اسئلة مسيحية

التوفير فى المسيحية



التوفير فى المسيحية

التوفير
فى المسيحية

س:
هل التوفير شر في المسيحية؟ وما معنى قول المسيح “لا تكنزوا لكم كنوزاً على
الأرض حيث يفسد السوس والصدأُ وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزاً
في السماء حيث لا يفسد سوسٌ ولا صدأٌ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأنهُ حيث
يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً.”

ج:
واضح من الآيات السابقة أن هناك نوعان من التوفير والتخزين، نوع مرفوض من الله
ونوع مقبول لديه، والنوع المرفوض هو النوع الأرضي الذاتي أو الأناني وقد حذرنا
المسيح منه قائلاً لنا “لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض. والنوع المقبول أو
المرغوب هو النوع السماوي، كما قال المسيح بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء. وسبب
رفض المسيح للكنز الأرضي هو أنه يجعل قلب الإنسان في الأرضيّات بينما المسيح يريد
أن تكون قلوبنا وسيرتنا نحن في السموات لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً.

 

والتوفير
الأرضي مرفوض من الله لعدة أسباب نأخذ منها ثلاثة:

أولاً:
إذا كان أساس هذا التوفير هو الخوف والقلق من المستقبل

فهذا
التوفير مرفوض لأنه يجعل الإنسان يعتمد على المال في شعوره بالطمأنينة والأمان
تجاه المستقبل وأحداثه.. بدلاً من الاتكال على الله الحي. فمن جهة، هذا ضد الإيمان،
ومن جهة أخرى فإن الأموال مهما كثرت فهي عُرضه للسوس والصدأ والسرقة، لذلك يقول
الكتاب عن هذا الغنى أنه غير يقيني أي لا يمكن الاعتماد عليه كما هو مكتوب
“أَوصِ الأغنياءَ في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يلقوا رجاءَهم على غير
يقينيَّة الغنى – أي على الغنى الغير يقيني – بل على الله الحيّ الذي يمنحنا كلَّ
شيءٍ بغنًى للتمتُّع.”

 

ثانياً:
يكون التوفير مرفوضاً إذا كان أساسه هو طلب الإنسان للرفاهية والتنعم وتعظّم
المعيشة في العالم

فالكتاب
يقول “لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظُّم المعيشة ليس من
الآب بل من العالم. والعالم يمضي وشهوتهُ وأما الذي يصنع مشيئَة الله فيثبت إلى
الأبد”

 

ثالثاً:
إن شعر الإنسان أن كرامته ومكانته في المجتمع ترتفع وتتعظم بالغنى، يكون هذا الغنى
مرفوضاً لأنه يُفقد الإنسان الهدف الحقيقي من وجوده على الأرض وهو أن يمجد الله
وليس نفسه ويعمل “لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية”

وقد
ضرب المسيح مثلاً يوضح فيه هذا النوع من التوفير المرفوض قائلاً “إنسان غنيٌ
أخصبت كورتهُ. ففكر في نفسهِ قائلاً ماذا أعمل لأن ليس لي موضعٌ أجمع فيه أثماري.
وقال أعمل هذا. أهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاَّتي وخيراتي. وأقول
لنفسي يا نفس لكِ خيراتٌ كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكُلي واشربي وافرحي.
فقال له الله يا غبيّ هذه الليلة تُطْلَبُ نفسك منك. فهذه التي أعددتها لِمَن تكون.
هكذا الذي يكنز لنفسِه وليس هو غنياً لله.”

 

وقد
وصف المسيح هذا الغني بالغباء لأن حياته قد تركزت في نفسه كما قرأنا “فكّر في
نفسه قائلاً ماذا أعمل” ففكر ودبر ليعمل الكثير لخير نفسه لذلك قال ”
أقول لنفسي يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي
وافرحي.. هذا الإنسان تصّور أنه يمتلك نفسه إلى أن فوجئ أن الله يطلب نفسه منه
لأنها ليست ملكه بل ملك الله الذي صنعها والذي أعطاها له كما هو مكتوب “وجبل
الرب الإله آدم تراباً من الأرض. ونفخ في أنفهِ نسمة حياةٍ. فصار آدم نفساً
حيّةً” فهذه النفس الحية إنما هي النفخة التي نفخها الله في أنف الإنسان ليصير
الإنسان الترابي نفساً حيَّةً.. لذلك قال الله لهذا الإنسان يا غبي هذه الليلة
تُطلب نفسك منك. فمع أنها نفسه لكنها ليست ملكهُ بل كان يجب أن يكون وكيلاً أميناً
عليها. وغباء هذا الإنسان ليس فقط لأنه تصور أن نفسه ملكاً له لكن أيضاً لأنه أضرّ
نفسه حتى خسرها فقد ألصق نفسه بالتراب والترابيات وتصور أن راحته وفرحه في
الماديات والخيرات المادية الكثيرة فلم تنفتح عيناه على دعوة الله له ولكل إنسان
بأن يلصق نفسه بالذات الإلهية كما قال الرب في سفر ارميا “لأنهُ كما تلتصق
المنطقة بحقوي الإنسان هكذا ألصقت بنفسي كل بيت إسرائيل وكل بيت يهوذا يقول الرب
ليكونوا لي شعباً واسماً وفخراً ومجداً ولكنهم لم يسمعوا.”

 

أخيراً
كان هذا الإنسان غبياً لأنه لم يدرك أن الكنوز الأرضية زائلة وفانية بطبيعتها كما
وصفها المسيح قائلاً حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون. لقد قال
هذا الإنسان لنفسه يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة ولم يعلم أن هذه
السنين الكثيرة تحمل في داخلها الفناء والزوال لتلك الخيرات الكثيرة.

 

أما
الكنز الحقيقي المطلوب فهو الكنز في السماء ويبدأ هذا الكنز المطلوب بحصول الإنسان
على الكنز الحقيقي أولاً وهو ولادة الإنسان من فوق وحلول المسيح بالإيمان في قلبه
فيتم فيه قول الكتاب “ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية ليكون فضل القوَّة
لله لا منَّا.” فحينما نحصل على هذا الكنز بالإيمان بشخص المسيح الذي دفع ثمن
خطايانا على الصليب، يتعلق القلب بالسماء وتلتصق نفس الإنسان بذات الله فيطلب
الإنسان ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، ويهتم بما فوق لا بما على الأرض.
فإن أعطاه الرب ظروفاً معيشية ضيقة يعيش مكتفياً شاكراً عالماً أن خفَّة ضيقته
الوقتيَّة تنشئُ له أكثر فأكثر ثقلَ مجدٍ أبدياً. فلا يكون الإنسان المؤمن ناظراً
“إلى الأشياء التي تُرَى بل إلى التي لا تُرَى. لأن التي تُرَى وقتية وأما
التي لا تُرَى فأبديَّة”. وإن أعطى الرب للمؤمن سعةً ومالاً يفضل عنه ويزيد
عن احتياجاته فهو لا يبدد هذا المال بعيشٍ مسرف مثل الأشرار أي في تعظم للمعيشة
لكنه يتصرف بحكمة كوكيل صالح عن الله وكوكيل أمين فالله يعطي الجميع حياة ونفساً
وكلَّ شيء فهو يعطي المال أيضاً.

 

والإنسان
الذي يكنز له كنزاً في السماء يتصرف في المال وكل شيء آخر بحسب مشيئة الله فهو
ينفق هذا المال بحسب مشيئة الله ويوفّر ما يفضل عنه ليكون أيضاً تحت تصرف مشيئة
الله فيكون الله هو الكل في الكل في حياة هذا الإنسان. فالكتاب يوصي الأغنياء في
الدهر الحاضر “أن يصنعوا صلاحاً وأن يكونوا أغنياءَ في أعمالٍ صالحة وأن
يكونوا أسخياءَ في العطاءِ كرماءَ في التوزيع مدَّخرين لأنفسهم أساساً حسناً
للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الأبدية” أيضاً قال المسيح في إنجيل لوقا
“اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم -أو فني- يقبلونكم في المظال
الأبدية.” فالإنسان المؤمن السالك بحسب مشيئة الله لا ينفق في لذّاته ولا
يدّخر للذّاته أو لذاته بل هو بكل سرور يُنفق ويُنفَق لأجل عمل الرب ولأجل النفوس
التي يخدمها فالله يريد أن الإنسان المؤمن يعيش بالقناعة والاكتفاء وتخزين ما تيسر
كما نظّم بولس الرسول مشروع الجمع لأجل القديسين قائلاً “في كلّ أوَّل أسبوعٍ
ليضع كلُّ واحدٍ منكم عندهُ. خازناً ما تيسَّر حتى إذا جئْت لا يكون جمعٌ حينئذٍ.”

 

والله
يريد أيضاً أن الإنسان المؤمن يعيش مجتهداً غير كسول أو فضولي لا يشتغل، فالكتاب
يوصي ويعظ الجميع أن يشتغلوا بهدوء ويأكلوا خبز أنفسهم

 

ومكتوب
أيضاً “لا يسرق السارق في ما بعد بل بالحري يتعب عاملاً الصالحَ بيديهِ ليكون
لهُ أن يعطي مَنْ لهُ احتياج.” والحكيم يقول في سفر الأمثال “اذهب إلى
النملة أيها الكسلان. تأَمَّل طرقها وكن حكيماً. التي ليس لها قائد أو عريف أو
متسلط وتعدُّ في الصيف طعامها وتجمع في الحصاد اكلها. إلى متى تنام أيها الكسلان.
متى تنهض من نومك. قليلُ نومٍ بعدُ قليلُ نعاسٍ وطيُّ اليدَين قليلاً للرقود.
فيأتي فقرك كساعٍ وعوزك كغازٍ” ويقول الحكيم أيضاً في الإصحاح الثالث
“أكرم الرب من مالك ومن كل باكورات غلتك فتمتلئَ خزائنك شبعاً وتفيض معاصرك
مسطاراً” ويقول أيضاً “فأورّث محبيَّ رزقاً وأملأُ خزائنهم”

 

وكان
من الحكمة التي أعطاها الرب ليوسف في سفر التكوين أن “يوكّل نظّاراً على
الأرض ويأخذ خُمس غلّة أرض مصر في سبع سني الشبع. فيجمعون جميع طعام هذه السنين
الجيدة القادمة ويخزنون قمحاً تحت يد فرعون طعاماً في المدن ويحفظونه. فيكون
الطعام ذخيرة للأرض لسبع سني الجوع التي تكون في أرض مصر. فلا تنقرض الأرض
بالجوع”

 

بل
ونحن نعلم أيضاً أنه كانت خزانة لبيت الرب فمكتوب في سفر عزرا “أعطوا حسب
طاقتهم لخزانة العمل” ومكتوب أن الرب نفسه “يجمع قمحه إلى المخزن”
فالتخزين في مخزن الرب طاعة للرب، أما التخزين للعالم فهو مرفوض من الله.

 

من
كل هذا نفهم أن الله لا يريدنا أن نصرف أي جزء مما لنا في غير رضى الله لكن نعيش
اليوم في رضا الله ونخزن الباقي (من الصحة والمال ومن كل عطايا الله) للغد ليُصرَف
في رضا الله أيضاً، ثم يُخزَّن الباقي لبعد الغد ليُصرف في رضا الله ايضاً وهكذا….
وهذا هو الكنز السماوي أن يعيش الإنسان في رضا الله فلا يفسد سوس ولا صدأ ولا ينقب
سارقون ولا يسرقون. بل كما قال الرسول بطرس “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح
الذي حسب رحمتهِ الكثيرة ولدنا ثانيةً لرجاءٍ حيٍّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات
لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحلُّ محفوظ في السموات لأجلكم أنتم الذين بقوَّة
الله محروسون بإيمانٍ لخلاصٍ مستعدٍّ أن يُعلَن في الزمان الأخير.” ولإلهنا
كل المجد إلى الأبد آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى