علم

الثالوث عند العلامة اوريجانيوس



الثالوث عند العلامة اوريجانيوس

الثالوث
عند العلامة اوريجانيوس

فادى
أليكساندر

 

صفاته
الله:

(1)
لا يمكن للغة بشبة أن تعبر عن طبيعة الله. ولكنه- من خلال محبته المطلقة – يعلن عن
ذاته لنا, مستخدماً تعبيراتنا البشرية, كما لو كنا أولاده الصغار.

(2)
الله ممتنع تماماً عال الضرر, منزّه عن العواطف البشرية, وهو ليس بكائن جامد. هو
خالق محب, يرعى خليقته أبديا.

(3)
وفقا لكلمات مخلصنا “فالله روح”. وحسب ما قاله القديس يوحنا” فالله
نور “. “فلا يجدر بنا إذاً الافتراض أن الله جسد, أوفي جسد. بل هو طبيعة
عقلانية صِرفة, لا تسمح بأي إضافة على الإطلاق. ففيه لا يوجد ما هو أكثر أو أقل,
ما هو أعلى أو أدنى. إذ هو الجوهر الفرد, الوحدة, العقل, وينبوع كل ذهن.”

(4)
في كونه غير جسداني, فالله “مستقل عن قوانين الحيزّ والزمن, كلىّ العلم, كلىّ
الوجود”.

ما
أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. ليس له ألقاب. وأجد الأسماء به”
أهيه الذي أهيه ” أي” هو الذي هو”.

(5)
الله غير متغير. وهنا يثار التساؤل: إن كان الله غير متغير, فلماذا نرفع صلواتنا
ونقدم قرابيننا, كما لوكان من المحتمل أن يبدل من أحكامه تجاهنا؟

 

شعر
أوريجينوس بالتزام بالإجابة عن هذا التساؤل. فعالج هذا الموضوع في بحثه” عن
الصلاة “, مجيبا عليه بالإحتكام إلى الإرادة الحرة التى يتمتع بها الجنس
البشرى, رغم التدبير الإلهي وسابق معرفته. برّر الصلاة, محتكما إلى دورها في
التدبير الإلهي فيما يختص بالكون والنفس. فمن خلال صلاته, يعلن الإنسان إيمانه
وتوقه الأقصى.

 

جدل
أوريجينوس هنا, يجرى وفقا للتقليد الفلسفي, رغم استخدامه للكتاب لدعم قضيته,
منعطفا به إلى التقليد المسيحي الذي أثير التساؤل في نطاقه.

 

(6)
بدون النعمة الإلهية, لا يمكننا التسليم بالله.

(7)
الله مدرك من خلال الكون. ولكن كلمة الله تعلن عنه في العهدين القديم والجديد.

 

صفاته
جل وعلا الأخرى:

تمتد
معرفتنا بالله إلى كل الجوانب- إلى غيرَ المدرك. ولكن أساسها إيجابي في الواقع.
فقبل أن نتمكن من معرفة ما ليس عليه, لابد لنا ممن أن ندرك ما هو.

 

يقرر
أوريجينوس أن إستعصاء الله عن الإدراك, هو فينا وليس فيه. فسكناه في نور كثيف,
نابع عن عجزنا عن التسليم به كما هو. هو” نور “, وبقدر اقترابنا منه,
بقدر ما يتلاشى الظلام في النور. وفي المستقبل, إذ نصير روحاً واحداً مع اللوغوس,
سوف نعاين الله وجها لوجه. وعندها نسلم به بوصفه النور الحقيقي الذي يضئ فهمنا.
وحتى في وقتنا الحالي, فلم نُترَك بدون بعض الإدراك به- الذي على رغم عدم كماله,
إلا أنه حقيقى. فنحن نراه بشكل غير جلّى, معلنا عنه في خليقته.

 

قداسة
الله:

((”
ليس قدوس مثل الرب “(1 صموئيل 2: 2). فمهما بلغ نمو الإنسان في القداسة,
وإحرازه للنقاء والصدق فمن غير الممكن أن يساوى الله في قداسته. فهو واهب القداسة,
بينما يستقبلها الإنسان. هو ينبوع القداسة, بينما يستقى منه الإنسان. هو نور
القداسة, بينما ينظر إليه الإنسان.))

 

الإيمان
الثالوثي

كان
أوريجينوس على إلمام كامل بالمصطلحين” ثالوث
triad

(trias), و” أقنوم Hypostaseis “, وبما يدلان عليه.

 

فواحدة
من ملامح عقيدة أوريجينوس هي، أن الآب والابن والروح القدس, أقانيم ثلاثة. ويؤكد
أن كل من الثلاثة, هو أقنوم
hypostasis متميز منذ الأزل, وليس بمجرد مظهر في ” التنظيم “. أى
لا يقتصر على الإشارة إلى دورها في التاريخ الخلاصى. إنه متمسك بالعقيدة الثالوثية
الأصيلة. ورغم استخدامه للفلسفة, إلا أنه محكوم بالأيمان المسيحي. ويجزم بأن الابن
والروح القدس ليسا بمجرد(قدرات) للآب, بل هما أقانيم مثله.

فبتسليمه
بالثالوث الأقدس_ كما يدرك بأكثر كمال من خلال تجسد اللوغوس وحلول الروح القدس –
يثبت إحساسه بالألوهية الفريدة, التى يعلن عنها في العهد الجديد كثالوث.

 

العلاقة
بين الآب والابن والروح القدس:

يقرر
Basil Studer: ” البناء التصنيفي للاهوتيات أوريجينوس, فيما يتعلق
باللوغوس, يوجهه بوضوح اهتمامه بالموضوع الفلسفي الخاص بعلاقة الواحد بالمتعدد.
ولكن لا يمكننا التغاضي عن أن الأمر بالنسبة إليه في الأساس, رؤية تقليدية- وأن
كانت مستحدثة- لتاريخ الخلاص. إذ وضع التجسد المدرك تاريخيا, في موضع القلب من
عقيدته عن الوساطة الملهمة للوغوس.

 

أوريجينوس
مدرك لأهمية وحدة الابن مع الآب. كما يدرك أيضا تميزها. فهو راغب في تفادى أمرين
absolute Monarchianism– الذي يتضمن المجازفة بإنكار ألوهية المسيح, والشكلية Modalism. فبالرغم من رفضه لكل التبسيطات الشكلية المفرطة, فأوريجينوس_
مثله مثل غيره من ال
anti-absolute
monarhcians
,منشغل بالحفظ الكامل
للتوحيد الإنجيلي.

 

يصر
أوريجينوس على أن المصطلحين النقيضين كلاهما- الواحد والمتعدد- لابد وضعهما في
الاعتبار على نفس المستوى.

“”إذ
لا يمكنني فصل الابن عن الآب, ولا الآب عن الابن…”


فنحن نسمّيه بالآب الذي ليس بابن… بالابن الذي ليس بآب”))

 

فأن
ننسب انقساما إلى مادة غير جسدانية, هو فعل لا يتصف بالعقوق البالغ فحسب, بل هو
أيضا حماقة غبيّة. فنشوء الابن إذاً, يعتبر عملية مستمرة: “فالآب لم ينجب
الابن ليطلقه فيما بعد بعيداً, بل هو مستمر في إنجابه.”

 

فمحاولاً
جعل التوحيد فوق كل الشكوك, فيما يتعلق في المقام الأول بالعلاقة بين الآب والابن-
يتحدث أوريجينوس عن وحدة في الإرادة والفعل. وفي هذا السياق يستخدم المقارنة
بالزواج, وأيضا بالاتحاد بين اللوغوس والنفس. كما يعتبر اللوغوس صورة للآب أو
إعلانا عن المجد الإلهي.

 

هنا
اكرر ما سبق أن قرأناه في مرحلة إنتقالنا من ظلمة الإسلام لنور المسيحية وقراءاتنا
المتعمة في المسيحية فيما يختص” بالمجادلة مع هيراكليدس”
Discussion with Heraclides, يشير أوريجينوس إلى المكتوب لتوضيح المعنى الذي يمكن فيه لاثنين
أن يصيرا واحداً:

1
–كان آدم وحواء اثنان ولكن جسداً واحداً(تكوين 2: 24).

2
– البار الذي يلتصق بالرب, هو معه روحا واحدا (1 كو 6: 17).

3
– وأخيراً يقدم المسيح ذاته كشاهد في قوله: ” أنا والآب واحد”.

 

(1)
تتألف الوحدة في المثال الأول من” جسد “, وفي الثاني من


روح “. أما في المثال الثالث فمن” الله “. لذلك يقرر أوريجينوس:

((علاقة
ربنا ومخلصنا بالآب وإله الكون, ليست جسداً واحداً ولا روحاً واحداً, بل هو
تسموفوق الجسد والروح, فهي إله واحد.))

 

يقدم
أوريجينوس الإتحاد في صورة حُبّ وفعل. كما وضعه أيضا كإتحاد جوهرى, مستخدماً
الكلمة
homoousios(أي من نفس الجوهر أو الطبيعة Consubstantial, أو واحد ومساو(in
the same essence or ousia
.
وينسب بامفيلوس إليه ذلك المصطلح الشهير”
homoousion ” للآباء النيقيين.

 

(2)
يرغب أوريجينوس في الإشارة إلى التمييز فيما الآب والكلمة. فيصر على أن الابن
مختلف في صفاته الذاتية (الأقنومية) عن الآب.

 

(3)
فكمولود من الآب, يشارك الابن في الربوبية لأنه والأب واحد الذاتية. هو أبن لله
بالطبيعة, وطبيعته واحدة مع طبيعة الآب. لا يمكن مقارنة هذا النشوء بأى عملية
جسدانية. فهو مشابه لانبثاق الإرادة من العقل. هو عمل صادر عن إرادة الآب, ففي
ممارسة متصلة لهذه الإرادة, وليس بعمل إرادة مفرد.

 

يقرر
أوريجينوس أن الابن مولود من الآب, لا كنتيجة لعملية انقسام, بل بنفس أسلوب انبثاق
الإرادة من العقل.

 

ويؤكد
أوريجينوس على أن اللوغوس أو الحكمة, قد تم إنجابه بعيداً عن أي شهوة مادية, بنفس
الأسلوب الذي تنشأ به الإرادة من العقل. فإن كان يسمى” بإبن المحبة “(كو
1: 13), فلماذا لا يسمى أيضا” بابن الإرادة “؟

((الابن
الوحيد لله, هو حكمة متواجدة فعليا… فكيف يمكن لأي كان الاعتقاد بأن الله الآب قد
وُجِدَ في أى وقت بدون حكمة؟… لا بد أن نؤمن بأن الحكمة بغير بداية.هو يسمّى
باللوغوس, إذ هو المفسّر لأسرار عقل الله.ينكر علينا عقوق الافتراض بأن الوسيلة
التي ينجب بها الله الآب ابنه الوحيد, مرادفة لإنجاب إنسان لإنسان أو حيوان
لحيوان, فلا بد من وجود اختلاف عظيم. من الملائم أن لا يكون الأمر هكذا, إذ ليس
هناك أمر في الوجود, مما يمكن إدراكه أو تخيله, يقارن بالله. لذلك فالفكر البشرى
لا يمكنه الفهم كيف للإله غير المولود أ، يصير أبا للابن الوحيد. هو نشوء أزلي
وغير منقطع, كما ينشأ الإشعاع عن الضوء.لا يصير ابنا عن طريق تبنّى الروح, بل هو
ابن بالطبيعة. هو وحده إبن بالطبيعة, لهذا يسمى” بالابن الوحيد “.يحتاج
الأمر إلى الحذر, خشية الوقوع في الخرافات السخيفة الصادرة عن أولئك الذين يعزون أجزاءاً
للطبيعة الالهية, ويقسمون الوجود الإلهي الأساسي لله الآب. فالكيفية التى ينبثق
بها العقل الإرادي من العقل بدون بتر جزء من هذا العقل, أوإنشطار عنه, يمكن إدراك
الأسلوب الذي يتحقق به” إنجاب ” الابن.يخبرنا القديس يوحنا أن”
الله نور “(1 يوحنا 1: 5).كما يسمى القديس بولس الابن” بهاء ”
النور الأزلى(عبرانيين 1: 3). لذلك، حيث أن النور لا يمكن وجوده بغير بهاء, فكيف
يمكن القول إذا, بأنه كان وقت لم يكن فيه الابن؟ فذلك يشبه القول بأنه في وقت ما
لم تكن حقيقية, ولم تكن حكمة, ولم تكن حياة! ولكن يجدر بنا الاعتذار عن استخدامنا
لعبارات مثل” ليس هناك وقت لم يكن فيه الابن “, لما لهذه الكلمات من
مغزى دنيوى. غير أنه إذا صارا استخدامها فيما يختص بالآب والابن والروح القدس,
فلابد من فهمها كإشارة عن أمر فوق – زمنى.))

 

(4)
الصلة بين الآب وابنه – الكلمة(اللوغوس)- هي صلة أزلية. أى أن نشوء الكلمة أزلى.
فلا يمكن القول بأنه كان وقت لم يكن فيه.

 

(5)
يؤكد أوريجينوس على أقنومية الروح القدس.

((الروح
(الريح) تهب حيث تشاء”(يوحنا 3: 8). في هذا دلالة على أن للروح وجود حقيقى(
ousia). فهو ليس- كما يظن البعض- فعالية من الله, بغير تواجد منفرد.
والرسول بولس, بعد تحديده لمواهب الروح القدس يقول” ولكن هذه كلها يعملها
الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء”(1 كورنثوس 12: 11). فإن
كان” يشاء ” و” يعمل ” و” يقسم “, فهو إذاً وجود
نشط(
ousia), وليس مجرد فعالية أو طاقة.))

 

ويستخدم
كلمات سفر أعمال الرسل لإثبات الفكرة ذاتها:


قد رأى الروح القدس ونحن”(أعمال 15: 21), و” قال الروح القدس”(13:
12),و” هذا يقوله الروح القدس”(21: 10).

 

(7)
بالنسبة لأوريجينوس, فالثالوث كله مشارك في عملية الخلق, بنفس الاسلوب الذي يشارك
فيه في عمل الخلاص. فمن خلال الثالوث تتناسق عمليتا الخلق والخلاص- فالخلق ذاته
يخدم أهداف الخلاص. وذلك في مقدوره, أذ له مستويان متميزان للحقيقة, مما يمكِّن
النفس من الإختيار فيما بين الروح والمادة, وما يتصل بهما من صالح وشرير. يستلزم
عقد هذا الإختيار أن تكون طبيعة الإنسان, بحيث تربط بهذا أوذاك من هذين الحالين.

ومن
الواضح ضرورة أن يكون للناس طبيعة ثنائية, في تطابق مع البنية الثنائية للكون.

 

الثالوث
وبساطة الله:

يوجه
إلينا عادة هذا السؤال: ” كيف يتأتى أن يلد الله إبناً؟ فنجيب عليه بسؤال
آخر: ” هل ليس في مقدور الله أن أن يصدر بهاء من نوره؟

 

لا
يمكننا التسليم بالله كجوهر جامد غير قادر على الإنتاج. فكل جوهر فعال, لا بد له
أن ينتج شيئا ما. فالنار تنتج الضوء والحرارة, والعناصر المشعّة تنتج الطاقة
النووية. كما ينتج الذهن البشرى الأفكار. لا يمكن أن يكون الله جوهراً جامداً, فهو
يلد لإبنه منذ الأزل. فهو ” النور ” الوالد” للنور “.
فالحقيقة هي أن النور الذي لا ينجب نوراً, هو ظلام.

لقد
قيل عن يسوع المسيح أنه” بهاء مجده ورسم جوهره “(عبرانيين 1: 3)….
و” صورة الله غير المنظور “

 

(كولوسى
1: 15), كما أن الكلمة هي صورة الذهن غير المنظور.

((ماذا
يمكن أن نفترض أن يكون النور الأزلى, غير الله الآب؟ فهل لم يكن معه
بهاؤه(عبرانيين 1: 3)؟ لا يمكن تصور نوراً بغير بهاء. فإن ذلك حقيقة, فلم يكن هناك
إذاً, وقت لم يكن فيه الابن إبناً))

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى