اسئلة مسيحية

الطموح والقناعة



الطموح والقناعة

الطموح
والقناعة

هل
الطموح يتعارض من تعاليم المسيحية في القناعة
والزهد؟
وإلي أي مدي يعتبر الإنسان الطموح محباً للعالم بينما يقول الكتاب إن ” محبة
العالم عداوة لل
ه ” (يع 4: 4).

 

الرد:

ليس
كل طموح هو محبة للعالم الحاضر.. فهناك طموح روحي، وطموح هو من طبيعة الإنسان كما
خلقه الله …

فالله
غير محدود، والإنسان قد خلق علي صورة الله. في شبهه ومثاله (تك 1: 26، 27). لذلك
ففي الإنسان اشتياق إلي غير المحدود. وهذا هو الطموح.

الطموح
هو الرغبة في العلو، والإمتداد إلي قدام ن وعدم الإكتفاء بوضع معين. والرغبة في
الإمتداد إلي قدام، ليست شيئاً خاطئاً، إنما هي سعي إلي الكمال. وقد قال الرب في
ذلك:

 

كونوا
أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ” (مت 5: 48).

فإذا
اشتهي الإنسان أن يكون كاملاً، فليس في هذا خطأ علي الإطلاق. والسعي وراء الكمال،
لا يسمح إطلاقاً بأن يقف الإنسان عند وضع معين يتجمد فيه ولا يتحرك. بل علي العكس
ن فإنه يمتد باستمرار إلي قدام.

 

ولنا
مثال في ذلك: القديس بولس الرسول:

هذا
الذي تعب في الرسالة أكثر من جميع الرسل. 1 كو 15: 10)، وصعد إلي السماء الثالثة ن
إلي الفردوس، وسمع كلمات لا ينطق بها (2 كو 12: 2: 4)، وأسس العديد من الكنائس،
وتكلم بألسنة أكثر من الجميع (1 كو 14: 18). ومع ذلك نراه يقول: ” ليس أني قد
ذلك أو صرت كاملاً. ولكني أسعي لعلي أدرك! وما السبيل إلي ذلك إذن؟ إنه يستطرد
فيقول:

 

“أنا
لست أحسب نفسي أني قد أدركت. ولكني أفعل شيئا واحدا: غذ أنا أنسى ما هو وراء.
وامتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض. (فى 3: 12 – 14)

 

المهم
أن يكون الغرض روحيا، أو على الأقل لا يتعارض مع شئ من وصايا الله ولا يكون مثل
طموح ذلك العنى الغبى الذى قال ” أهدم مخازنى ” وابنى أعظم منها، وأجمع
هناك جميع غلاتى وخيراتى. وأقول لنفسى: يا نفسى، لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين
عديدة. استريحى وكلى واشربى وافرحى ” (لو 12: 18، 19)

 

هناك
إذن أنوع من الطموح:

طموح
فى جمع المال وفى انفاقه على الملاذ. وطموح فى العلم والتفوق والبحوث. وطموح فى
مجال العظمة. ومن الجانب الآخر، هناك روحى كالذى سعى إليه القديس بولس الرسول.0

 

وبناء
على نوع الطموح ووسيلته، يمكن الحكم بالخير أو الشر.0

 

فالشيطان
كان له طموح شرير، يصل به إلى اشتهاء التأله.

 

وهكذا
قال فى طموحه: ” اصعد إلى السموات. أرفع كرسى فوق كواكب الله. أصعد إلى فوق
مرتفعات السماء. أصير مثل العلى (أش 14: 13، 14) وبهذا الطموح المشحون بالكبرياء
ومحبة العظمة، والرغبة فى منافسة الله. سقط الشيطان. وانحدر إلى الهاوية.

 

وبنفس
هذا الطموح الشرير، أغرى أبوينا الأولين آدم وحواء، وقال لهما عن ثمر الشجرة
المحرمة ” يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما، وتصيران كالله عارفين الخير والشر
” (تك 3: 5) إذن هناك مجال فى الطموح لا يجوز لنا أن نتعداه.

 

فلا
نقع فى الخطأ الذى وقع فيه الشيطان. ولا نقع أيضا فى ما وقع فيه بناة برج بابل
الذين قالوا ” هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه فى السماء. ونصنع لأنفسنا
إسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض (” تك 11: 4) فكانت النتيجة أن الله بلبل
ألسنتهم وبددهم. لأن طموحهم كان مختلطا بالعظمة الخاطئة.

 

أخشى
أن يكون من نفس النوع طموح طموح علماء الهندسة الوراثية!

أولئك
الذين بدأوا يتدخلون فى أمور تتعلق باختصاص الله فى الخلق! بأن يتحكموا فى نوعية
الإنسان الذى يولد. ويشكلون الجنين حسب هواهم من جهة المواصفات التى يريدونها.
ويقدمون بويضات مخصبة، أحكموا فيها دمج ما أرادوه من أوصاف الجنيات، حتى وصلوا إلى
بنوك لتلك البويضات المخصبة، تنتقى منها الأم ما تريده من نوع الجنين. ثم تدرجوا
إلى ما أسموه بالاستنساخ!!

 

نحن
لا نعارض الطموح فى العلم، بشرط أن يكون ذلك فى حدود لا يتعداها العلم إلى اختصاص
الله وحده.!

 

كما
أن الطموح الخاطئ يعتبر خاطئا فى نوعه، كذلك قد يكون الطموح خاطئا فى وسيلته.

 

مثال
ذك إنسان يود أن يرتفع، وأن يكون أعظم الكل. فتكون النتيجة أنه يحطم كل من يراه
منافسا له فى هذا الإرتفاع وهذه العظمة أو من يظنه واقفا فى طريق طموحه. سواء كان
طموحا فى العظمة أو فى الغنى أو فى المناصب. والأمثلة على ذلك لا تعد نراها أمامنا
فى الحياة العملية.

 

وفى
الكتاب المقدس نرى ذلك فى قصة آخاب الملك الذى أراد أن يضم إلى أملاكه حقا نابوت
اليزرعليى. فلما لم يستطع، دبر مؤامرة انتهت إلى قتل نابوت والاستيلاه على حقله
(1مل 21) ومثال ذلك أيضا – من جهة العظمة – ما دبره هامان لقتل مردخاى. وكيف أعد
له خشبة طولها خمسون ذراعا ليصلب عليها (أس 3، 7)

 

وقد
يكون الطموح خاطئا بسبب شهوة لا تكتفى ولا تشبع:

 

كأن
يشتهى شخص شهوة فى المال، كلما ينال منه لا يرضى بما يناله. وتظل نفسيته فى تعب
لأنه يريد المزيد. وكما يقول الحكيم ” كل الأنهار تجرى إلى البحر، والبحر ليس
بملآن (جا 1: 7) وهكذا يتحول الوح – فى هذه الحالة – إلى شهوة مرضية. وكما قال
السيد المسيح للمرآة السامرية “كل من يشرب من هذا الماء، يعطش أيضا ”
(يو 4: 13) وطبعا إن عطش، يسعى لكى يشرب وإن شرب يعش أيضا. وهكذا يداوم الشرب
والعش، إلى غير انتهاء، فى شهوة لا ترتوى. إنه الطموح الشهوانى

 

هناك
نقطة أخرى فى الطموح الخاطئ، وهى الغرور:

 

لأنه
فى بعض الأحيان قد يمتزج الطموح بالغرور: إما بغرور سابق، أو بغرور لاحق. فالغرور
السابق هو ان يظن الشخص فى نفسه أنه يستطيع – فى طموحه – أن يقوم بأعمال هى فوق
مستواه بكثير! فيتحدى أو يعد بأداء مهام أن يقدر عليها. ليس فى الأمور المادية، بل
ربما فى الأمور الروحية أيضا. كأن يفكر فى أصوام فوق مستواه، وبدون إرشاد روحى.
ولعل بعضا من هذا عناه الرسول الرسول بقوله ناصحا كل إنسان بأن:

 


لا يرتنى فوق ما ينبغى أن برتئى. بل يرتئى إلى التعقل، كما قسم الله لكل واحد
نصيبا من الإيمان (رو 12: 3)

 

ولعل
هذا أيضا ما عناه الكتاب بقوله ” لا تكن بارا كثيرا، ولا تكن حكيما بزيادة.
لماذا تخرب نفسك؟! ” (جا 7: 16)

 

 ولهذا
كان الآباء يمنعون الطموح الروحى الذى يقود إلى التطرف. ويقولون عبارتهم المشهورة
” الطريق الوسطى خلصت كثيرين “. وقال أحد الشيوخ ” إن رأيت شابا
يصعد إلى السماء بهواه فاجذبه إلى أسفل.

 

أما
الغرور اللاحق فهو نتيجة البر الذاتى يحدث نتيجة إلى النتائج التى يصل إليها
الإنسان بطموحه، إن نسب ذلك إلى مجهوده الشخصى، وليس إلى معونة الله ونعمته.

 

فإذا
استثنينا كل الملاحظات التى أوردناها من جهة الطموح الخاطئ، نستطيع أن نقول إن
هناك طموحا صالحا نشجع عليه.

 

فالطموح
يؤدى إلى داوم النمو. والنمو فى الخير فضيلة لازمة، يتصف بها الإنسان الصالح.

وقد
قال القديس بولس الرسول ” وأنتم متأصلون ومتأسون فى المحبة، حتى تستطيعوا أن
تدركوا من جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو. وتعرفوا محبة المسيح
الفائقة المعرفة، لكى تمتلئوا إلى كل ملء الله ” (أف 3: 18، 19) والوصول إلى
هذا الملء، يحتاج بلا شك إلى روح طموحة. فالإنسان الطموح روحيا، يحاول أن يتشبه
بالسيد المسيح نفسه، كما قال القديس يوحنا الرسول ” من قال إنه ثابت فيه،
ينبغى أنه كما سلك ذاك، يسلك هو أيضا (1يو 2: 6)

 

والنمو
الروحى، لابد أن يكون هدفه هو حب الله، وليس الإعجاب بالذات!

 

لأن
الذات، ال
Ego هى حرب روحية يمكن أن تدخل أحيانا فى كل عمل صالح لتفسده. لأنه ما
اسهل أن ينمو الإنسان روحيا، وبالطموح الروحى يمتد باستمرار إلى قدام. ولكن ليس
حبا فى الالتصاق بالله، وإنما لكى يرضى هو عن نفسه، أو ليرضى الناس عنه. وبهذا
يفقد الهدف الروحى!

 

كذلك
نحن ندعو كل إنسان أن يكون ناجحا فى حياته، وطموحا ومرتفعا باستمرار فى مستواه.

 

ولكن
هناك ملاحظة هامة، نحب أن ننبه إليها:

 

إنسان
– فى طموحه – يحب أن يكون الأول. وبهذا يصبح التفوق بالنسبة إليه، هو مجرد
الانتصار على منافسه فى التفوق. وقد يأخذ هذا الانتصار مظاهر عالمية، وقد يرتبط
بأخطاء. وربما يفرح بأنه قد صار الأول، ولو بمستوى أقل بكثير من الكمال المطلوب!
إنه فرحان لأنه غلب غيره، وليس لأنه قد وصل إلى درجات من الكمال ترضى الطموح السليم.

 

فالطموح
السليم هو الارتفاع إلى مستويات عليا، وليس مجرد الارتفاع على أشخاص منافسين.

 

والذى
يطمح إلى الوصول إلى المستويات العليا، لا يدخل فى صراع مع غيره، ويحتفظ بقلبه
نقيا من جهة من يكون منافسا. فالمستويات العليا مفتوحة أمام الجميع.

 

وهنا
أتذكر قصة يشوع بن نون حينما رأى ألداد وميداد يتنبآن، فأراد أن يردعهما حفظا على
كرامة معلمه النبى موسى! فأجابه موسى النبى موبخا ” هل تغادر أنت لى؟! يا ليت
كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذا جعل الرب روحه عليهم ” (عد 11: 27 _ 29)

 

إذن
فى الطموح الروحى، ينبغى التنقى من العامل البشرى.

فليس
فيه غيرة ولا حسد، ولا تمجيد للذات، ولا صراع مع منافس. بل يمدح منافسه إذا وصل،
وإذا تفوق هذا المنافس.

 

نقول
هذا لأن إنسان قد يريد أن يكون الأول من أجل البر.0 فالوضع السليم فى الطموح هو
الوصول إلى مستويات، وليس إلى مقارنات.

 

هناك
سؤال يسأله البعض وهو: هل الطموح ضد الزهد؟

 

طبعا
حياة الزهد بمعناها العميق ليست للكل. ولهذا بدأ السيد المسيح نصيحته للشاب الغنى
بقوله ” إن أردت أن تكون كاملا ” (مت 19: 21) ومع ذلك، فحتى كل الزاهدين
الناسكين، كان لهم طموح ولكن فى الأمور الروحية: فى حياة الصلاة والتأمل،
والإنحلال من الكل للإرتباط بالواحد.

 

سؤال
آخر وهو: هل يمكن التوفيق بين الطموح والقناعة؟

بينما
القناعة معناها الرضى بالقليل، إنما الطموح لا يعنى الرضى بالقليثل، بل تجاوزه إلى
ما هو أعلى، والامتداد إلى قدام.

 

والإجابة
على السؤال سهلة. وهى القناعة هى قناعة فى الماديات. أما فى الأمور الروحية، فممكن
للإنسان القنوع ماديا أن يتقدم فى الروحيات. وهكذا تتمشى قناعته فى الماديات، مع
طموحه فى الروحيات. ومع ذلك فالإنسان القانع يكون باستمرار راضيا، واضعا أمامه قول
الرسول ” كما قسم الله لكل واحد نصيبا من الإيمان ” (رو 12: 3)

 

وعموما:
فالقناعة ليس معناها الخمول.

فيجب
على كل إنسان أن يمتد إلى قدام، فى حدود الإمكانيات المتاحة له. ومع ذلك كل جهده
فى طريق النمو، يرضى بالنتيجة التى يسمح بها الله له، فى غير تقصير من جهته هو.

 

يسأل
البعض: كيف يكون لى طموح نحو الكمال، بينما الكمال لله وحده؟!

المقصود
طبعا هو الكمال النسبى، بالنسبة إلى ما وهبك الله من قدرات ومن عمل النعمة فيك.
بكل اشتياق منك، وبكل ما تملك أنت من جهد ومن أرادة. وقد قال الرسول ” أركضوا
لكى تنالوا ” (1كو 9: 24) وعبارة أركضوا ” تعنى بذل كل جهد. وذلك لكى
تصل إلى الكمال الممكن أو الكمال المتاح. وهذا ما قصده الرب بقوله ” كونوا
كاملين (مت 5: 48) أما الكمال المطلق فهو لله وحده، وليس هو وصية لنا.0

 

 سؤال
آخر وهو: ماذا عن الطموح فى العلم؟

لا
مانع مطلقا من أن يكون لك طموح فى العلم، وأن تحصل على ما تستطيعه من درجات علمية
ومن نبوغ فى العلوم. ونحن نفتخر بأبنائنا من النابغين فى العلم، مع نصيحة هامة
أقولها وهى:

 

فى
طموحك العلمى احتفظ بالتوزان. فلا يكون العلم على حساب الروح!

ليس
معنى طموحك فى مجال العلم، أن تهمل روحياتك، أو أن تهمل خدمتك فى الكنسية. بل ليكن
التوزان فى كل مجالات الطموح واضحا فى حياتك. لأنه من المشاكل التى يقع فيها بعض
الناس: أنهم في سبيل الحصول علي شئ صالح، يحطمون أشياء أخري صالحة في الطريق …
مثال ذلك: إنسان يدرس للدكتوراة في علم معين. يمكن أن يحصل عليها في وقت قصير
بالتركيز فيها وإهمال روحياته. ويمكن أن يحصل علي نفس الدرجة في وقت أطول قليلاً
مع الأحتفاظ بروحياته وخدمته. وهنا يكون قد احتفظ بعنصر التوازن في طموحاته وهذا
هو الوضع السليم … وهكذا ينفذ قول الرب ” كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا
تلك ” (مت 23: 23).

 

في
ختام كلامي عن الطموح، أحب أن الخصة في العبارات الآتية:

الطموح
هو جزء من طبيعة الإنسان المخلوق علي صورة الله غير المحدود. إنه نمو مستمر،
وأمتداد إلي قدام. ولكنه ينبغي أن يكون روحياً في هدفه، وفي نوعيته، وفي وسيلته.
ويكون بعيداً عن الأخطاء. ولا يتحول إلي شهوة تستعبد الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى