علم الكنيسة

الخطوات المتبعة



الخطوات المتبعة

الخطوات
المتبعة

وقد
عرفنا ماهية الخبث الأدبي والروحي، فإنه يمكن الآن أن نتكلم عن الإجراءات الصحيحة
والتقوية لإجراء مثل هذا التصرف الخطير، أعني عزل الشخص الخبيث.

 

 أول
كل شيء ينبغي أن يكون هناك فحص شامل للحالة بواسطة الإخوة ذوي الإدراك الروحي،
الذين يتمتعون بثقة الجماعة، ويمارسون خدمة النظارة في الاجتماع. يجب الدخول في
تفاصيل الحالة واستعراض كافة الحقائق بالبراهين والأدلة الواضحة. ويجب فحص كافة
الإشاعات والتقارير وغربلتها حتى تظهر الحقائق، فكل صور التأديب لا يجب أن تبنى
إلا على الحقائق وعلى المكتوب.

 

 وفي
تثنية 13: 12 – 15 نجد تعليمات هامة بخصوص التصرف الذي يجب أن يتبع عندما يصل
إلينا خبر عن شر ما “إن سمعت عن إحدى مدنك.. قولاً، قد خرج أناس بنو لئيم من
وسطك وطوحوا سكان مدينتهم قائلين نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفوها وفحصت وفتشت
وسألت جيداً وإذا الأمر صحيح وأكيد قد عمل ذلك الرجس في وسطك فضرباً جيداً وإذا
الأمر صحيح وأكيد قد عمل ذلك الرجس في وسطك فضرباً تضرب تلك المدينة”.

 

 “فحصت
وفتشت وسألت جيداً”. هذا هو ما يجب أن يتبع. فإذا اتضح صحة الخبر، وأن الأمر
صحيح وأكيد عندئذ يأتي القضاء أو التأديب بعد ذلك. فكما قلنا أن الشائعات أو
التقارير عن الخطأ لا تقبل على الإطلاق كحقائق قبل فحصها الصبور ليثبت صحتها.

 

 ولقد
أشرنا فيما مضى إلى لاويين 13. ولاحظنا كيف أن الكاهن يفحص بصبر وأناة أي شخص يظهر
عليه أحد أعراض البرص. فلا مجال هنا لا للتسرع ولا للظن. ونكرر القول أنه قبل
القيام بأي إجراء تأديبي يجب أن يكون واضحاً أو ظاهراً أو أكيداً، فعلينا أن ننتظر
الرب لكي يوضحه ويظهره في النور.

 

 “لا
يقوم شاهد واحد على إنسان في ذنب أو خطية ما من جميع الخطايا التي يخطئ بها. على
فم شاهدين أو على فم ثلاثة شهود يقوم الأمر” (تث 19: 15). “على فم شاهدين
أو ثلاثة تقوم كل كلمة” (2 كو 13: 1، مت 18: 16). هذا مبدأ هام في كلمة الله
ويذكر في الكتاب مرات كثيرة. فلكي تثبت أي شكوي على أحد ينبغي أن يكون هناك شاهدان
أو ثلاثة شهود، أو اعتراف الشخص المعني نفسه بالتهمة التي عليه. فلا يكفي شاهد
واحد على الإطلاق. كما أنه لم ينص على أن يكون الشهود مسيحيين حقيقيين (رغم إصرار
البعض على ذلك). فإذا ما جاءت الشهادة من أشخاص مستقيمين وموثوق فيهم، فإنه يمكن
أن يعول على شهادتهم.

 

 في
حالة 1 كورنثوس 5، كان معروفاً أن الخطية هي خطية زنا “يسمع مطلقاً”.
ولهذا فلم يكن هناك حاجة لإثبات الذنب. لقد أصبح الأمر واضحاً وعلنياً وبالتالي
صارت مهمة الكنيسة واضحة وهي أن تعزل الخبيث خارجاً. وإذا كانت هناك حالة مشابهة
فينبغي أن يكون تصرفنا في وقتنا الحاضر مشابهاً. لكن كمبدأ عام ينبغي فحص الشكاوى
أولاً وتقرير الحقائق قبل ممارسة التأديب.

 

 عندما
تفحص الحالة كلية بواسطة الإخوة المسئولين، ويتضح أن الشخص خبيث. ينبغي عندئذ أن
توضع الحقائق أمام الكنيسة، كأساس للوصول إلى موافقة موحدة أمام الرب لعزل الشخص
غير التائب خارجاً. والجماعة ليست مدعوة لمناقشة التفاصيل[3]، لأنه حتى الطبيعة
تعلمنا عدم لياقة وضع كافة تفاصيل حادثة مشينة أمام كل الجماعة. لكن طالما قد بحثت
الحالة جيداً وأثبتت الحقائق أن الشخص خبيث ينبغي فرزه عن الجماعة، فإن الكنيسة
كلها تدعى لممارسة هذا الفعل الخطير الذي يدعو للانسحاق أمام الرب، أعني عزل الشخص
خارجاً. لأن عزل شخص خارج الكنيسة وكذلك قبول المؤمنين في الجماعة هو عمل الكنيسة
كلها، وليس هو عمل أفراد من الإخوة، مكلفين للقيام بهذا العمل نيابة عن الكنيسة.

 

 في
1 كورنثوس 5: 4 عندما تكلم الرسول عن عزل الأخ قال “باسم ربنا يسوع المسيح إذ
أنتم وروحي مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح”. هذا يدل على أن الجماعة كلها
(بقدر مكان) يجب أن تكون موجودة لتعمل معاً بوحدة الروح في هذا الأمر الخطير، أمر
الفرز. لأنه يجب أن كل الجماعة تحس بالإهانة التي لحقت باسم الرب الغالي نتيجة
الشر الذي ظهر في وسطها، وينبغي أن كل الجماعة تتضع أمام الرب بسبب هذا الشر،
معتبرة أن الذي حدث هو خطيتها هي. هذه هي الروح التي يجب أن تميز الكنيسة وهي تعزل
شخصاً من وسطها، روح التواضع وتدريب القلب العميق. ولقد ذكرنا ذلك فيما سبق ولذا
فلن نكرر ما قلناه الآن.

 

إنه
إجراء للكنيسة كلها

 يجب
على الجماعة المحلية أن تضع في بالها دائماً أنها تعتبر تمثيلاً أو تعبيراً محلياً
لكنيسة الله كلها. وإنها لذلك تتصرف نيابة عن الكنيسة في كل مكان. فالكنيسة هي جسد
واحد. إنه أمر مغاير للحق تماماً أن تتصرف كنائس، أو تنشأ بالاستقلال الواحدة عن
الأخرى، فحقيقة وحدة جسد المسيح وضرورة حفظ وحدانية الروح برباط السلام تحتم أن كل
تأديب حقيقي يمارس بواسطة جماعة ما مجتمعة باسم الرب، يلزم أن يقبل وينفذ في كل
الكنائس الأخرى. فالذي يربط، بحسب كلمة الله، في كنيسة ما، هو مربوط في السماء
وبالتالي في كل مكان فوق الأرض. والجماعة مسئولة أن تعمل كممثلة لسلطة الرب
الموجود في وسطها، وما يكون بحسب فكره في مكان إنما هو فكره لكنيسة الله عامة في
كل مكان.

 

 ولكن
هذا يشكل مسئولية تابعة للجماعة المحلية. فحيث أن ما تعمله إنما هو ملزم لكل
الجماعات الأخرى، فعليها أن يكون تصرفها بحسب كلمة الله تماماً. بما يريح ضمائر
الكنائس في كل مكان. بحيث أن أي استقصاء عن أحد تصرفاتهم، يجب أن يظهرهم أبرياء
وسالكين باسم الرب وكلمته.

 

التصرف
إزاء الشخص المعزول

 الشخص
المعزول يجب أن يوضع خارج دائرة مجال الشركة المسيحية بكل صورها. ويجب ألا نحتفظ
معه بأية شركة أو علاقة، بل حتى مجرد الأكل معه غير مسموح به “لا تواكلوا مثل
هذا” (1 كو 5: 11). فالمسألة ليست هي مجرد عزل الخبيث عن الكنيسة، بل
“اعزلوا الخبيث من بينكم” أي عزله خارج كل دائرة الشركة المسيحية، سواء
في المجال الكنسي أو الاجتماعي. إن شخصاً مثل هذا يجب أن يترك وحده ليحس بجدية
خطئه فيتذلل ويقاد إلى التوبة، ويرجع إلى الرب.

 

 بالطبع
عندما يكون هذا الشخص عضواً في عائلة مسيحية، ويعيش في منزل واحد مع إخوة (كحالة
زوج أو ابن مثلاً) فعلينا أن نفهم الكلام المتقدم بعيداً عن حرفيته المطلقة. فلا
يفهم من القول “لا تؤاكلوا مثل هذا” أن الزوجة ترفض أن تجلس على المائدة
في المنزل مع زوجها الواقع تحت التأديب، لأنها لو فعلت ذلك فإنها تكون قد أنكرت
مسئوليتها كزوجة، بل يجب أن تظهر رفضها للشركة معه بطرق أخرى.

 

 ومع
أن الجماعة عليها أن تتصرف بالأمانة حسب الكتاب تجاه الشخص المعزول، إلا أن هذا لا
يمنع أن تكون الصلوات الفردية مرفوعة باستمرار إلى الرب من جهته حتى يعود إلى الرب
وإلى الشركة مع الجماعة مرة ثانية. ولقد ناقشنا هذه المسألة في حديثنا عن غرض
التأديب فعندما يأخذ التأديب فرصته، فربما يشعر بعض الإخوة، بقيادة الرب لهم،
لزيارة هذا الأخ المخطئ بطريقة رعوية محضة، ويعملوا لأجل رد نفسه. أما إذا لم تكن
هناك نعمة وقوة روحية كافية للتصرف هكذا معه فلا يجب أن يتم نحو شخص كهذا أي تقدم
في العلاقات، فإن مجرد الزيارات الحبية أو الاجتماعية تضعف بلا شك، بل وتهدم تأثير
العزل، وبالتالي فإنها تؤثر تأثيراً كبيراً وسلبياً في رد نفسه.

 

 وفي
الحقيقة ينبغي أن تكون الخطوة الأولى نحو رد الشركة في بادئهة من الشخص الذي قد
عزل، فحزنه وتواضعه وانسحاقه تبين للجماعة أن التأديب أصبح فعالاً، وأن عمل الله
يجري بالفعل في نفسه. وعندما يكون سبب العزل قد انقضى، وأزيل من حياته، وعدما تكون
هناك ظواهر حقيقية بأن نفسه قد ردت فعلاً إلى الرب، فعلى الجماعة أن تعمل نحو رد
شركة الجماعة إليه، وتحل التأديب.

 

أوضاع
مشتبه فيها

 أحياناً
تبرز صعوبة في كنيسة ما بالنسبة لفرد، تكون الأمور الخاصة بحالته غير مقررة، أو
تكون الحقائق مشكوكاً فيها، وبالتالي يكون الأمر غير مؤكد سواء كان بالنسبة لذنب
الشخص أو براءته، أو بالنسبة لمدى خطورة الأمر، أهي حالة إنسان قد أخذ في زلة (غل
6: 1) أو هي حالة خبث في طريقة سلوكه؟ وفي ظروف كهذه لا ينبغي على الكنيسة أن تتخذ
إجراءاً تأديبيا حتى يظهر ويتقرر كل شيء. ويستلزم الأمر انتظار جاد لله حتى يوضح
الطبيعة الحقيقية للحالة، ويقود نحو التصرف الواجب اتخاذه بحسب كلمة الله.

 

 وكما
لاحظنا قبلاً في لاويين 13 عندما كانت تظهر على شخص ما من شعب الله القديم علامات
البرص، كان يجب حجزه سبعة أيام، ثم يفحص بواسطة الكاهن. فإذا لم تمتد الضربة، يجب
أن يحجز سبعة أيام أخر، ثم يعاد فحصه بواسطة الكاهن في نهاية هذه المدة. فإن رآه
الكاهن وإذا الضربة كامدة اللون ولم تمتد الضربة في الجلد يحكم الكاهن بطهارته.
لكن إن كانت القوباء تمتد في الجلد بعد عرضه على الكاهن يجب أن يفحص مرة أخرى فإذا
اتضح أن القوباء قد امتدت، وأنها أعمق من الجلد، يحكم الكاهن بنجاسته. أما البرص
فخارج المحلة يكون مقامه.

 

 ومع
أننا في العهد الجديد قد لا نجد أقوالاً تتمشى مع الأقوال السابقة في مثل وضوحها
بالنسبة للتعامل مع حالات الشر المشتبه فيها في الكنيسة، إلا أن الكثيرين يعتقدون
أن نفس المبادئ التي تشملها الإجراءات الرمزية المذكورة في لاويين 13 يمكن تطبيقها
أيضاً بالنسبة للحالات المشتبه فيها في الكنيسة، الحالات التي تحمل بعض مظاهر
أعراض البرص الروحي، مع أنها لم تتقرر بوضوح ولم تعلن بعد.

 

 فعندما
يكون الشر في طابعه خطيراً، لكن لم تكتمل معالمه ولا اتضح بعد، فإن الاهتمام
الكهنوتي في الجماعة يجعلها تسأل الشخص المعني أن يمتنع اختيارياً في الوقت الحاضر
عن الاشتراك من عشاء الرب، حيث تمارس الشركة في كامل صورتها، إلى أن يتضح الأمر
فيمكن حينئذ أن نحدد التصرف الكتابي بالنسبة له. هذا التصرف مشابه لأمر
“الحجز” الذي كان يقوم به الكاهن في العهد القديم في لاويين 13. وطبعاً
هذا لا يعتبر درجة من درجات التأديب بل إنه ببساطة وضع مؤقت لحين الانتهاء من تقصي
الحقائق واتضاحها. هذا التقصي ينبغي أن يكون سريعاً وقاطعاً وكتابياً، حتى لا تقع
تبعات شر على شخص، ما لم يكن قد أخطأ هو فعلاً به.

 

 وحيث
أنه لا يوجد في العهد الجديد ما يعطي للجماعة السلطة لأن تطالب شخصاً هذه حالته أن
يمتنع عن كسر الخبز (امتناعاً اختيارياً)، إلا أنه لأجل خاطر الشهادة، وبسبب سحابة
الشر المحتملة، الواقع على الشخص، فإن الإخوة، (عاملين بدافع الاهتمام الكهنوتي)
يقودهم الرب لكي يطلبوا من الأخ (أو الأخت) أن يمنع نفسه من كسر الخبز حتى تنجلي
الأمور وتتضح الحقائق بطريقة أو بأخرى.

 

 وفي
“حالات الامتناع”، فإن العناية الكهنوتية في الاجتماع، يجب أن تستمر حتى
يتبرر الشخص أو يظهر كخبيث فلا يجب ترك الأمور حتى تنام، كما يقولون.

 

 وبهذا
تنتهي تأملاتنا في موضوع “التأديب”. ليت الرب يعطينا فهماً أعظماً لما
ينبغي أن يكون عليه بيته من قداسة وما يحمله قلبه من نعمة باحثة ومحبة لا تنتهي
نحو النفوس التي له.

——————–

[1]
لما أرادت امرأة فوطيفار من يوسف أن يضطجع معها ويزني، أجاب: “كيف أصنع هذا
الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟ (تك 39: 9). إن السقوط في الزنى ليوسف مرة واحدة هو
شر عظيم أمام الله. إنها تبدأ بالشهوة ثم الزنى في القلب (مت 5: 28)، ثم يتبعها
فعل الخطية.

[2]
انظر لاويين 13: 46 و 52، 14: 44 – 46، 15: 4 – 12 و 16 – 27، عدد 19: 13 – 16، 20
– 22، حجي 2: 11 -13، 2 كورنثوس 6: 17، 2 تيموثاوس 2: 19 – 21، 2 يوحنا 10 و 11
الخ (المعرب).

 

[3]
من شريعة البقرة الحمراء (عد 19: 14 – 22) نتعلم أن الذي يرش ماء النجاسة على
الشخص المتنجس لتطهيره، هو نفسه يصبح نجساً إلى المساء. فملامسة الشر، حتى عند
اللزوم من الروحيين، يدنس. مما يعطي الانطباع أن علاج الأمور ودراسة تفاصيل الشر
يجب أن يكون في أضيق دائرة ممكنة، ويحسن أن يكون من الشيوخ الذين يقومون بخدمة
النظارة في وسط الجماعة، أو على الأقل من الروحيين الذين يعرفون أن يطهروا أنفسهم
بماء كلمة الله، أمام الرب، بعد قيامهم بهذا العمل الخطير.

 

 وكمبدأ
عام، لا يجب أن الأمور النجسة والشريرة تسمى بين القديسين (أف 5: 3). ولا ينبغي أن
الجماعة تشغل فكرها إلا بما هو حق وجليل وعادل وطاهر ومسر وصيته حسن. بالفضيلة والمدح
(في 4: 8).

 

 وعليه
فإنه ليس صحيحاً كتابياً، ولا لائقاً ما اعتادت بعض الجماعات التي خلت من الروحيين
والمدبرين، أن تفعله، إذ تطرح أمور الإخوة، ومشاكلهم على بساط البحث في اجتماع
يحضره الكل.. إنه أمر بعيد عن روح المكتوب (المعرب).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى