اللاهوت العقيدي

الباب الخامس



الباب الخامس

الباب الخامس

عشاء الرب والأسفار الأخرى

شكل الإفخارستيا
الأساسي واصطلاحاتها
كما وردت في الأسفار
الأخرى غير الأناجيل

أولاً: الأفعال الأربعة
الأساسية في الإفخارستيا:

لكي نستطيع أن نتتبع
الإفخارستيا في النصوص الأُولى التي وردت فيها، ينبغي قبل الخوض في هذه الأبحاث أن
نعرف تماماً ما هي الأفعال الأساسية التي تحدِّد شكل الإفخارستيا عموماً
الواردة في كافة المراجع الأساسية، حتى نستطيع أن نفرِّق بينها وبين وليمة الأغابي
التي تُذكر دائماً معها، خصوصاً في النصوص الأُولى المختصرة.

الحدود الأساسية التي
تحدِّد شكل الإفخارستيا:

حينما نتتبع
الإفخارستيا كما وردت في الأناجيل وفي رسالة القديس بولس الرسول الأُولى إلى أهل
كورنثوس، نجد أن الرب أكملها في سبعة أفعال متتالية، يفصل العشاء (أي الأغابي) ما
بين الأربعة الأُولى والثلاثة الأخيرة. فإذا أخرجنا الأغابي (أي العشاء) نواجه
الإفخارستيا في سبعة أفعال متتالية هكذا:

» أخذ خبزاً،
وبارك، وكسر، وأعطى،
وقال
«… ثم بعد العشاء » أخذ كأساً
وبارك
(شكر) وأعطى، وقال
«..

» ثم سبَّحوا
وخرجوا
«

فلما انفصلت الأغابي عن
الإفخارستيا في الكنيسة وهذا بدأ يحدث كما رأينا منذ بداية سفر
الأعمال، أي منذ الإفخارستيا الأُولى بعد العشاء السري الأخير انضمت
أفعال البركة على الخبز وعلى الكأس معاً. وكذلك انضم أخذ الخبز مع أخذ الكأس معاً
في تقديم واحد متتالٍ. فصارت الإفخارستيا بعد تحرُّرها نهائياً من الأغابي تشتمل
على أربعة أفعال أساسية واضحة جداً ومختصرة:

1التقديم
(تقديم الحمل) = (أخذ خبزاً، أخذ كأساً).

2الصلوات
والشكر على الخبز والخمر (التقديس) =(بارك، وشكر).

3القسمة
=(وكسر).

4الاشتراك
=(وأعطى).

هذه الأفعال الأربعة
الرئيسية في الإفخارستيا حتمية، وهي تشكِّل الحدود الرئيسية لكل إفخارستيا عُرِفت
حتى الآن في جميع أنحاء العالم ومنذ البدء. وكل مَنْ حاول أن يغيِّر فيها أو يختزل
منها حرمته الكنيسة.

وينبغي أن نعرف أن فصل
الأغابي عن الإفخارستيا هو الذي ألزم تحديد الإفخارستيا بأربعة أفعال بدل الأفعال
السبعة التي أكمل بها الرب السر في ليلة الخميس.

كما ينبغي أن نعرف أن
دمج البركة على الخبز مع البركة على الكأس معاً بعد رفع الأغابي من الوسط، ألزم
الكنيسة أن تؤجِّل قسمة الجسد (الخبز الإفخارستي) إلى ما بعد البركة على
الكأس!!
في حين أن الرب كسر الخبز بعد البركة على الخبز مباشرةً «فبارك
وكسر وأعطى»؛
وذلك قبل أن يأخذ الكأس بمدة طويلة.

ولكن بإلهام خاص تنبهت
الكنيسة القبطية إلى هذا وعملت عملاً لكي تتفادى هذا التخطِّي، فلكي تحافظ على
ترتيب الرب في جعل قسمة الخبز الإفخارستي تأتي بعد البركة التي تُتلى عليه مباشرةً،
قامت بتقسيم جزئي للقربانة (الجسد) بعد البركة على الخبز مباشرة حيث يقول الكاهن
على الخبز «وقسَّمه»
وذلك قبل البدء في
البركة على الكأس.

ويقول العالِم “جريجوري
دكس” إن هذا الإجراء مستحدث في الكنيسة القبطية منذ القرن الرابع عشر فقط،
ولكن برجوعنا إلى ترتيب القداس كما سجله العالِم “ابن كبر” في كتابه “مصباح الظلمة
في إيضاح الخدمة” وهو متنيح سنة 1375م، أي أنه عاش وخدم منذ بداية
القرن الرابع عشر فقد وجدناه يذكر هذا التقسيم بهذا الترتيب الذي
ذكرناه. ويستحيل أن يستحدث قسيس لكنيسة المعلَّقة طقساً للكنيسة القبطية، فهو
يسجِّل تقليداً أصيلاً مستلَماً ومتوارثاً منذ مئات السنين.

ولكن المعروف أن
الكنيسة الأنجليكانية، وهي كنيسة هذا العالِم الإفخارستي
» جريجوري دكس « هي التي أخذت عن الكنيسة القبطية هذا
التقليد وأدخلته على طقسها في القرن الرابع
عشر([1]).

ثانياً: النصوص
الإفخارستية التي سجَّلها سفر أعمال الرسل:

ولو أن هناك نصوصاً
كثيرة في سفر الأعمال بخصوص الإفخارستيا وردت تحت الاصطلاح
» كسر الخبز «والاجتماع
في
» اليوم الأول «من كل أسبوع الذي يشير
إلى طقس الإفخارستيا دائماً، إلاَّ أنه يوجد نص واحد متكامل جدير بأن نفحصه بكل
عناية، أولاً بسبب كونه أول نص إفخارستي يصلنا بعد حلول الروح القدس يوم
الخمسين، وثانياً لأنه يختص بأول جماعة مؤمنة اعتمدت وقبلت الإيمان إثر
خطاب القديس بطرس الرسول، أمَّا ثالثاً فلكونه يقوم على أساس ليتورجيا
كاملة، مما يفتح ذهننا لنفهم أن الإفخارستيا بدأت أول ما بدأت كاملة بطقس ليتورجي
كامل وليس كما ظن كثير من العلماء أن الإفخارستيا الأُولى كانت مجرد صلاة قصيرة
على الخبز والكأس يعقبها تناول وتهليل!

 

نص إفخارستية سفر
الأعمال
(42:
2)

+ » وكانوا
يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز
والصلوات، وصار خوفٌ في كل نفس.
««يواظبون»:

يُلاحَظ أن مفتاح فهم
هذا النص يوجد في الكلمة الأُولى «يواظبون» فأصلها اليوناني
proskarteroàntej يفيد معنى «يكرِّسون أنفسهم لعمل ما». وقد
وُجدت هذه الكلمة منقوشة على مبنى أثري لمجمع في آسيا الصغرى على البحر الأسود
يرجع زمنه إلى سنة 80م وهي تفيد في ترجمتها معنى الانتظام في الحضور إلى المجمع للعبادة
([2])،
ولكن ليس مجرد انتظام بل إن الكلمة في تحليلها
اللغوي توحي بمعنى
الالتصاق بأمانة
وإخلاص إلى درجة الإصرار والعناد حتى
العبودية([3]).

وهذا في الواقع ما يتضمنه وما يشير إليه دائماً سفر الأعمال في استخدام هذه
الكلمة
» وكانوا يواظبون “بنفس واحدة”
على الصلاة والطلبة
«(أع 14: 1)، » وكانوا
“كل يوم” يواظبون في الهيكل بنفس
واحدة
«(أع 46: 2)، «“وأما نحن” فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة.» (أع 4: 6)

فالمواظبة هنا يدعمها أولاً:
تكريس جماعي على مستوى التعهد «بنفس واحدة»،
ويدعمها ثانياً: الإصرار في
الانتظام
» وكانوا كل يوم يواظبون « وثالثاً: يدعمها التخصص مدى الحياة ومن
دون الناس جميعاً،
وهنا معنى التكريس الحقيقي «وأمَّا نحن». ثم نجد أن
المواظبة تشمل هنا الصلاة والطلبة وحضور الهيكل وخدمة الكلمة، فهي مواظبة للعبادة
بكل معنى وشمول.

وهكذا إذ نعود إلى النص
الإفخارستي:
» وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات «(أع 42: 2)، نجد في كلمة » المواظبة «هنا أول جزء
من التسجيل الإفخارستي الذي ينبهنا إلى تصوُّر مكان اجتماع عام للصلاة وجماعة
متفقة
بل متعاهدة معاً على الحضور بإصرار في ميعاد مقرر بدقة باستعداد كامل
للاشتراك في خدمة
دينية.

وهنا يلزمنا جداً أن
نقف قليلاً لنسأل: هل يمكن أن توجد عبادة جمهورية حقة بدون هذه المواظبة الصادقة
الأمينة؟ ألا نرى هنا أن المواظبة هي هي روح العبادة للجماعة وهي برهان تكريس
القلب والحياة للرب؟!

والآن لا يصعب علينا أن
نكمل الصورة، ففي نفس الأصحاح وفي العدد السابق مباشرةً لهذا النص الإفخارستي، أي
في (أع 41: 2)، نقرأ عن ثلاثة آلاف نفس قبلوا البشارة من فم القديس بطرس الرسول،
قبلوها بفرح واعتمدوا وانضموا إلى الكنيسة! إذاً، فهؤلاء الثلاثة آلاف نفس هم
الذين تعاهدوا وواظبوا. هذه هي أول كنيسة في العهد الجديد، وهذه هي صورتها الحارة
الأمينة المخلصة في العبادة والصلاة وإقامة الإفخارستيا!

وهنا جديرٌ جداً
بالقارىء أن ينتبه لقيمة الإفخارستيا كمركز أساسي يلتئم حوله المؤمنون، وتدور
حوله العبادة، ويتم بواسطته التحام الجماعة،
كما يُعتبر أيضاً بمثابة باب
مفتوح لدخول الراغبين في الإيمان. والآن
يمكننا أن نقسِّم هذا النص الإفخارستي الوارد في سفر الأعمال هكذا:

1 «يواظبون
على تعليم الرسل»:

هذا في الواقع هو الجزء
الأول والأساسي في ليتورجية الإفخارستيا، إذ يستحيل أن تقوم ليتورجيا بدون خدمة
الكلمة!! هذا هو ما نسميه الآن
» ليتورجية الكلمة « أو ما نسميه تجاوزاً » قداس الموعوظين « والحقيقة التي ينبغي أن نعرفها تماماً أن هذا ليس قداساً
للموعوظين بل هو القداس الذي
يُصرَّح للموعوظين أن
يحضروا فيه. ولكنه أصلاً وبالأساس هو للمؤمنين، وهو قداس الكلمة
» ليتورجية
الكلمة
«والإنجيل الذي ينبغي أن يسبق قداس الإفخارستيا أو ليتورجية
الإفخارستيا، لأن الكلمة هنا أساسية بالنسبة للإفخارستيا لأنها تعدُّ المؤمنين لسر
الجسد والدم لأنها تطهرهم
» أنتم أطهار بسبب
الكلام الذي كلمتكم به
«(يو 3: 15). وينبغي أن نلاحظ جيداً أن هذه الآية قالها الرب
لتلاميذه على الإفخارستيا ليلة الخميس.

أمَّا حتمية بدء
الإفخارستيا بليتورجية الكلمة وشرحها، فهذا يؤكده سفر الأعمال نفسه في موضع آخر:
» وفي أول
الأسبوع إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا الخبز، خاطبهم بولس وهو مزمع أن
يمضي في الغد وأطال الكلام إلى نصف الليل!
«(أع
7: 20). كذلك يؤكد ذلك شهادة القديس يوستينوس (سنة 150م) في احتجاجه الأَول([4]).
كذلك هناك إشارة سرية في معظم الرسائل التي للقديس بولس الرسول والقديس بطرس، تفيد
أن الرسائل التي كان الرسل يرسلونها للكنائس، كانت تُحفظ بدون قراءة حتى تُقرأ على
الكنائس في اجتماعهم الأسبوعي قبل الإفخارستيا مباشرةً باعتبارها حضوراً رسولياً بالتعليم والكلمة والشهادة التي ينبغي أن تسبق
الإفخارستيا. أمَّا هذه
الإشارة السرية التي على مستوى الشفرة فهي
» قبِّلوا
بعضُكم بعضاً بقبلة مقدَّسة
« فعندما يتلوها الأسقف أو
الكاهن (أو النبي أو المعلِّم في بداية العصر الرسولي) تكون هي بمثابة الإشارة
لبدء الإفخارستيا بعد أن يقبِّلوا بعضُهم بعضاً (رو 16: 16، 1كو 20: 16، 2كو 12: 13،
1تس 26: 5، 1بط 14: 5).

أمَّا هذه الرسائل فهي
التي يشير إليها النص الإفخارستي الذي نحن بصدده، بقوله
» وكانوا
يواظبون على تعليم الرسل
« حيث كانت تعاليم الرسل في البدء كلها إما شفاهية بحضور الرسل
أنفسهم أو بواسطة رسائلهم.

2 «وعلى
الشَرِكَة»
koinwn…a:

هنا لفظة » الشَرِكَة «تأتي طقسية
في سياق الطقس، وتفيد الشركة الروحية عامةً
أو شركة
الحياة معاً. ولكن على التخصيص، تفيد هنا أيضاً «شركة المائدة» أو الاشتراك
معاً في مائدة واحدة. وهذا هو المعنى الذي يناسب زمان استخدامها، فقد جاءت في نفس
الزمان تقريباً في سفر حكمة يشوع بن سيراخ بمعنى واضح كشريك مائدة
koinwnÕj trapezîn (10: 6). وجاءت أيضاً في سفر طوبيا (طو 2: 2
بحسب النسخة السينائية)
«ليأكل معي في شركة» f£getai koinîj met’ ™moà. وقد استخدمها القديس بولس الرسول في رسالته
الأُولى إلى كورنثوس بهذا المعنى أيضاً حينما قال:
» الذين
يأكلون
الذبائح هم شركاء koinwno… المذبح. «(1كو 18: 10)

وهكذا
نجد أن
المواظبة على الشركة هنا تأتي في هذا النص الإفخارستي بمعنى
المواظبة على وليمة الأغابي، حيث تأتي وليمة الأغابي قبل الإفخارستيا، حسب التقليد
القديم، أو بحسب وضعها الأول في عشاء الخميس. ولكن في وقت لاحق، نجد أن كلمة
» الشركة «(كينونيا) امتدت بعد ذلك لتشمل
الإفخارستيا باعتبارها
شركة في
مائدة الرب، ثم تخصصت كليةً للإفخارستيا بعد ذلك.

 

3 «وعلى
كسر الخبز»:

لماذا
أُطلق على الإفخارستيا في البداية اصطلاح «كسر الخبز»؟:

بحسب التقليد اليهودي
القديم يسمَّى كل سفر بأول كلمة فيه أو أول عمل فيه، وكذلك كافة الطقوس والصلوات،
ولا يزال هذا متوارثاً في الكنيسة القبطية حتى الآن، فنجد مثلاً عند توزيع
المزامير، يعيَّن المزمور بأول كلمة فيه.

وهنا » كسر الخبز «هو في
حقيقته أصلاً الطقس السري الذي كانت تبدأ به
» الأغابي
والإفخارستيا معاً
«
ولكن لأن الأغابي تقدَّمت على الإفخارستيا منذ البدء منذ يوم العشاء السري لذلك
رفع الرسل كسر الخبز وضمُّوه بصفته السرية إلى الإفخارستيا، كما هو وارد أيضاً في
إنجيل القديس مرقس وإنجيل القديس متى، فسُمِّيت الإفخارستيا «كسر الخبز».
وهذا يوضحه بولس الرسول بصورةٍ قاطعة في قوله:
» الخبز
الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟
«(1كو 16: 11)

هذا الوضع يتضح لنا
أكثر من انتهار بولس لأهل كورنثوس الذين أساءوا إلى كرامة السر المقدَّس وكرامة
الكنيسة بسبب انحلالهم في ممارسة وليمة الأغابي قبل الإفخارستيا، مما جعله ينصحهم
أن يأكلوا في بيوتهم الأغابي أولاً ثم يأتوا ليكمِّلوا سر العشاء في الكنيسة
أي الإفخارستيا التي ينبغي أن تبدأ حينئذ ب
» كسر الخبز « بل إن هذا الوضع يزداد يقيناً ووضوحاً حينما نعود إلى كلٍّ من
إنجيل القديس مرقس وإنجيل القديس متى لنقرأ عن ظروف النص الإفخارستي الأول هكذا:
» وفيما هم
يأكلون
أخذ
يسوع خبزاً وبارك وكسر وأعطاهم وقال خذوا كلوا…
«(مر 22: 14)

إذاً، فوليمة الأغابي
التي أقامها الرب كانت سابقة لسر الإفخارستيا مباشرة، بحسب الترتيب والطقس والزمن،
لأن القديس مرقس يقول إنه «وفيما هم يأكلون» (الأكل العادي للأغابي)، «أخذ
يسوع خبزاً، وبارك وكسر وأعطاهم وقال لهم خذوا كلوا».

فإذا عدنا الآن إلى
النص الإفخارستي لسفر الأعمال:
» وكانوا يواظبون على
تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز
« ندرك كيف
ولماذا يجيء «كسر الخبز»، أي الإفخارستيا بعد «الشركة» التي تفيد
الأغابي،
فهنا وضع تطبيقي أصيل لسر عشاء الرب بالكامل، لأن الإفخارستيا التي
كانت تبدأ بكسر الخبز أخذت وضعاً محدداً منفصلاً تماماً عن الأغابي الأُولى!!

4
«والصلوات»:

الصلوات وتشمل الشكر
والتسبيح بالمزامير، كانت عملاً طقسياً وطبيعياً بآن واحد، لأن الفرح والمسرة
وبهجة القلب وعمل النعمة في المؤمنين بعد التناول كانت تدفعهم لتكميل ترتيب السر
الذي يتحتم أن ينتهي بالتسبيح قبل الانصراف كما في عشاء الخميس. فالنعمة والتسبيح
لا يمكن فصلهما، كما يُثبت ذلك سفر الأعمال نفسه:
» وإذا هم
يكسرون الخبز في البيوت، كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبِّحين الله
ولهم نعمة لدى جميع الشعب.
«(أع 2: 46و47)

وبهذا نجد أن سفر الأعمال
يقدِّم لنا إفخارستيا قائمة بذاتها من بعد الأغابي في طقس كامل يشمل «ليتورجية
الكلمة»
ثم «الإفخارستيا» ثم «ليتورجية الصلاة والتسبيح» في
الختام.

5 «وصار
خوف في كل نفس»
™g…neto de fÒboj:

هنا لا نستطيع أن نعبُر
على هذه الإشارة دون تنبيه ذهن القارىء إلى أهميتها، لأنها تدخل في صميم ليتورجية
الإفخارستيا.

فبالرغم من أن الأثر
المباشر لولائم المحبة واجتماع المؤمنين معاً وتسبيحهم وشكرهم ظهر على هيئة
» ابتهاج «كما تقول
الآية (46: 2)، ولكن، بآن واحد، صار «خوف في كل نفس». هنا أثر الإفخارستيا
كحضور للرب هو الذي أنشأ هذا الخوف المقدَّس أو المخافة الإلهية.

إذاً، مسرة الأكل
والشرب وفرح الأُلفة بين المؤمنين روحياً شيء، والخوف المتولد من الشعور بحضور
الرب والشركة في جسده ودمه كاعتراف وشهادة وذكر إيماني لموته شيء آخر.

ليتورجية الإفخارستيا
هي في الحقيقة تواجد حقيقي في حضرة الرب مع ملائكته، وهو في أوج سلطانه ومجده،
حيث يكون
أثره المباشر في النفس الرهبة العظيمة التي تملأ القلب. أمَّا كسر الخبز ذاته، أي التناول من الجسد والدم، ففيه
استعلان مباشر للرب المصلوب الميت والمقام، حيث
يكون أثره المباشر شركة في
الذبيحة ذاتها في الجسد المكسور المتألم والمحيي والدم المسفوك للفداء والتكفير.

الخوف الذي ملأ نفوس
الثلاثة آلاف الذين اعتمدوا وواظبوا على تعاليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات
هو في الحقيقة شهادة حية ناطقة بأمانة عبادة وصلاة هؤلاء المؤمنين الجدد، وبرهان
صادق على استجابة الله لعبادتهم وصلواتهم، لأن هذا الخوف لم ينشأ في قلوبهم من
ذاته بل بسبب حضور الرب وإحساسهم ويقينهم بحضوره.

وهنا يلزمنا أن ننبه
القارىء إلى أن هذه الإشارة الواردة هنا في هذه الآية:
» وصار خوف في
كل نفس
«هي أصل ومنشأ مناداة الشماس اليوم على طول القداس قائلاً
بصوت عالٍ: «قفوا بخوف الله»! «انصتوا بخوف الله»! «اسجدوا لله بخوفٍ ورعدةٍ»!!

أمَّا السبب في هذه
المناداة الطقسية، فهو أنه ثابت من التقليد الرسولي والطقسي المسلَّم منذ البدء
مع شهادات القديسين أنه في هذه اللحظات يكون الرب حاضراً.

ومن أهم الطقوس
والاصطلاحات التي لها علاقة بالإفخارستيا
والتي تسلَّمت الكنيسة أصولها منذ
سفر الأعمال والرسائل ما يأتي:

1 تقدمات
وعطايا وهبات الشعب من الأطعمة التي كانوا يُحضرونها للكنيسة لعمل الأغابي
والإفخارستيا، ظلت جزءاً لا يتجزأ من سر الإفخارستيا حتى بعد انفصال الأغابي، وظلت
تُسمَّى ب«عطايا الشكر» أو
» عطايا الصعيدة « وكانت تحوي ضمناً » الخبز والخمر « وهذه كان يُنتخب منها ما يلزم من خبز الإفخارستيا وخمر
الإفخارستيا. أمَّا الباقي فكان يتم توزيعه بعد انتهاء التناول.

وقد جاء ذكر هذه
التقدمات في أقوال كلمندس العلاَّمة، والقديس يوستين الشهيد، والقديس إيرينيئوس.

2 ذِكْر
القبلة المقدَّسة التي في نهاية الرسائل حينما كانت تُتلى في الاجتماعات في أول
الأسبوع (يوم الأحد)، وإقبال الشعب عليها كطاعة للرسول قبل البدء في التناول، بدأت
تأخذ وضعها كطقس عام بعد قراءة الأسفار حتى ولو لم يكن فيها ذكر لهذه القبلة.

3 تقديم
الأموال عند اجتماع الشعب في أول كل أسبوع لخدمة الفقراء (1كو

1: 16؛ 2كو 8،9؛ رو 13: 12؛
عب 16: 13؛ أع 7: 20)، دخلت هذه العادة كجزء لا يتجزأ من طقس ليتورجية الإفخارستيا
يوم الأحد. وقد ظلت قائمة بدون انقطاع. فنقرأ عنها في أيام القديس يوستين الشهيد
(في منتصف القرن الثاني) حيث كان يبدأ توزيعها بعد التناول مباشرةً، وهي لا تزال
أيضاً قائمة حتى اليوم.

أمَّا
الاصطلاحات الطقسية، فقد تسلَّمتها الكنيسة كما هي منذ أيام الرسل، والأمثلة على
ذلك هي:

1 الكاهن
الخديم للذبيحة:
وهذه جاءت على لسان القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل
رومية (16: 15)
leitourgÕn ƒerourgoànta = يخدم ذبيحة.

2
قربان (صعيدة):
prosfor£ بروسفورا أمَّا كلمة » بروسفورا «في تركيبها اللغوي اليوناني، فهي تفيد » إصعاد «أو »
تقديم «أو »
رفع «وأصلها في العبرية من الفعل “قَرِبَ” “يَقْرَبُ”
“قُرباناً”،
مثل “قرأ” “يقرأ” “قرآناً”. فالقربان
هو ما يُقرَّب إلى الله،
مثل “الصعيدة” وهي ما نصعده أمام
الله.

أمَّا كلمة » أنافورا «¢nafor£ فهي تفيد عملية التقديم أو الإصعاد بكاملها أو
باستمرارها، وهكذا تنصبُّ كلمة
» أنافورا «على ليتورجية أو خدمة إصعاد الصعيدة.

وأول تسجيل في كتابات
الآباء لكلمة
» أنافورا «¢nafor£ والفعل
منها
¢nafšrein جاءت في
كتابات العلاَّمة أوريجانوس في شرحه لإنجيل يوحنا (6: 33و34)، ثم في قوانين الرسل:
الكتاب الثاني فصل
4: 59 والكتاب الثامن فصل 3: 47 بمعنى »
ليتورجيا « وانتهى تحديد الكلمة على أساس أن » البروسفورا «هي الصعيدة أو التقديم أو القربان، و»
الأنافورا «هي خدمة صلاة تقديم الصعيدة.

3
قربان مقبول:
prosfor¦ eÙprÒsdektoj (رو 16: 15).

4
قربان مقدَّس بالروح القدس:
¹giasmšnh ™n pneÚmati ¡g…J (رو
16: 15).

5
ذبيحة حية مقدَّسة:
qus…an zîsan ¡g…an (رو 1: 12).

6
خدمة (ليتورجية) الكلمة أو ليتورجية عقلية:
logik¾n
latre…an
(رو 1: 12).

7 ذبيحة وليتورجية (خدمة) إيمانية: qus…v kaˆ leitourg…v tÁj
p…stewj
(في 17: 2).

8
كهنوت مقدَّس:
ƒer£teuma ¡g…ou (1بط 5: 2).

9
ذبائح روحانية:
pneumatik¦j qus…aj (1بط 5: 2).

10
لنا مذبح
(مسيحي) لا سلطان للذين يخدمون المسكن (خيمة الشهادة =
كهنة الهيكل القديم) أن يأكلوا منه
qusiast»rion (عب 10: 13).

11
«ذبيحة التسبيح»:
qus…an a„nšsewj (عب 15: 13).

وهي ترجمة
حرفية لما جاء في اللغة العبرية القديمة بخصوص الاصطلاح الطقسي الذبائحي القديم =
ذبيحة السلامة أو ذبيحة الشكر، في سفر اللاويين (7: 11

13):
» ذبيحة
السلامة
التي يقربها للرب … لأجل الشكر مع أقراص خبز خمير … قربان مرفوع
للرب
«

وتُكمَّل
هنا هذه الاصطلاحات الإفخارستية مما ورد أيضاً في
سفر الرؤيا:

12
مذبح سمائي، ومبخرة من ذهب مملوءة جمر نار، وبخوراً كثيراً مقدَّماً مع صلوات
(رؤ 3: 8).

أمَّا «المذبح
السمائي»
فهو يُذكر في القداس عند رفع البخور دائماً. و«المبخرة الذهب»
لها لحن خاص عند بدء تقديم البخور.

و«البخور المرفوع مع
الصلوات»
أساسيٌّ عند تقديم الصلوات في كل الأواشي.

13 «اسماء
مكتوبة في سفر حياة الخروف الذي ذُبح»
(رؤ 8: 13). » ولن أمحو
اسمه من سفر الحياة، وسأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته.
«(رؤ 5: 3)

وهذا هو أساس طقس تسجيل
الشمامسة للأسماء في سجل خاص قبل تقديم الحمل، وفيه أسماء الذين قدَّموا القرابين
والعطايا والضحايا والنذور والبكور والزيت والبخور والستور وكتب القراءة وأدوات
المذبح وأسماء الذين تنيحوا والمرضى والمسخَّرين في المناجم (المسمَّاه المطابق في
أوشية المرضى) والذين في النفي والسبي والسجون، حيث كانت تُتلى هذه الأسماء بنظام
وترتيب خاص على المذبح أثناء صلوات القداس وسيأتي الكلام عنها.

14» متسربلاً
بثوبٍ إلى الرجلين ومتمنطقاً عند ثدييه بمنطقة من ذهب
«(رؤ 13: 1). » من يغلب فذاك سيلبس
ثياباً بيضاً.
«(رؤ 5: 3)

وهذا في الواقع هو أساس
ملابس الأسقف حيث المنطقة الذهبية التي على الثديين هي الآن
» الباللين «الموشَّى «بالذهب»،
حيث مفهوم المنطقة التي تكون على حقوي الفخذين لا وجود لها الآن في الخدمة
السمائية لأنها كانت تشير إلى شد الوسط وخدمة الجهد والعافية الجسدية، أمَّا خدمة
التقديس السمائي فهي تقوم على رفع القلب
» متمنطقاً
عند ثدييه
«أي فوق القلب!!

15
«إكليل الحياة»
(رؤ 10: 2)، » وحول العرش أربعة وعشرون عرشاً ورأيت على العروش أربعة وعشرين
شيخاً جالسين متسربلين “بثيابٍ بيض” وعلى رؤوسهم أكاليل من ذهب.
«(رؤ
4: 4)

وهو أساس التاج الذي
يلبسه الأسقف أو رئيس الأساقفة باعتبار أنه صار الراعي الصالح الذي تعهد أن يكون
أميناً حتى الموت واضعاً نفسه عن الخراف الناطقة. وبذلك يصبح إكليل الأسقف أو
البطريرك ليس تمجيداً أو كرامة له، ولكن تمجيداً للجالس على العرش الذي يتم حضوره
في الجسد والدم على المذبح.

16» مَنْ يغلب
فسأُعطيه أن يأكل من المن المخفي وأعطيه حصاةً بيضاء وعلى الحصاة اسم جديد
مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ.
«(رؤ 17: 2)

وقد أخذت الكنيسة هذا
معتبرةً أن خبز الإفخارستيا هو المن المخفى ووضعت لحن التوزيع
piwik nte pwn’ = “خبز
الحياة” على أساس هذا المعنى.

أمَّا الحصاة (أي
الجوهرة) البيضاء التي عليها الاسم الجديد، فهي جزء الجسد الذي يتناوله المؤمنون
باعتبار أنه هو الحصاة أو الجوهرة التي عليها الاسم الجديد، أي العربون السرِّي
الذي يمكن أن يقدمه الإنسان ليدخل به ملكوت الله.

17» سأُعطي كل
واحد منكم بحسب أعماله.
«(رؤ 23: 2)

ويُلاحَظ أن القديس
كلمندس الروماني يوردها أيضاً في رسالته إلى كورنثوس مقتبساً إياها من سفر الرؤيا
ومن سفر إشعياء. وإشعياء النبي يذكرها بمناسبة مجيء الرب.

وهذه هي المناسبة
الأساسية التي من أجلها تُذكر هذه الآية في صلوات الإفخارستيا، ذلك باعتبار أن
الرب يُعتبر حاضراً في الذبيحة (قد أتى). وبذلك تصبح هنا الآية شديدة الحبك
» هوذا الرب يأتي
ومجازاته أمامه ليعطي كل واحد حسب أعماله
«(إش 11: 62 الترجمة السبعينية). حيث يهتف الشعب في
هذه اللحظة: (كرحمتك يا رب ولا كخطايانا).

18
«
وإنما الذي عندكم تمسَّكوا به إلى أن أجيء «(رؤ
25: 2). أخذت الكنيسة هذه الوصية ووضعتها على فم المسيح وهو يبارك على الخبز
والخمر. ولو أن بولس الرسول قدَّمها لأهل كورنثوس وكأنها وصية من نحو المسيح بضمير
الغائب «إلى أن يجيء»، ولكن يقدِّمها لنا هنا يوحنا الرائي بفم المسيح نفسه
«إلى أن أجيء» وقد استخدمها القداس بفم المتكلِّم كما جاءت هكذا في سفر
الرؤيا!!

ثالثاً: موقف أسفار
العهد الجديد من طقوس الليتورجيا:

كل ما تَسَجَّل عن
الإفخارستيا في سفر الأعمال أو في رسائل القديس بولس الرسول أو غيرها من الرسائل
لا يتطرَّق أبداً إلى كيفية خدمة الإفخارستيا، أي الليتورجيا بحد ذاتها، ولا إلى
أي توجيه من جهة الطقوس الخاصة بهذا السر. فكل نصوص العهد الجديد عن الإفخارستيا
لا تتعدَّى الإشارة المختصرة والشحيحة والعابرة عن إقامة الإفخارستيا فقط.

أمَّا كل ما اعتنت به
النصوص الواردة عن الإفخارستيا، فهو توضيحٌ إمَّا لمعناها أو كشفٌ عن أسرارها
اللاهوتية العميقة أو توجيه النفس إلى توقير هذا السر الرهيب والاحتراس في
الاقتراب إليه، وذلك بالكشف عن آثاره في النفس والجسد والروح، كما فعل القديس بولس
الرسول في رسالته الأُولى إلى أهل كورنثوس.

أمَّا بخصوص كيفية
إقامة الإفخارستيا وترتيب ليتورجيتها وأصولها المسلَّمة من الرسل، فهذا ما احتُفظ به دائماً للمختصين والمؤهَّلين، وذلك أيضاً
عن طريق
» التعليم
السري
«Disciplina arcani.

وقد أشار إلى ذلك
القديس بولس الرسول نفسه بعد حديثه عن الجسد والدم والشركة فيهما وكرامة هذا السر
بقوله:
» وأمَّا الأمور الباقية فعندما أجيء أُرتِّبها «(1كو 34: 11). ويلاحظ أن كلمة » أُرتِّبها «هنا مبهمة
ولا تمثل الترجمة الصحيحة للكلمة الأصلية كما جاءت باليونانية
diat£xomai التي
تُترجم
» أُطقِّسها «أو «أضع طقوسها».

أمَّا هذه
الأمور الباقية التي يشير إليها فهي ما استجدَّ من الاحتياجات الإقليمية على
الطقوس المعمول بها. لأنه لا يفوتنا أن كل الأناجيل والرسائل كُتِبَت بينما طقس
الإفخارستيا كان قد تأسس بل وتأصَّل في صميم العبادة، وسرى في الكنيسة كلها منذ
عشرين سنة على الأقل فما فوق.

هذا من جهة
كتابتها، أي كتابة الأناجيل والرسائل، أمَّا من حيث انتشارها في الكنيسة كلها ككتب
قانونية يمكن الرجوع إليها وقراءتها بجوار أسفار العهد القديم فهذا لم يتم إلاَّ
بعد مائة سنة على الأقل.

ففي هذه
الفترة الطويلة عاشت الكنيسة على الإفخارستيا كمصدر عبادة وتقديس وتطهير وغفران
وتجديد وانطلاق إلى السماء. فألوف من القديسين والشهداء ومئات الألوف من الأتقياء
عاشوا وماتوا وكل إيمانهم وتعلُّقاتهم بالرب كان من خلال الإفخارستيا مع القراءات
والتعاليم التي كانوا يسمعونها في الكنيسة قبل تقديم الإفخارستيا، وهم لا يملكون
وثيقة أو رسالة أو إنجيلاً أو خولاجياً. أمَّا كل ما كانوا يملكونه فكان المسيح
نفسه، الذي يتلاقون معه في أول كل أسبوع ليغتذوا بجسده ودمه، وكلمته وسره وحضوره.

واضح جداً،
إذاً،
أمام
القارىء أن الأناجيل وكل أسفار العهد الجديد لم تكن في البدء مصدراً لترتيب أو
تأسيس الأسرار عموماً، ومن بينها سر الإفخارستيا. فسرُّ الإفخارستيا في الكنيسة
سابق في تأسيسه والعمل به على كل الأناجيل والرسائل، فهو تقليد قائم بذاته، قديم
أقدم من كل أسفار العهد الجديد، فهو لم يستمد أبداً أصوله أو ممارساته أو قوانينه
من أسفار العهد الجديد، بل كان يستمد دائماً سلطانه وترتيباته وقوانينه بالتسليم
والعادة الجارية في الكنيسة. وهذه كلها كوَّنت بحد ذاتها سلطاناً قوياً منفرداً،
دون أي مصدر آخر، لأنها كانت مسلَّمة من الرب نفسه بحسب أصول وترتيبات العشاء
السري الذي تأسس فيه هذا السر.

ولكن يهمنا
أيضاً أن نعرف أن الكنائس كلها عادت بعد القرن الأول إلى الأناجيل مرة أخرى
لتعدِّل على نورها ما رأته مناسباً لتكميل الإفخارستيا
([5]).

ولكن بظهور
الأناجيل والرسائل وبقية أسفار العهد الجديد، تأيَّد جداً سلطان التقليد
الإفخارستي في الكنيسة، لأن الأسفار صدَّقت على كل ما كانت الكنيسة تمارسه في هذا
السر بل وزادته وضوحاً ويقيناً وشرحاً وكرامةً وخوفاً.

ويكفي للقارىء
أن يراجع ما سجَّله العهد الجديد بخصوص هذا السر:

1 في رساله
القديس بولس الرسول إلى أهل كورنثوس الأصحاح الحادي عشر، وفيها يدرك قيمة هذا السر
في عُرْف الكنيسة والرسل والرب نفسه!!

2
ثم إذا ذهبنا إلى سفر الرؤيا نسمع الرب نفسه يتكلَّم بالسر المخفى عن حضوره الشخصي
العجيب في هذا السر المدعو بسر “العشاء”:
» ها أنذا واقف على الباب (القلب) وأقرع (بالكلمة)، إن
سمع أحد صوتي (التوبة) وفتح الباب (الإيمان والرجاء) أدخل إليه (في سر الكنيسة) “وأتعشَّى”
معه (شركة في آلامنا) وهو معي (شركة في آلامه بالأكل
من الجسد والدم للحياة الأبدية).
«(رؤ 20: 3)

هكذا يصوِّر سفر الرؤيا
حضور الرب ولطفه وشركته معنا في سر الإفخارستيا. ويلاحظ القارىء كلمة
» أتعشَّى معه «فهي تشير
إشارةً سرِّية إلى «عشاء الرب السرِّي» الذي أخذته الكنيسة القبطية. فكلمة
» عشاء الرب «الذي
استخدمته الكنيسة القبطية في العصور الأُولى وجعلته طقساً ليلياً تُقام فيه
الأغابي مع الإفخارستيا هو في الواقع تطبيق رؤيوي كانت تعيش فيه الكنيسة على مستوى
سفر الرؤيا باعتبار مجيء الرب الحادث بالروح حسب وعده وكإمتداد لعشاء الخميس معاً
بحرية مذهلة أذهلت العلماء حتى اليوم، لأن هذا الطقس ظل سارياً حتى في أقصى صعيد
مصر حتى القرن الخامس عندما بدأت المجامع والتحديدات والقيود والحرومات المرعبة.

3 ولكن
يعود سفر الرؤيا ويتكلَّم بالسر المخفى لأولاد السرِّ عن لقمة الإفخارستيا (جزء
الجسد) التي يتناولونها، من على مائدة الرب وكيف أنها تحمل لنا شهادة التطهير
(بيضاء)، وخِتْم الخلاص الذي يُعبَّر عنه بالاسم الجديد الذي يؤهِّلنا للعبور إلى
ملكوته:
» مَنْ يغلب فسأعطيه أن “يأكل” من المن “المخفى”،
وأعطيه حصاة
y»foj = جوهرة ذات قوة إلهية([6])
بيضاء، وعلى الحصاة اسم
جديد
مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ. «(رؤ 17: 2)

وقد أدرك هذا المعنى
الآباء القديسون الملهمون منذ البدء، إذ يقول كتاب تعاليم الرسل، القانون الثالث
والثلاثون:

لأجل مَن يتعمَّد:

[ولا تُعلِّموا غير
مؤمن بهذا إلاَّ بعد أن يتناول أولاً هذه البركة (الأولوجية
= الإفخارستيا) المقدَّسة التي قال عنها يوحنا الرسول إنه مكتوب
عليها اسم جديد لا يعرفه أحد إلاَّ الذي يقبل التزكية.] (مخطوطة “النوموكانون”
251 المكتبة الأهلية بباريس)

ولأجل
هذا أيضاً يشدِّد الآباء على أن يكون خبز القربانة أبيض حتى يتم فيه القول حصاة «بيضاء».

4 وحينما
يقدِّم القديس يوحنا الرسول في إنجيله الحوار التاريخي (هذا الحوار المؤسف الذي لا
يزال للأسف جارياً حتى الآن عند الذين رفضوا السرّ المسلَّم بالتقليد) بخصوص سر
الإفخارستيا وحقيقة الجسد:
» فخاصم اليهود بعضهم
بعضاً (يقابل ذلك الآن البروتستانت والكنائس التقليدية) قائلين كيف يقدر هذا أن
يعطينا جسده لنأكل؟
«(يو
52: 6)، فإن هذا الحوار لم يعد له وجود عند الذين قبلوا السرَّ، لأن بالسرِّ نفسه
أُعلن لهم كيف يأكلون الجسد!! وكيف يقدر المسيح فعلاً أن يعطينا جسده لنأكله!!!

5 ثم يأتي
القديس بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين ويقطع خط الرجعة على كل الذين أشفقوا
وأبقوا على عبادتهم اليهودية وتمسُّكهم بالذبائح القديمة من أن يشتركوا في هذه
الذبيحة الإلهية باعتبارها السرّ الذي يحوي جميع معاني الذبائح ويُلغيها
» “لنا مذبح” (مائدة الرب) لا سلطان للذين يخدمون المسكن (كل
الكهنة وكل اللاويين الذين يخدمون الهيكل القديم) أن يأكلوا منه
«(عب 10: 13). وعلى القارىء أن يتصوَّر مدى الاعتزاز ومدى الثقة
ومدى الاكتفاء الذي يشعر به الإنسان اليهودي الذي تنصَّر وتعمَّد وقَبِل المسيح
ربًّا وإلهاً، عندما يقرأ هذه الآية من نحو “المذبح” الجديد، و“الذبيحة” الجديدة.
وهكذا شدَّدت الأسفار في العهد الجديد من “سلطان” المذبح الجديد وسلطان
الإفخارستيا باعتبارها الذبيحة الكاملة التي ألغت الذبائح وأنهت على كل خدمات
الهيكل القديم، وكهنوته بالتالي.

6 ويعود
القديس بولس الرسول ويُنهي على تقليد الفصح القديم (عيد الأعياد عند اليهود)،
ويوقفه وقفة الأبد في
» إفخارستيا «الفصح
الجديد الذي قُدِّم مرة واحدة على الصليب عن حياة العالم كله لفكِّ عبودية الإنسان،
والذي يُقدَّم على المذبح كل يوم لنجاة وتجديد كل يوم على قدر سقوط الإنسان كل
يوم!
» لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا “الإفخارستيا”،
إذاً، لنعيِّد (الأغابي كل يوم) ليس بخميرة عتيقة (خبز الشهوة أي خبز العبودية)،
ولا بخمير الشر والخبث (أي خبز الضلال)، بل بفطير (خالي من الشر) الإخلاص والحق
(أي خبز الأغابي الذي يتقدَّس بالصلاة).
«(1كو 5: 7و8)

هذه الآية تعطي كل مَنْ
يتناول من الإفخارستيا كل يوم، لو شاء، نفس الإحساس الكبير والمركَّز الذي كان
يشعر به الرجل العبراني ليلة الفصح في كل سنة! ولكن عوض أرض كنعان ملكوت السموات.

الإفخارستيا، بهذا
الشرح الرسولي، صارت عيد الفصح اليومي وبهجة الخلاص الدائم والمتجدد من العبودية
المرَّة. وبهذا أعطى العهد الجديد تزكية لتقليد الإفخارستيا ليكون فيها كل اكتفاء
للإنسان المسيحي عوض كل تذكارات العهد القديم المبهجة، بحيث أصبح
» ذكر موت
الرب
«من داخل الإفخارستيا وبواسطتها » كفصح مذبوح
لأجلنا
«فكاكاً دائماً لنا ومصدر بهجة.

7 حتى
الخوف الذي أحاط به القديس بولس الرسول سرَّ الإفخارستيا عندما كشف عن حقيقته
كمصدر دينونة وعقاب وتأديب لكل مَنْ يتقدَّم إليه بدون استحقاق (أي في حالة لا
تتناسب مع ما يجب أن يكون عليه عضو
في جسد الرب)، هذه
الدينونة المخيفة حوَّلها بولس الرسول إلى تزكية جميلة وفريدة من نوعها، لا نملك
إزاءها إلاَّ أن نخضع للإفخارستيا كمجلس قضاء ينتهي بالتأديب ثم بالبراءة!!
» لأن الذي
يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميِّز جسد الرب. من أجل هذا
فيكم كثيرون ضعفاء، ومرضى، وكثيرون يرقدون، لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا (التوبة
وقوانينها) لما حُكم علينا. ولكن إذ قد حُكم علينا نؤدَّب من الرب لكي لا نُدان
مع العالم.
«(1كو 11: 2932)

أي أن التأديب الحاصل
بسبب خطأ التقدُّم بدون استحقاق (أحياناً بسبب الجهل أو عدم المعرفة أو عدم
التعليم الصحيح)، فإن هذا التأديب يتحول في النهاية إلى عدم دينونة هناك.

8 ويعود
القديس بولس الرسول أيضاً ويصف الاشتراك في الإفخارستيا أنه ذَوْقٌ للمواهب
السماوية!! وذوق لقوات الدهر الآتي، وبهذا يفتح المجال أمام الإفخارستيا باعتبارها
مصدر مواهب سماوية ومصدر قوة الحياة الأبدية:
» لأن الذين استنيروا
مرةً
(معمودية واحدة) وذاقوا الموهبة السماوية (الأكل من الإفخارستيا
الخبز الحي النازل من السماء)، وصاروا شركاء الروح القدس (باعتبارهم
يتناولون الجسد المقدَّس ويشربون الدم بالروح القدس من مائدة الرب
= شركاء مائدة الرب الحالّ عليها الروح القدس) وذاقوا كلمة الله
الصالحة وقوات الدهر الآتي.
«(عب 6: 4و5)

فالإفخارستيا هنا مصدر
إثمار روحي للإنسان كالأرض الطيبة التي تشرب المطر السمائي المبكِّر والمتأخر معاً،
فهي حتماً تثمر. لأن المطر المبكِّر يجعل النمو مبكِّراً وسريعاً، والمطر المتأخر
يكمِّل النمو حتى الإثمار.

فالإفخارستيا، بهذا
المعنى، طعام وشراب الحياة من بدايتها حتى نهايتها، الذي حتماً يثمر للحياة
الأبدية مواهب وقوة روحانية.

9 ويعود
القديس بولس الرسول أيضاً ويعطينا في الإفخارستيا الرجاء المنظور والمحسوس لمجيء
الرب الذي تنتظره كل الأجيال حتى والتي عبرت أيضاً، فكل عين في السماء وعلى الأرض
تتطلع لمجيئه، ولكن لنا في الإفخارستيا صلة حية بهذا المجيء وربطٌ محسوس وثيقٌ
يربطنا بذلك اليوم السعيد الآتي حتماً، وعهدٌ متَّفق عليه ومختومٌ بختم دم إلهي
بروح أزلي نغمس فيه إصبع إيماننا القلبي مع شفاهنا كل يوم إلى أن يجيء:
» فإنكم كلما
أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء.
«(1كو 26: 11)

فالإفخارستيا لا تشكِّل
فقط عهداً جديداً بل وعهداً متجدداً أيضاً إلى أن يجيء. نعم آمين تعالَ دائماً
أيها الرب يسوع!!

10
ثم إن القديس بولس الرسول يفتح ذهننا أيضاً إلى حقيقة سرية، وهي أننا نستقي
الروح القدس من على مائدة الرب.
الإفخارستيا مصدر عطاء الروح القدس كشرابٍ
جماعي خاص
بالأعضاء الثابتين في جسد المسيح » لأننا جميعنا بروحٍ واحدٍ أيضاً اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ (المعمودية) وجميعنا
سُقينا روحاً واحداً … وأمَّا أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً.
«(1كو 12: 13و27)

11 ويعود القديس
يوحنا الرسول ويكشف أكثر فأكثر للكنيسة بعد مضي خمسين سنة على ممارساتها لسرِّ
الإفخارستيا عن مركز هذا السر في حياتنا:
» فقال لهم
يسوع: الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة
فيكم. مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير، لأن
جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق. مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه.
«(يو 6: 5356)

هذه الآيات ليست جديدة
على القارىء، ولكن الجديد هو أن يعرف القارىء أن هذه الآيات كُتبت والكنيسة تقيم الإفخارستيا، وتعطي الجسد والدم
على المذبح كل يوم أو كل أسبوع على
مدى
أكثر من خمسين سنة!! لأن القديس يوحنا الرسول كتب إنجيله في نهاية القرن الأول سنة

95م تقريباً.

والقديس يوحنا الرسول
الذي كتب هذا، كان يقف على المذبح ويقدِّم الإفخارستيا ويُناول الشعب من الجسد
والدم. ومعروف أن هذا الرسول المبارك هو أول مَنْ استخدم ملابس كهنوتية بيضاء
للخدمة وتاجاً على رأسه (لاحظ أن القديس يوحنا الرسول كان شديد التأثر بالملابس
البيضاء وتأويلها الروحي انظر سفر الرؤيا).

والأمر الذي يشدِّد من
إيماننا جداً هو أن القديس يوحنا الرسول الذي كتب هذا كان يرى أيضاً في
الإفخارستيا تحقيقاً لما كُتب، وكان يمارس الإفخارستيا بنفسه، وأوصى في رسائله أن
» دم المسيح «يطهرنا من
كل خطية.

12 وأخيراً
يشدِّد القديس بولس الرسول من إيمان الكنيسة ومن مفهومها للإفخارستيا كمصدر سرِّي
فعَّال لوحدة المؤمنين معاً في جسد واحد سرِّي للمسيح:
» كأس البركة
التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح. الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح.
فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد
«(1كو 10: 1517). هكذا استخدم القديس بولس الرسول الإفخارستيا
كمصدر شرح وإلهام لاهوتي.

أترى معي أيها القارىء
كيف تأتي كل شهادات العهد الجديد لتثبت للمؤمنين الممارسين لسر الإفخارستيا أن
الإفخارستيا هي خلاصة الإنجيل قبل أن يُكتب الإنجيل!!
وكيف كانت الإفخارستيا،
ولا زالت، مصدر شرح وإلهام لاهوتي؟!

هذا المفهوم لازم لنا
جداً لندرك أن ليتورجية الإفخارستيا لم تأخذ مادتها وترتيبها وطقسها وصلواتها من
الإنجيل أو أسفار العهد الجديد، ولم تكن النصوص الإنجيلية هي الحدود الضابطة لشكل
الإفخارستيا الأُولى في الكنيسة، ولكن جاءت أسفار العهد الجديد عند كتابتها شاهدة
لصحة التقليد الأول وضابطة وحافظة له ومُبرهِنَة على صدق وأصالة كل الحدود
الموضوعة، كما أعطت أسفار العهد الجديد الشرح اللاهوتي المطابق لفاعلية السر،
وأنارت ذهن الكنيسة لفهم عظم قيمة هذا السر من جهة أثره ومن جهة واجباته اللازم
اتباعها حتى تناله بدون دينونة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى