علم الله

الفصل الأول



الفصل الأول

الفصل
الأول

قانون الايمان

مقَدّمة

أما التصميم الذي سنتَّبعه فهو تصميم “قانون الايمان” الذي
لا يزال المسيحيون يتلونه منذ القرن الرابع معبّرين فيه عن مجمل العقائد التي
يؤمنون بها. فنعالج على التوالي:

* الايمان بالله الواحد الآب الضابط الكل.

* الايمان بالله خالق السماء والأرض.

* الايمان بيسوع المسيح ابن الله الوحيد.

* الايمان بالروح القدس والثالوث الأقدس.

* الايمان بالكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية.

* الاعتراف بالمعمودية والأسرار المقدسة.

* رجاء قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي.

 

سنعالج في هذا الجزء الأول المواضيع الثلاثة الأولى، على أمل معالجة
سائر المواضيع في أجزاء لاحقة من هذه السلسلة.

 

قانون الإيمَان أنشودة المجد

القِسم الأول لمحة تاريخية، من بدعة آريوس إلى مجمع نيقية

1- البدعة الآريوسية

في بداية القرن الرابع كان يعيش في اسكندرية مصر كاهن فيلسوف ومعلم
مقتدر يدعى آريوس. وكان هذا الكاهن الفيلسوف قد أفلح في إشاعة الفكر المسيحي بين
عامة الشعب في تعابير ومصطلحات فلسفية. إلاّ أنه في الوقت نفسه أدخل إلى اللاهوت
النهج العقلاني الذي كان قد تسرّب إلى مسيحيي الامبراطورية في الشرق والغرب، كما
أنه استخدم، في عرض الايمان المسيحي وتفسيره، المناهج الفلسفية اليونانية التي
كانت آنذاك قد اجتاحت الأوساط المسيحية وبدأت تنخر قلب الكنيسة.

 

تخرّج آريوس في مدرسة انطاكية الشهيرة واقتبس من أساليب مؤسّسها
لوقيانوس الذي رأى فيه اسكندر أسقف الاسكندرية باعثَ العقلانية الآريوسية. لقد أخذ
آريوس عن لوقيانوس، إلا أنه فاق معلمه فصاحة في الجدل واتساعاً في النفوذ. فبتأثير
من آريوس ومن مدارس التعليم الديني في انطاكية والاسكندرية، انتشرت المناقشات
والمجادلات الفلسفية بين الأساقفة والكهنة وعامة الشعب، وسيطرت على الجميع الرغبة
في عرض أسرار الديانة المسيحية عرضاً عقلياً.

 

ان الغيرة والمحبة لوحي المسيح تحملان المسيحيين على أن “يكونوا
دوماً مستعدّين ليجيبوا كل من يسألهم حجّة عن الرجاء الذي فيهم”، حسب قول
القديس بطرس الرسول (1 بط 3: 15). لكن بعضاً منهم، من أمثال آريوس، ذهبوا بعيداً
في هذا الميدان حتى طغى العقل عندهم على الإيمان. لقد حاولوا أن يفسّروا تفسيراً
عقليًّا ما يفوق قدرة العقل البشري، فتقلّص الوحي الإلهي عندهم إلى أفكار بشرية
محض. لذلك ضلّوا وتاهوا في الهرطقة.

 

ان المسيحيين واليهود والمسلمين قد أكّدوا على الدوام وحدانية الله.
فاليهودية تعلن: “اسمع يا اسرائيل ان الرب إلهنا هو رب واحد، وإله واحد”
(تثنية 6: 4). والاسلام يشهد: “الله أكبر! لا إله إلا الله”. والمسيحيون
يعترفون: “نؤمن بإله واحد”. فالديانات الثلاث تعلِّم إذاً العقيدة نفسها
في وحدانية الله. فالله فيها كلها هو واحد، وليس من إله آخر سواه.

 

إلاّ أن وحدانية الله في الإيمان المسيحي تختلف عما هي عليه في
اليهودية والاسلام. فالعقيدة الجوهرية في المسيحية هي الايمان، ليس بوحدانية الله
وحسب، بل بوحدة ثلاثة أقانيم في الله. ولما بلغ وحي الثالوث كماله في وعي الكنيسة،
حاول المسيحيون تفسير التناقض الظاهر بين تأكيد وحدانية الله والاعتراف بالأقانيم
الثلاثة، الآب والابن والروح القدس. وقد كان جلّ اهتمام المسيحيين في بداية القرن
الرابع تبيين الانسجام بين الوحدانية والثالوث.

 

إلا أنه بالاقتصار على استخدام مفاهيم الفلسفة البشرية لم يكن من سبيل
منطي يمكّن من القول “إن الله واحد، وفي الوقت نفسه آب وابن وروح قدس”،
كما تقول المسيحية. وكان آريوس يقبل المبدأ القائل ان الله واحد في ثلاثة أقانيم،
آب وابن وروح قدس، غير أن تفكيره الفلسفي العقلي قاده إلى القول انه، من بين
الأقانيم الثلاثة في الله، الآب وحده هو حقاً وجوهرياً إله منذ الأزل، أما الابن
فليس إلهاً ولا الروح هو إله. ويزعم آريوس أنه كان وقتٌ وُجد فيه الآب وحده.
ويعترف كذلك أن الابن هو “قبل كل الدهور”، ويعتقد أنه أعظم من كل خليقة
مادية وغير مادية، لكنه يعتبره خليقة محضاً. “ويضيف انه قد يصحّ القول عن
الإبن انه إلهي وفي صورة الآب، ولكن لا يجوز القول انه “من جوهر الآب”؛
فالابن مختلف في جوهره عن الآب، لذلك لم يكن المسيح إلهاً حقاً، بل انه مخلوق ومن
صنع الآب. ويتابع آريوس تفسيره بالتأكيد أنه عندما نقوك إن المسيح هو ابن الله،
فاننا لا نعتي البنوّة بالمعنى الحقيقي الكياني، بل بالمعنى المجازي الأدبي.

 

وينتج من ذلك، في رأي آريوس وأتباعه، ان المسيح غير مساوٍ للآب. فهو
ليس إلهاً من إله، إنما هو فقط من أصل إلهى. إلا أن كأنه من أصل إلهي يعطيه مركزاً
رفيعاً لدى الآب. فهو الوسيط بين الآب والخلائق، وهو أيضاً الوسيط في الخلق. وهو
الذي، في لحظة من الأزل، خلق الروح القدس. فكما أن الابن هو صُنْع الآب، كذلك
الروح القدس هو صُنْع الابن. تلك بإيجاز تعاليم الآريوسية.

 

لقد كانت لتلك التعاليم نتائج خطيرة فإنها تهدم كل ما أوحى الله به
إلينا عن حياة الثالوث فيه، وتنكر على الجنس البشري التألّه والاتحاد الحقيقي
بالله، ولا تعترف للفداء بأي مفعول جذري في الطبيعة البشرية، بل تقرّ فقط بتأثير
له أدبي وروحي. وهكذا تناقض الآريوسية مناقضة صريحة الحقائق الجوهرية في الدين
المسيحي.

 

فجوهر الدين المسيحي يقوم على أن المصالحة بين الله والبشر لم تتمّ
على يد مرسل من العلاء ولا على يد بنيّ ملهم، بل على يد الكلي القدرة نفسه، صانع
الكون والخالق الذي أبدع الأشياء كلها، ما يُرى منها وما لا يُرى. إن فداء البشرية
وتألّهها قد حققهما الله نفسه ينبوع الكائنات الأوحد وغير المنقسم.

 

إن المسيحية تؤمن بأنه ليس في مقدور إنسان أن يعيد إلى البشر صورة
الله إلا إذا كان هذا الإنسان إلهاً. الإله المتجسّد يمكنه وحده أن يعيد إلى جنسنا
الساقط صورته الالهية الأولى، ويؤلهنا حقاً. لذلك كان لا بدّ من أن يكون المسيح
“إلهاً من إله، نوراً من نور، إلهاً حقاً من إله حق”، وبالتالي
“مولوداً من الآب وغير مخلوق”.

 

اننا، بسبب حدود عقلنا البشري، نميل إلى تقريب ما هو متسامٍ وإلهي إلى
مستوانا البشري ليسهل علينا تحليله وإدركه. انه لأسهل بكثير على عقلنا البشري أن
نقول ان الله لم يصبح هو نفسه كائناً بشر،، بل أرسل باسمه إنساناً إلى العالم. كما
انه لأسهل بكثير أن نقول اننا لم نؤلّه بل رفعنا إلى درجة أدبية أما.

 

ان صراع المسيحية في هذا الميدان من الايمان ليس فلسفياً وحسب، بل هو
نفسيّ أيضاً. فقد يصعب جداً إقناع البشر بأنهم من أصل إلهي، وبأن كيانهم الراهن هو
إلهي، وبأنّ مصيرهم كذلك هو إلهي، كما يعلّم المسيح. لقد اؤتمن الدين المسيحي على
الحقيقة القائلة ان الله نفسه أصبح انساناً لنصبح نحن إلهيين ونجلس عن يمين الله
الآب. قد تبدو تلك الحقيقة أروع ما يمكن تصديقه. انها رائعة، ولكنها أيضاً واقعة.
اننا نخاف من سموّ كياننا. إنّ قصد الله هو الارتقاء بنا إلى مستواه. ولكننا نحن،
لوعينا ما نحن عليه من ضعف وعجز، نحاول أن ننزل به إلى مستوانا. لم يستطع آريوس أن
يؤمن بقصد الله السامي تأليه الكائنات البشرية، فاختلق إلهاً على صورة البشر.

 

نشر آريوس وأتباعه أفكارهم في كل مكان بالمناقشات الفلسفية العلنية
ولا سيمَا بالترانيم الشعبية، بحيث انه في نهاية القرن الرابع أفاقت الكنيسة
المسيحية في الشرق والغرب من كابوس المجادلات الفلسفية وإنشاد الترانيم الهرطوقية
لتجد نفسها على شفير الآريوسية.

 

وكلما كان آريوس وأتباعه يمضون في محاولاتهم تفسير الثالوث الأقدس
تفسيراً فلسفياً، كانت الآراء تتشعّب وتزداد الفوضى بين المسيحيين، وتتّسع شقّة
الخلاف في جسم الكنيسة. ورأَسَ تلك المجادلات بعض الأساقفة ممّن أُوتوا الفصاحة
الفلسفية والبلاغة اللاهوتية، فنشأت كنيسة دعاها مسيحيو الاسكندرية “الكنيسة
المتفلسفة”. فالكاثوليك والهراطقة والمنشقّون وتلاميذ اثناسيوس وأتباع آريوس
وأتباع دوناتيوس، جميع هؤلاء دخلوا في صراع محموم اختلطت فيه الآراء وتباينت
المذاهب.

 

وقد عبّر الكاتب اللاتيني أمانيوس ببضع كلمات عن شعور الشعب المسالم
حيال الصراع الشديد الذي أدّى بالمسيحيين إلى المعاداة والاضطهاد بعضهم لبعض، فقال:
“ان الوحوش المفترسة لا تظهر عداءها للبشر بقدر ما يظهر المسيحيون بعضهم لبعض
الحقد المميت”.

 

على خلاف ذلك كانت الكنيسة في القرنين الثاني والثالث تؤكد على الدوام
ضرورة عدم وضع أن حدّ لحرية المعتقد والتسامح. لقد قال ترتوليانوس: “لا يجوز
أن ننكر على الانسان ما أنعمت به عليه الطبيعة، أعني الحق في عبادة الله عبادة
حرّة”؛ والقول السائد كان: “يجب الدفاع عن الدين لا يقتل الآخرين بل
بالموت لأجلهم”، وكذلك: “ليس من أمر كالدين هو قضية الارادة
الحرّة”؟ وأما يوحنا الذهبيّ الفم، في العصر الذهبيّ للامبراطورية، فقد كان
يردّد باستمرار: “لم يلجأ المسيح إلى القتل بل مات في سبيل الحقيقة”.
هذا كان موقف المسيح والانجيل من حرية المعتقد، “فالعابدون الحقيقيون يعبدون
الآب بالروح والحق” (يو 4: 24).

 

في حين كانت الآريوسية تمزّق الشرق، كان الانشقاق الدوناتي شمالي
أفريقية كالجرح المفتوح فيجسم الكنيسة الغربية، وقد غذّاه التعصّب الأعمى وأنماه
الصراع الطبقي والحقد العرقي. وهكذا كانت المسيحية في القرن الرابع تنزف في
الامبراطورية الرومانية من جرحين بليغين: العقلانية الآريوسية في الشرق والتعصّب
الدوناتي في الغرب.

 

2- مجمع نيقية

إنّ تفاقم التصلّب في المواقف الدينية واشتداد حدّة الاضطهادات دفعا
الامبراطور قسطنطين إلى التدخّل بحزم وشدّة، فدعا إلى مجمع مسكوني يعقد في نيقية
في آسية الصغرى، بغية تحديد عقائد الايمان تحديداً جليًّا ووضع حدّ لهذا التصلّب.
وتوافد الأساقفة من الشرق والغرب، من الشمال والجنوب، من جميع أطراف الامبراطورية
الرومانية الشاسعة، ومن خارجها، من بلاد فارس، والتأموا، بما أُوتوه من عم وقداسة،
في نيقية “مدينة النصر”.

 

من 20 أيار حتى 19 حزيران من سنة 325 تناقش الأساقفة عقائد الدين
المسيحي. وقد زاد حدّة النقاش ما كانوا عليه من اختلاف في التعابير الفلسفية. إلاّ
أن ما صدر عن مداولاتهم تجنّب كل المفاهيم الفلسفية العقلية. وبدل أن يفسّروا
طبيعة الله، أنشدوا أنشودة مجد تعظيماً له.

 

أما اللفظة الفلسفية الوحيدة التي نسبوها إلى المسيح فهي لفظة، التي
تعني “من ذات جوهر” الآب. إلا أن كلمة لم تكن تعني الجوهر في ذلك الوقت.
فالافلاطونية الحديثة والغنوصية استعملتاها في القرن الثالث للدلالة على الكائن أو
الكائن العاقل أو الشخص. وكانت تستعمل أيضاً للأشياء المادية. فقطعتان من المادة
نفسها كانت تطلق عليهما لفظة، يعني أنهما من كيان واحد.

 

إلا أنه في المجمع تغيّر فجأة معنى الكلمة، وأُعلم الآباء أن تعني
“الجوهر” وليس “الكيان”. فإطلاقها على المسيح يعني أن المسيح
هو من جوهر الآب ذاته. وقد أحدث تغيير معنى هذه اللفظة بلبلة في الكنيسة كلها.
فالأساقفة والفلاسفة الذين لم يحضروا المجمع اغتاظوا لسماعهم أن المجمع قد نسب تلك
اللفظة إلى المسيح، وراحوا يتساءلون: من أعطى لفظة معنى “الجوهر” عوضاً
عن “كيان”؟ ومن الذي أقرّ أن تعني “الوحدة في الجوهر”، وليس،
كما يقول الهراطقة، “الوحدة في الكيان”، أي في الأقنوم؟ فلفظة تعني
“كائن”. فالشخص هو كائن، كما ان الجوهر كائن. وخافوا من أن ينتقل البعض
بسهولة من “وحدة المسيح مع الآب في الجوهر” إلى “وحدته معه في
الكيان” أي في الأقنوم، وعندئذٍ يصبح الابن أقنوماً واحداً مع الآب كما كان
يقول الهرطوقي سابيليوس.

 

لقد كان الغرب مهد الهرطقة التي تقول ان في الله أقنوماً واحداً،
فوقعت الشبهة على الكنيسة الغربية واتهمت بأنها هي التي نسبت الى المسيح لفظة،
وذلك لإدخال بدعة سابيليوس في الكنيسة الشرقية. ورغم ضآلة عدد ممثّلي الكنيسة
الغربية في مجمع نيقية وربما بسبب ضآلة عددهم، اتّهموا بأنهم كانوا من أتباع
سابيليوس، لاسيّمَا ان الامبراطور قسطنطين الذي دعا إلى المجمع ورأسه كان هو نفسه
غربيًّا وكان يناصرهم. فلهذا السبب ولأسباب أخرى، راح أساقفة الشرق، بعد عودتهم من
نيقية إلى كنائسهم، يرفعون إمضاواتهم عن قانون الايمان. وما زاد البلبال قرار
أصدره الامبراطور يفرض فيه لفظة بالقوة.

 

لقد كان مجمع نيقية رومانياً غربيًّا في تنظيمه فقط، أما في روحه فكان
له نفحة كتابية شرقية ويهودية، ولقد عبّر عن عقائد الايمان بألفاظ يونانية. إلا أن
آباء المجمع لم يقبلوا أن يفرض أي من المفاهيم الفلسفية. وبهذا تميّزت عبقريتهم،
بأنهم حموا فوق الفلسفة البشرية وابتعدوا عن جميع المناهج الفلسفية الخاصة، فأعطوا
لفظة معنىً مسيحيًّا، بحيث اتخذت كلمة المعنى الجديد التالي: “بما أن الابن
هو من جوهر الآب، فالإبن إله كما أن الآب إله. وبالتالي يجب القول إن المسيح هو أي
من الجوهر الواحد مع الآب”.

 

القِسم الثَاني قانون الايمان أنشودة تأليه الانسان

في قانون الايمان أعلن الآباء بوضوح كلّي فكرتين أساسيتين متماسكتين: الفكرة
الأولى هي أن الله واحد، آب وابن وروح قدس، خلق الكون كله، ما يرى منه وما لا يرى،
وبالتجسّد اتّحد هو نفسه بخليقته، وبصعوده إلى السماء أصعد معه الخليقة وأجلسها
على عرش الألوهة. والفكرة الثانية هي أن الجنس البشري قد اشترك اشتركاً حقيقياً في
حياة الله ومحبته ومجده الأزلي. قال أحد الشعراء: “لا يقبل وحي إلا إذا كان
مخطوطاً بأحرف من نور على كبد الشمس”. وقانون إيمان نيقية خطّ الوحي المسيحي
أنشودة على كبد شمس الألوهة.

 

1- التعابير اللاهوتية وخبرة الله

لم يكن قانون إيمان نيقية مجموعة من الصيغ الفكرية الجامدة، بل كان
أنشودة مجد. فالمجمع لم يَرُم بالألفاظ والتعابير التي استخدمها احتواء الله
وتفسير سرّه اللامتناهي، بل كان مرامه توجيه التفكير اللاهوتي اللاحق. فالتعابير
العقلية تعجز عن الاحاطة بالله الحق الذي لا حدّ له ولا نهاية. ولا شيء يسعه
الإحاطة به. جلّ ما يمكن التعابير البشرية القيام به هو تقريبنا إلى مَن لن نتمكن
أبداً من التعبير عنه، ومساعدتنا على التحاور بعضنا مع بعض. أما أن نعتبرها
تحديدات مطلقة فهذا يؤدي بنا إلى التصلّب ويقتل كل حوار وكل انسجام في علاقاتنا.
وقد حدث هذا مراراً في تاريخ الكنيسة كما حدث في تاريخ سائر الديانات.

 

الاستخدام المفرط للفلسفة في الدين ورفض كل تعبير فلسفي كلاهما يقود
إلى التصلُّب في الرأي، وعن التصلُّب ينجم التعصُّب والاضطهاد. فالتعابير البشرية
عن حقائق الله ليست مطلقة بحيث تقدَّم لها العبادة. إنما هي اشارات استدلال هدفها
جعل الحوار ممكناً، فلا يجوز أن تكون السبب في قطع سُبُل الحوار والتناغم. والدين
المسيحي هو في جوهره دين الحوار والتناغم.

 

نحن المسيحيين لا نؤمن بصيغ وتعابير. إيماننا ارتباط بحدث. وهذا الحدث
هو شخص حيّ نختبر صداقته ونلتزم محبته. المرحلة الأولى في مسيرة إيماننا هي مرحلة
اختبار لشخص نعبّ من بحر حياته، لشخص هو الأقانيم الإلهية الثلاثة. وخبرتنا هذه هي
التي نعبّر عنها في كلمات بشرية. فالصيغ نحن نخلقها، والتعابير نحن نصنعها. لذلك
فالصيغ والتعابير لا تفي من خبرتنا إلا بالنزر اليسير. خبرة إيماننا هي خبرة حياة
في حركة دائمة، هي ريح تعصف بنهجنا دون توقّف. فان اقتصر إيماننا على الصيغ
والتعابير، سكنت الريح وأمست خبرتنا في ركود. خبرتنا هي التي تعطي التعابير معناها،
ونقيض ذلك انحراف وضلال. والذي نختبره هو شخص الآب الينبوع الحيّ الذي يخلق، وشخص
الابن الحياة التي تخلّص وتفتدي، وشخص الروح القدس الشعلة التي تحيي.

 

قانون إيمان نيقية ليس مجموعة من عقائد. انه بالحري إعلان لحقيقة الله
واعتراف بما صنع لنا. انه إعلان لملاقاتنا الأقانيم الالهية التي تؤلّه شخصنا
البشري. وهذه الملاقاة لا نعبّر عنها بألفاظ عقلية بل نعلنها كحدث: الله يسعى
إلينا ونحن نجد أنفسنا قد تألّهنا بمجد يفوق كل توقّع بشري.

 

ان حقيقة الله، كما يعبِّر عنها قانون الايمان، ليست صفة مبهمة
“كالصلاح” أو “الفضيلة”، ولا فكرة مجرّدة اختلقها العقل
البشري “كالطبيعة” أو “المحرّك الأول”. والله ليس
“العجوز الأعزب” ولا “الفرد المنعزل” الذي “يسكن في
أعالي السماء، هناك، بعيداً، في مكانٍ ما”، على ما يظن به الفيلسوفُ الملحد
نيتشه إله المسيحيين. الله، في عرفنا، إله شخصي، آب وابن وروح قدس. الشخص وحده
يستطيع أن يتكلم ويوحي بنفسه. الشخص هو في جوهره علاقة مع شخص آخر.

 

2- الله محبة في ثلاثة أقانيم

تعلن المسيحية أن الله محبة. وتلك المحبة ليست فكرة محضاً. انها حقيقة
قائمة في شخص حيّ. ولأنها تقوم في شخص، ندعو هذا الشخص “الأقنوم” أي
الذي تقوم فيه المحبة. والأقانيم في الله ثلاثة. أي ان المحبة تقوم في الله على
ثلاثة أوجه: الحب الذي يعطي وهو أقنوم الآب، والحب الذي يتلقى عطاء الآب وهو أقنوم
الابن، والحب الذي يصل الآب بالابن والابن بالآب وهو أقنوم الروح القدس. فالأقنوم
الأول ندعوه “الآب” لأنه في ذاته فيض من الحب. والأقنوم الثاني ندعوه
“الابن” لأنه يقوم في ذاته على محبة الآب له، لذلك نقول ان الابن
“مولود من الآب قبل كل الدهور”، أي ان الله منذ الأزل هو محبة وعطاء.
ولا وجود للمحبة إن “لم يكن أقنوم ثانٍ يفيض عليه الآب محبته، وتلك المحبة
التي تنبثق من الآب لتفيض على الابن هي الاقنوم الثالث، الروح القدس “المنبثق
من الآب”.

 

فالله في المسيحية ليس إلهاً جامداً. انه في ذاته علاقة حب أزلية
وحركة عطاء دائمة بين الآب والابن والروح القدس. إله واحد، طبيعة إلهية واحدة، أي
محبة واحدة في ثلاثة أقانيم. هذا هو سرّ الأسرار، سرّ حياة الله الباطنة التي لا
تستطيع خليقة من الملائكة والبشر أن تدركها أو تفسّرها. لهذا السبب لا نتلو قانون
الايمان في ليتورجيا الموعوظين حيث يمكن اللجوء إلى تفسيرات عقلية، بل في قلب
الصلاة الافخارستية، في ليتورجيا المؤمنين التي تفرض تخطّي كل تفسير عقلي والدخول
في علاقة صميمة مع الله. ولا نتلوه إلا بعد أن تغلق جميع الأبواب في وجه الذين لم
يستنيروا بعد بنور الايمان ولم يدخلوا في سرّ الله.

 

3- الايمان علاقة شخصية مع الله

هذا السرّ لا يدركه إلا الإيمان. “إذ ما من سبيل، بحسب قول
القديس مكسيموس، إلى عقد علاقة بين الانسان والله إلا بالإيمان. فالإيمان قوة. انه
قوة خاصة توحّد الانسان المؤمن والله الذي به يؤمن توحيداً مباشراً كاملاً يفوق
الطبيعة البشرية”.

 

ليس الايمان علاقة عقلية وحسب. فالشياطين أيضاً قد يكون لهم مثل هذا
الإيمان (يعقوب 2: 19). إنما الإيمان ارتباط حياتي يطال الشخص البشري بكامله بما
يفوق إدراك البشر. لذلك يرى الآباء القديسون أن الإيمان لا يكون إيماناً حقيقياً
إلا اذا شمل الشخص كله وحوّله إلى صورة المسيح. هناك عبارة كتابية يردّدها الشرق
المسيحي في صلاته: “بنورك نعاين النور”. وتعني تلك الصلاة الشعبية اننا
بنور الآب -ونور الآب هو الروح القدس- نستطيع أن نرى المسيح النور الحقيقي.

 

بالإيمان لا يعتنق المسيحي عقيدة مجرّدة، بل يتّحد بأشخاص أحياء،
بحضور حقيقي. الإيمان هو جواب الإنسان علىِ دعوة شخصية يكشف له فيها كل من الآب
والابن والروح القدس عن ذاته شخصاً حياً وحضوراً محيياً. وجواب المؤمن على تلك
الدعوة يقوم بأن يرتمي في أحضان كل من الآب والابن والروح القدس ليغرف من بحر حضور
الله كما كشف عن ذاته. والله قد كشف عن ذاته انه آب يرسل الابن للخلاص وبواسطة
الابن يمنح الروح للحياة. فالإيمان، في عرفنا نحن المسيحيين، ليس تحليلاً فكرياً،
إنما هو دخولنا في حياة الأقانيم الالهية لتتحقق فيها كل ممكنات كياننا.

 

“أُومن بإله واحد آب ضابط الكل..”. عندما يتلو المؤمن قانون
الإيمان لا يكتفي بترداد كلمات، بل يغرق في بحر الحياة، في الآب الذي منه يولد
الابن وينبثق الروح.

 

“أُومن برب واحد يسوع المسيح..”. أقول هذا وأغرق في بحر
الحب، في الابن “الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء..
وصار إنساناً”.

 

“أُومن بالروح القدس الرب المحيي..”. أقول هذا وأغرق في بحر
النور، في الروح الذي فيه يتحقق لي الوجود “لأعبد وأُمجّد الآب والابن”.

 

ان خبرتنا الشخصية لله هي خبرة علاقة “الأنا”
و”الأنت” بين الوجود الالهي والوجود البشري. فالله يوحي بذاته ملء
الحياة والنور والمحبة، ونحن نقبل وحي الحياة والنور والمحبة. نقبل وحي الحياة
وننفتح بكل جوارح ذاتنا على الحياة، فنمتلئ من ملء الحياة، ونقبل وحي المحبة فنصبح
دفقاً من محبة، ونقبل وحي النور فنضحي أشعة من نور. وهكذا نتخطى نحن البشر كل
حدودنا البشرية وندخل في لانهاية الله ونشترك في أُلوهته.

 

نحنِ المسيحيين نلجأ إلى أفكار ونصيغ تعابير، لكننا نحتفل بشخص. اننا
نعبد ونمجّد شخصاً هو الحدث. والحدث يعني، في التعبير المسيحي، الحقيقة القصوى
التي بها يعبّر الشخص عن ذاته في علاقة حياة مع الغير. فالله ليس فكرة بل حدث: انه
في صميم ذاته علاقة حياة بين الآب والابن والروح، ومن صميم تلك الحياة، حياة الآب
والابن والروح، يتدفق الله في الخلق والتجسّد والفدأء. الحدث هو تلك العلاقة
الجوهرية التي تصل الله بخليقته صلة حياة ومحبة. ان جوهر الحقيقة هو حدث. وجوهر
الله هو هذا الحدث المزدوج المتكامل: الله في صميم ذاته آب وابن وروح، وفي علاقته
بالانسان استمرار وحي ودفق عطاء في الخلق والتجسّد والفداء والقيامة والصعود. يقول
القديس غريغوريوس النزينزي: “الله هو استمرار كشف ودوام وحي لذاته، يحرّك دون
انقطاع الوجدان البشري وينير ظلماته”.

 

يعلن قانون الإيمان أن ديانتنا ليست مجرد أقوال، بل هي يقين وموقف
حياة. لذلك نحن بحاجة إلى سماع قانون الإيمان كل يوم وعدّة مرات في اليوم، صباحاً
وظهراً وفي صلاة النوم وفي صلاة الليل. لا غنية لنا عن ترداده مراراً إن أردنا
تأكيد وجودنا الديني. لا بدّ من ترنيمه مراراً لنعلن ارتباطنا بالله وتعلّق عقلنا
ونفسنا تعلّقاً مطلقاً بمن هو عمق حياتنا، قيل بكياننا إلى مماثلة كيانه. قانون
الإيمان هو ترنيمة يجب إنشادها على الدوام، كما يقول اغوسطينوس أسقف ايبونة في
شيلي أفريقية: “أُتلُ قانون الإيمان كل يوم، صباحاً ومساءً. أتله لنفسك أو
بالحري لله.. ردّده دون انقطاع.. ألا ترتدي ثوبك كل يوم؟ انك عندما تتلو قانون
الإيمان يرتدي قلبك رداء الله”.

 

نحن المسيحيين على يقين من أقانيم الله. لسنا بحاجة إلى براهين عقلية
لإثبات يقيننا أو تفسيره. فالله ذات وجودنا وخلاصنا. لا شك في أن المسيحية في
العصور السابقة لجأت إلى براهين فلسفية وتفسيرات عقلية لإثبات وجود الله. وقد
تجمّعت لديها تلال ضخمة من المفاهيم الفلسفية ومتاحف برمّتها من النظريات
اللاهوتية.

 

ولن تتوقف المسيحية عن السعي لإيجاد طرق عقلية ونفسية وعلميّة تعبّر
بها عن خبرة سرّ الله. ولكنها في الوقت نفسه ستتمسك بيقين مطلق بالوحي الذي يعبّر
عنه قانون الإيمان، بتلك “الحقيقة المخطوطة على كبد الشمس”. عندما تبحث
المسيحية عن تعابير فلسفية، لا تعلّق إيمانها ولا ترتاب في يقين ما تؤكّده. انها
تتقلّب في مختلف الأفكار القديمة والتعابير المستحدثة بغية استجلاء خبرتها لسرّ
الله، ولكن دونما خوف من أن ما سيبلغه العقل قد يناقض إيمانها.

 

4- قانون الايمان سمفونية بحركتين

إن أردنا تحليل قانون الإيمان وجدنا انه سمفونية بحركتين. الحركة
الأولى هي حركة انحدار تبسط سرّ حياة الله الباطنة، حياة الآب والابن والروح القدس،
وتصف تدفّق هذه الحياة في الخلق والتجسّد والفداء والقيامة والصعود. انها
“رحمة سلام” كما نرنّم في الليتورجيا البيزنطية. أما الحركة الثانية فهي
حركة ارتقاء، “ذبيحة تسبيح”، عودة الانسان والكون إلى الله. في الحركة
الأولى نعترف بأن كل شيء يأتي من الله، “وان كل عطية صالحة وكل هبة كاملة
تنحدر من فوق، من لدن أبي الأنوار” (يعقوب 1: 17)، وفي الحركة الثانية نعلن
أن كل شيء يعود إلى قلب الله في المجد.

 

في قانون الإيمان نعلن تلك الحقيقة، بصوت جهير، حتى يستطيع العالم
أجمع سماعنا، اننا من الله جئنا، واننا في الله نستريح، واننا إلى الله سنعود. تلك
هي الحقائق الثلاث التي تتكرّر في كل صفحة من صفحات الانجيل والتي نحن بحاجة إلى
سماعها والعيش بمقتضاها. علينا تذكير البشرية أن بشريتنا هي من أصل إلهي، وأن وضع
كياننا الراهن هو إلهي، وأن مصيرنا إلهي. بتجسّد المسيح أصبحت بشريتنا واحداً مع
الله، وبقيامة المسيح تحوّلنا إلى حياة أبدية الله، وبصعود المسيح جلسنا عن يمين
الله على عرش المجد والكرامة.

 

أ- الحركة الأولى: انحدار الله إلى الانسان

في القسم الأول من قانون الإيمان نعلن أن الله حقيقي، بل هو جوهر
الحقيقة. وكل ما ليس منه أو ليس متصلاً به لا حقيقة له ولا وجود. كل الموجودات
“ما يرى منها وما لا يرى” هي من أصل إلهي ويحيط بها جوّ إلهي. لذلك نعلن:
“نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا
يُرى”. بقولنا ان الله خالق نؤكد أنه فنّان ومبدع وشاعر. فلفظة
“خلَق” في اليونانية تعني “أبدع الشعر”. فانه قد أبدع الكون
كما يبدع الشاعر الشعر.

 

إلهنا ليس ساحراً يقوم بأعمال سحر وبراعة. انه شاعر يخلق الحياة ويبدع
الجمال. انه شاعر ينير كل ما يلمسه بالمجد والبهاء. الشاعر يخلق ما هو نفسه عليه.
انه في بالمفاجآت لأنه في شعره يعبِّر عن أعماق ذاته.

 

الله هو الشاعر الأسمى. لا بدّ لنا لمعرفة شاعر من درس شعره وأعماله.
العالِم والفنّان والباحث هم الدارسون لشعر الله. وحصيلة درسهم تنهّدات أعجاب
ورهبة أمام روعة عمله. وهذا الإعجاب، وما يرافقه من تنهّدات، هو الطريقة الفضلى
لعبادة الله والسجود له. ثم ان من يعاشر شاعراً يتشرّب شعره ويمتلئ منه. المسيحي
يعيش في ألفة إله شاعر. العالِم والفنان والباحث هم اللاعبون الملهمون لألعاب الله
والمرنّمون لموسيقاه وشعره. عندما نفكر بالله نفكر به دوماً كشاعر مبدع: “أومن
بإله واحد، الخالق الشاعر، مبدع السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى”.

 

لقد نظم الله عدداً لا يحمى من القصائد. نظمٍ قصيدة ودعاها
“السماء”، ونظم قصيدة أخرى ودعاها “الأرض”، ونظم أيضا قصائد
أخرى دعاها “النجوم” و”الكواكب” و”الماء”
و”الحيوان” و”الملاك” و”الشجر” و”الزهر”
و”الزرع”. كل قصيدة من قصائد الله هي مصدر مفاجأة ومدعاة فرح. كل قصيدة
من قصائد الله هي ينبوع مفاجآت توسّع إمكاناتنا وتملأنا إعجاباً وابتهاجاً.

 

صنع الله السماوات والأرض بكلمة واحدة منه، بفعل واحد من إرادته. قال
الله “ليكن”، فكان. وكل ما كان “كان حسناً”. وسُرّ الله بما
صنع. لقد أحبَّ الله عمله: النور في السماء والشجر على الأرض والعصافير في الفضاء
والحيوانات والزحّافات. كل ذلك كان “حسناً”. البذور الصغيرة والحيتان
الضخمة جاءت إلى الوجود، وكلها كانت “حسنة”. جمال في الصنع وروعة في
العمل!

 

واذ رأى الله أنّ ما صنعه على جانب كبير من الجمال، أراد أن يتكاثر.
وباركهم الله وقال: أُنموا واكثروا واملأوا البحار والمحيطات والأرض والسماء.
وكلما نظر الله إلى ما نظمه من شعر، كانت ترد على شفتَي الآب والابن والروح القدس
كلمة إعجاب: “ورأى الله ذلك أنه حسن”. إن أصل الكون هو في قلب الله، ان
أصل العالم إلهي.

 

تروي كتبنا المقدّسة أيضاً قصة خلق الانسان. فعندما أنهى الله صنع
الخليقة المادية، حدث توقّف في الأزل، صمت عميق لفّ السماء والأرض، اضطراب عظيم
ملأ الخليقة كلها، وسرت في أرجاء الكون رعشة من ترقّب. الله ينظم أُنشودة خاصة،
يكتب أروع قصائده. انها قصيدة حياته الخاصة يرغب في أن يشرك فيها الآخرين. لقد
أراد أن يعكس ذاته في شخص يمكنه بدوره أن يعكس وجه الله. وقال الله: “لنصنع
الانسان على صورتنا ومثالنا، وليتسلّط على سمك البحر وطير السماء وكل حيوانات
الأرض. فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى
خلقهم”. وكانت قصيدة الانسان رجلاً وامرأة.

 

إن أروع قصائد الله كلها وأعجب عجائب خلقه هو بلا مراء الكائن البشري
الذي وضع فيه الله بعضاً من قدرته وجماله. القصيدة الانسان هي موجز روائع الخلق
وأسمى تعبير لحب الله. وبعد أن خلق الله الانسان لم يقل، كما قال بعد سائر أعمال
الخلق: “انه حسن”، بل، لدى مشاهدته معجزة الانسان، الرجل والمرأة، هتف
هتاف الانتصار والمجد: “انه حسن جداً”.

 

الكائن البشري هو حقاً آية في الحسن والجمال. وهو أثمن من الكون بأسره.
انه مكوّن من مليارات الذرّات التي تولّدت في الأفران السماوية، في النجوم، منذ
ملايين السنين. لذلك يرى علماؤنا المعاصرون “ان الكائنات البشرية هي أولاد
النجوم”. والمسيحية تعطي تاريخ الجنس البشري ملء معناه بقولها “ان أولاد
النجوم هم الآن أولاد الله”.

 

لقد خرجت الطبيعة البشرية من يد الله على جانب كبير من الجمال بحيث
انه قرّر أن يتّحد هو نفسه بالجسد البشري فيلبسه ويؤلّهه في تجسّده. نقول في قانون
الإيمان: “وتجسّد.. وصار إنساناً”. يا للمفخرة إذاً أن يكون كائن
إنساناً ويحيا في الجسد! انّ تجسّد الله قد جعل تألّه البشرية المرتكز الأساسي
للمسيحية، إذ إن هذا التألُّه كان مقصده الأخير. فأصل الانسان إذاً هو في قلب الله.
إنه إلهيّ.

 

خُلق الانسان على صورة الله. فهو يملك حرية العقل والخيال. إن له
الحرية أن يجعل من كل شيء عيداً، ويجبّ كل شيء، ويهوى بنوع خاص نبض الحياة في
عروقه، ويشغف باللعبة العظيمة، لعبة الحياة، ويعيش في الاعجاب الدائم بروعة أعمال
الله.

 

انها مفخرة الانسان تلك القدرة التي له على الإعجاب بمغامرات الله في
الكون وعلى التعبير عن إعجابه ورهبته حيالها. هذا هو بالذات عمل العبادة. قوام
عبادة الله الإعجاب بخلائقه. والانسان المؤمن هو الانسان الذي يختبر الخليقة فينشأ
فيه الاشتياق الى الله الخالق “الشاعر المبدع”. مصير الانسان أن يحيا في
استمرار من التسبيح والإعجاب، لمشاركته في المغامرة الحياة التي من خلالها يختبر
الله. الكائن الانسان، رجلاً وامرأة، هو حقاً منشد قصائد الله.

 

ب- الحركة الثانية: ارتقاء الانسان إلى الله

الحركة الثانية في سمفونية قانون الايمان هي حركة ارتقاء الى الله
تتبسّط في الأمجاد التي يحصل عليها الانسان ميراثاً من الله: “ونؤمن بكنيسة
واحدة جامعة مقدسة رسولِية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا”. ان الذين
يعتمدون في المسيح يصبحون واحداً معه وواحداً بعضهم مع بعض، ويكوّنون الكنيسة
الواحدة. فالمعمودية، بحسب قول بولس الرسول، تجعل من كل إنسان عضواً في المسيح (1
كور 6: 15). وجميع الذين اعتمدوا هم جسد واحد (1 كور 12: 13) رأسه المسيح
“الذي منه ينال الجسد كله التنسيق والوحدة” (أف 4: 16). إنّ مَن يقبل
سرّ العماد يدخل في أُسرة سرّية هي الكنيسة، ويحيا في المسيح كما في سائل سماوي
يستقي منه النعمة والقداسة وبه يصبح ابناً لله ووارثاً للملكوت.

 

نعلن في قانون الايمان أن الكنيسة واحدة لأن رأسها واحد وهو المسيح،
ولأن الآب واحد وجميع أعضاء الكنيسة هم أبناؤه، ولأن الروح فيها واحد وهو الذي
يحيي الجميع. ورغم انقسام المسيحيين كنائس مختلفة، فالكنيسة مع ذلك لا تزال واحدة.
نقول في الليتورجيا الالهية إن جسد المسيح “يجزّأ ولا ينقسم، يؤكل كل حين ولا
ينفد أبداً”. فالكنيسة، رغم تجزئتها وانقسامها، تبقى واحدة، لأن معموديتنا
واحدة تجعل منا جميعاً أعضاء في جسد المسيح الواحد، ومن خلال المسيح تصيّرنا
واحداً في الثالوث الأقدس.

 

الكنيسة أيضاً “جامعة” أو “كاثوليكية”. تشير هذه
اللفظة اليونانية الأصل إلى شمولية الايمان، وتعني “ما هو موضوع الإيمان لدى
كل إنسان في كل مكان وفي كل آن”. ليست الكنيسة محصورة في موضع أو بلد، في
الشرق أو في الغرب، وحياتها ليست مرتبطة بثقافة معيّنة. الكنيسة جامعة لأنها تجمع
الشرق والغرب، الصينيين والأسكيمو. إنها مشرّعة على جميع الناس من أقاصي الشرق إلى
أقاصي الغرب. انها أوسع من البيزنطيين والرومانيين، أي إنه لا يجوز اعتبار هاتين
الكنيستين التعبير الوحيد عن كنيسة المسيح. لا تعصّب في الكنيسة ولا تسلُّط من قبل
ثقافة على أخرى، ولا حصر في نمط واحد ضيّق. الكنيسة جامعة لأنها تفسح لكل إنسان
المجال للتعبير عن ذاته، ولأن جميع الثقافات تأتلف فيها ائتلافاً تاماً منسجماً.
الكنيسة تنسج وحدتها من مختلف إسهامات الأفراد والثقافات.

 

تدعى الكنيسة أيضاً “أرثوذكسية”. إنّ لفظة
“ذُكسا” تعني في اليونانية أولاً المجد، وتعني ثانياً الرأي. فالجماعة
الأرثوذكسية هي أولاً الجماعة التي تنشد التسابيح لمجد الله. ولكنّ تلك اللفظة قد
اتخذت معنىً خاصاً بعد المجمع المسكوني الخلقيدوني (453)، فأصبحت نعتاً للكنيسة
التي قبلت قرارات هذا المجمع وسارت على “رأيه القويم وعقيدته القويمة”.
لذلك كانت لفظتا “ارثوذكسية” و”كاثوليكية” مترادفتين تستعملان
الواحدة بدل الأخرى، وظلّتا تنسبان إلى الكنيستيين البيزنطية والرومانية معاً إلى
ما بعد المجمع النيقاوي الثاني (787). ولدى انقطاع الشركة بين بطريركية
القسطنطينية وبطريركية الغرب في القرن الحادي عشر، اختصت الكنيسة الغربية بلفظة
“كاثوليكية”، وانفردت الكنيسة الشرقية بلفظة “أرثوذكسية”.
إلاّ أنّ كل واحدة منهما ادّعت ولا تزال تدّعي أنها في جوهرها “كاثوليكية
وأرثوذكسية معاً”.

 

الكنيسة واحدة جامعة و”مقدّسة”. فعلى الرغم من خطايا
أعضائها، تبقى الكنيسة مقدسة لأنها جسد المسيح وقد افتداها وغسلها بدمه، ولأن الآب
أحبّها وتبنّاها وأرسل إليها روحه القدوس ليمكث فيها ويحييها.

 

والكنيسة أخيراً “رسولية” لأنها تأسست على إيمان الرسل
وكرازتهم، ولأنها لا تزال تعلن هذا الايمان وتبشّر بتلك الكرازة.

 

ويختم النشيدَ بمجد ترنيمةٌ لمصير البشرية الاهي، أي للقيامة والحياة
الأبدية: “ونترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين”.

 

انه لضلال وانحراف أن تهمل بعض الكنائس المسيحية في عصرنا ترتيل قانون
الايمان، ولا سيمَا في أثناء الليتورجيا الالهية، فتستبدله ببعض الترانيم
المستحدثة التي تعطي غذاءً عقلياً جافاً وينقصها الملء والأصالة. لقد فقد قانون
الايمان النيقاوي فتنته ومجده في الأوساط المسيحية منذ أن جعل منه المجمع
التريدنتيني مجموعة عقائد وعبارات تفسّر براهين فلسفية في “التعليم
المسيحي” الذي وضعه. وهكذا غاب عن بالنا أن قانون الايمان لا يعرض الايمان
المسيحي في عبارات عقلية وعقائدية بل في شهادة حياتية تجعل المسيحي يهتزّ حياةً
وفرحاً ومجداً. الايمان المسيحي يصلنا صلة مباشرة بالحياة، بالمجازفة، بالمغامرة.
انه لا يدخلنا في أمان العقل وطمأنينته الهنيئة الزائفة، بل يرمي بنا في بحر
اللانهاية، في عالم الله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى