقصراً في حفظ
وصاياه، وفي صيانة قداسة قلبك من الداخل.

 

وقد
يأتيك الفكر الخاطئ في حلم.. فإن كنت نقياً تماماً، سوف لا تقبله في الحلم أيضاً..
وإن كنت لم تصل إلى هذا المستوي وقبلته، فستحزن بسببه كثيراً في يقظتك، ويترك حزنك
هذا أثره العميق في عقلك الباطن، لرفض كل حلم مماثل في المستقبل: إن لم يكن مباشرة،
فبالتدريج إلى أن تصل إلى نقاوة العقل الباطن.

 

إذن
قاوم الفكر الخاطئ بالنهار، أثناء يقظتك، لكي تتعود المقاومة حتى بالليل أثناء
نومك وتنغرس هذه المقاومة في أعماق شعورك، ويتعودها عقلك الباطن.

 

إن
زمام أفكارك في يدك، سواء منها الأفكار التي تصنعها بنفسك، أو التي ترد إليك من
الخارج، من الشيطان أو من الناس. وما أصدق قول المثل:

 

إن
كنت لا تستطيع أن تمنع الطير من أن يحوم حول رأسك، فإنك تستطيع أن تمنعه من أن
يعشش في شعرك!

 

وبإرادتك،
واشتراكك مع عمل النعمة فيك، يمكنك السيطرة على الأفكار، فلا تجعلها تأخذ سلطاناً
عليك. ولا تستطيع الأفكار الخاطئة أن تفقدك نقاوتك، وذلك لأنك لا تجاوب معها. وما
أصدق قول القديس يوحنا ذهبي الفم:

 

لا
يستطيع أحد أن يضر إنساناً: ما لم يضر هذا الإنسان نفسه.

 

لذلك
لا تستسلموا للأفكار. وليكن كل إنسان حكيماً. يعرف الفكر، كيف يبدأ عنده، وكيف
يتطور، وما خط مسيرة داخل ذهنه؟ وما نوع الأفكار التي تبدأ بريئة وهادئة وتنتهي
بنهاية خاطئة؟ فليحترس من أمثال هذه الأفكار، ولا يعطي مجالاً للفكر حتى يشتد..

 

وإن
اشتدت عليك الأفكار بطريقة ضاغطة ومستمرة، فلا تيأس، ولا تقل لا فائدة من المقامة،
وتستسلم للفكر.

 

إن
اليأس يجعل الإنسان يتراخي مع الفكر، ويفتح له أبوابه الداخلية، ويضعف أمامه ويسقط،
أما أنت فحارب الأفكار وانتصر.. وكيف ذلك؟

 

4-
كيف تنتصر على الفكر؟

1
لا تخف من الأفكار، ولا تفترض هزيمتك أمامها. بل قل مع الرسول:


أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني” (في4: 13).

 

واصمد
في قتال الأفكار متذكراً تلك العبارة الجميلة: “مستأسرين كل فكر لطاعة
المسيح” (2كو10: 5)

 

2-
درب نفسك على أن تتولى قيادة أفكارك. ولا تجعل الأفكار تقودك.

 

3-
أملأ فكرك باستمرار بشيء روحي.. حتى إذا أتاه الشيطان بفكر رديء، لا يجد الذهن
متفرغاً له. اشغل نفسك.. فهذا علاج وقائي.

 

إذن
لا تترك عقلك في فراغ، خوفاً من أن يحتله الشيطان ويغرس فيه ما يريد.

 

ولهذا
فإن القراءة الروحية مفيدة جداً.. ليس فقط في شغل الذهن ومنع الأفكار الرديئة عنه،
وإنما أيضاً لها فائدة إيجابية، لأنها تعطي الفكر مادة روحية للتأمل، وتعطي القلب
مشاعر محبة لله قوياً في طرد الأفكار المضادة..

 

4
كن متيقظاً باستمرار، ساهراً على نقاوة قلبك، فلا يسرقك الفكر الخاطئ دون أن تحس.

 

واطرد
الأفكار من بادئ الأمر حينما تكون ضعيفة، وأنت لا تزال قوياً..

 

لإنك
إن تركت الأفكار الخاطئة باقية فترة في ذهنك، لا تلبث أن تثبت أقدمها وتقوي عليك.
وكلما اسمر واستقرت في داخلك، تضعف أنت ولا تستطيع مقاومتها وتسقط. لذلك كن
متيقظاً وسريعاً في طرد الأفكار. وتذكر قول المرتل في المزمور:

 


يا بنت بابل الشقية طوبي لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة” (مز137).

 

فهو
يخاطب بابل أرض السبي، التي تسبي إليها قلبه. فيقول طوبي لمن يمسك أطفالك، أي
الخطايا وهي صغيرة، وهي في مبدئها، قبل أن تتطور، ويدفنها عند الصخرة.”
والصخرة كانت المسيح” (1كو10: 4).

 

5
اهتم بالفضيلة الروحية التي يسمونها” استحياء الفكر”.

 

أقصد
بهذا أنه عندما يكون فكرك ملتصقاً بالله، بالصلاة، بالتأمل، بعبارات الحب،
بالتسبيح وبالترتيل. حينئذ يستحي الفكر وهو ملتصق بالله.. ومن أن تشغله أفكار
الخطية، فيرفضها، وهذا علاج روحي..

 

من
هنا كان إنشغال الفكر بالله علاجاً وقائياً من الأفكار الخاطئة. إذ يستحي من
التقائه السابق بالرب.

 

6
ومن الناحية المضادة، ابتعد عن العثرات التي تجلب لك أفكاراً خاطئة.

 

ابتعد
عن كل لقاء ضار، وعن كل صادقة أو معاشرة خاطئة. ابتعد عن القراءات التي تجلب
أفكاراً مدنسة أو على الأقل تنهيك عن الفكر الروحي. ابتعد عما يشبه هذا من
السامعات والمناظر والأحاديث وكل مسببات الفكر البطال.

 

7-
وما دامت الحواس هي أبواب الفكر، فلتكن حواسك نقيه، لتجلب لك أفكاراً نقيه.

 

إن
تراخيت مع الحواس، فإنك بذلك إنما تحارب نفسك بنفسك، فاحترس إذن ولتكن حواسك معك
وليست ضدك. ومن هنا كان التأمل في صور القديسين، وسماع أخبارهم، وسماع الألحان
والقداسات، وجو الكنيسة من بخور وأنوار وأيقونات وطقوس روحية، كل ذلك يجلب للقلب
أفكاراً روحانية.

 

8
أحترس من الأفكار المتوسطة، التي ليست هي خيراً ولا شراً.

 

لأنها
كثيراً ما تكون تمهيداً لأفكار خاطئة. فالذي لا يضبط فكره، وإنما يتركه شارداً هنا
وهناك، قد يرسو على موضوع خاطئ ويستقر فيه.. فمن الناحية الإيجابية اربط فكرك
بمحبة الله، أو بأي موضوع نافع، أو حتى بعملك ودراساتك وخدمتك ومسئولياتك، لكي لا
يسرح في أمور عديمة الفائدة.

 

9
إذا أتعبك الفكر ولم تستطيع أن تنتصر عليه، اهرب منه بالحديث مع الناس.

 

حتى
إن كنت في وحدة أو خلوة، اترك وحدتك وخلوتك واختلط بغيرك. لأن حديثك مع الناس يطرد
الفكر الخاطئ منك، إذ لا يستطيع عقلك أن ينشغل بموضوع الفكر وبالأحاديث في نفس
الوقت. واعرف أن الوحدة بمعناها الروحي هي اختلاء مع الله. فإن تحولت إلى اختلاء
مع الأفكار الشريرة، فالخلطة أفضل منها طبعاً..

10-
استعن على طرد الفكر بالصلاة.

والأب
الكاهن يقول للرب في القداس الإلهي: ” كل فكر لا يرضي صلاحك، فليبتعد
عنا”.

 

وهناك
قاعدة روحية أحب أن أقولها لك في محاربة الأفكار وهي:

 

11-
الهروب من الأفكار خير من محاربتها. لأن الفكر الشرير الذي ينشغل به عقلك: حتى لو
انتصرت عليه، يكون قد لوثك في الطريق.

 

لا
تخدع نفسك قائلاً: [سأري كيف يسير الفكر وكيف ينتهي] ولو من باب حب الاستطلاع..!
لأنك تعرف تماماً أن هذا الفكر سيضرك. فلا داعي لتجربة تعرف نتيجتها..

 

ولا
تتهاون أيضاً قائلاً: [أنا أستطيع أن أهزم الأفكار. ولكنني أناقشها لأظهر ضعفها]..
فربما تغلبك الأفكار، وهي التي تظهر ضعفك..

 

ثم
لماذا تضيع طاقاتك في القتال؟

 

اشغل
عقلك بشيء طاهر مقدس يقويك في الحياة الروحية، ويزيد حرارتك، بدلآً من هذه
الصراعات التي لا تفيدك شيئاً بل تضرك.

 

12
اعرف أيضاً أن الأفكار إذا استمرت، قد تقود إلى أفكار أو شهوات فتكون أخطر لأنها
تنتقل من الذهن إلى القلب، ومن الفكر إلى العاطفة.

وهنا
ننتقل إلى نقطة أخري وهي: حرب الشهوات.

 

5-
حرب الشهوات

وهي
كثيرة منها شهوة الجسد، وشهوة المعرفة، وشهوة الرئاسة والمناصب، وشهوة الانتقام،
وشهوة السيطرة، وسيطره المال، وشهوة الامتلاك، شهوة العظمة والشهرة.

 

وهنا
تكون ملكية القلب قد انتقلت من الله إلى غيره. وتفشل في الاستجابة لقول الرب: “يا
ابني اعطني قلبك” (أم23: 26).

 

1-
فإن وصلت إلى الشهوة لا تكملها، بل حاول أن تتخلص منها. وتذكر تلك العبارة الجميلة

 


افرحوا لا لشهوة نلتموها: بل لشهوة أذللتموها”.

 

إن
أكثر شئ يفرح الإنسان هو أن ينتصر على نفسه. حقاً إن لذة الانتصار على النفس هي
أعمق من اللذة بأية شهوة أخري.

 

2
وإن تعبت من شهواتك، لا تيأس. ولا تظن أنه لا فائدة.

 

انظر
إلى ما يستطيع المسيح أن يعمله لأجلك، وليس إلى ما تعجز أنت عن عمله.

 

إن
المسيح قادر أن يحول السامرية إلى مبشرة، والمجدلية إلى قديسة. لا تظن مطلقاً أنك
تحارب وحدك، فاله بكل نعمته يعمل معك كما عمل مع غيرك.

 

3-
لذلك تذكر الذين انتصروا. ولا تضع أمامك انهزاماتك السابقة وضعف طبيعتك.

 

إن
الله يحبك كما أحب هؤلاء، وسيعمل فيك كما عمل فيهم. ولكما تزداد الحرب تزداد
النعمة جداً. فالتصق بالله واطلب معونته.

 

4
في شهواتك، جاهد مع اله كثيراً، حتى ترجع السحابة فوق الخيمة.

 

لا
تخجل من الصلاة وأنت في عمق الخطية. ولا تفعل مثل أبينا آدم الذي حينما أخطأ، هرب
من الله واختبأ خلف الشجر! وكلما سقطت، تمسك بالله أكثر، لكي ينجيك وينقيك ويقودك
إلى التوبة.

 

قل
له: [حارب يا رب في، وانتصر على أعدائي وأعدائك، ولا تتركني وحدي].

 

قل
له: [أنا إن انهزمت يارب أمام الخطية، فأنا لا أزال إبنك، محسوب عليك، ومنسوب إليك،
أنا من قطيعك وإن كنت قد ضللت. وأنا ابنك وإن سكنت في كورة بعيدة. أنا مازلت درهمك
وإن لم أكن موجوداً في كيسك..

 

أنت
لا تتخلي عني، وأنا لا أتخلي عنك، مهما حاول العدو أن يوجد انفصالاً بيني وبينك.
إن كن قد تركتك بالفعل، فأنا لم أتركك بالقلب ولن أتركك. مازلت أحبك، وإن كنت قد
أخطأت إليك].

 

افعل
مثل القديس بطرس، الذي بعد أن أنكر المسيح، وجدف ولعن وقال لا أعرف الرجل، جرؤ أن
يقول للمسيح في ذلة العارف بمشاعره: “أن تعلم يارب كل شئ. أنت تعرف أني
أحبك” (يو21: 17).

 

5-
لا تجعل الخطية تفصلك عن محبة الله، بل افتح له قلبك وقل له:

 

تأكد
يارب إنها خطية ضعف، وليست خطية بغضة، ولا خطية خيانة.

 

6-
وأنت نفسك، تأكد أن الله يعرف ضعفك، وإنه لا يزال يحبك.

 

ثق
إنك وأنت في الخطية، هو يعمل على إنقاذك، واجتذابك إليه، وردك إلى رتبتك الأولي.
إنه الله الذي سعي وراء آدم ليخلصه، دون أن يسعي آدم إلى التوبة.

 

7-
شهواتك الخاطئة، أضف إليها ما تستطيعه من عمل روحي، لكي تقلل من حدتها وخطورتها،
ولكي تقيم توزاناً داخل قلبك.

 

وثق
أن الجانب الخير سينمو داخل في قلبك شيئاً فشيئاً حتى تتخلص من شهوات الخطية. وإن
شعرت بعمل الروح القدس في قلبك، فلا تهمله وتستمر في شهواتك، بل اعمل معه..

 

8-
وإن عرفت ضعفك فلا تعرض نفسك للحروب مرة أخري.

 

6-
محاربات تأتيك من الخارج

وهذه
الحروب تأتي عليك من مصادر معروفة:

إما
من الشيطان، أو من الناس سواء كانوا أعداء أو أصدقاء وأحباء!

وقد
تأتي من العالم، من المادة، من البيئة المحيطة بكل ما فيها من عثرات..

حروب
من الشيطان

الصداقات
الضارة

العثرات

البيئة

 

7-
حروب من الشيطان

حروب
الشيطان إما أن تكون بطيئة طويلة المدي، أو أن تكون فجائية وعنيفة..

 

الحروب
البطيئة، قد لا نشعر بها يجذب بها الشيطان ضحاياه بتدريج طويل، لا يكادون يشعرون
فيه بما يحدث لهم.

 

يحذرهم
قليلاً قليلاً، وينقص من حرارتهم الروحية شيئاً فشيئاً على مدي واسع حتى تتغير
حياتهم وهم لا يدركون ذلك إلا بعد فوات الفرصة، حتى يضربهم بعد ذلك ضربته الشديدة
وهم غير مستعدين لها.

 

ولعله
بهذه الطريقة حارب سليمان الحكيم، بالترف والمتعة وكثرة النساء ومجاملتهن، إلى أن
سقط (1مل11: 1- 8). وكان سقوطه في زمان شيخوخته!!

 

أما
الحروب العنيفة الفجائية، فقد تشبه الظهورات المفزعة، أو الرؤي الكاذبة وأمثال هذه
من الضلالات الشيطانية.

 

وقد
جرب القديس أنطونيوس الكبير بحروب مثل هذه، وانتصر عليها بالاتضاع والإفراز
والصلاة. وهزم الشياطين حتى هربت منه في خزي.

 

على
أن الله لا يسمح بأن تحدث هذه الحروب لكل أحد، لأنه” أمين لا يدعكم تجربون
فوق ما تستطيعون” (1كو10: 13).

 

ولعل
من أمثلة الحروب العنيفة الشيطانية التي حدثت فجأة، التجربة التى أصابت أيوب
الصديق (أي1: 2). ونلاحظ أنها كانت بسماح من الله، في حدود معينة، وفي طاقة احتمال
أيوب، وانتهت بخير وبركة (أي42).

 

على
أن حروب الشيطان ليست كلها فزعاً ومناظر كما حدث للقديس أنطونيوس وليست كلها
أمراضاً وخراباً، كما حدث لأيوب الصديق.

 

فهناك
حروب أخري من الشيطان بأفكار يلقيها في الذهن، أو شهوات يلقيها في القلب. وهذه
الحروب تكون ضعيفة إلى أن يفتح لها الإنسان باباً لتدخل منه إلى قلبه وإلى مشاعرة
وهنا يكون قد أخطأ.

 

وتعتبر
خيانة روحية أن تفتح أبوابك لعدو الخير الذي يريد تحطيم ملكوت الله داخلك.

 

إنها
خيانة للرب الذي رضي أن يدخل بيتك وبيت فيه، وأنت بإرادتك تدخل عدوه إليه في داخل
قلبك، ليحل فيه بدلاً من الله!

 

إنها
خيانة للرب الذي اشتراك لنفسه وأحبك حتى المنتهي، واستأمنك على سرائره المقدسة،
وجعل قلبك هيكلاً لروحه القدوس (1كو6: 19، 20) وهوذا أنت تستجيب للشيطان وتفتح له
قلبك، وتقبل أفكاره المضادة!!

 

وفي
خيانتك، إذ ترفض عمل النعمة فيك، يقوي عليك الشيطان.

 

لا
تحتج بأن الحروب الخارجية قوية؟

 

إنك
تجعلها قويه حينما تستسلم. أما إن قاومت فسيضعف الشيطان أمامك كقول الرسول: “قاوموا
إبليس فيهرب منكم ” (يع4: 7).

 

إن
القلب القوي الثابت في الله، الأمين في محبته، يستطيع أن يطفئ جميع سهام الشرير
الملتهبة (أف6: 16).

 

عندما
تقوي قلب داود بالإيمان، تضاءلت أمامه كل قوة جليات الجبار (1صم17: 26). وعندما
قوي قلب موسى النبي، تضاءلت أمامه قوة فرعون وكل جيشه ولم تخفه أمواج البحر الأحمر.
وأنت كلما كان قلبك من الداخل قوياً، لا تضعف مطلقاً أمام حروب الشياطين بل تعزيك
كلمة الروح القدس الناطق في الأنبياء:

 


من أنت أيها الجبل العظيم؟! أمام زربابل تصير سهلاً” (زك4: 7).

 

إننا
إن ضعفنا نحن للشيطان كرامه ليست له، ونجعله يتجرأ علينا بينما يكون هو خائفاً منا
في بادئ الأمر!

 

يخيل
إلى أن رئيس الشياطين، حينما يرسل شيطاناً من أعوانه لمحاربة أحد المؤمنين، يرتعب
هذا الشيطان ويقول: كيف أحارب هذا الإنسان الذي هو صورة الله وهيكل لروحه القدوس؟!
كيف أحارب هذا الجبار الذي تحيط به ملائكة الله لتنجيه؟! كيف أقترب من إبن لله
يلبس درع الإيمان وخذوه الخلاص (أف6)؟!

 

ماذا
أفعل إذا رشمني بعلامة الصليب؟! وإلى أين أهرب إن رفع يديه يصلي؟! وكيف أخزي أن
طردني قائلاً: إذهب يا شيطان..

 

ولعجب
هذا الشيطان الضعيف، يري الإنسان خائفاً منه هارباً أمامه، فيتجرأ عليه ويحتقره..؟

 

فيقص
له شعره- كما صنع بشمشون- ويفقأ عينيه، ويجعله يجر الطاحون وهو هزأه للأطفال (قض16:
19-21).

 

لذلك
لا تخافوا من الشياطين، لئلا تقوي عليكم. وأنت أيها الإنسان يا صورة الله، احترم
نفسك.. مع الشياطين.

 

من
أمثلة حروب الشياطين المعروفة حروب الشك في الله، تتعبها حرب أخري هي اليأس. فلا
تخف هذه الأفكار ليست منك. إنها حرب خارجية لا دخل لك فيها!

 

الشيطان
يلقي إلى ذهنك أفكاراً تشك في وجود الله، وفي محبته وعنايته، وأفكاراً ضد فاعليه
الصلاة وضد شفاعة القديسين. ثم بعد ذلك يقول لك: كيف تخلص وفي داخلك هذه الأفكار؟!
بينما تكون أنت رافضاً الشك، ومقاوماً لها، غير راض عنها، بل تصلي أن يرفعها الرب
عنك! كل هذا يدل على أن هذه الأفكار ليست منك.

 

إنها
حرب بالفكر، وليست سقوطاً بالفكر. حتى إن سقطت إلى لحظات يكون ذلك عن ضعف وليس
خيانة للرب والرب يغفر لك..

 

ونصيحتي
لك: امتنع عن القراءات التي تجلب لك الأفكار، وكذلك المعاشرات الرديئة التي توصل
إليك هذه الأفكار وأمثالها، فغالباً ما تكون هذه الأفكار وهذه السماعات، هي أسلحة
من الشيطان استخدمها لمقاتلتك كن حكيماً إذن.

 

وهذا
الأمر يقودنا إلى النقطة التالية: وهي الصداقات الضارة.

 

8-
الصداقات الضارة

 هذه
الصداقات التي تضرك في روحياتك، أو في عقيدتك، أو في فكرك، والتي تتلف قلبك
ومشاعرك..

أول
سقطة لأمنا حواء، كانت من معاشرة رديئة بجلوسها مع الحية.

 

وسقطة
آخاب الملك كانت بسبب زوجته إيزابل الشريرة. وكذلك كانت سقطة سليمان الحكيم بسبب
زوجاته الأجنبيات.

 

لذلك
أنصحكم باختيار أصدقائكم الذين ما أسهل أن يؤثروا عليكم بأفكارهم.

 

وأنصحكم
بحسن اختيار شركائكم في الحياة الزوجية لأن لهم تأثيراً بلا شك على حياتكم الروحية
بالعلو أو الهبوط..

 

والأزواج
في تأثيرهم أكثر خطراً وعمقاً من الأصدقاء أو المعارف والزملاء..

 

فالصديق
قد يلتقي بك في أوقات محددة. أما الزوج فهو شريك الحياة باستمرار. فيجيب انتقاؤه
صالحاً من كل جهة، ليس من الناحية الاجتماعية فحسب، بل أيضاً من النواحي الروحية
والعقائدية، وبعمق. ولا يصح الاكتفاء بالشكليات.

 

ولنتذكر
في كل ذلك قول الكتاب:

 


المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 33) وقوله أيضاً: “أعداء
الإنسان أهل بيته” (مت10: 36).

 

مثال
ذلك الآباء والأمهات، حينما يمنعون أولادهم عن الصوم، وعن التدين، وعن التكريس،
وعن الكنيسة والاجتماعات. بل ويدعونهم إلى الزينة وإلى الترفيهات المتنوعة، ولا
يقدمون لهم قدوة صالحة ببيت متدين!

 

ومثال
ذلك الزوج غير المتدين الذي يجر زوجته معه إلى نفس الضياع الذي هو فيه، ويسخر من
تدينها، ولا يشجعها على الممارسات الروحية ويمنعها من الخدمة، ولا يعطيها فرصة
للصوم ولا للتناول..! لذلك قال الرب في الإنجيل:

 


من أحب أباً أو أماً أكثر مني، فلا يستحقني..” (مت10: 37).

 

والإنسان
ربما لا يستطيع أن ينفصل على أقاربه وأهل بيته. ولكن ينبغي أن يحب الله أكثر منهم،
ويطيع الله أكثر منهم، ولا يضحي بروحياته أو بدينه من أجل أقربائه.

 

وليذكر
باستمرار قول الرسول: ” ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أع 5: 29).

 

لا
يوجد أعز من الله، ولا أحب من الله. ولا يوجد أهم من مصيرك الأبدي. ومع ذلك فهناك
أشخاص يجب الابتعاد عنهم من الأقارب.. إن لم يكن ابتعاداً بالجسد، فعلي الأقل يكون
الابتعاد عن طريق عدم الاشتراك معهم في التصرف، ولا في الحديث، ولا في أي شئ خاطئ.

 

على
أن البعض قد يمنعهم الخجل من البعد عن الخاطئين أقارباً كانوا أو أصدقاء.. وبهذا
يشتركون في الخطأ بسبب الخجل!

 

فينبغي
للإنسان الروحي أن يعرف أن هناك حدوداً للخجل وأن هناك مواقف تحتاج إلى حزم وغلى
قوة شخصية، وإلى تصرف جاد يبعد به عن العثرة ومسبباتها.

 

لقد
صدق المثل القائل: [أسأل عن الرفيق قبل الطريق] فربما يؤثر عليك أحد أقربائك
تأثيراً يتلف نفسك أو يدخل إلى قلبك وإلى ذهنك مبادئ وأفكاراً تقود حياتك في إتجاة
خاطئ.

 

اعلم
أن قريبك الحقيقي هو الذي يقربك إلى الله، وصديقك الحقيقي ه الذي يكون صديقاً في
روحياته وصادقاً في حفظه لسمعتك وفي اهتمامه بخلاص نفسك..

 

ننتقل
إلى حرب خارجية هي: العثرات.

 

9-
العثرات

العثرة
هي كل ما يسقطك من الخارج، أو كل ما يجلب لك فكراً خاطئاً، أو شعوراً خاطئاً، أو
شهوة خاطئة. وقد تأتي العثرات من السمع أو النظر أو القراءة أو من باقي الحواس.
فعليك أن تبتعد بقدر إمكانك عن العثرات، كما يجب أنك أنت لا تكون عثرة لغيرك.

 

والعثرات
ربما تفرض نفسها علينا وربما نسعي نحن برغبتنا إلهيا.

 

فالتي
تفرض نفسها تكون حرباً خارجية، والتي نسعى إليها تكون حرباً داخلية تطلب إشبعاً
لها من الخارج. وفيها تجتمع الحربان الداخلية، وهذه دينونتها أشد، والنجاة منها
أصعب..

 

والسيد
الرب كان حازماً جداً في أمره الإلهي بالبعد عن العثرات..

 

وذلك
بقوله: “إن كنت عينك اليمني تعثرك، فاقلعها والقها عنك وإن كانت يدك اليمني
تعثرك، فأقطعها وإلقها عنك” (مت5: 29، 30).

 

وكثير
من الآباء يفسرون عثرة العين اليمني، بالعثرة التي تأتيك من أعز إنسان إليك. أما
اليد اليمني فتشير إلى أكثر الناس مساعدة لك.

 

وبهذا
على الإنسان أن يقطع نفسه عن هؤلاء الأحباء والأعزاء.. إن كانت صلته بهم ستفقده
أبديته.. وتجلب له حروباً خارجية لا يضمن هل يصمد أمامها أم لا..

 

المهم
أن تبعد عن الحرب الخارجية مهما كان الثمن، ولا تقع فيها بإرادتك لأنك تصلي كل يوم
قائلاً: ” لا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير” (مت5: 13).

 

إن
هناك عثرات تستهوى الإنسان فيحوم حولها مثلما تحوم الفراشة حول النار، وتظل تحوم
حولها حتى تحترق.. ومع أنها تري فراشات كثيرات قبلها قد احترقت بالنار، إلا أنها
لا تهدأ حتى تحترق مثلها..!

 

وقد
يوجد من يعثرك ويسقطك. ثم يفلت هو، وتضيع أنت: وقد يمكنه هو أن يتوب، وتجد أنت
صعوبة في التوبة! لذلك احرص بكل قوتك وبكل عمل النعمة فيك، أن تبعد عن العثرة،
وتهرب بذلك من كل حرب خارجية على قدر طاقتك..

 

ومن
مصادر العثرة والحروب الخارجية، ألوان معينة من القراءات.

 

القراءات
تؤثر في أفكار الإنسان، وتؤثر في مشاعره. وربما تشكل مبادئه، وتقود مساره في
الحياة..

 

وهناك
قراءات أخري واضحة الخطأ، يجب عليك الابتعاد عنها تماماً، ولا تحتاج هذه إلى
مشهورة أو سؤال.

 

وهناك
قراءات تجلب شكوكاً أو بلبلة، وأخري تثير مشاعر وشهوات.

 

ولا
يكفي للإنسان الروحي أن يبعد عن القراءات الضارة، إنما ينبغي من الناحية الإيجابية
أن يقرأ ما يعمق محبته لله، وهذا يكون كعلاج وقائي له في الحروب الخارجية.

 

وإن
كان الإنسان محارباً بحب المعرفة، وهو يعلم تماماً أنه ليست كل معرفة نافعة، بل قد
توجد معارف نفقده بساطته، أو تفقده نقاوته، وتجعل نظرته إلى الأمور تتغير إلى
أسوأ!.. لذلك يجب على كل شخص روحي أن يدقق كثيراً في نوعية قراءاته، حتى لا يجلب
على نفسه حروباً..

 

لأنه
من مشاكل القراءة أيضاً أنها تلصق بالعقل أفكاراً ليس من السهل عليه أن يمحوها
وينساها.. وقد تحتاج إلى وقت طويل جداً حتى تفارق ذاكرته!..

 

10-
حروب من البيئة الخارجية

من
أسباب الحروب الخارجية أيضاً:

البيئة،
ونعنى بها الجو العام المحيط به..

أفكار
البيئة التي يعيش فيها، واتجاهاتها، ونوعية الحياة، والمبادئ السائدة في المجتمع،
وأسلوب التعامل، والمفاهيم التي يعتنقها الكل أو الغالبية..

 

وبالأكثر
صعوبة أن يحيا شاذاً هذه البيئة، بمبادئ روحية لا يفهمونها. وهكذا يجد البار أنه
يعذب نفسه يوماً بعد يوم (2بط2: 8)، أو على الأقل يبذل جهداً ضخماً ليحتفظ بأسلوبه
الروحي في الحياة أو على الأقل:

 

يجد
أن منهجه الروحي يعرضه لعديد من الحروب.. فماذا يفعل؟

 

إن
كان بإمكانه أن يغير البيئة، فهذا أفضل جداً.

 

وإن
لم يستطع فليصمد..

 

وليجاهد
ويغلب. والله لا ينسي تعب محبته.

 

حياتنا
هي أن نشهد للحق، إن لم يكن بلساننا، فعلي الأقل بأسلوبنا العملي في الحياة. وقد
نصحنا الرسول قائلاً: “لا تشاكوا هذا الدهر” (رو12: 2).

 

والحياة
الروحية يلزمها الجهاد والصبر والثبات.

 

وليثق
هذا الإنسان أنه في كل جهاده لا يحارب وحده، بل نعمة الرب تعمل معه. ومن يصبر إلى
المنتهى فهذا يخلص (مت10: 22).

 

إن
المحاربات الروحية كثيرة وعلينا نحن أن نجاهد ونغلب.

 

وما
أكثر النعم التى وهبها الرب للغالبين (رؤ2، 3).

 

فجاهد
أن تكون من الغالبين، حتى لا تفقد إكليلك، الذي يهبه لك في ذلك اليوم الديان
العادل (2تى4: 8) الذي سيعطى كل واحد أجرته بحسب تعبه (1كو3: 8).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى