علم

الرسالة إلى ديوغنيتس The Epistle to Diognetus



الرسالة إلى ديوغنيتس The Epistle to Diognetus

الرسالة إلى ديوغنيتس The Epistle to Diognetus

رسالة
نفسيّة نجهل كاتبها وتاريخ كتابتها ومكان الكتابة، يكتنفها الغموض.

شخصيّة
مؤلفها

يعتقد
P. Andriessen أن كوادراتوس Quadratus هو واضع الرسالة، وإنّها ليست إلاَّ ذلك الدفاع المفقود له. ومع
أن العبارة التي اقتطفها المؤرّخ يوسابيوس
[1] في دفاع عن
كوادراتوس غير موجودة في الرسالة إلى ديوغنيتس لكن توجد ثغرة بين العبارتين
٦، ٧ في الفصل السابع للرسالة، ويمكن للعبارة التي وردت في يوسابيوس
أن تسد هذه الثغرة… المعلومات التي وصلت إلينا عن كوادراتوس من يوسابيوس وچيروم
وفوتيوس وما ورد في
Bede عن الاستشهاد ورسالة القدّيس يعقوب المزوّرة والموجّهة إليه جاءت
كلّها تتفق مع الرسالة إلى ديوغنيتس
[2].

تدل
الرسالة على علاقة قويّة بين كاتبها والقدّيس إكليمنضس الإسكندري، أو أن الكاتب
المجهول “يدور في فلك إكليمنضس” على حد تعبير كافكن
[3]. على أن
بعض الدارسين يروا أن ما هو مشترك بينهما إنّما هو قاسم مشترك في التقليد المسيحي
القديم، خاصة في مجموعة المدافعين عن الإيمان، وأن الاثنين لم يعتمد أحدهما على
الآخر، إنّما ارتويا من ينبوعٍ واحدٍ مشترك هو التقليد الكنسي.

من
هو ديوغنيتس؟

يظهر
من الرسالة أنّه شريف، طلب من صديقه المسيحي أن يخبره عن مفاهيم ديانته وطقوسها.
يرى P. Andriessen أنّه الإمبراطور أدريان Hadrian، أمّا ديوغنيتس
(تعني حامل السماء) هو أحد ألقابه الشرفيّة
[4].

جاء
في المقدّمة: [أنا عالم يا سيّدي ديوغنيتس، باهتمامك العظيم الذي تظهره لتتعرّف
على المعلومات الدقيقة عن الدين المسيحي، لتطلّع على حقيقة الإله الذي يؤمن به
المسيحيّون، والعبادة التي يقدّمونها له؛ وعما يدفعهم إلى احتقار (محبّة) العالم،
والاستهانة بالموت. بأنك تسأل: لِمَ لا يقيم المسيحيّون وزنًا لآلهة يعترف بها
اليونانيّون، ولا يعيرون انتباهًا لسفسطات يتشبّث بها اليهود؟ وما هو سرّ الحب
العظيم الذي يربطهم بعضهم ببعض؟ كما تود أن تعرف أخيرًا، لِمَ هذا الشعب الجديد –
قل: هذا النمط الجديد من الحياة – جاء إلى حياتنا حديثًا فقط عوض ظهوره في أزمنة
مبكرة؟]

سماتها

1.
تتحلى الرسالة باللطف ورقة العاطفة
[5]، فهي درة
ثمينة
[6] في مجموعة
الدفاع عن الإيمان، وشهادة صادقّة للسرّ المسيحي. تتسم بالدقّة في التفكير مع وضوح
في التعبير
[7]، صاغها
الكاتب في شكل أسئلة طرحها عليه ّصدّيقه الشريف ديوغنيتس مقدّما إجابة عن هذه
التساؤلات.

2.
في
حديث ديوغنيتس عن سمو المسيحيّة عن الوثنيّة أبرز جانبين: الأول: كيف يمكن
للإنسان أن يتعبّد لصنم صنعته يد بشريّة من مادة قابلة للتلف والفناء، كما يتعرّض
الصنم نفسه للسرقة؟ والثاني: تمج النفس الذبائح الدمويّة.

3.
أبرز سمو المسيحيّة وكمالها عن اليهوديّة بارتفاعها فوق الحرفيات القاتلة من
تطهيرات، واهتمام بختان الجسد، كما لا يحمل المسيحيّون كبرياء اليهود واعتدادهم
بذاته.

4.
كشف
عن سمو الحياة المسيحيّة وسلوك المسيحيّين في أيامه، في النقاط التالية:

ا.
يُترجم سمو إيمانهم خلال السلوك العملي اليومي.

ب.
الإيمان المسيحي هبة إلهيّة، يسمو فوق العقل لكنّه لا يناقضه، قدّمه الله
الكلمة نفسه.

[العقيدة
التي يدين بها المسيحيّون، ويحيطونها بجليلٍ من العناية، ما كانت قط يومًا من
استنباط إنسان، فإن إيمانهم لا يمت بصلة إلى أسرار البشر. إنّه بالحقيقة هبة
القدير بالذات، خالق الكل، غير المنظور، عطيّة السماء، فهو الذي جعل الحق بين
الناس، أعني كلمته القدّوس غير المدرك، الذي وطَّد الله في قلوب المؤمنين به.]

[إن
رب الكون… قد ظهر للبشر في ملء مجيئه… كشف لنا عن قصده في شخص ابنه الحبيب،
وأعلن ما أعده لنا منذ البدء.]

[الله
لم يبغضنا، ولم ينبذنا، ولم يحقد علينا، بل اتّسم بطول الأناة زمنًا، وحمل
أعباءنا، تحنّن علينا، وأخذ على عاتقه وقر خطايانا، وأسلم وحيده فداء عنّا. أجل!
لقد أُسلم القدّوس للمجرمين، والبار للآثمة، والصدّيق للمنافقين، والأزلي
للمائتين. بمَ كان يمكن أن تُستر آثامنا إن لم يكن ببرّه هو؟ بمن نتبرّر نحن
الآثمة إن لم يكن ببرّ ابنه الوحيد؟]

[لقد
ظهر الكلمة وأعلن نفسه للبشر. وإذ لم يفهمه من لم يؤمنوا به، كشف عن سرّه لتلاميذه
الذين عرفهم، فآمن به تلاميذه، ونالوا من معرفة أسرار الآب. لهذا جاء كي يعلن
ذاته. ولما استهانت به خاصته، حمل الرسل بشارته إلى الأمم فآمنت به. في البدء كان،
وظهر كأنّه جديد، وهو القديم. ميلاده يتجدّد دومًا في قلوب قدّيسيه. أنّه الأبدي
ونحن اليوم نعرفه كأنّه جديد!]

ج.
المسيحيّون ليسوا، كما يتخيل ديوغنيتس، شعبًا متقوقعًا حول ذاته، يقيم من ذاته
دولة لها لغتها الخاصة وعاداتها المستقلّة، إنّما الإيمان المسيحي هو انفتاح
على البشريّة، على خلاف اليهود
.

[لا
وطن، ولا لغة، ولا عادات، تميّز المسيحيّين عن سائر البشر. فهم لا يقطنون مدنًا
خاصة بهم، ولا ينفردون بلهجة معيّنة.]

د.
طبيعة الكنيسة سماويّة
، لكنها تؤمن بالواقع العملي بكونها تعيش على
الأرض.

[يقيم
كل منهم في وطنه، إنّما كغريب مُضاف…

أنّه
في الجسد، ولكنّهم لا يعيشون حسب الجسد.

يصرفون
العمر على الأرض، إلاَّ أنّه من مواطني السماء.]

ه.
العالم يضاد الكنيسة لكنّه لا يقدر أن يؤذيها، وتبقى الكنيسة تحب العالم وتخدمه
بإخلاص، قد يسلبها العالم الأمور الزمنيّة لتفتقر، وبفقرها تغني الكثيرين.

[الجميع
يضطهدونهم، ويتنكّرون لهم، ويحكمون عليهم، أمّا هم فبموتهم يربحون الحياة. إنّهم
فقراء، وبفقرهم يغنون الكثيرين. يفتقرون إلى كل شيء، وكل شيء فائض لديهم.]

و.
علاقة الكنيسة بالعالم كعلاقة الروح بالجسد، مصدر حياتهم، إنّها خميرة
المجتمع البشري، والنور الذي يهديه سواء السبيل.

[يقيم
المسيحيّون في العالم كما تقيم الروح في الجسد.

الروح
منتشرة في أعضاء الجسد انتشار المسيحيّين في مدن العالم.

الروح
تقيم في الجسد، إلاَّ أنّها ليست من الجسد المنظور…

الجسد
يكره الروح ويقاومها، وإن لم ينله منها أذى، سوى أنّها تحول دون انغماسه في حمأة
اللذات. والعالم يكره المسيحيّين، لا لأنّه أساءوا إليه، بل بكونهم يتصدّون لما
فيه من شهوات منحرفة فاسدة. تحب الروح الجسد الذي يبغضها، كما يحب المسيحيّون
مبغضيهم.

الروح
سجينة الجسد، ولولاهم لما كان للجسد من حياة، والمسيحيّون موثقون في سجن العالم،
ولولاهم لا قيام ولا حياة للعالم.]

ز.
[يخضع المسيحيّون للشرائع؛ هم مواطنون صالحون، يعملون بنشاط في خدمة بلدهم.
يمتثلون للشرائع القائمة، إلاَّ أن نمط حياتهم يسمو كمالاً على الشرائع… لا
يعملون إلاَّ الصلاح، ويُعاقبون كأدنياء، وفي عقابهم يتهلّلون كأنّهم يولدون
للحياة.]

ح.
تعيش الكنيسة حياة الشركة في كل شيء ما عدا الحياة الزوجيّة، إذ يقول العلاّمة
ترتليان
: [كل شيء مشترك بيننا عدا زوجاتنا
[8].] وجاء في
الرسالة إلى ديوغنيتس: [لأي مسيحي الحريّة أن يشارك طعام قريبه، لكنّه لن يشاركه
مضجعه.]

5.
يدعو الكاتب صديقه ديوغنيتس للإيمان.

[الآن،
إن رغبت أيضًا أن يكون لك مثل هذا الإيمان، فلتكن لك معرفة الآب كأول درس لك…

تصور
أية غبطة سيتدفّق بها قلبك لمعرفته! ولكم تندفع في حب من أحبّك أولاً.

بحبك
له تمثّل بجوده…

إنك
ستشجب خداع العالم وضلاله.

يوم
تعي حقيقة الحياة المسيحيّة، تزدري بما يسمّونه موت الجسد، لترهب الموت الحقيقي
المُعد لمن سيُطرحون نهائيًا إلى النار الأبديّة جزاء أعمالهم السيئة. وإنك ستنحني
إجلالاً وتعظيمًا أمام من قاسوا عذاب النار هنا لأجل البرّ، وتغبطهم إذ ما كنت على
علم بحقيقة النار الأخرى.]

[لتتحد
المعرفة بقلبك، ولتتقبّل حياتك في داخلها الكلمة. وإذا ما نمت هذه الشجرة (شجرة
المعرفة) فيك، وجمعت ثمارها، فإنك لا تكف عن أن تجني ما يُرتجى نواله من الله، وما
لا تقوى الحيّة على الوصول إليه، ولا الخداع أن يتسلّل إليه. أمّا حواء فإنّها لم
تبقَ بعد ضحيّة الإغواء، بل ستظل عذراء، ويُعلن الخلاص.]

أقسام
الرسالة

1.           
غيرة ديوغنيتس وأسئلته                    ١.

2.           
سموّ المسيحيّة على الوثنيّة واليهوديّة       ٢-٤.

3.           
سمو الحياة المسيحيّة                        ٥-٦.

4.           
أصل المسيحيّة الإلهي                      ٧-٨.

5.           
ظهورها مؤخّرًا لإظهار عجز الإنسان بذاته
٩.

6.           
دعوة ديوغنيتس لقبول الإيمان              ١٠.

7.    
الفصلان ١١-١٢ – يرى
البعض إنّهما دخيلان يخصّان عملاً آخر، ربّما يكون من عمل القدّيس بنتينوس عميد
مدرسة الإسكندريّة
[9]، أو من عمل
هيبوليتس الروماني
[10]، أو ميليتس
أسقف ساردس
[11] Melito of Sardis.



[1] H. E.
4:3:2.

[2] Quasten, vol. 1, p. 248-9.

[3] Zeitschrift für
kirchengeschgeschichte, t. XLIII, 1924, p. 350.

[4] Maxwell Stanifiorth, p. 171.

[5] H.
Puech: Hisoire de la literature grecque chrêtienne, t. 2, p. 217.
          

[6] I. M. Sailer, der Briefan Diognetus, eine Perle de
Christlischen Alterthums, Munich, 1900, Apologie, 15-4.
         

[7] چورچ صابر،
ص ٢٠٧.

[8] Apology 39:11.

[9] H. B. Swete: Patrsitic Study, 1904,
p. 46 n.

[10] Maxwell Staniforth, p. 172.       

[11] Edgar Goodspeed: A History of Early
Christian Literature, 1966, p. 105.
         

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى