علم الكنيسة

التعريف بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية



التعريف بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية

التعريف بالكنيسة
القبطية الأرثوذكسية

القمص زكريا بطرس

“في
ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر”
(أشعياء 19:
18)

 

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في نبوات الكتاب
المقدس:

نقرأ في سفر أشعياء: “وحي
من جهة مصر هو ذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من
وجهه ويذوب قلب مصر داخلها.” (أشعياء1: 19).

 

وهذه النبوءة قد تمت في
إنجيل معلمنا متى البشير: “وبعد ما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في
حلم قائلاً قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك.لأن هيرودس مزمع
أن يطلب الصبي ليهلكه فقام وأخذ الصبي وأمه ليلاً وأنصرف إلى مصر وكان هناك إلى
وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني” (مت 13:
215)

 

 وهذه هي ترجمة حية
للنبوءة، فهوذا الرب راكب على سحابة سريعة أي في حالة هروب، وترتجف أوثان مصر،
ويذوب قلب مصر داخلها لأنه كما هو مثبت في التقليد والتاريخ الكنسي أنه عند هروب
العائلة المقدسة إلى مصر ودخولها المدن المصرية كانت الأوثان في تلك المدن تسقط
وتتحطم مما سبب الذعر لأهل المدن إذ أن هذه الأوثان هي آلهة بالنسبة لهم.

 

 هذا هو مجيء المسيح
إلى أرض مصر في النبوات. فالكنيسة القبطية موجودة في النبوات لأن الكنيسة القبطية
هي كنيسة مصر، وسنتأمل قليلاً في أشعياء آية 18

 

+ يقول “في ذلك
اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان” أي اللغة الروحية التي
تتعامل بها مع الله وليس مع الأصنام.

+ وتحلف لرب
الجنود” يعني تعرف رب الجنود وتقدره وتوقره.

+ “يقال لإحداها
مدينة الشمس، وفي ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر” قد يمر هذا
الكلام على القارئ دون أن يدري ما فيه من عجب. فالواقع أن المذبح الوحيد في ذلك
الزمان كان لا يوجد إلا في أورشليم بحسب أمر الرب، فكيف يكتب أشعياء أن يكون هناك
مذبح في مصر وهي من الأمم؟

 

 إذن فهي نبوة عن
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في أرض مصر ومذبح الرب فيها.

 + “وفي ذلك اليوم
يكون عمود للرب عند تخمها فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في أرض مصر” نبوة عن
رفع راية الصليب على أرض مصر شهادة للمسيح فكل منارة كنيسة تحمل الصليب عالياً.

+ “لأنهم يصرخون
إلى الرب بسبب المضايقين فيرسل لهم الرب مخلصاً ومحامياً وينقذهم. فيعرف الرب في
مصر ويعرف المصريون الرب في ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب (وليس
للأوثان) نذراً ويوفون به، ويضرب الرب مصر ضارباً فشافياً فيرجعون إلى الرب
فيستجيب لهم ويشفيهم” (يضرب المقاومين لكي ما يرجعوا ويتوبوا).

 

 وفي أشعياء (19 آية
26) يقول: “مبارك شعبي مصر”: أي مبارك شعبي الذي يؤمن بي في أرض مصر.

 

 هذه هي النبوة عن
الكنيسة القبطية بأرض مصر بحسب التي نطق بها أشعياء النبي وقد تمت في العهد الجديد،
إذ جاء الرب يسوع المسيح إلى أرض مصر وباركها. وعندما جاء مار مرقس وبشرها قبلت
المسيح وآمنت وصارت مصر للمسيح، ونيت فيها الكنيسة وشيد بها مذبح الرب.

 

مفاهيم أساسية

V               
مفهوم الكنيسة.

V               
مفهوم القبطية.

V               
مفهوم الأرثوذكسية.

 

ما هو المقصود بالكلمات
التالية:

v              
الكنيسة.

v              
القبطية.

v              
الأرثوذكسية.

 

مفهوم كلمة
الكنيسة؟

هناك ثلاث معان لكلمة
كنيسة:

أولاً: المعنى الروحي:

 هو أن الكنيسة يقصد
بها جماعة المؤمنين الذين يعبدون الرب يسوع والذين هم أعضاء جسده، وقد تكلم عنها
بولس الرسول في (أف 23: 5) “لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً رأس
الكنيسة..ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن..أيها الرجال احبوا
نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها
بغسل الماء بالكلمة لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من
مثل ذلك بل تكون مقدسة بلا عيب..فأنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما
الرب أيضاً للكنيسة. لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه”.

 

 وهكذا نجد هنا أن
الكنيسة تعني جماعة المؤمنين التي يقدسها ويطهرها الرب لتصير عروس للمسيح، وجماعة
المؤمنين هم أعضاء جسد المسيح.

 

ثانياً: المعنى العقيدي:

 الكنيسة هي العقيدة
الإيمانية التي تؤمن بها جماعة المسيح، لذلك تعتبر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي
الجماعة التي تؤمن بالعقيدة الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية هي الجماعة التي
تؤمن بالعقيدة الكاثوليكية.

 وفي هذا المعنى يقول
معلمنا بولس الرسول “الكنيسة هي عمود الحق وقاعدته” (1تي3: 15) والحق
هنا يعني الإيمان وقاعدة العقيدة.

 

ثالثاً: المعنى المادي:

أي مبني الكنيسة. الذي
يجتمع فيه المؤمنون. وقد جاء في سفر أعمال الرسل أن برنابا وشاول “اجتمعا في
الكنيسة سنة كاملة” وذلك في مدينة أنطاكية (أع26: 11).

إذن فالكنيسة هي مبني
يضم جماعة المؤمنين الذين يتبعون المسيح، والذين هم أعضاء جسده، والذين لهم عقيدة
خاصة.

 

مفهوم كلمة القبطية

كلمة القبطية لها
معنيان: معنى عام، ومعنى خاص.

أولاً: المعنى العام:

 كلمة قبطية تعني مصرية،
فكلمة أقباط تعني مصريين. وهي مأخوذة من الكلمة اليونانية [
Ciptos]
وقد حرفت في اللغة الإنجليزية إلى [
Copts]. وحورت في اللغة العربية
إلى
[قبط]. وهكذا كان كل المصريين أبناء الفراعنة يسمون “قبط” حتى قبل دخول
المسيحية أرض مصر.

 

ثانياً: المعنى الخاص:

 منذ بداية الفتح
العربي لمصر دعيت كلمة قبطي على المسيحي المصري وليس على كل المصريين، لكي يميزوا
بين المسيحيين المصريين، وبين الغزاة الذين دخلوا مصر والذين صار اسمهم
“المسلمين”. ويعود ذلك لقول نبي الإسلام “استوصوا بقبط مصر
خيراً”، وكان يقصد بقبط مصر أي المسيحيين من سكان مصر. ومن هنا أخذ المسيحيون
المصريون اسم قبط. فعندما نقول “الكنيسة القبطية” نعني “الكنيسة
المصرية” المسيحية.

 

مفهوم كلمة
الأرثوذكسية

 لكي نفهم المقصود من
كلمة أرثوذكسية ينبغي أن نعرف ما هي الكنائس المسيحية الموجودة في العالم، إذ توجد
العائلة الأرثوذكسية، والعائلة الكاثوليكية، والعائلة البروتستانتية.

 

أولا: العائلة
الأرثوذكسية:

 كلمة
“أرثوذكسية” تعني المستقيمة الرأي. والكنائس الأرثوذكسية هي: الكنيسة
المصرية في مصر، والكنيسة السريانية في سوريا، والكنيسة الأرمينية في أرمينيا،
والكنيسة اليونانية، والكنيسة الروسية، والكنيسة البلغارية، والكنيسة الهندية،
والكنيسة الحبشية.

 وبطريرك الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية الحالي هو البابا شنودة الثالث، ومقر إقامته بالقاهرة.

 

ثانيا: العائلة
الكاثوليكية:

 كلمة كاثوليكية تعني
الجامعة. وكان هذا من ألقاب الكنيسة الأولي “كنيسة واحدة مقدسة جامعة
رسولية” فأخذت روما بعد انقسام الكنائس اسم كاثوليك. ومقرها الكنيسة
الكاثوليكية في روما، وبطريركها الحالي هو البابا جون بول.

 

ثالثا: العائلة
البروتستانتية:

 وقد أتت تسميتها من
كلمة
Protest وهي تعني معارضة، وهي تعني الكنيسة المحتجة على الكنيسة
الكاثوليكية، فهي تحتج على التقاليد الأيقونات والقداسات وأسرار الكنيسة السبعة
والبخور، وقد انقسمت إلى عدة طوائف زادت عن الألف طائفة.

 

 بناء عليه فكلمة
“أرثوذكسية” تعني المستقيمة الرأي التي لم تنحرف يميناً أو شمالاً عن
التعاليم الأولى والعقائد الأولى والتقاليد الأولى الرسولية.

 

تأسيس الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية

¯              
من أسسها.

¯              
متى تأسست.

¯              
أين تأسست

¯              
كيف امتدت.

نعود لنتأمل ما جاء في
الإصحاح التاسع عشر من سفر أشعياء النبي كمنطلق لأحاديثنا في هذا الباب.

 “وحي من جهة مصر
هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب
مصر داخلها.. وفي ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان وتحلف لرب
الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس. في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر
وعمود للرب عند تخمها. فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في أرض مصر. لأنهم يصرخون
إلى الرب بسبب المضايقين فيرسل لهم مخلصاً ومحامياً ينقذهم فيعرف الرب في مصر
ويعرف المصريون الرب في ذلك اليوم. ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذراً
ويوفون به. ويضرب الرب مصر ضارباً فشافياً فيرجعون إلى الرب فيستجيب لهم ويشفيهم..
بها يبارك رب الجنود قائلاً مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل”.

 

بدأنا أيها الأحباء هذه
السلسلة بالتعريف بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وها قد رأينا النبوة تشير إلى
تأسيس هذه الكنيسة ومجيء رب المجد يسوع إلى مصر وبناء المذبح في مصر، وقد تكلمنا
في الباب السابق عن مفاهيم أساسية للكلمات: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

 

 وفي هذا الباب سنتحدث
بمشيئة الله عن تأسيس هذه الكنيسة:

1 من أسسها.

2 متى تأسست.

3 أين تأسست.

4 كيف انتشرت في العالم
كله.

 

من أسس الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية؟

 تأسست الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية بمصر على يدي القديس العظيم مار مرقس الرسول والإنجيلي. وهو كاتب
الإنجيل الثاني من الأناجيل الأربعة في العهد الجديد [الإنجيل المعروف باسمه]، وهو
رسول من القرن الأول الميلادي.

 

 وتحضرني الذاكرة
بواقعة حدثت لأول وفد من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ذهب لمجلس الكنائس العالمي،
إذ يحكي المتنيح الأنبا صموئيل أسقف الخدمات الذي استشهد يوم أن قتل السادات، قال:
“جلسنا مع الوفود الأجنبية وصار ممثلوها يحكون تاريخ كنائسهم. فقال أحدهم
كنيستي تعود إلى 50 سنة ومؤسسها فلان الفلاني، وقال آخر أن كنيستي أقدم من كنيستك
فقد تأسست منذ 100سنة، وقال آخر أما أنا فكنيستي لها400 سنة منذ أيام مارتن لوثر.
يقول: كنت صامتاً أثناء هذه المباراة، فسألني أحدهم: “وأنتم منذ متى تأسست
كنيستكم؟” فقلت: “حقيقة أن كنيستنا تعود إلى 20قرن مضت” فعلق
السائل قائلا: “أنا لا أسأل عن الفراعنة”. فأجاب الأنبا صموئيل: “نحن
من القرن الأول الميلادي حينما جاء القديس مرقس كاتب إنجيل مرقس وبشر المصريين
فآمنوا بالمسيح”.

 

 فقال الرجل: “حقيقة
ينبغي أن نقف إجلالاً لكنيستكم لأنها تستحق الإكرام والإجلال”.

 

 فكنيستنا هي منذ القرن
الأول الميلادي، والتي بشرها القديس مار مرقس الرسول الذي كان واحداً من ال70
رسولا، الذين تكلم عنهم لوقا البشير في إنجيل لوقا(1: 10).

 

 وكان مرقس الرسول من
عائلة يهودية تعيش في ليبيا بشمال أفريقيا، وكانت عائلته تذهب إلى أورشليم في
الأعياد. وفي إحدى المرات تقابل الشاب مرقس مع المسيح، وسمع عظاته، ورأى معجزاته،
وآمن به. ثم جال يبشر بتعاليمه في ليبيا ومصر. وتوجد آثار لمار مرقس باقية إلى
الآن في ليبيا، لدرجة أن وزارة الثقافة الليبية قد أصدرت حديثا كتابا رسميا عن مار
مرقس الليبي. ويتكلم الكتاب عن تاريخ مار مرقس في ليبيا، وآثار الكنيسة التي بناها
مار مرقس في جبال ليبيا.

 

 في بيت مارمرقص صنع
الرب يسوع المسيح العشاء الرباني إذ كان يعز هذه الأسرة. كما كان بطرس الرسول أيضا
يعتز بمرقس الرسول إذ كان بمثابة ابنه في الإيمان، ولذلك كتب عنه في رسالته
الثانية قائلا: “مرقس ابني” (2بط13: 5).

 

 وكعادة الكتاب المقدس
أنه لا يذكر فقط الجوانب الإيجابية لأية شخصية، بل يذكر أيضاً سلبياتها، لكي يتشجع
الناس ولا ييأسوا، فقد ذكر في الكتاب المقدس هذه الحادثة التي سجلها مرقس عن نفسه
في إنجيله “وتبع المسيح شاب لابساً إزاراً على عريه (أي لم يكن يرتدي سوى هذا
الإزار) فأمسكه الشبان (الشبان اليهود) فترك الإزار وهرب منهم عرياناً” (مر51:
1452).

 هل يمكن أن يكون هذا
الشخص هو مؤسس كنيستنا؟ نعم هو. فقد كان لم يزال شابا صغيرا، وقد وجد أن معلمه قد
قبض عليه فخاف. وفي ذات الوقت لم يكن قد تقوى بالروح القدس، الذي حل على التلاميذ
يوم الخمسين.

 

 لقد ذكر ذلك معلمنا
مرقس عن نفسه هذا الجانب السبي لأن المسيحية هي حياة اتضاع، لا كبرياء وتبرير
للمواقف.

 

 كما أن هناك خطاء آخر
لمرقس الرسول، عندما خرج مع بولس الرسول وبرنابا الرسول في الرحلة الأولى للتبشير.
هذه الحادثة مذكورة في أعمال الرسل إصحاح 13 إذ دخلوا بلد ليبشروها بالمسيح، فقام
سكانها بضرب الرسل وتركوهم بين الحياة والموت. فلما وجد مرقس الرسول أن بداية
الأمر هكذا فكيف إذن ستكون نهايته؟ فقال لهم: أنا راجع من حيث أتيت. فطلب منه بولس
الرسول البقاء، ولكنه رفض وأصر على العودة.

 

 بالطبع تعتبر هذه نقطة
ضعف في القديس مرقس ولكن هذا يجعلنا نحن نتشجع ونتقوى، حيث أن القديسين أنفسهم
كانت لهم ضعفات.

 

 وعندما خرج بولس
وبرنابا للخدمة مرة أخرى طلب مرقس الخروج معهما فرفض بولس بسبب رجوعه في المرة
السابقة. فاقترح برنابا وهو خال مرقس أن يأخذ هو مرقس وينطلقا للخدمة في قبرص،
بينما أخذ بولس سيلا وذهب إلى سورية (أع15: 39و40).

 

 وهكذا عمل برنابا على
تعليم وتدريب مرقس على الخدمة حتى تشدد ونما في الإيمان وقال بولس الرسول نفسه عنه:
“أرسلوا لي مرقس لأنه نافع لي للخدمة” (2تي 11: 4).

 

 ومن هنا نستفيد نحن إن
كان لأي منا نقطة ضعف فهذا لا يدعنا نيأس. فعلينا أن نجاهد، والله يستطيع أن
يساعدنا ويستخدمنا ف الخدمة من جديد، مثلما حدث مع مرقس الرسول.

 

 وقد أستشهد مرقس
الرسول في الإسكندرية سنة 68م، إذ ربطوا قدميه في ذيل حصان، وانطلق الحصان يعدو في
شوارع الإسكندرية، وكانت رأس مار مرقس وكل جسده يصطدم بالحجارة، حتى نال إكليل
الشهادة وقد روى أرض مصر بدمائه.

 

 وكان نصيب مصر هو
الأوفر من حيث اضطهاد واستشهاد الكثير من الأقباط من أجل إيمانهم، الأمر الذي دعى
المؤرخة الإنجليزية التي تدعى مدام بوتشر في كتابها “الأمة القبطية” أن
تقول: “إننا نعلم أن عجائب الدنيا سبعة، ولكنه توجد عجيبة ثامنة لا يعرفها
العالم ألا وهي بقاء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر حتى يومنا هذا، رغم موجات
الاضطهاد والاستشهاد التي اجتاحت أقباط مصر على مر الزمن”.

إذن مؤسس الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية في مصر هو مار مرقس البشير الإنجيلي الرسول.

 

متى تأسست الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية؟

تذكر كتب التاريخ أن
مار مرقس قد ذهب إلى مصر ليبشرها في منتصف القرن الأول الميلادي، حوالي سنة 50 55
م حيث جال مبشراً بين مصر وليبيا وفي سنة 68م استشهد في مصر، وقد تأسست الكنيسة
فيما بين عامي 50 55 م

 

 بعد أن جال مرقس
الرسول مع بولس وبرنابا الرسولين مبشراً في آسيا الصغرى، وقبرص، جاء إلى مصر ليكرز
ببشارة الإنجيل، فكانت أرض مصر من باكورات الأقطار التي قبلت الإيمان بالمسيح يسوع.

 

أين تأسست الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية؟

تأسست الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية في أرض مصر الفرعونية أي أن الأقباط هم نسل الفراعنة.

إلى مصر أرض الأقباط
والحضارات القديمة هناك أرسل الله مار مرقس الرسول إلى تلك البقعة الخصبة المتدينة
أساساً فقدماء المصريين كانوا متدينين بالطبيعة ولكنهم كانوا يعبدوا الأوثان
والثيران.. لعدم معرفتهم بالإله الحق، لهذا أرسل لهم الرب مار مرقس ليعرفهم
بالديانة الحقيقية وبالرب يسوع المسيح الفادي والمخلص.

 

كيف انتشرت الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية في العالم كله؟

لقد انتشرت الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية في كل قارات العالم الآن، في أوربا وأمريكا وكندا واستراليا
وآسيا وكل أفريقيا.

وقد قام هذا الانتشار
على عاملين هامين:

العامل الأول: هو الدور
الكرازي الذي قامت به الكنيسة في بقاع العالم.

والعامل الثاني: هو
الهجرة، والعمل. مما دعا كثير من الأقباط إلى الانتشار في بلاد العالم وتأسست لهم
كنائس بهذه الدول التي هاجروا إليها.

 

العامل الأول:

 استناداً على ما كتب
في دائرة المعارف الإنجليزية والتي تقول أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قد قامت
بالنشر والتبشير في شمال أفريقيا وليبيا في الغرب وفي الجنوب في بلاد النوبة (وقد
كانت بلاد النوبة كلها مسيحية وملكها مسيحي ولم يبق الآن سوي العادات المسيحية فهم
لا زالوا يعمدون أطفالهم في النيل قائلين غطستك غطيسة حنا، أي عمدتك معمودية
يوحنا) والسودان، وأيضاً في أثيوبيا في القرن الرابع الميلادي حيث رسم القديس
اثانسيوس الرسولي مطراناً لأثيوبيا (وهو الأنبا سلامة وقصته جميلة. فقد كان هو
وأخوه تجارا، يتاجران في الشرق الأقصى، فيذهبا إلى الهند للتجارة. وفي إحدى
رحلاتهما واجهتهما عاصفة فنزلا على الشاطئ حتى تهدأ العاصفة. ووجدا أن سكان
المنطقة كرماء جداً فكلماهما عن المسيح فقبلوه بفرح. وبعد هدوء العاصفة عادا إلى
مصر وكلما البابا في أمر هؤلاء الناس في أثيوبيا، فما كان من الأنبا اثانسيوس إلا
أن رسمه مطراناً على الحبشة، وبعثه يكرز هناك وانتشرت المسيحية في الحبشة في القرن
الرابع الميلادي.

 

 وأيضاً بشرت الكنيسة
في الهند حيث أرسل البابا ديمتريوس سنة 188م 230 م أرسل بانتينوس مدير الكلية
الإكليريكية للكرازة بالهند. وفي طريق عودته من الهند نزل في اليمن وبشر فيها.

 

 والعلامة أورجانوس
أرسل إلى الجزيرة العربية إلى مكة لأن بعض القبائل العربية كانوا مسيحيين وتابعين
لمصر، وظهرت بينهم بدعة فأرسل أورجانوس ليرد على هذه البدعة وليعرفهم الإيمان
السليم. وكان ذلك فيما بين القرنين الثاني والثالث الميلادي

 

 وإلى العراق وإيران
ذهب القديس أوجين ووضع قوانين ديريه معروفة باسمه هناك.

 

 كما تذكر دائرة
المعارف البريطانية أن الكنيسة القبطية قد بشرت فرنسا وسويسرا وايرلندا وإنجلترا
وقد قام بتبشيرها جماعة من الرهبان من الأديرة القبطية.

 

 وقد رسم قداسة البابا
شنودة الثالث أسقفين للكرازة في كل أفريقيا. وكان قد أرسل نيافة الأنبا باخوميوس
بالسودان لمدة ثلاث سنوات يكرز لقبائل النوبة والجنوب ويواصل نيافة الأنبا
صرابامون أسقف أمدرمان الكرازة لهذه القبائل.

 

العامل الثاني:

 وهو الهجرة والعمل فقد
قام بعض الأقباط في القرن التاسع عشر الميلادي بالهجرة إلى السودان وكونوا هناك
جاليات قبطية وبحسب انتشار الجالية في ربوع السودان تكونت كنائس قبطية أرثوذكسية.

 

 وبواسطة حركة الهجرة
في الستينيات إلى كندا وأمريكا وأستراليا تأسست كنائس قبطية هناك. وبلغ عدد
الكنائس في عهد البابا شنودة حوالي 150 كنيسة في هذه القارات.

 

 وعامل آخر هو العمل
فقد جاء كثير من الأقباط لمدن أوروبا وإنجلترا للعمل فيها، ولعل جاليتنا القبطية
في برايتون لأكبر دليل على انتشار الكنيسة في هذا العالم حيث تأسست هذه الكنيسة
القبطية التي ترعانا ونعيش في حضنها.

وهناك أيضا الأقباط
الذين ذهبوا للعمل في دول الخليج فتكونت فيها أيضاً كنائس قبطية أرثوذكسية.

 

 من هذا نرى أن كنيستنا
القبطية الأرثوذكسية مثل حبة الخردل التي غرسها مار مرقس الرسول وقد صارت الآن
شجرة كبيرة تتآوى في فروعها طيور الأقباط في كل مكان. ونرجو أن توصل هذه النعمة
وهذا النور بالكرازة بمحبة الله للجميع. وليتمجد أسم الله من الآن وإلى الأبد آمين.

 

إيمان الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية
في الله وجوده وثالوثه

أولاً: الإيمان بوجود
الله

 نحن نؤمن أن الله
موجود، وذلك بحسب قول الكتاب المقدس: “يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن أنه
موجود
“. (رسالة العبرانيين 6: 11)

 

1 هل الله موجود؟

 كثير من الناس ينكرون
وجود الله، ويريدون أن يروه ليؤمنوا به. وهذا الإدعاء قديم الزمن، فقديما قال
أبيقور الفيلسوف اليوناني: “أين هو الله؟ إن كان يوجد إله، فدعوه ينزل لي هنا
حتى أؤمن به؟”

 

 الواقع أن نفس السؤال
قائم إلى اليوم، وإن اختلف الأسلوب، فالكثيرون يقولون: “أين هو الله؟”
ويطالبون بتطبيق المنهج العلمي للاستدلال على وجوده. ووسائل المنهج العلمي معروفة
التي هي: التجربة، والمشاهدة، والاستنتاج، للخروج بحقائق يقينية.

 

2 هل يمكن تطبيق المنهج
العلمي على إدراك الله؟

 الواقع إن أردنا أن
نطبق المنهج العلمي للتيقن من وجود الله بعقولنا، فلابد أن نضعه تحت مستوى البحث
لكي نفهمه. فكلمة “يفهم” باللغة الإنجليزية هي “
understandوهذه الكلمة تتكون من مقطعين هما: under + stand فيكون معنى الكلمة: أن أضع الله تحت مستوي إدراكي لكي أفهمه،
تماما مثل أي شيء مادي آخر. فلكي نرى الأشياء الدقيقة، نقوم بوضعها تحت
الميكروسكوب لكي نراها. وعلماء الفلك يستعملون التلسكوب لكي يروا الكواكب البعيدة
وهكذا.. فالمنهج العلمي يضع الأمور تحت إمكانياته لكي يستطيع أن يفهمها.

 

 لكن الله لا يمكن وضعهunder our stand لأنه هو في الواقع
above our stand أي فوق مستوى العقل والإدراك البشري المحدود، فلا نحتاج
لميكروسكوب لكي نفحصه ولا تلسكوب لكي نقربه بل نحتاج إلى “إيمانوسكوب”.
حيث أن “سكوب” تعني “رؤية”، وبالتالي “إيمانوسكوب”
تعني “الرؤية الإيمانية”، فبدون الإيمان لا نستطيع أن نفهم الله، كما هو
مكتوب “لا بد أن الذي يأتي إلى الله يؤمن أن الله موجود” (عب11: 6).

 

3 كيف يمكن للإنسان أن
يؤمن بالله؟

 يمكن للإنسان أن يؤمن
بالله بالبحث عنه في المرجع المتخصص في هذا العلم، أعني علم معرفة الله. فكل علم
له مراجعه المتخصصة، فإن أردت أن تدرس الطب فادرسه في كتب الطب، وإن أردت أن تدرس
القانون فلترجع إلى كتب القانون.. وهكذا مع كل التخصصات.

 والواقع أنك لا تستطيع
أن تدرس القانون في كتب الطب مثلا. فهكذا الحال عندما تريد أن تدرس شيئا عن الله
فادرسه في المرجع المتخصص في ذلك وهو الكتاب المقدس، ففيه كل ما يريد الإنسان أن
يعرف عن الله والإيمان به والحياة معه في هذا العالم وفي الحياة بعد الموت.

 

ثانياُ: الإيمان بأن
الله روح وليس مادة

كان الوثنيون يؤمنون أن
الله صنم، ويمثلوه بأشكال مختلفة مثل ثعبان أوجعران أوثور أوخلافه. ولكن الله
الحقيقي غير ذلك تماما، إذ يقول الكتاب المقدس [المرجع الكتخصص في علم الله]: “الله
روح
والذين يسجدوا له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” يو (24: 4).

 

 فهذا هو إيمان الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية بل والمسيحية عموما في الله أن روح لا مادة. فهو لا يرى
بالعين المجردة.

 

ثالثاً: الإيمان أن
الله واحد في ثالوث

نحن نؤمن أن الله واحد
في ثالوث، والثالوث هو الآب والابن والروح القدس. هذا ما يتضح من قول السيد المسيح
لتلاميذه: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح
القدس” (متى28: 19)

قد يرى البعض صعوبة في
فهم الثالوث في الوحدانية. ولكن إذا نظرنا إلى الإنسان الذي خلق على صورت الله،
نرى أن الإنسان رغم أ،ه كيان واحد إلا أن فيه ثالوث واضح يتكون من: قلب وعقل وروح.
فالروح هو عنصر الحياة، والعقل هو عنصر الحكمة، والقلب هو عنصر المحبة. وهؤلاء
الثلاثة هم في الإنسان الواحد.

 

رابعا: الإيمان بصفات
الله

من أهم صفات الله التي
نؤمن بها هي أنه محب. وهذا ما وضحه يوحنا الرسول بقوله: “.. الله محبة”
(1يو4: 8)

وفي محبته خلقنا على
صورته ومثاله كما يقول الكتاب المقدس: “فخلق الله الإنسان على صورته..”
(1تي6: 17)

وبدافع من محبته جاء
إلينا عندما سقطنا في الخطية لكي يفدينا ويردنا إلى إحضانه الأبوية مرة ثانية،
كقول الكتاب “هكذا أحب الله الع الم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من
يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16).

 

إيمان الكنيسة القبطية
بالوحي الإلهي (الكتاب المقدس)

تؤمن الكنيسة القبطية
أن الكتاب المقدس كله هو موحى به من الله. إذ يقول معلمنا بولس الرسول “كل
الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في
البر” (2تي 16: 3)

ونؤمن أن الكتاب المقدس
يتكون من عهدين، العهد قديم والعهد جديد.

 

أولا: العهد القديم

 يتكون العهد القديم من
الأسفار القانونية الأولى والأسفار القانونية الثانية.

 

(1) الأسفار القانونية
الأولى:
وتشمل:

1 كتب الشريعة الخمسة: وهي

سفر التكوين، والخروج،
اللاويين، العدد، والتثنية.

2 الأسفار التاريخية: وهي:

سفر يشوع، وقضاة،
وراعوث، وصموئيل الأول، وصموئيل الثاني، والملوك الأول، والملوك الثاني، وأخبار
الأيام الأول، وأخبار الأيام الثاني، وعزرا، ونحميا واستير.

3 الأسفار الشعرية: وهي:

سفر أيوب، وسفر
المزامير، وسفر الأمثال، وسفر الجامعة، وسفر نشيد الأناشيد.

4 أسفار الأنبياء
الكبار
: وهي:

سفر اشعياء، وارميا،
ومراثي أرميا، وحزقيال، ودانيال.

5 الأنبياء الصغار: وهي:

سفر هوشع، ويوئيل،
وعاموس، وعوبيديا، ويونان، وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجي، وزكريا، وملاخي.

 

(2) الأسفار القانونية
الثانية:
وهي:

سفر طوبيا، ويهوديت،
وتتمة سفر استير، وحكمة سليمان، ويشوع بن سيراخ، وباروخ، وتتمة سفر دانيال،
ومكابيين أول، ومكابيين ثاني.

هذه الأسفار القانونية
الثانية لا يؤمن بها البروتستانت، وحجتهم في ذلك أن بعض اليهود لم يكونوا يؤمنون
بها، والسبب هو أنها اكتشفت بعد عزرا ونحميا.

والواقع أنه بعد موت
عزرا ونحميا وجدت هذه الأسفار في حفريات الهيكل. فانقسم اليهود بإزائها بين مؤيد
ورافض لمصداقيتها.

وتجدد هذا الخلاف حينما
جاءت المسيحية ودخلها يهود ممن لا يؤمنون بهذه الأسفار الأخيرة، فصار نقاش حول
قانونيتها حتى قرر مجمع هيبو سنة 393م قانونيتها.

 

ثانيا: العهد الجديد

ويشمل:

(1) الأناجيل الأربعة: وهي: إنجيل
متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا.

وتتكلم البشائر الأربعة
عن حياة السيد المسيح وأعماله ومعجزاته وكلامه الذي نطق به في عظات أو تعليقات على
مواقف متعددة. ثم آلامه وصلبه ودفنه وقيامته من الأموات.

 

(2) سفر أعمال الرسل: وتكلم عن
الكنيسة الأولى في عهد الرسل وامتدادها في في بقاع كصيرة.

 

(3) الرسائل: وهي رسائل
بولس الرسول، ويعقوب الرسول، وبطرس الرسول، ويوحنا الرسول، ويهوذا الرسول. وكلها
رسائل تعليمية عن الحياة المسيحية.

 

(4) سفر الرؤيا: وهو السفر
النبوي الذي يتحدث عن الأمور التي ستحدث في المستقبل حتى المجئ الثاني للمسيح.

 

 ونحن نعتبر الكتاب
المقدس هو مصدر كل تعليم، وكل عقيدة، وكل سلوك روحي، فمعلمنا بولس الرسول يقول
“إن كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب
الذي في البر، لكي يكون إنسان كاملاً متأهباً لكل عمل صالح” (2تي2: 16و17).

 

كيفية الاستفادة من
الكتاب المقدس

الواقع أن هناك طرق
كثيرة لدراسة الكتاب المقدس ولكننا هنا سوف نوضح أحداها فقط، وهي الراسة التطبيقية،
أي قراءة الآيات وتطبيقها على حياتنا الشخصية ببساطة، لنرى ماذا نستفيد منها.

أول: اختر سفرا
معينا من الكتاب المقدس، ابدأ مثلا بإنجيل معلمنا يوحنا البشير

ثانيا: اقرأ
بانتظام يوميا جزءا واحدا من الإصحاح [حوالي خمسة آيات].

ثالثا: بعد قراءة
هذا الجزء مرة ومرتين محاولا أن تفهم معناه، اسأل نفسك: ماذا يقول الرب لي من خلال
هذا الجزء؟ فقد يتكلم الرب إليك عن واحدة مما يأتي:

1 خطية معينة في حياتك
تذكرتها وأ،ت تقرأ هذا الجزء، عندئذ ارفع صلاة للتوبة طالبا مغفرة من الرب لحين أن
تعترف بها أمام الكاهن.

2 عطية معينة اكتشفت من
هذا الجزء الذي قرأته أن الرب قد منحها لأبنائه، فاشكر الرب عليها.

3 وصية معينة وجدتها في
هذا الجزء، فاطلب من الرب نعمة لكي تنفذها في حياتك.

4 وعد معين يريد الرب
أن يعطيه لك، فاطلبه منه بالصلاة وبإيمان.

5 مثل أعلى يريدك الرب
أن تتشبه به، فاطلب معونة الرب لكي تستطيع أن تفعل ذلك.

6 صفة من صفات الرب
الرائعة، سبح ومجده وامدحه الرب عليها.

 

إيمان الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية
في خلاص الإنسان

الخلاص هو قصة الحب
الإلهي معلنة على الصليب، وتكتمل فصولها على طول الزمان.

وفي
بساطة نستطيع أن نقول إن الخلاص معناه (الإنقاذ) فمثلا قولنا: “الخلاص من
الغرق” نعني بذلك: “الإنقاذ من الغرق”.

 

ولتوضيح
إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الخلاص نناقش المواضيع التالية:

1
جوانب الخلاص.

2
النعمة والجهاد في قضية الخلاص.

3
الإيمان والأعمال في قضية الخلاص.

 

أولا: جوانب الخلاص

 تشتمل
جوانب الخلاص على:

1 إنقاذ من عقوبة
الخطية.

2 إنقاذ من سلطان
الخطية.

3 إنقاذ من جسد الخطية.

دعنا أيها القارئ
العزيز نستوضح معاني هذا الكلام باختصار شديد.

 

الجانب الأول: إنقاذ من
عقوبة الخطية

إذا
ارتكب أحدنا خطية معينة من الخطايا فإنه يتبكت ويتألم لأنه يرى شدة غضب الل بسبب
هذه الخطيةه، ويحس بأنه يستحق الموت، لأنه فعل الشر في عيني الرب إلهه..

هذا شعور سليم لأن
الكتاب المقدس يقول: “أجرة الخطية هي موت”(رو23: 6).

فان كان هذا هو شعورنا
فإننا نستطيع أن نفهم معنى الخلاص. فالخلاص هو إنقاذنا من عقوبة الخطية ودينونتها.
وبالتالي فهو إنقاذ من عقدة الشعور بالذنب التي نشعر بها بسبب الخطية. فالكتاب
المقدس يعلنها صريحة أنه “لا شئ من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح
يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح”.(رو1: 8).

 

 فالرب يسوع المسيح
بموته على الصليب قد فدانا من عقوبة الخطية، واحتمل في جسده عقوبة خطايانا ليطلقنا
مبررين. يقول الكتاب المقدس: “والرب قد وضع عليه إثم جميعنا” (اش6: 53).

 

 هل تثق يا أخي وتؤمن
في كفاية دم المسيح المسفوك عنك ليرفع عنك العقوبة التي تستحقها؟ فالكتاب المقدس
يقول: “ونحن متبررين الآن بدمه نخلص به من الغضب”.(رو9: 5).

 

 أم أنك تعيش حزينا
مرتجفا من العقاب الأبدي غير واثق في تبرير الرب لك بدمه. الواقع إنك إن لم تثق في
ذلك، فانك تنقص من قيمة دم المسيح وعمله الكفاري على الصليب!!.

 

 أليس على هذا الأساس
الإيماني المتين صار قبولنا لسر المعمودية المقدسة وممارستنا لسر التوبة والاعتراف
حتى نحصل على الخلاص من عقوبة خطايانا؟!

 

 فالمعمودية هي موت
ودفن وقيامة مع المسيح لحياة جديدة تختلف تماما عن حياة أهل العالم الذين يعيشون
لأنفسهم ولذواتهم. فالحياة الجديدة هي حياة محصورة في المسيح ولأجله ولتمجيد اسمه.

 

 أما سر التوبة فهو
الندامة على السلوك الخاطئ، والأعمال التي يسقط فيها الإنسان عن ضعف أو جهل أو كسل،
ثم يقوم ليواصل مسيرته الروحية بعد التخلص من دنس الخطية. فالكتاب المقدس يقول: “إن
اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم”
(1يو1: 9)

 

 ولكن
هل معنى هذا أننا نتمادى في خطايانا وشرورنا على حساب دم المسيح؟ كلا..

 

أريدك
أن تلاحظ جيداً أن الكتاب عندما قال: “إذاً لا شئ من الدينونة الآن على الذين
هم في المسيح يسوع” أكمل قائلا: “السالكين ليس حسب الجسد بل حسب
الروح”(رو1: 8).

 

والسيد
المسيح نفسه قال لمريض بيت حسدا بعد أن شفاه من مرض الجسد ومرض الخطية “ها
أنت قد برئت فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر”.(يو14: 5).

 

وبولس
الرسول يؤكد هذا القول بقوله: “فماذا نقول. أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة.
حاشا. نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها”.(رو1: 6،2).

 

 فالخلاص
من عقوبة الخطية قد تم فعلا بدم المسيح وموته الكفاري على الصليب، وينتقل إلينا عن
طريق أسرار الكنيسة. وعن هذا قال قداسة البابا شنودة الثالث:

[حقا
إن الخلاص قد تم على الصليب بالفداء بدم المسيح، ولكن نقل هذا الخلاص إلى الناس
تقوم به الكنيسة عن طريق الكهنوت والأسرار المقدسة]

كان
هذا عن الجانب الأول من الخلاص، أما الجانب الثاني للخلاص فهو:

 

الجانب الثاني: إنقاذ
من سلطان الخطية

هذا
هو المعنى الثاني للخلاص أو النوع الثاني للخلاص. فالإنقاذ من سلطان الخطية
ومحبتها لا يقل أهمية وقيمة عن الإنقاذ من قصاص الخطية وعقوبتها.

وربما
يتواجه التائب مع ضعفه عن أن يتخلص من سلطان الخطية وقوتها، وقد يصل به الأمر إلى
حد اليأس!!!

ولكن
شكراً لله بيسوع المسيح ربنا الذي قيل عنه “فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى
التمام الذين يتقدمون به إلى الله.. إذ هو حيٌّ في كل حين ليشفع فيهم”.(عب25:
7).

والخلاص
أو التحرير من سلطان الخطية له شقان:

 

(1) الشق الإلهي:

 من
المؤكد أن الرب يسوع لم يسدد الدين الذي علينا فحسب بل قد وهبنا روحه الذي يحررنا
من سلطان الخطية ومحبتها والعبودية لها. هوذا معلمنا بولس الرسول يتكلم عن اختباره
في هذا الأمر، فبعد أن كان يصرخ متأوِّها: “أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب
ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي.. ويحي أنا الإنسان الشقي
من ينقذني من جسد هذا الموت”.(رو23: 7،24)، نراه بعد ذلك يقول “إن ناموس
روح الحياة في المسيح قد أعتقني من ناموس الخطية والموت” (رو2: 8)، وقال أيضا
“أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (في4: 13).

 

السر
في هزيمتك المتوالية يا أخي هو أنك لم تدع الروح القدس يملأ كيانك كله ليحررك من
عبودية الخطية، فداوم الصلاة بثقة ورغبة كاملة كما علمتنا الكنيسة أن نقول: “أيها
الملك السمائي المعزي روح الحق الكائن في كل مكان والمالئ الكل كنز الصالحات ومعطي
الحياة هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا”
(الأجبية).

 

ومع
هذا فإن قوة المسيح تسري فينا أساساً من خلال سر الميرون [أو سر التثبيت] وسر
التناول [أيضا لنثبت في الرب ويثبت هو فينا]، فعندما نثبت فيه نستطيع أن نقوم
بجانبنا البشري.

 

(2) الجانب البشري:

 والجانب البشري يشمل
ضرورة الجهاد ضد العالم والشيطان وضد الإنسان العتيق الفاسد.

1 الجهاد ضد العالم: معلمنا
يوحنا الحبيب يدعونا إلى محاربة محبة العالم إذ يقول: “لا تحبوا العالم ولا
الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الله. لأن كل ما في
العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة..” (1يو2: 15 17) ولهذا ينبغي
على المؤمن أن يكون في حرب دائما ليرفض عروض العالم وأفكاره التي تفصله عن الشركة
مع فاديه ومخلصه الرب يسوع المسيح.

 

2 الجهاد ضد الشيطان: يقول معلمنا
بطرس الرسول “اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه
هو، فقاوموه راسخين في الإيمان..” (1بط5: 18و19) لذلك ينبغي أن نقاوم الشيطان
في جهاد مقدس كل أيام حياتنا.

 

3 الجهاد ضد الإنسان
العتيق
: يقول معلمنا بولس الرسول “عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب
معه ليُبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضا للخطية.. إذن لا تملكن الخطية في
جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته” (رومية 6: 6و12)

 

 يلاحظ من
هذا الكلام حقيقتان:

+ الحقيقة الأولى: هي
أن إنساننا العتيق قد صلب مع المسيح بالمعمودية.

+ والحقيقة الثانية: هي
أن هذا الجسد المائت لازالت له شهوات ينبغي أن لا نطيعها.

 فكيف يكون ذلك؟ كيف
يكون للجسد المائت شهوات؟

 

 ولحل هذه
المشكلة العويصة أعطيك مثالا يفسر لنا هذا الأمر ويحل الإشكال: فإن المجرم المحكوم
عليه بالإعدام لا ينفذ فيه حكم الإعدام في قاعة المحكمة عقب صدور الحكم مباشرة،
ولكنه يعاد إلى السجن لينتظر موعد تنفيذ الحكم. ففي هذه الفترة من لحظة صدور الحكم
حتى تنفيذه، هل يعتبر هذا المجرم ميتاً أم لا؟

 الواقع أنه
ميت وفي نفس الوقت غير ميت، ميت قانونا وحي فعلا.

 

 هكذا
الإنسان العتيق الفاسد يعتبر ميتا قانونا منذ المعمودية، التي قبل فيها المعمد حكم
الموت على جسده العتيق، ولكنه في الواقع لا يزال حيا حتى ينفذ فيه حكم الموت يوم
المجيء الثاني للرب يسوع المسيح. ولهذا وجب الجهاد ضد شهوات هذا الجسد، وهذا هو
مفهوم الجهاد الروحي ضد الإنسان العتيق الفاسد.

 

 بقي أن
نوضح الجانب الثالث للخلاص وهو:

 

الجانب الثالث: إنقاذ
من جسد الخطية

 هذا
هو الجانب الثالث من مفهوم الخلاص. فالمؤمن يظل طيلة أيام حياته في حرب طاحنة ضد
الشيطان والجسد والعالم، لذلك فهو ينتظر مجيء الرب يسوع من السماء ليخلصه من جسد
الخطية. لهذا فكمال خلاصنا هو بتغيير أجسادنا الترابية إلى أجسام روحانية في ظهور
ربنا بمجده فمعلمنا بولس الرسول يقول “هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا
كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير.. فانه سيبوق فيقام الأموات
عديمي فساد ونحن نتغير”.(1كو51: 15،52). ولهذا فلسان حال المؤمن هو: “آمين
تعال أيها الرب يسوع “.(رؤ20: 22).

 

 وقد وضح القديس
أوغسطينوس مفهوم الخلاص هذا بكل جلاء إذ قال: “إذا سألني أحد عما إذا كنا قد
خلصنا بالمعمودية؟ فأنا لا أستطيع أن أنكر ذلك إذ يقول الرسول “خلصنا بغسل
الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس “.(تى5: 3). ولكن إن سألني عما إذا كنا قد
خلصنا تماما من كل ناحية بواسطة المعمودية؟ أجيب بأن الأمر ليس كذلك. فقد قال نفس
الرسول “لأننا بالرجاء خلصنا ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء لأن ما ينظره أحد
كيف يرجوه أيضاً. ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر”.(رو24:
8،25).

 

ثم
يعود القديس أوغسطينوس موضحاً فيقول: “لأن المعمودية تمحي كل الخطايا عامة..
ولكنها لا تنزع الضعف البشري الذي يظل يقاومه المتجدد في جهاده الحسن”. ويكمل
قائلا “ولكن هذا الضعف الذي نقاومه بين سقطة وقيام حتى الموت..سينتهي بتجديد
آخر قال عنه الرب: “في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون
أنتم على اثني عشر كرسياً”(مت28: 19). فيسمى الرب القيامة الأخيرة تجديداً
وقد سماها بولس الرسول (تبني وفداء) إذ قال “نحن الذين لنا باكورة الروح نحن
أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا متوقعين التبني والفداء أجسادنا”.(رو3: 8).

 

ثم يتساءل القديس أوغسطينوس قائلا: “ألم
نتجدد؟ ألم نحصل على التبني والفداء بالمعمودية المقدسة؟ نعم ولكن يوجد أيضاً
تجديد وتبني وفداء يجب أن نتوقعه بالصبر”.

(Nicene &
Post Nicene Fathers First Series Volume 5 Page 404)

 

ختاما أرجو لك يا أخي
القارئ كل نعمة في جهادك الروحي لتنعم بالحياة الأبدية التي إليها دعيت. كن معافى.

 

ثانيا: النعمة والجهاد في قضية الخلاص

يحتدم النقاش حول قضية
الخلاص بالنعمة أم بالجهاد. والواقع أن سر الخلاف هو التطرف، أي تمسك كل فريق بأحد
النقيضين. ففريق يري الخلاص بالنعمة فقط مستندين علي قول معلمنا بولس الرسول
“لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله” (أفسس 2: 8).
وعلي النقيض من ذلك نري قوماً آخرين يتمسكون بأن الخلاص هو بالجهاد فقط مثل أصحاب
بدعة (البيلاجية) أتباع بيلاجيوس في القرن الرابع الميلادي. أما النظرة
الأرثوذكسية فهي نظرة متوازنة وحكيمة, ومن منطلق الفكر الأرثوذكسي الأصيل سوف نناقش

 

النعمة: في
مفهومها، وأعمالها، وكيفية الحصول عليها، وبعض التوصيات بخصوصها.

الجهاد: في مفهومه،
وحتميته، وجوانبه، وأسلوبه.

التوافق بين النعمة
والجهاد.

 

النعمة الإلهية

سوف نوضح مفهوم النعمة،
ومفاعيلها، وكيفية الحصول عليها، ثم توصيات بخصوصها:

مفهوم النعمة:

النعمة
هي عطية مجانية من الله للإنسان، وهذا ما قصد معلمنا بولس الرسول إيضاحه بقوله
“لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله” (أفسس 2: 8).
وهذا عين ما أفصح عنه سليمان الحكيم بقوله “يعطي نعمة للمتواضعين” (أم 3:
34).

 

مفاعيل النعمة:

تقوم النعمة بأعمال
عديدة في حياة الإنسان نذكر منها:

1 الرحمة والمعونة: يقول
معلمنا بولس الرسول “فلنتقدم بثقة إلي عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة
عوناً في حينه” (عب 4: 16).

2 الخلاص: وهذا ما
وضحه معلمنا بولس الرسول بقوله “لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم
هو عطية الله” (أف 2: 8).

3 التبرير: قال معلمنا بولس الرسول “متبررين مجاناً
بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح” (رو 3: 24).

4 الثبات: هذا ما
ذكره معلمنا بولس الرسول أيضاً بقوله “..حسن أن يثبت القلب بالنعمة” (عب
13: 9).

5 القوة: يتضح ذلك
من قول معلمنا بولس الرسول “فتقو أنت يا أبني بالنعمة التي في المسيح
يسوع” (2 تي 2: 1)

الحصول علي النعمة:

توجد عدة وسائل للحصول
علي النعمة منها:

1 أسرار الكنيسة: التي
تعتبر قنوات نعمة من خلالها يحصل المؤمن علي نعم الله المتعددة.

2 الإتضاع: يقول
معلمنا بطرس الرسول “لأن الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم
نعمة” (1 بط 5: ).

3 الإيمان: الواقع أن الإيمان هو اليد التي تمتد لتحصل علي
النعمة كما وضح معلمنا بولس الرسول بقوله” لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان
وذلك ليس منكم هو عطية الله” (أف 2: 8).

توصيات بخصوص النعمة:

هناك عدة توصيات بخصوص
النعمة نذكر منها:

1 النمو في النعمة: يقول
معلمنا بطرس الرسول” ولكن أنموا في النعمة وفي معرفة ربنا يسوع المسيح”
(2بط 3: 13). وهذا ما أكده معلمنا بولس الرسول بقوله “.. ليتكم تزدادون في
هذه النعمة أيضاً” (2 كو 8: 7).

2 عدم الإزدراء بروح النعمة: أي عدم
تحقير النعمة، يقول معلمنا بولس الرسول “فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب
مستحقاً من داس ابن الله.. وأزدري بروح النعمة” (عب 10: 29).

3 الحذر من السقوط من النعمة: يوبخ معلمنا بولس
الرسول أهل غلاطية لارتدادهم عن النعمة بقوله “قد تبطلتم عن المسيح.. سقطتم
من النعمة..” (غل5: 4).

 كان هذا عن النعمة من
زوايا متعددة، وسوف نلقي الأضواء علي الجهاد.

 

الجهاد الروحي

في حديثنا عن الجهاد
سوف نتكلم عن: مفهومه، حتميته، مجالاته، وأسلوبه.

1- مفهوم الجهاد: الجهاد
الروحي هو بذل الجهد والعمل من جانب الإنسان تجاوباً مع عمل النعمة لأجل خلاص
النفس.

2 حتمية الجهاد: يوضح لنا
الكتاب المقدس بآيات عديدة ضرورة الجهاد وحتميته في الحياة الروحية نذكر منها:

أ (1 تي 6: 12) يقول معلمنا بولس الرسول لتلميذه
تيموثاوس “جاهد جهاد الإيمان الحسن وأمسك بالحياة الأبدية التي إليها
دعيت”.

 ب
(2 تي 4: 7) يتكلم الرسول عن جهاده الشخصي فيقول “قد جاهدت الجهاد الحسن
أكملت السعي حفظت الأيمان أخيراً قد وضع لي أكليل البر..”.

ج- (عب 12: 1و 2) يحض الرسول المؤمنين علي
الجهاد بقوله “.. ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا ناظرين إلي رئيس
الإيمان ومكمله يسوع..”

د- (عب 12″ 4) ثم يستحثهم الرسول بالجهاد
حتى الموت” لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية”

ه-(1 كو9: 25) يوضح الرسول حتمية الجهاد بضبط
النفس فيقول “كل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء”.

و- (2تي 2: 5) يوضح الرسول حتمية الجهاد
القانوني بقوله “إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونيا”

 

3 مجالات الجهاد:

للجهاد الروحي ميادين متعددة منها:

ضد الخطية: يوضح هذا
المجال معلمنا بولس الرسول بقوله “لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد
الخطية” (عب 12: 4).

ضد الشيطان: يقول
معلمنا بطرس الرسول “أصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً
من يبتلعه هو، فقاوموه راسخين في الإيمان” (1بط 5: 8و 9).

ج- ضبط النفس: يتضح ذلك من قول معلمنا
بولس الرسول “كل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء” (1كو 9: 25).

د- قمع الجسد: يقول معلمنا بولس
الرسول عن جهاده الشخصي “أقمع جسدي وأستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير
أنا نفسي مرفوضاً” (رو 15: 30).

ه الصلاة: ينبغي أن يجاهد
المؤمن في مجال الصلاة كقول الرسول “فأطلب إليكم أيها الأخوة بربنا يسوع
المسيح ومحبة الروح أن تجاهدوا معي في الصلوات..” (رو 15: 3).

والنمو الروحي: يوضح ذلك معلمنا
بولس الرسول بقوله “ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً ولكني أسعى لعلي أدرك الذي
لأجله ادركني أيضاً المسيح يسوع”. يكمل قائلاً: أيها الأخوة أنا لست أحسب
نفسي أني قد أدركت. ولكني أفعل شيئاً واحداً. إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلي ما
هو قدام، أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع” (في 3:
12، 14).

 

4 أسلوب الجهاد:

ينبغي أن يراعي المؤمن أن يكون جهاده:

أ- جهاد الإيمان: بمعنى أن لا يكون من
منطلق الشك أو اليأس بل بثقة أكيدة في محبة الله ومعونته لذلك يقول معلمنا بولس
الرسول لتلميذه تيموثاوس “جاهد جهاد الإيمان الحسن وأمسك بالحياة الأبدية
التي إليها دعيت” (1 تي 6: 12).

ب جهاد قانوني: أي أن يكون في دائرة
النعمة ليس خارجها، لذلك يقول الرسول “إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد
قانونيا” (2 تي 2: 5).

جفي مثابرة: أي باستمرارية حتى
النهاية لذلك وبخ معلمنا بولس الرسول العبرانيين لعدم مثابرتهم بقوله “لم
تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية” (عب 12: 4).

د- في صبر: إذ يعرف الرسول صعوبة
الجهاد فيوضح ضرورة الصبر بقوله “ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا..”
(عب 12: 1و 2).

 

وبهذا نكون قد استوضحنا أيضا الجهاد الروحي من
حيث مفهومه، حتميته، ومجالاته، وأسلوبه. بقى أن نستعرض التوافق بين النعمة والجهاد.

 

التوافق بين النعمة والجهاد

الواقع أن النعمة والجهاد نسيج واحد، فالنعمة هي
السدة والجهاد هو اللحمة في نسيج الحياة الروحية.

النعمة والجهاد ليسا عدوين ولكنهما توأم يعملان
في توافق تام لخلاص النفس. ولتوضيح ذلك نضع أمامك الأمثلة التالية من الكتاب
المقدس:

 

1 الإنتصار علي عماليق: لكي ينتصر شعب
الله في حرب عماليق المذكورة في سفر الخروج 17: 8 – 13 كان لابد من التوافق بين
دور موسى النبي الذي يمثل عمل النعمة، ودور يشوع الذي يمثل الجهاد.

دور موسى النبي: الوقوف
علي رأس التلة رافعاً يديه للصلاة وممسكاً بعصا الله التي هي مواعيد الرب. حتى
يعطي الرب الغلبة.

دور يشوع: الدخول في
الحرب ومواجهة العدو بالسلاح وهذا يمثل جهاد الإنسان في مواجهة الشيطان والخطية.

والعجيب أننا نقرأ في الكتاب أنه “وكان إذا
رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذاخفض يده أن عماليق يغلب” (خر 17: 1). لابد
إذن من اتحاد النعمة والجهاد للانتصار.

2 الإنتصار علي جليات: واضح
أيضاً من قصة داود النبي وانتصاره علي جليات، التحام عمل النعمة مع الجهاد:

النعمة: تتضح النعمة من قول
داود النبي “أنت تأتي إلي بسيف وبرمح وبترس وأنا آتي إليك باسم رب الجنود..
هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك.. وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف وبرمح
يخلص الرب لأن الحرب للرب وهو يدفعكم ليدنا” (1 صم 17: 45- 47)

واضح جداً عمل الله في كلام داود النبي أنه يحبس
جليات ويدفع الفلسطينيين لأيدي شعب الله.

الجهاد: يتضح دور جهاد
الإنسان في هذه الواقعة إذ يقول الكتاب ” ومد داود يده إلي الكنف (الكيس)
وأخذ منه حجراً ورماه بالمقلاع وضرع الفلسطيني في جبهته..” (1 صم 17: 49)
فأخذ الحجر ورميه بالمقلاع وضربه للفلسطيني كلها أعمال قام بها داود تشير إلي جهاد
الإنسان في الانتصار علي الشيطان.

 

3 إقامة لعازر: في معجزة إقامة لعازر
(يوحنا 11) نرى أيضاً توافق عمل النعمة مع الجهاد:

×               
أرفعوا الحجر: يشير إلي
الجهاد لأنه عمل بشري.

×      
هلم خارجاً: هذا هو عمل الله أي
نعمة الله. فلابد إذن من التحام عمل النعمة مع عمل الإنسان في جهاد حتى يكمل العمل
الروحي في خلاص الإنسان وانتصاره علي الشيطان وعلي الموت

 

بعض أقوال الأباء عن إلتحام عمل النعمة والجهاد

1 القديس مقاريوس الكبير:

“يحرث الفلاح الأرض ثم ينتظر الندى
والأمطار من فوق فإذا لم يأتي الماء من فوق يصير الكرم بلا ثمرة ويصبح الكرام بلا
مكسب من فلاحته” ويكمل ويقول “هكذا أيضاً في الروحيات يجب أن يعمل
ويجاهد كل إنسان بإرادة وعزيمة لأن الله يطالب كل إنسان بكده واجتهاده وعمل يديه
ولكن إذا لم تدركه نعمة الله من فوق ويشرف عليه سحاب جوده وتحننه يبقى بلا ثمرة من
جهاده”.

 

2 القديس مار اسحق السرياني:

“بقدر ما يشقى الإنسان ويجاهد ويغصب نفسه
من أجل الله هكذا معونة إلهية تأتي إليه وتحيط به وتسهل عليه جهاده وتصلح الطريق
قدامه”.

وهناك أقوال كثيرة للآباء القديسين ولكن لضيق
المجال نكتفي بهذا القدر وكل من يريد اكثر فليقرأ في أقوال الآباء وبستان الرهبان
وسير القديسين فيجد الكثير والكثير جداً.

 

أختم هذا الحديث ببعض مما قاله قداسة البابا
المعظم الآنبا شنوده الثالث
عن النعمة والجهاد أيضاً في كتابه الشهير (الخلاص
في المفهوم الأرثوذكسي) يقول قداسة البابا
شنودة الثالث:

1-         
“إن عمل النعمة داخلنا لا يعني أن ننام
ونتكاسل عن واجباتنا”

2-         
 “إن وجود خاطي واحد في هذا العالم لم يتب
إنما هو اكبر دليل للتأكيد علي أن النعمة وحدها لا تفعل كل شيء بمفردها”

3-         
“إن
النعمة تعرض مساعدتها عليك وأنت لك الخيار فلك أن تقبل عملها أو أن ترفضه”

4-   
“إن
النعمة سلاح مقدم لك تستطيع أن تحارب به وتنتصر إن أردت وتستطيع أيضاً أن تهمله
وتواجه الشيطان بنفسك وأنت غير مسلح وفي هذه الحالة سوف تهزم. وفي كلتا الحالتين
أنت حر في أن تحمل سلاحك بإرادتك وهذا لفائدتك إن استخدمت هذا السلاح المقدم لك من
أجل خلاصك الشخصي”.

بهذا قد حاولت أن أقدم توضيحاً لمفهوم الكنيسة
القبطية الأرثوذكسية عن النعمة والجهاد والتوافق بينهما في هذه النظرة المتوازنة
غير المتطرقة يميناً أو شمالاً.

الله يعطينا نعمة حتى نجاهد جهاد الإيمان الحسن
في مجال النعمة لننال خلاصاً لأنفسنا. آمين.

 

 

ثالثا: الإيمان والأعمال في قضية الخلاص

 ولكي نناقش دور كل من “الإيمان
والأعمال”
في خطة الخلاص نتكلم عن:

1 الإيمان في خطة الخلاص.

2 الأعمال في خطة الخلاص.

3 الرد علي الاعتراضات المختلفة.

 

الإيمان

 الحديث عن
دور الإيمان في خطة الخلاص يشمل: إيضاح مفهومه، وحتميته، ومجالاته، وثماره.

أولا: مفهوم الإيمان:

 الواقع أن للإيمان معنيين:

1- المعنى العقيدي: وهو التصديق
اليقيني الواثق في وجود الله وصدق كلامه ومحبته ووعوده وفي استجابته لكل ما يرجوه
الإنسان لخيره وفيما يتفق ومشيئة الله. وعن هذا يقول معلمنا بولس الرسول “أما
الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى
“. (عب 11: 1).

2- المعنى الروحي: وهو قبول السيد
المسيح في القلب “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد
الله أي المؤمنون باسمه
(يو 1: 12).

 ثانيا: حتمية الإيمان:

 هل الإيمان أمر هام وحتمي للإنسان؟

 نعم الإيمان أمر هام وحتمي، فقد أمرنا الرب
يسوع المسيح أن يكون لنا إيمان بالله في قوله “ليكن لكم إيمان بالله
(مر 11: 22). ويقول أيضاً معلمنا بولس الرسول “بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه
(عب 11: 6). وهناك آيات عديدة يضيق المجال بذكرها.

ثالثا: مجالات الإيمان:

 للإيمان
مجالات كثيرة منها:

(1) الإيمان بالله وبابنه يسوع المسيح: يقول
الرب يسوع “لا تضطرب قلوبكم، أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي” (يو
14: 1).

(2) الإيمان بالكتاب المقدس: جاء في
بشارة معلمنا مرقس البشير “توبوا وآمنوا بالإنجيل” (مر1: 15).

(3)
الإيمان بمواعيد الله: قال معلمنا بولس الرسول عن أبينا إبراهيم “وتيقن
أن ما وعد به الله هو قادر أن يفعله أيضاً
” (رو4: 21).

(4) الإيمان في الفداء الذي صنعه الرب
بسفك دمه: إذ يقول معلمنا بولس الرسول “متبررين مجاناً بنعمته بالفداء
الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه..” (رو 3: 24و 25).

(5) الإيمان بهبة الحياة الأبدية: كما
يقول معلمنا بولس الرسول “أما هبة الله فهي حياة أبدية” (رو 6: 23).

 

رابعا: ثمار الإيمان:

 ما أروع وما أعظم ثمار الإيمان، سأذكر منها
البركات التالية:

(1) الغفران: يقول معلمنا بطرس
الرسول “له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا“.
(أع 10: 43).

(2) التبرير: يقول
معلمنا بولس الرسول “فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا
يسوع المسيح” (رو5: 1).

(3)
الخلاص
: يقول معلمنا بولس الرسول “بالنعمة أنتم مخلصون بالإيمان
(أف 2: 5و 8).

(4) التبني: قال معلمنا بولس الرسول
“لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع” (غل 3: 2).

(5) الفرح: قيل عن سجان فيلبي أنه “تهلل
مع جميع بيته إذ كان قد آمن بالله” (أع 16: 34)

(6) السلام: يصلي معلمنا بولس الرسول
لمؤمن رومية قائلاً “وليملأكم إله الرجاء كل سرور وسلام في الإيمان
(رو 15: 13).

(7) الغلبة: يقول معلمنا يوحنا الرسول
“لأن كل من ولد من الله يغلب العالم وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم
إيماننا
” (1 بو5: 4و 5).

(8) الحياة الأبدية: يقول معلمنا يوحنا
البشير “لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3:
16).

(9) الكرازة بجرأة: يقول معلمنا بولس
الرسول “فإذ لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب آمنت لذلك تكلمت. نحن أيضاً نؤمن
ولذلك نتكلم
أيضاً” (2كو4: 13)

 كان هذا باختصار عن الإيمان بأبعاده وثماره.
وننتقل الآن إلي مناقشة دور الأعمال في خطة الخلاص.

 

الأعمال

 لفهم دور الأعمال في قضية الخلاص يلزمنا أن
نعرف: مفهوم الأعمال، وحتميتها، وأنواعها، وغايتها. حتى نستطيع أن ندرك أهميتها
ودورها وارتباطها بالإيمان كنسيج واحد في ثوب الخلاص المجيد.

 

أولا: مفهوم الأعمال:

 الأعمال هي كل ما يقوم به الإنسان من جانبه مع
عمل النعمة فيه. وسوف نرى كيف أن الأعمال ليست ثمنا للخلاص، ولكنها في
ذات الوقت وسيلة لا يمكن تجاهلها لنوال الخلاص، بل هي أيضا ثمرة حتمية لنعمة
الخلاص.

ثانيا: حتمية الأعمال:

 تتضح أهمية الأعمال في خطة الخلاص من خلال
الآيات التالية:

(1) قول الرب يسوع المسيح الفائق “فليضئ
نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في
السماوات” (مت 5: 16).

(2) وأيضاً في قول معلمنا يعقوب “هكذا
الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته” (يع 2: 17)

(3)
وكذلك قوله “ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون
أعمال ميت
” (يع 2: 20)

(4)
وأيضاً قوله “لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضاً بدون
أعمال ميت
” (يع 2: 26).

ثالثا: أنواع الأعمال:

 الواقع أن للأعمال أنواع مختلفة منها:

(1) أعمال كوسيلة للخلاص مثل:

أ) التوبة: هي عمل إنساني لازم للخلاص،
إذ يقول الرب يسوع “توبوا وآمنوا بالإنجيل” (مر 1: 1).

ب) الطلبة: والطلبة أيضاً عمل
يقوم به الإنسان لازم أيضاً للخلاص “اللهم ارحمني أنا الخاطي” (لو 18: 13).

ج) التصديق (الإيمان): وهذا أيضاً
عمل بشري لابد منه لأن “من لا يصدق الله فقد جعله كاذباً” (1يو 5:
10)، “آمن بالرب يسوع فتخلص..” (أع 16: 31).

د) المعمودية: فالسيد المسيح يقول
“من آمن واعتمد خلص” (مر 16: 16).

هذا عن الأعمال كوسيلة للخلاص وأيضا هناك:

 

(2) أعمال يقوم بها الإنسان لإتمام خلاصه مثل:

أ) الجهاد: إذ يقول معلمنا بولس
الرسول “ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا ناظرين إلي رئيس
الإيمان ومكمله” (عب 12: 1و 2)

ب) الحرب الروحية: يقول معلمنا بولس
الرسول “ألبسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد
إبليس” (أف 6: 11).

ج) المثابرة: يقول الرسول “لم
تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية” (عب 12: 4).

د) عدم اليأس: يقول ميخا النبي
“لا تشمتي بي يا عدوتي. إذا سقطت أقوم. إذا جلست في الظلمة فالرب نور
لي ” (ميخا 7: 8).

 هذا عن الأعمال التي يقوم بها الإنسان لإتمام
خلاصه، بقي أيضا:

(3) أعمال كثمر للخلاص مثل:

أ) الأعمال التي تليق بالتوبة: اصنعوا أثماراً
تليق بالتوبة” (مت 3: 8).

ب) أعمال المحبة: لأن الله ليس بظالم
حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه” (عب 6: 10).

ج) الأعمال أساس الدينونة: “ثم
يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس
العالم لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبا فآويتموني. عريانا
فكسوتموني. مريضا فزرتموني. محبوسا فأتيتم إلي.. بما أنكم فعلتموه بأحد اخوتي
هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم” (مت 25: 34- 40)

 

رابعاً: غاية الأعمال:

 إن الغاية العظمى من الأعمال الحسنة التي
يعملها المؤمن هي تمجيد اسم الله القدوس. يتضح ذلك مما يلي:

(1) قول الرب يسوع المسيح “فليضئ نوركم
هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في
السماوات” (مت 5: 16)

(2) قول معلمنا بطرس الرسول “وأن تكون
سيرتكم بين الأمم حسنة لكي يكونوا فيما يفترون عليكم كفاعلي شر يمجدون الله
في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها” (1بط 2: 1).

 

اعتراضات والرد عليها

(1) الاعتراض الأول:

 يعترض البعض علي أهمية الأعمال بقولهم: إن
التبرير ليس بالأعمال: ويسوقون لذلك قول معلمنا بولس الرسول “لأنه بأعمال
الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه. لآن بالناموس معرفة الخطية” (رو 3: 20).
ويؤيدون كلامهم بما قاله أيضاً معلمنا بولس الرسول “إذ نعلم أن الإنسان لا
يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر
بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما. (غل 2: 16).

وللرد علي ذلك نقول:

 إن كلام معلمنا بولس الرسول في كلتا الآيتين هو
واحد إذ أنه يقاوم حركة التهود التي ظهرت من اليهود الذين دخلوا المسيحية وأرادوا
أن يرتدوا إلي العبادة اليهودية ومؤداها أنهم كانوا ينادون بحتمية التمسك بناموس العهد
القديم بما فيه من ذبائح دموية، ولهذا قال لهم معلمنا بولس الرسول أن أعمال
الناموس هذه لا يتبرر بها أحد لأن ذبيحة المسيح هي الذبيحة الوحيدة للفداء
والتبرير ويلزم لذلك الإيمان بالمسيح يسوع لا بأعمال الناموس.

 

 (2) اعتراض آخر:

 يقولون أن الخلاص ليس بالأعمال بل بالإيمان
ويتمسكون بقول معلمنا بولس الرسول “لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس
منكم هو عطية الله. ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد” (أف 2: 8و 9). ويؤيدون
وجهة نظرهم بما قاله معلمنا بولس الرسول أيضاً “الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة
لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع قبل
الأزمنة الأزلية” (2تي 1: 9) وآيات أخرى من هذا القبيل:

وللرد علي ذلك نقول:

 أن معلمنا بولس الرسول يريد أن يؤكد حقيقة هامة
وهي أن الأعمال ليست ثمناً للخلاص، فالخلاص في حد ذاته هو نعمة من الله، ولا نستطيع
أن نشتري هذه النعمة بأي ثمن. ولكن هذا الأمر لا يلغي أهمية الأعمال كوسيلة حتمية
لنوال الخلاص كما سبق أن أوضحنا في هذا المقال.

 مما تقدم نستطيع أن ندرك أن “الإيمان
والأعمال” هما مثل “النعمة والجهاد” نسيج واحد في ثوب الخلاص، وان
كانت النعمة هي الجوهر والأساس ولكن بدون إيمان وجهاد وأعمال لا ننال هذه النعمة
ولا تظهر ثمارها في حياتنا.

 الرب القدير يجعلنا
مستحقين أن نؤمن ونعمل لمجد اسمه القدوس. آمين

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى