علم

التجسد الإلهى في كتابات القديس إيريناؤس



التجسد الإلهى في كتابات القديس إيريناؤس

التجسد
الإلهى في كتابات القديس إيريناؤس

+
«ليجمع كل شيء في المسيح…» (أف 1: 10).

إن
كان الله قد أعلن نفسه في العهد القديم بواسطة كلمته لأنبيائه، وذاع الخلاص وانتشر،
فما هو الجديد الذي أتى لنا به الرب إذن؟

 

يجيب
القديس إيرينيئوس على ذلك بقوله:

”اعلموا
أن الرب قد جلب لنا كل الجدَّة بحضوره بشخصه الخاص المُعلَن قبلاً، وهذا يعني
بالتحديد أن الجدَّة ستأتي لتجديد وإحياء الإنسان“(1)، ”مثل الملك الذي بعد أن
يكون قد عرَّف نفسه ومنح عطاياه بواسطة نوَّابه، يأتي هو نفسه ليفيض بغناه على
رعاياه. فهكذا الرب أيضاً، إذ كان قد استُعلن بواسطة الأنبياء، يأتي هو بنفسه
شخصياً. وبلا شك فإن هناك فارقاً بين الحالتين، ولكنه فارق كمِّي فقط في العظمة
والامتداد. إنه هو نفس العاطي ونفس العطية، ولكنها عطية أكثر وفرة ومُقدَّمة إلى
كل البشرية“(2).

 

هو
استعلانٌ واحد:

”هناك،
إذن، تقدُّم من حيث موضوع الاستعلان الواحد، لأنه إذا كان الله قد أعلن نفسه
لأبرار العهد القديم بواسطة كلمته وروحه، فإن ذلك كان بطريقة منقوصة وخفية. إن
موسى وإيليا وحزقيال لم يَرَوْا سوى “شبه مجد الرب”، ونبوَّات عن أمور
آتية“(3)، ”ولم يتمتعوا سوى بالقليل من هذه الرؤى، أما الآن، فإن الاستعلان يتم
حتى اليوم الأخير وللجميع. فالله يريد أن كلمته الذي أصبح منظوراً لكل جسد يصير هو
نفسه جسداً لكي يُستعلن للجميع طالما أنه هو مالكها“(4)، ”وفضلاً عن شهادة وجودها،
فإن لسان حالها ينطق بقوة: إننا لا نستطيع أن نعرف أسرار الله إلاَّ إذا صار سيدنا
– مع كونه الكلمة – إنساناً؛ ومن ناحية أخرى، فإننا لا نستطيع أن نعرفها إلاَّ إذا
رأينا سيدنا وسمعنا صوته بآذاننا الخاصة“(5). ”وهناك في الواقع أشياء لا يمكن
فهمها إلاَّ بعد اكتمالها في المسيح، تماماً كما أنه توجد أمور بين صفحات الكتاب
المقدس ظلت كنزاً مخفياً ولم تُكتَشَف أو تُستعلَن إلاَّ بصليب المسيح“(6).

 

ولكي
يُبيِّن القديس إيرينيئوس التبايُن والاستمرار الكائنين معاً في العهدَيْن القديم
والجديد، أي وجَهَي تدبير الخلاص الواحد فيهما، فإنه يستعير المفهوم الغني
بالمعاني الذي للقديس بولس في رسالته إلى أهل أفسس: «ليجمع كل شيء في المسيح» (أف
1: 10). لقد استعمل هذا الفعل ليُبيِّن اتحاد جميع الأشياء في المسيح في ملء
الزمان، أي جَمَعَ كل الأشياء السمائية والأرضية في نفسه.

 

المسيح
جَمَعَ في نفسه الطبيعة البشرية:

والقديس
إيرينيئوس يستعمله بنفس المعنى حينما يُدرجه ضمن كتاباته عن الإيمان المسيحي.
وهكذا يشير إلى التجديد الكامل واستعلان سلطان كلمة الله على الخليقة كلها وعلى
الكائنات غير المنظورة والمنظورة. والإنسان بلا شك في وسط هذا العمل التجميعي
للمسيح، من حيث إن الطبيعة البشرية التي خلقها الله هي التي سوف يتفضَّل الكلمة
بأن يأخذها.

 

”إن
الكلمة المتجسِّد أو ابن الله المتأنِّس يجمع البشرية من عدة نواحٍ مختلفة بصورة
ليس من السهل تفريقها“(7).

 

هدف
هذا الجمع: الاحتواء والتجديد:

ويمكننا
على الأقل أن نجملها في ناحيتين هما: الاحتواء، والتجديد. فالمسيح، من ناحية، يجمع
البشرية، بمعنى أنه يأخذها ويحتويها في نفسه كليّةً؛ ومن ناحية أخرى، فإنه يجمعها
بقدر ما أنه يأخذها كليّةً في يده ويُجدِّدها تبعاً لقصد خلقته الأولى للإنسان على
صورة الله وشبهه.

 

الكلمة
المتجسِّد يحتوي البشرية في نفسه:

ويصرُّ
القديس إيرينيئوس على هذه الحقيقة الأساسية التي يُعارضها خصومه، ويُبيِّن أنه لكي
يُحقِّق عمله التجميعي فإن ابن الله المتأنِّس كان يجب أن يأخذ – مثل إخوته في
البشرية – جسداً من لحم ودم ونفس، قد شكَّله الروح القدس.

 

وما
عمله وعاناه المسيح في شخصه هو تجميع لِمَا تعمله وتُعانيه كل البشرية منذ بدء
الخليقة. لهذا يسرد القديس لوقا نَسَبَ المسيح منذ آدم، موضِّحاً لنا أن هذا هو
الذي جَمَعَ في نفسه كل الشعوب المتفرِّقة وجميع أجيال البشرية بما فيها آدم
نفسه(8). فالمسيح قد قَبِلَ في حضنه الآباء الأوَّلين وجعلهم يُولدون من جديد في
الحياة الأبدية، إذ أصبح هو نفسه بدء الأحياء من حيث إن آدم كان قد أصبح بدء
الأموات.

 

المسيح
آدم الجديد يأخذ ويُصلِح عمل آدم الأول:

والمعنى
الثاني لاصطلاح ”الجمع“ وثيق الصلة بالمعنى السابق، فإنه إذا كان المسيح قد أخذ في
نفسه البشرية، والبشرية كلها؛ فإن ذلك بقصد إصلاحها وإعطائها الحياة ”لأنه لما
تجسَّد وصار إنساناً، فإنه قد جمع في نفسه أجيال البشرية الطويلة، وجلب لنا الخلاص
باختصار في جسده، حتى إن ما فقدناه في آدم – أي أن نكون على صورة الله وشبهه –
نستطيع استعادته في المسيح يسوع“(9).

 

وإذ
يشرح القديس إيرينيئوس ويوضِّح تعليم القديس بولس الرسول عن آدم الجديد، فإنه
يُحدِّد جميع أوجه الشبه التي تعني هذا ”الجمع“. فإنه يرى نصيب البشرية كما لو كان
مأساة كبرى من فصلين، وفي هذه المأساة أربعة ممثِّلين: رجل وامرأة في مواجهة الله
والشيطان.

 

فالفصل
الأول هو نصرة الشيطان التي حازها على الإنسان، إذ حوَّله عن طاعة الله وأخضعه
لسلطانه؛ والثاني هو نصرة الإنسان التي نالها بالمسيح، وخاصة في موقفين هما عند
التجربة في البرية وفي وقت آلامه. هذا هو انتصار الله والإنسان معاً الذي تمَّ في
نفس الموقعة حيث انتصر الشيطان (سابقاً).

 

وفي
الآلام يؤكِّد القديس إيرينيئوس بصفة خاصة، مثل القديس بولس الرسول، على أن طاعة
المسيح هي التي ألغت عدم طاعة آدم. وهو يرى فيها الدور الحاسم ل ”الجمع“، لأن
المسيح في الواقع بآلامه قد ردَّ الحياة للبشرية. ولذلك كان من اللائق أن الموت
الفدائي لآدم الجديد يحدث في اليوم السادس من الأسبوع مثل الموت الروحي لآدم
الأول(10).

 

”وحقيقة
كل ذلك تظهر لمَّا تأنَّس كلمة الله وصار مُشابهاً للإنسان، وجعل الإنسان مُشابهاً
له؛ حتى بالمشابهة مع الابن (الوحيد) يصير الإنسان ثميناً في عيني الآب“(11).

 

وفي
الواقع، إن المشابهة مع الابن الوحيد تجعل جميع الناس أبناء لله، وهذه هي الجدَّة
الأساسية لعمل المسيح آدم الجديد(12).

 

حضور
المسيح في سرِّ الإفخارستيا:

وفي
هذا العمل التجميعي نرى تلك الأعجوبة المدهشة والاحتواء العجيب. فالمسيح آدم
الثاني يحضر أخيراً في سرِّ الإفخارستيا، في الخبز والخمر نفسهما، في منتجات
الأرض؛ لكي يجمع في نفسه، ليس فقط الإنسان، بل الطبيعة والعالم والأرض بمعنى واقعي
فائق.

وهكذا
تصير الإفخارستيا، في نظر القديس إيرينيئوس، هي مركز رؤية العالم والتاريخ.

 

===

(1)
ضد الهرطقات 1: 34: 4.

(2)
2: 1: 9.

(3)
2: 20: 4.

(4)
1: 9: 3.

(5)
1: 1: 5.

(6)
2: 6: 4.

(7)
2: 6: 4.

(8)
3: 22: 3.

(9)
1: 18: 3.

(10)
2: 23: 5.

(11)
8: 16: 5.

(12)
1: 19: 3.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى