اللاهوت العقيدي

الباب الثاني



الباب الثاني

الباب
الثاني

التوبه

معاني
التوبة

سر التوبة والإعتراف
هو سر مقدس به يرجع الخاطئ إلى الله باعترافه بخطاياه أمام الأب الكاهن ليحصل على
حل منه بالسلطان المعطي له من الله، وبهذا الحل ينال المعترف غفران خطاياه التي
أعترف بها. وقد أسس الرب يسوع المسيح سر التوبة والإعتراف عندما قال لتلاميذه
الرسل الأطهار ” الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في
السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء ” (مت 18: 18). وقوله
لهم بعد القيامة ” كما أرسلني الأب أرسلكم أنا، ولما قال لهم هذا نفخ وقال
لهم أقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه غفرت له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت ”
(يو 20: 21
23) وبذلك أعطاهم
السلطان أن يربطوا الخطايا أو يحلوها بقوة وسلطان الروح القدس المعطي لهم وذلك حسب
ظروف وتوبة المعترف.

 

التوبة
هى رسالة المسيحية

فيوحنا
المعمدان، الذى هيأ الطريق أمام المسيح دعا الناس إلى التوبة (مر4: 1). والرب يسوع
نفسه كرز بإنجيل التوبة. وهكذا أوصى تلاميذه أن ينادوا فى الناس بالتوبة ”
توبوا لأنه قد اقترب منكم ملكوت الله “.

 

ما
هو سر التوبة والإعتراف؟

هو
السر الذي ننال به مغفرة خطايانا بعد أن نندم عليها ونتوب عنها ونتدرب بالأبوة
الروحية وحياة التلمذة لأب الإعتراف في طريق الفضيلة والتقوي والورع والايمان
والمحبة بلا رياء والرجاء الكامل حتي نصل إلي التوبة الحقيقية التي عندها نكون
غرباء عن الخطية مثل مخلصنا الصالح الذي ” لم يعرف خطيئة ” لأنه ترك لنا
مثالا لكي نتبع أثر خطواته.

التوبه
هي الرجوع إلي الله والتصالح معه (1)


ارجعوا إلي أرجع اليكم ” (ملا 7: 3) وقد رجع الابن الضال إلي أبيه (لو 15: 18
– 20)0″ أذن نسعي كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا0 نطلب عن المسيح تصالحوا
مع الله ” (2 كو 5: 20)0

 

التوبه
هي يقظة روحية تنقلنا من الموت إلي الحياة


أنها الآن ساعه لنستيقظ من النوم ” (رو 11: 13)000 ” استيقظ أيها النائم
وقم من الأموات فيضيء لك المسيح ” (اف 14: 5)0

 

التوبه
هي ترك الخطية بلا رجعة

التوبه
هي ترك الخطية بلا رجعة من أجل محبة الله الذي يحررنا منها ومن عبودية الشيطان
” أن حرركم الابن فبالحقيقة أنتم احرار ” (يو 36: 8)0

 

التوبة
هى صدر الله الحنون

بالخطية
نخسر كل المواهب والفضائل والنعم، والتوبة تعيدها إلينا. طريق التوبة طريق أمين.
وهى باب مفتوح للخلاص لا يغلق إذ هو صدر الله الحنون ” من يقبل إلى لا أخرجه
خارجاً ” (يو27: 6). التوبة تهدئ غضب الله. فقد رحمت أهل نينوى بعد أن ندم
الملك والرعية. والآباء والأمهات والأبناء، ناثرين الرماد على رؤوسهم، لابسين
المسوح، جالسين فى التراب.

 

التوبه
هي استبدال شهوة بأخري

التوبه
هي استبدال شهوة بأخري حيث تحل شهوة الحياة مع الله بدلاُ من شهوة الحياه مع
العالم. ومع الجسد وذلك بتجديد الذهن” تغيروا عن شكلكم بتجديد اذهانكم
لتختبروا ماهي ارادة الله الصالحة ” (رو 2: 12)0

 

التوبه
هي صرخة الضمير وثوره علي الماضي

 

التوبه
هي صرخة الضمير وثوره علي الماضي وتغيير شامل لحياة الإنسان ليكون له حياة النصر
وانشودة الغالبين0

 

(1)
انظر كتابنا الخطيه والرجوع الي الله

 

التوبه
هي غربه عن الخطيه

غاية
التوبة ليس فقط أن نمتنع عن فعل الخطية أو التفكير فيها بل غايتها أن نكون غرباء
عن الخطية، والخطية غريبة عنا إذ أن الانسان مخلوق علي صورة الله في القداسة ومحبة
الحق ولأن الله قدوس هكذا نحن صورته ينبغي أن نكون قديسين وبلا لوم (أف 1: 4). كما
أن آبانا الذي في السموات هو قدوس (1 بط 1: 15، 16)، وهذا يؤكد أن الخطية ليست من
طبيعة الأنسان بل غريبة عنه. لهذا فالخطية تربك الانسان وتحطم طاقاته، ومعنوياته
وتهدم اتزانه وتوازن عناصره الداخلية وتدخل إلي قلبه الخوف والشك والكآبة والبؤس
والفراغ والاحساس باللا معني لكل شيء حتي لوجود الشخص نفسه وحياته، ولذلك يتساءل
بمرارة لماذا خلقت وما معني الحياة؟!! إذ قد فقد طعم الحياة والاحساس بوجود الله
ونعمة الوجود والخلود والملكوت.

 الرحمة
والتوبة ومغفرة الخطايا

لولا
رحمة الله ما كان غفران، وما أفلحت توبة. فنتيجه رحمه الله أنا احصول على غفران
خطاياى بالتوبه، فلو لم يغفر الله لى خطاياى فما فائدة التوبة؟ فلنأكل ونشرب ونلهو
لأننا غداً نموت.

 

هل
يتناقض الغفران مع عدل الله؟

 كيف
يغفر الله لى ذنوبى وآثامى؟ الا يكون فى الغفران تناقض مع وصايا الله التى نهت عن
الخطية، وتوعدت فاعليها بالقصاص والعذاب؟! أو بعبارة أخرى، ألا يكون فى الغفران
تناقض مع عدل الله الذى يقضى بأن “أجرة الخطية هى موت ” (رو23: 6)؟!!

كان
يمكن أن يكون كذلك لو لم يكن لرحمة الله دخل أو عمل. فالرحمة تظهر وتتقدم، وتتقابل
مع عدل الله فى طريق القصاص. وهذا ما يصوره داود النبى تصويراً بديعاً بقوله: ”
لأن خلاصه قريب من خائفيه. ليسكن المجد فى أرضنا الرحمة والحق التقيا. البر
والسلام تلائما ” (مز85: 9، 10). ورحمة الله لم تلغ عدله، ولم تبطل عمله،
لكنها أوجت حلاً، وهذا الحل قائم فى أن الله يموت فداء عن الإنسان الذى أخطأ. الله
غير المحدود يتخذ جسداً مثلنا ليفدى الإنسان الذى إستحق عقاباً غير محدود نتيجة
تعديه وصية الله غير المحدود. ذلك الفداء الذى لم يكن ممكناً لملاك أو رئيس ملائكة
أو نبى أن يتممه.

 

عصر
الرحمة

نستطيع
القول فى ثقة ويقين، أننا الآن فى عصر الرحمة، التى ما بعدها رحمة.. الرحمة التى
احتملت الإهانات والتعييرات حتى الموت. فلنقبل إلي مسيحنا القدوس تائبين، نادمين،
معترفين بخطايانا، مقرين بآثامنا، واثقين من صدق مواعيده، وأنه مازال فاتحاً
أحضانه، منادياً الجميع ” تعالوا.. وأنا أريحكم “.. ” من يقبل إلىّ
لا أخرجه خارجاً ” (يو37: 6). هو مستعد أن ينسى خطايانا ويترك آثامنا،
ويتغاضى عن جهالاتنا، ولا يعود يذكرها، بل يطرحها فى بحر النسيان ” من هو إله
مثلك غافر الإثام، وصافح عن الذنوب لبقية ميراثه. لا يحفظ إلى الأبد غضبه فإنه يسر
بالرأفة. يعود يرحمنا، يدوس آثامنا وتطرح فى أعماق البحر جميع خطاياهم ”
(ميخا18: 7،19).

 

التوبه
هي قلب منسحق وعذاب عظيم للشيطان

التوبه
هي قلب منسحق وعذاب عظيم للشيطان مفادها أنها تجعل الزناة بتوليين.

” وأرش عليكم ماء
طاهر فتطهرون من كل نجاساتكم وأعطيكم قلباً جديداُ وأجعل روحاُ جديدة في داخلكم ”
(حز 36: 25 – 27)0

 

التوبه
هي يد الله الممدودة تناشدك الرجوع

التوبه
هي يد الله الممدودة تناشدك الرجوع ” فرجع إلي نفسه ” (لو 17: 15)0

 

الخطيه
تجعل الخاطي ريشة في مهب الريح

الخطية
تجعل الانسان مضطرباً كريشة في مهب الريح ويفقد سلامه أو كما قال أشيعاء النبي: ”
أما الاشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ وتقذف مياهه حمأة وطينا (في
رداءة تصرفه وكلامه وسوء علاقاته بالآخرين لفقدانه السلام).. لا سلام قال إلهي
للإشرار” (اش 75: 02: 12).

هكذا
قال أيضا القديس يهوذا عن الأشرار والسالكين في الضلال ” غيوم بلا ماء (بلا
ثمر) تحملها الريح (تحركها وتوجهها الشهوات والأهواء والتيارات المحيطة). أشجار
خريفية بلا ثمر ميتة مضاعفا مقتلعة، أمواج بحر هائجة (من القلق) مزبدة بخزيهم،
نجوم تائهة (أي كانو مخلوقين مثل الكواكب ولكنهم تاهوا وضلوا) محفوظ لها قتام
الظلام إلي الأبد ” (يه 21، 31) وعن غضب الله الذي تجلبه الخطية يكمل القديس
يهوذا قائلا ” وهوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة علي الجميع
ويعاقب جميع فجارهم علي جميع أعمال فجورهم ” (يه 31، 51).

التوبه
هي استجابة الإنسان لدعوة الله

التوبه
هي استجابة الإنسان لدعوة الله إليه فتفرح به السماء” هكذا يكون فرح في
السماء بخاطيء واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراُ لا يحتاجون إلي توبة ”
(لو 7: 15)0

 

الله
الرحوم يقبل التوبة ويغفر الإثم

تستند
فكرة التوبة على صفة الرحمة فى ذات الله. هذه الصفة التى اهتم الله بتثبيتها فى
عقول البشر، الذين يعرف ضعف طبيعتهم، عن طريق مواعيده المتكررة الثابتة الأكيدة فى
كتابه المقدس. وهكذا تغنى بالرحمة الأنبياء والرسل والقديسون، مبشرين البشر بها.
فقال الله قديماً لشعبه ” الرب إله رحيم ورؤوف، بطئ الغضب وكثير الإحسان
والوفاء. حافظ الإحسان إلى ألوف. غافر الإثم والمعصية والخطية ” (خر34: 6، 7).

أما
داود العظيم ذو القيثارة الملائكية فقد تغنى فى كثير من مزاميره بمراحم الله
الواسعة الكثيرة. بل بلغ به التحمس فى أحدها أن أخذ يحث نفسه أن تشترك معه وهو
يشدو لحنه العذب، بقوله ” باركى يا نفسى الرب وكل ما فى باطنى ليبارك إسمه
القدوس.. الذى يغفر جميع ذنوبك الذى يشفى كل أمراضك.. الذى يكللك بالرحمة
والرأفة.. الرب رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة. لا يحاكم إلى الأبد ولا يحقد
إلى الدهر. لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا، لأنه مثل ارتفاع
السموات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق من المغرب أبعد عنا معاصينا
كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه. لأنه يعرف جبلتنا يذكر أننا
تراب نحن ” (مز103).

 

الخطيه
والملائكه وسدوم وعموره

لكي
نعرف مدي ما تصنعه الخطية وما تجلب من غضب إلهي فلننظر إلي الشيطان الذي كان رئيسا
للملائكة وبخطية الكبرياء تحول إلي شيطان في قيود أبدية تحت الظلام (يه 6) وكيف
جردت آدم من سلامه وثياب بره وأصبح عريانا مضطربا خائفا ساقطا تحت حكم الموت
وسلطانه، وكيف أن الله أهلك بسبب الخطية العالم كله بالطوفان أيام نوح ماعدا
ثمانية أنفس (2 بط: 5، 6) وكيف أن الله أهلك سدوم وعموره بالنار والكبريت وكيف أنه
سقط 32 ألفا من بني اسرائيل بسبب الخطية أيضا (كو 01: 8).

التوبه
هي طريق النجاة من الغضب الآتي

التوبه
هي طريق النجاة من الغضب الآتي (يو 10: 13، 13: 26، حز 18: 21).و هي الطريق الموصل
الي استحقاقات الدم المسفوك علي الصليب لتكون بداية حياة طويلة الي حياة النقاوة.

 

الخطيه
غريبه عن طبيعه الأنسان

الخطية
لأنها غريبة عن طبيعة الانسان تكون فاصلا بينه وبين الله، عندما تفسد بساطة
الانسان ولهذا قال أشعياء النبي أن اثامكم صارت فاصلة بينكم وبين الهكم والخطية
تمنع الخيرات ” خطاياكم منعت عنكم الخير” (أر 5: 25)

الخطية
تسبب تمرد الطبيعة علي الانسان

الخطية
تسبب تمرد الطبيعة علي الانسان الذي تمرد علي الله، فأصبح آدم بعد الخطية يخاف من
الوحوش التي كانت خاضعة له تخدمه عندما كان آدم خاضعا لله وأصبح الانسان يخاف حتي
الحشرات الضعيفة، والعقارب وأصغر المخلوقات مثل ميكروبات الأمراض التي لا تري
بالعين واصبحت تهدد حياة الأنسان وأمنه وسلامه ولهذا قال مخلصنا لمريض بيت حسدا
” ها أنت قد برئت فلا تعود تخطيء لئلا يكون لك أشر ” (يو 5: 14).

التوبه
هي جمرة نار يلتقطها أحد السارافيم من فوق المذبح

التوبه
هي جمرة نار يلتقطها أحد السارافيم من فوق المذبح ” لقد انتزع اثمك وكفر عن
خطيئتك ” (إش 5: 6).

التوبة
اقتناع قلبى بالخطأ وأن أدين نفسى وأحكم عليها

التوبة
فى اليونانية والقبطية (مطانية) (
Metonia) وتعنى حرفياً تغير فكرالقلب وتغيير اتجاه الحياة (من اليسار
لليمين) من الشر للخير، ويصير الإنسان جديداً فى كل شئ (2 كو5: 17)
.. وهكذا
نجد أن التوبة فى المفهوم المسيحى تعنى الحياة الجديدة، أو جدة الحياة.. هكذا عبر
بولس الرسول عن هذا المفهوم بقوله: ” إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة.
الأشياء العتيقة قد مضت, هوذا الكل قد صار جديدا ً” (2كو17: 5). فالمسيحية
تنادى بالجدة فى كل شئ، وتعلم ألا يجعل أحد رقعة جديدة على ثوب عتيق، أو يجعل
خمراً جديدة فى زقاق عتيقة (مت9: 16، 17). وكلمات رب المجد هذه تلقى ضوءاً على
المفهوم السليم للتوبة.. إنه تغيير كامل شامل للحياة كلها، وليس مجرد وضع رقع على
الثوب العتيق..

 

الخطيه
تعطينا لذه مؤقته وتجردنا من السعاده الأبديه

لأن
الله خلقنا في القداسة علي صورته المقدسه لذلك يؤكد لنا الكتاب أن القداسة ضرورية
وحتمية لسلامنا وخلاصنا ومتعتنا في الأرض والسماء, وأن الخطية تعطينا لذة مؤقته
لتجردنا من السعادة الأبدية الدائمة، وتعطينا فرحا خارجيا لتسلب منا أفراح القلب
الداخلية العميقة، وتعدنا بالشبع فإذا هي تلقينا للجوع والعطش والجفاف حتي الموت،
تبهر أبصارنا الحسية وتطفىء بصيرتنا الداخلية، تلهب الاهواء البهيمية وتطفيء لهيب
الشوق الالهي في القلب، تفتح الذهن علي المعرفة الشريرة والشر لتتركنا فريسة للجهل
الروحي والضلال بعيدا عن مصدر الحياة والحب والسلام تلقي لنا بفتات اللذة في فخ
الشهوات الجسدية لكي تطوق عنقنا بسلاسل الموت والظلام والكآبة, تخدعنا بحرية جسدية
زائفة وزائلة لتأسر قلوبنا للهوي وتتركنا عبيدا للشهوات والشيطان لأن من يفعل
الخطية فهو عبد لها (يو 8: 34)، تستدرجنا لارضاء الجسد والناس لننال الغضب الآلهي
المخيف، تغربنا عن الاحضان الآلهية البهية لتضعنا في أحضان ظلمة الشيطان الكريهة،
وتجعلنا غرباء عن مجتمع الاتقياء والقديسين لتلقينا في أوكار الأشرار والنجسين حتي
تذهب كرامتنا ونترجي طعام الخنازير ونعود للقيء مثل الكلاب.. من المستحيل بعد ان
نعرف كل هذا ان لا نصحو بسرعة ونعود لأحضان الآب الذى يدعونا كل يوم للتوبة
والقداسة!!

 التوبة هى
باب معرفة يسوع المسيح

التوبة
هى باب معرفة يسوع المسيح وبها نتلمس الحياة معه ونتذوق حلاوتها لذلك

فالتوبة
ليست مجرد حزن، وإنما يلازمها الفرح والسلام القلبى.التوبة عدم يأس، وعدم الإحساس
بنير الخطايا وعبئها الثقيل، بل الشعور بأن الله يحملها كلها، ويغسل الخاطئ فيبيض
أكثر من الثلج (مز50).

التوبة
تحتاج إلى اتضاع قلب. فالذى يدافع بأستمرار عن أخطائه، ويبرر تصرفاته وأقواله، هو
إنسان غير تائب، ويمنعه كبرياؤه عن التوبة.

التوبة
هى شعور بعمل النعمة فى الإنسان، فتتغير أفكاره، ومعاييره وسلوكياته.

في
سر التوبة والإعتراف يشتعل الروح القدس فينا، فيكشف الرب عن حبه. وبالإعتراف نتلاقى
مع الرب فى حبه، وتتجاوب النفس مع عمله الخلاصى.

 

الله
يشجعنا ويدعونا الى التوبة

الهنا
الرحيم الطيب الحلو يعلن لنا عن مراحمة للخطاة علي لسان موسي النبي قائلا: ”
الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الاحسان والوفاء.. غافر الاثم والمعصية
والخطية ” (خر 34: 6، 7).. ” لأن مراحمه لا تزول هي جديدة كل صباح.
(مراثي 3: 23) فمهما كانت خطايانا متكررة كل يوم فمراحمه جديدة كل صباح. فهو يعرف
ضعف طبيعتنا كما يقول داود النبي: ” كما يتراءف الأب علي البنين يتراءف الرب
علي خائفيه، لأنه يعرف جبلتنا (المادة التي خلقنا منها) يذكر أننا تراب نحن ”
(مز 103: 13، 14). وهذا ما دفع يونان النبي للهرب وعدم توبيخ أهل نينوي لأنه يعرف
أن الله متحنن فقال يونان ” لذلك بادرت إلي الهرب الي ترشيش، لأني علمت أنك
إله رؤوف ورحيم بطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم (سريعاً ما ترجع) عن الشر ”
(يونان 4: 2).. لذلك يدعونا الله إلي التوبة والقاء حمل خطايانا لنستريح فيقول: ”
تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم “. (مت 11: 28).
وما أكثر مواعيد الله التى تشجعنا لنقبل إليه تائبين. لقد وعدنا بأن ينسى كل
خطايانا الماضية لنصبح معه وبه وفيه خليقة جديدة. قال الرب بلسان حزقيال النبى
” إذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التى فعلها وحفظ كل فرائضى، وفعل حقاً
وعدلاً فحياة يحيا. لا يموت. كل معاصيه التى فعلها لا تذكر عليه. فى بره الذى عمل
يحيا. هل مسرة أسر بموت الشرير يقول السيد الرب، إلا برجوعه عن طريقه فيحيا. وإذا
رجع البار عن بره وعمل إثماً، وفعل مثل كل الرجاسات التى يفعلها الشرير. أفيحيا؟
كل مرة الذى عمله لا يذكر فى خيانته التى خانها، وفى خطيته التى أخطأ بها يموت
” (حز21: 18 – 74).

الله
يدعونا الي القداسه


وهذه هي ارادة الله قداستكم، لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل للقداسة ” (1 تس 4:
3، 7).. ” فإذ لنا هذه المواعيد (الالهية) أيها الاحباء لنطهر ذواتنا من كل
دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله ” (2 كو 7: 1).. ” والرب
ينميكم ويزيدكم في المحبة.. لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة أمام الله أبينا
في مجيء ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه (1 تس 3: 21، 31)..” اتبعوا السلام
مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يري أحد الرب ” (عب 13: 14).

حنان
الله ومغفرة خطايانا

حنان
الله يؤكد لنا قدرته على مغفرة خطايانا مهما كانت كبيرة وثقيلة قائلا: ” هلم
نتحاجج يقول الرب: ان كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج وان كانت حمراء كالدودى
تصير كالصوف, ان شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض، وان أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف
” (أش 1: 18 20).. وما أعظم حنان الله وهو يسوق لنا الأمثلة الدالة علي فرح
قلبه بالخاطيء الذى يتوب في مثل الابن الضال والخروف الضال والدرهم المفقود فيعلن
لنا عمل الآب والأبن والروح القدس لخلاصنا وأن السماء تفرح بخاطيء واحد يتوب أكثر
من تسعه وتسعون بارا لا يحتاجون إلي توبة.. وفي حنانه قبل إليه الخطاة من كل نوع،
فلقد قبل زكا وقبل الزانية التي امسكت في ذات الفعل ودافع عنها وغفر لها، وقبل
المرأة التي سكبت الطيب علي قدميه ومسحتهما بشعر رأسها لأنها أحبت كثيراً لذلك غفر
لها كثيرا (لو 7) إذ رجعت إلي الله بكل عواطفها واشواقها للبر (أحبت كثيرا) وقبل
العشار الذى قرع علي صدره قائلا اللهم ارحمني أنا الخاطيء وقبل السامرية واللص اليمين
في آخر لحظات حياته.. أنه رؤوف متحنن. لذلك فنحن نصلي كل يوم المزمور الخمسين
” ارحمني يا الله كعظيم رحمتك ومثل كثرة رأفتك تمحو إثمي تغسلني كثيرا من
اثمي ومن خطيتي تطهرني “.

أنواع
التوبة

توبة
شاملة

هي
لمن سار في طريق الرزيلة طويلاُ، وشرد عن الإيمان، وعن الفضيلة ويعزم علي ترك كل
الشرور والخطايا والعادات الردية.

توبة
يومية

هي
توبة السائرين في طريق السماء، بمحاسبة النفس كل يوم (قبل النوم مثلا) عن أخطائها0
وممارسة وسائط الخلاص، من صوم وصلاة، واعتراف وقراءات وتناول من السر الأقدس،
فينال الغفران باستحقاقات الدم بسر القربان، ” لأن دم يسوع المسيح يطهرنّا من
كل خطية ” (1 يو 7: 1، عب 14: 9)0

 

التوبة
سر قائم بذاته

قد
اعتاد الكثيرون في أوقات معينة أن يمروا علي سر التوبة عند اقترابهم إلي المائدة
المقدسة الرهيبة لتناولهم سر الشكر (التناول) واعتقدوا أن التوبة هي عبارة عن قراءة
التحليل من الآب الروحي في وقت التناول فقط. وقد طاش سهمهم عن اصابة المرمي كما
اعتاد البعض من العامة تناول سر الشكر اسبوعياُ خصوصاً في أوقات الاصوام دون أن
يقيموا لسر التوبة وزناُ ومما يؤسف له أن بعض الأباء الكهنة قد اعتبروا هذه العاده
في المتناولين موجبة لاستحقاقهم التناول دون فحص أو استقصاء عن مساوئهم فيجارونهم
علي هذا الخطاء مع أن هذه جراءة غير مغتفرة من الشعب كما أنه تساهل ممقوت من
الآباء وبما أنه من المحتم علي كل متناول أن يؤدي اعترافاُ متمماُ لسر التوبة فليس
كل معترف بمستحق في الحال للتقرب من المائدة المقدسة لما به من أمراض روحية ثقيلة
كانت أو خفيفة تستدعي مداواته بما يكون من ضمنها تأجيل تناوله إلي أجل بعيد أو
قريب0

 

استباحة
ما لا يحل

لذلك
يقال عن أولئك الذين جرياُ وراء عادتهم قد اقتحموا مائدة الرب بغير احتراس أنهم
وقعوا تحت دينونة استباحة ما لا يحل لهم كما صرح القديس بولس الرسول قائلاُ: ”
لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب، من
أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضي وكثيرون يرقدون لأننا لو كنا حكمنا علي أنفسنا
لما حكم علينا ” (1 كو 11: 29 – 31)0

انهم
يريدون أن يأكلوا ما لا يحل حتي لمسه بالايدي فحيث أنهم يفعلون هذا فقد ثبت أنهم
سيسلمون للهلاك (يهو 12: 11)0

وكما
أن لما مد عزه يده بغير احتراس ولمس تابوت الرب ضرب بالموت (2 صم 7: 6) هكذا
بالاحري يعظم عقاب ومسؤولية من يجترئون علي التقدم إلي المائدة الرهيبة ويتناولون
جسد ودم عمانوئيل بغير روية وتعقل وبدون اعترافهم بذنوبهم وخطاياهم واتمام التوبة
عنها0

 

مادمت
في الجسد فأنت لست مبرراً

مادمت
في الجسد فأنت لست مبرراً من خطية، بل من خطايا لأنه ” ليس بار ولا واحد ”
(رو 10: 3) وان كانت من الصديقين فمادامت في الحياة الدنيا أي في ميدان الجهاد لا تسلم
من أذي العدو أو من اصابتك بجرح دام أو خفيف كما تعلمنا بذلك شريعة الله ”
لأنه لا إنسان في الأرض يعمل صلاحاً ولا يخطيء” (جا 20: 7) وقد أمن يوحنا
الرسول علي هذه الحقيقة بقوله ” أن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس
الحق فينا أن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتي يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل
أثم أن قلنا أننا لم نخطيء نجعله كاذباُ وكلمته ليست فينا ” (يو 1: 8 – 10)0

ولما
ادعي ملاك (اسقف) كنيسة اللاودكيين بالقداسة والطهارة وعدم حاجته الي الإعتراف
بالعجز والتقصير وبخه السيد المسيح بلسان يوحنا الرسول قائلاً: ” هكذا لأنك
فاتر ولست بارداُ ولا حاراُ أنا مزمع أن أتقيأك من فمي لأنك تقول أني غني وقد
استغنيت ولا حاجة لي إلي شيء ولست تعلم أنك أنت الشقي والبئس وفقير وأعمي وعريان. أشير
عليك أن تشتري ذهباُ مصفي بالنار لكي تستغني وثياباُ بيضا لكي تلبس فلا يظهر خزي
عريتك وكحل عينيك بكحل لكي تبصر، أني كل من أحبه أوبخه وأودبه فكن غيوراُ وتب ”
(رؤ 3: 16 – 19).

 

المصباح
والفراشات

أياك
يا أخي أن تلهيك أمجاد العالم الزائلة وغروره الباطل عن الاهتمام بخلاص نفسك،
فتهمل أمر خلاصك وتؤجل توبتك، أن أمجاد العالم الزائلة هي الفخ الذي ينصبه لك عدو
الخير، فقد تجاسر أبليس وتقدم إلي رب المجد مجرباً ” وأراه جميع ممالك العالم
ومجدها. وقال له أعطيك هذه جميعها “.. أما الرب فقد أنتهره بقوله ” أذهب
يا شيطان ” (مت 8: 4 – 10). أن غرور العالم يشبه المصباح الذي يجذب اليه
الفراشات الجميلة، فتحوم حوله وهي ترقص طربا ً، ثم ما تلبث أن تسقط في داخله
فتحترق لوقتها.

 

ينظف
حذائه ويترك نفسه ملوثه!!

اعرف
قيمة نفسك. لو عرفت قيمة نفسك لما أهملت أمر خلاصها ولما توانيت عن توبتها، أن
نفسك لهي أسمي وأثمن من العالم ومافيه. ألم يقل رب المجد ” ماذا ينتفع الإنسان
لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه ” (مت 26: 16)
فكأن ربح العالم كله لا يساوي خسران النفس، أن نفسك ثمنها دم المسيح الذي سفك علي
الصليب لاجل خلاصك، ومن العجيب حقاً، أنه يوجد أناس، ليس أذل وأحقر لديهم من
نفوسهم في نظرهم، فمتي تلوثت أحذيتهم بالطين حالاً يسرعون بتنظيفها، واذا أنشقت
ثيابهم يبادرون برتقها، أما تنظيف نفوسهم، وتقويم طريقتهم، فأمر لا يأبهون له ولا
يهتمون به. ماذا تنتظر يا اخي؟! أننا الآن في زمن الرحمة، وغدا – في السماء –
سنصبح في زمن العدل – أن أنت أهنت العدل ههنا يمكنك الالتجاء إلي الرحمة، لكن أن
أهنت الرحمة فالي من تلتجيْ حينئذ.

 

لضمير
محكوماُ لا حاكماُ

أن
تبجح البعض بالمجاهرة أن ضمائرهم مستريحة لهذه الجرأة ولم تبكتهم علي أي ذنب وبذلك
يرون انفسهم مستحقين لنعمة تناول السرائر المقدسة دون توبه واعتراف نقول لهم ولأمثالهم
أن ضمائر الناس ليست هي الشريعة العادلة اذ لو كان حكم الضمير عادلاُ في كل حين
وفي كل شيء لما رأي الله لزوماُ لوجود وتنزيل الشريعة. أما وقد وجدت الشريعة فأصبح
الضمير محكوماُ لا حاكماُ وبحكم الشريعة قد ظهر فساد احكام الضمير الذي لا تعتبر
راحته حكماُ عادلاُ بنزاهة الإنسان من الخطأ بل الضمير تحت احكام شريعة الله التي
فيها القول الفصل والحكم العادل ” بأن القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من
يعرفه، أنا الرب فاحص القلب مختبر الكلي لاعطي كل واحد حسب طرقه حسب ثمر اعماله ”
(أر 17: 9 – 10) ولأن ” طريق الإنسان تظهر نقية في عيني نفسه ولكن الرب وازن
الارواح ” (أم 1: 16)” ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا ”
(رو 9: 7) فضلاُ عن أنه قد يكون الإنسان الذي يري بمقتضي حكم ضميره وراحته أنه
مستحق لتناول جسد المسيح ودمه بغير اعتراف مخدوعاُ وضميره موسوم عديم الحس ” في
رياء اقوال كاذبة موسومة ضمائرهم ” (1 تي 2: 4) ” الذين اذ هم قد فقدوا
الحس ” (اف 19: 4) توهموا في أنفسهم أنهم بلا خطية فكرية أو قولية أو عملية
تستوجب اعترافهم ولذا اقدموا بدون اعتراف علي المائدة المقدسة بغير خوف من الله
لينالوا مديحاُ من الناس بطهارتهم وبرهم الذاتيين ولكنهم قد استوفوا أجرهم.

 

بدوني
لا تقدرون ان تفعلوا شيئأ

ضع
في قلبك ان الخلاص من الخطيه ومن سلطانها انما هو بالمسيح وحده، بالايمان باسمه،
والايقان بقوته ومعونته، والرجاء في رحمته،وباستخدام وسائط الخلاص التي رسمها لنا
في كنيسته. اذ ” ليس بأحد غيره الخلاص.لان ليس اسم اخر تحت السماء قد اعطي
الناس به ينبغي ان نخلاص ” (اع12: 4). فمهما جاهدنا بقوتنا الذاتية ضد الخطية،
ومهما أحكمنا تفكيرنا للتخلص من ميولنا المنحرفة، وكبح جماح شهواتنا، فلن نستطيع
ذلك بدون السيد المسيح الذي قال ” بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً ”
(يو 5: 15). فأياك أن تتكل أذن علي ما تظن أنه قد ينفعك. أياك أن تعتمد علي ارادتك
أو حكمتك أو معرفتك الروحية أن هذه كلها – دون الاتكال علي ذراع الله القوية – لا
تنفعك.

أجعل
الله كل شيْ في حياتك. وتذكر كلمات المرتل ” أن لم يبن الرب البيت فباطلاً
تعب البناؤون. أن لم يحفظ الرب المدينة فباطلاً يسهر الحارس ” (مز 1: 127)
حقاً أن لم يبن الرب بناء حياتي الروحية، وأن لم يحرس مدينة أورشليم الداخلية
(القلب) فباطل هو كل جهادنا وسهرنا علي خلاص أنفسنا.

 

أستعمل
العالم ولا تدعه يستعملك

تأمل
في تفاهة العالم وبطلانه. أنظر يا أخي إلي العالم في تفاهته لا في غروره. وأعلم
أنه باطل الاباطيل الكل باطل. أستعمل العالم ولا تدعه يستعملك. وأحيا في العالم
ولا تدعه يحيا في قلبك، لقد سبقك إلي هذا العالم كثيرون، منهم ملوك ورؤساْ وعظماْ،
لكن أين هم الآن؟ هل اذا ذهبت إلي المقابر تستطيع أن تميز عظام الملك من عظام
رعيته، أو عظام السادة من عظام العبيد، أو عظام الحكماْء والفلاسفة من عظام
السفهاء والجهلاء.

 

تساهل
بعض رجال الدين فيما لا يجوز

واذا
كان اولئك لغاية في نفوسهم قد استحلوا ما لا يحل لهم فما بال أباء الإعتراف ووكلاء
الاسرار الذين يتساهلون معهم ويفتحون لهم الباب علي مصراعيه غير مقدرين خطورة
المسؤلية الموضوعة في اعناقهم وما اؤتمنوا عليه من الاسرار الرهيبة وهل يعلمون
أنهم بتساهلهم مع غير المعترفين واعطائهم الحل بالتناول يساعدونهم علي الاستهانة
بكرامة الاسرار المقدسة وتحقيرها أو بالحري يمهدون لهم الطرق لاستباحة الخطاْ
فضلاُ عن اعتقادهم ببرهم الذاتي دون حاجتهم الي بر المسيح والايمان به والرجاء
برحمته ويخطيء أيضاً اباء الإعتراف من جهة هذا التساهل لأنهم يعطون القدس للكلاب
ويطرحون الدرر قدام الخنازير0قال السيد المسيح له المجد ” فمن هو الوكيل
الأمين الحكيم الذي أقامه سيده علي خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها ” (مت 25: 24)
أي في الزمن والظروف الملائمة لاستحقاقهم تعاطيها0

جاء
في الدسقولية (ب 5 ص 157) ولا تهينوا كرامات الله كأنها غريبة منكم بل اقبلوها مثل
خواصكم لأنكم قد اقمتم وكلاء صالحين لله وكأنه هو الذي تجيبونه عن التدبير الذي
دفع اليكم “0

وجاء
في قوانين الرسل، قانون 12 من المجمع الأول المسكوني و102 للمجمع السادس المسكوني
انقرا و22 لمجمع قرطاجنة ما يأتي:


يجب علي الذين نالوا من الله سلطان الحل والربط أن يفحصوا ماهية واستعداد الخاطيْ
إلي الرجوع وهكذا يقدمون علاجاُ ملائماُ للمرض حتي لا يستعمل الافراط في كل من
الأمرين فيخيبون من تخليص المريض0 لأن سقم الخطية ليس بسيطاُ بل متنوعاُ وكثير
الأشكال وله فروع كثيرة يمتد منها الشر امتداداُ عظيماُ بل متنوعاُ ويسري إلي قدام
حتي أنه يقاوم قوة المعالج وأن تمام الكلام عند الله وعند من أوتمن علي الرئاسة
الرعوية هو أن يرد الخروف الضال ويشفيه من الجرح الذي جرحه به الثعبان ولا يدفعه
في هوة اليأس لئلا يهلك0 ولا يرخي له العنان لئلا يزدري وتسترخي عيشته0 وعلي كل
حال يجب علي الراعي أن يحارب المرض كيفا كان بلا بد إما بالادوية الحارة والقابضة
وأما باللينة واللطيفة وأن يجاهد في ختم الفرح باختباره أثمار التوبة ومداواته
بالحكمة ذلك الإنسان المدعو إلي الاستنارة العلوية “0

 

زمن
الرحمة وزمن العدل

إننا
الآن فى زمن الرحمة وغداً سنكون فى زمن العدل، وشتان بين طريقتى الله فى معاملة
البشر فى الحالتين!! فقد تجسد الرب الإله وأتى إلى عالمنا وصنع فداءاً أبدياً لبنى
البشر، وسيأتى أيضاً دفعة ثانية فى مجده ليدين الأحياء والأموات ويعطى كل واحد
كنحو أعماله..

فى
مجيئه الأول ” أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس.. ووضع نفسه
وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (فى2: 7و8). ولم يكن أحد يعرفه. أتى كراع يطلب
الخروف الضال.. لكن فى مجيئه الثانى سيأتى دياناً للأرض كلها. سيأتى فى مجده ومجد
أبيه يحيط به ملائكته وقديسوه. سوف لا يكون فى مغارة حقيرة ومزود للبهائم، وسوف لا
يكون محكوماً عليه كأحد الأثمة، مصلوباً بين لصين. بل سيأتى جالساً على منبر حكمه
العادل..

فى
مجيئه الأول كان لا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته، قصبة مرضوضة لا يقصف
وفتيلة مدخنة لا يطفئ. لكن حينما سيأتى فى مجده سيأتى بصوت البوق والرعود وتتساقط
الكواكب وتتزعزع قوات السموات، وتنحل العناصر محترقة بضجيج.

فى
مجيئه الأول كان طويل الروح، متأنياً على الخطاة، لا يدينهم وهو الديان، حتى أنه
قال للزانية: ” لا أنا أدينك ” (يو 11: 8)، وقال لمن سأله أن يقول لأخيه
أن يقاسمه الميراث ” يا إنسان من أقامنى عليكما قاضياً أو مقسماً ”
(لو14: 12). إحتمل المجدفين وسمع الشاتمين وسامحهم، لكنه فى المجئ الثانى سيأتى
دياناً عادلاً يعطى كل واحد حسب عمله.

 

فلنحذر..
هناك فرق بين المجئ الأول والثانى

فى
مجيئه الأول جاء ختناً (عريساً)، خطبنا لذاته، وقال لكل نفس فى محبة ووداعة بلسان
داود النبى ” إسمعى يا ابنتى وانظرى وأميلى أذنك وإنسى شعبك وبيت أبيك، فإن
الملك قد اشتهى حسنك ” (مز45: 10و11). شبهنا بالعذارى اللائى ينتظرن العريس،
وقدم فى سبيل ذلك مهراً غالياً، دمه الذكى الكريم. لكن فى مجيئه الثانى سيأتى كملك
غاز، فاتح منتقم من قوم عصاه متمردين، سبق أن أرسل لهم رسل خير وسفراء سلام، لكنهم
طردوا كل هؤلاء ولم يسمعوا لهم بل قتلوا من قتلوا وأهلكوا من أهلكوا.. هذا هو
المجئ الثانى، مجئ الرب للدينونة، يوم إعلان الحكم ” تأتى ساعة فيها يسمع
جميع الذين فى القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات الى قيامة الحياة، والذين
عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة ” (يو28: 5). فى ذلك اليوم لا يدرى ماذا
يفعل فاعلوا الإثم ” ملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل
عبد وكل حر أخفوا أنفسهم فى المغاير وفى صخور الجبال، وهم يقولون للجبال والصخور
اسقطى علينا وأخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف لأنه قد جاء يوم غضبه
العظيم ومن يستطيع الوقوف ” (رؤ6: 15 – 17). لكن شكراً لله الذى أطال أناته
علينا وأعطانا فرصة لنصنع أثماراً تليق بالتوبة، ورفع الفأس فى حنو عن أصل الشجرة،
وتركها هذه السنة أيضا ً. فلنفتد الوقت لأن الأيام شريرة، ولننتبه إلى ذواتنا،
ونستيقظ من غفلتنا، لأن نهار حياتنا قد بدأ يميل..

 

دور
الروح القدس في سر التوبة والإعتراف

 من
المؤكد أن الخاطيء يحتاج فعلاُ إلي قوة روحية تدفعه للكنيسة للتوبه والإعتراف
بخطاياه، ويساعد الروح القدس علي جذبه نحو الرب المُحب وتحريك حواسه الميتة، ويفتح
عينيه للحقائق الإلهية والأبدية، بعدما طمسها الشيطان (2 كو 4: 4) وأصدقاء السوء،
وأفكار العالم (وسائل الإعلآم)0 ان ُ روح الله القدوس يحرك الخٌطاة والعُصاة
ليتوبوا ويخلُصوا0 ويبكتهم باستمرار، مُظهراُ لهم شناعة الخطية ونتائجها الردَّية0

 من
الملاحظ أن الخاطيء – المعتمد علي ذاته – كثيراُ ما يُردّد عبارة ” أنا
قرَّرت أتوب ” ولكنه لا يتوب – في الواقع – بدون معونة الروح القدس (رو 7) وبدون
معونة الله ” لا نستطيع أن نفعل شيئاُ ” (يو 5: 15)0 لقد طلب داود النبي
تجديد الروح القدس له: ” إغسلّني فأبيض أكثر من الثلج، وبروح رئاسي (ملاك قوي)
عضدّني ” (مز 50)

 قال
القديس أنطونيوس ” إن الروح القدس يُسهل الدخول لتوبة ويُظهر طرقها (عظة 1)
” ثم يحيط بالنفس بمعونات وتعزيات أكثر” (الرسالة الاولي)0

 قال
القديس أبو مقار الكبير: ” بعد أن يدعو الروح القدس النفس، ويُسهل الدخول
للتوبة (= الإعتراف) يقف حارساُ للنفس، حتي لا تجاذبها شهواتها الأولي، وتجرها
للرجوع عن توبتها ” (عظة 16)0لذا نقول ان الروح القدس يبكت.. يعزي.. يغفر

 

اولا:
الروح مبكتا

 يبكت الإنسان علي ما
إقترفه من فضائح وآثام، وتشويه للصورة الإلهية، يذكره بحب المسيح له، كاشفاً للنفس
مواضع الضعف وكسر الوصية. يبكت قلب الإنسان ويئن فيه بأنات لا ينطق بها ولا يعبر
عنها ولا وصف لها سوي أنات التوبة والعودة إلي الله ” وكان بعد ذلك أن قلب
داود ضربه علي قطع طرف جبه شاول.. وضرب داود قلبه بعد ما عد الشعب، فقال داود للرب:
لقد أخطأت جداً فيما فعلت، والآن يارب أزل إثم عبدك لأني إنحمقت جداً ” (2 صم
24: 5،10).

 يبكت
الإنسان في قوة بل يهز القلب هزاً مذكراً بوصايا الرب ” فتذكر بطرس كلام يسوع
الذى قاله له.. فخرج إلي خارج وبكي بكاءً مراً ” (مت 26: 75). آه ما أجمله
تبكيتاً.. وما أقواه نداءاً للإستيقاظ ” فلما سمعوا نخسوا في قلوبهم ” (أع
2: 37). انه تبكيت يستدر الدموع من مقلتها، ويوقظ النفس من غفوتها، ويصحح مسيرتها،
وينزع القسوة والغلظة من القلب فيشعر الإنسان بجرم ما فعل، ويتذوق دموعه وإذ
بطعمها ومذاقها أكثر حلاوة من شهد العسل بل شبعا ودسماً أكثر من التلذذ الوقتي
بالخطية.. وتظل الدموع منهمرة، والقلب للرب مناجياً, والعين إلي المصلوب شاخصة,
وحينما تسأل التائب ماذا تريد وبما تشعر؟. لا تجد علي شفتيه إجابة بل إنها حالة من
التعزية.. لا مجال لتبرير ذاته من أخطائها، ولا لإلقاء اللوم علي الآخرين بل في
إنكسار وخشوع يصرخ من أعماق قلبه مع منسي الملك التائب قائلاً: أنت يارب إله
الأبرار لم تجعل التوبة للصديقين.. بل جعلت التوبة لمثلي أنا الخاطيء، لأني أخطأت
أكثر من عدد رمل البحر، كثرت آثامي ولست مستحقاً أن أرفع عيني إلي السماء من أجل
كثرة ظلمي، بل أنحني من أجل كثرة رباطاتي الحديدية ولا أرفع رأسي من خطاياي. والآن
بالحقيقة قد أغضبتك ولا راحة لي، لأني أسخطت رجزك، والشر صنعت بين يديك، ولم أفعل
مشيئتك ولا حفظت وصاياك بل: أقمت رجاساتي وأكثرت نجاساتي والآن أحني ركبتي قلبي
وأطلب من صلاحك: أخطأت يارب أخطأت وآثامي أنا أعرفها، ولكني أسأل وأطلب إليك ياربي:
إغفر لي ولا تهلكني بآثامي ولا تحقد علي إلي الدهر، ولا تمسك علي شروري ولا تطرحني
في الدينونة لأنك أنت هو إله التائبين وفي إظهر صلاحك.
إنه عمل
الروح القدس في قلب الانسان

 يبكت
ويويخ ويتوب وحينما يستجيب الإنسان لعمل الروح هذا ويحس بخطاياه وتقصيره يصير الإعتراف
عنده سهلاً لذيذاً بل شهوة ورغبة، إذ يري فيه مصالحه مع الله، ومحواً للآثام
وغفراناً لخطاياه.. لا يهدأ ولا يعطي لعينيه نوماً إلي أن يجد أب الإعتراف، ساكباً
الدموع أمام الله في وجوده، هنا يتعزي القلب ويمسح الروح القدس دموع الإنسان
المتساقطة مشجعاً إياه مرافقاً له خطوة بخطوة دافعاً إياه نحو جرأة الإعتراف أمام
الأب الكاهن.

الروح
معزيا

الروح
القدس يدفع المعترف إلي أب الإعتراف ليقر بخطاياه ويجدد العهد بينه وبين الله وفي
دفعه يكون له معزياً فيعطيه رجاءً وأملاً محارباً بقوة كل يأس وكل حرب تحاول أن
ترجعه عن طريق الإعتراف.. ويظهر له أمثلة من التائبين وكيف أصبحوا الآن قديسين.

يذكره
بالإبن الضال وكيف عاد إلي أبيه فقبله فرحاً مسروراً بعد أن سمع منه: ” أخطأت
يا أبتاه إلي السماء وقدامك ولست مستحقاً أن أدعي لك إبناً، بل إحسبني كأحد أجرائك
” (لو 15: 19).

يرسم
أمامه صور بعض القديسين مثل: القديس موسي الأسود ومريم المصرية يذكره بحنان الله
الغالب وكيف قبل إليه زكا العشار وكيف كان محباً ومازال للخطاه التائبين ” الذين
أولهم أنا “.يعزي الإنسان ويملأ قلبه بالعزاء فيذهب إلي أب الإعتراف وينتابه
شعوران:

شعور
بالندم من أجل تعدياته.

وشعور
بالتعزية من أجل قبول الله ما.

فرق
شاسع بين أن تكون التوبة مظهرية روتينية لأغراض شخصية أو لأوقات وقتية، وأن تكون
ثمرة من ثمار الروح القدس في داخل القلب.. أجل.. إن التوبة الحقيقية التي من ثمر
الروح هي توبة مستديمة مشتعلة تحرق كل كسوف وخجل في الإنسان فتدفعه إلي أب الإعتراف
دفعاً قوياً كشلالات المياه.. إنها توبة مستديمة تتجدد كل يوم وتنمو كل حين لذا
نصلي كل يوم: ” هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل.. فتوبي يا نفسي ما
دمت في الأرض ساكنة.. ” (قطع النوم).

صلاه:
إعطني يارب ينابيع دموع كثيرة, كما أعطيت منذ القديم للمرأة الخاطئة وإجعلني
مستحقاً أن أبل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة وأقدم لك طيباً فائقاً،
وأقتني لي عمراً نقياً بالتوبة ” صلاة نصف الليل “.

هنا
تصير التوبة أنشودة النفس ورجاؤها.. يتطلع الإنسان إليها ويحياها ويشعل الروح
القدس نار التوبة في القلب ويعزيه ويقويه.

 

الروح
القدس غافرا

أمام
الله وفي وجود أب الإعتراف يقف المعترف كمذنب ولكن كله رجاء، كملوث ولكنه واثق من
الغفران، كعبد خان سيده ولكن قلبه يؤمن بالحب الذي له في قلب الله.. وتنكسب الدموع
وينفتح الفم صارخاً من أعماق القلب مقراً بخطاياه وهنا يكون الروح القدس غافراً..
إذ كل كلمة تنطلق من القلب بتأوه وندم يمحوها الروح القدس ويعطي عنها عربون
الغفران وإستحقاقات التناول من الأسرار فتغفر الخطايا ويحس الإنسان أن داخله بدأ
يتطهر وحمله بدأ يخف فيستمر في إعترافاته بلا لف أو دوران أو تغليف للأخطاء أو
دخول في حوار للهروب بل يكشف خطية خطية ملقياً اللوم علي نفسه، هو لا يبرر نفسه
بسبب عثرة الآخرين، ولا يقحم الآخرين في إعترافاته لأن هدفه أولاً وأخيراً تصحيح
المسار وإعادة شرايين الحياة بينه وبين الله، وسكني الله في القلب والإحساس بقوة
الغفران.. وحينما ينتهي من سرد خطاياه ويسمع الغفران والحل من فم الروح القدس
الناطق علي شفتي الكاهن يكون فرح في السماء به أكثر من تسعة وتسعين باراً لا
يحتاجون إلي التوبة وحينما يتقدم إلي المائدة الملوكية يحس بفرح روحي لا يوصف
وإشتياق بل يصرخ مع داود: ” كما يشتاق الإيل إلي جداول المياه، هكذا تشتاق
نفسي إليك يا الله. ”

 

اطلب
من الله ان يغفر لك خطاياك

تعلمنا
الكنيسه ان نطلب من الله ان يغفر لنا خطايانا فنقول

في
قطع صلاة الساعة السادسة: ” مزق صك خطايانا أيها المسيح الهنا وخلصنا ”
وأيضا ” يايسوع المسيح الهنا الذى سمرت علي الصليب في الساعة السادسة وقتلت
الخطيئة بالخشبة.. اقتل اوجاعنا (حروب الشهوة الرديئة) بالآمك الشافية المحيية
“.

وفي
قطع الساعة التاسعة: ” يامن قبل إليه اعتراف اللص علي الصليب اقبلنا إليك
أيها الصالح نحن المستوجبين حكم الموت “.

وفي
صلاة الغروب: ” لكن أنت يا الله الرحوم احسبني من أصحاب الساعة الحادية عشرة
(الذين جاءوا إلي الله في آخر ساعة من نهار العمر).. فما أجسر أن أنظر إلى علو
السماء لكني أتكل علي غني رحمتك ومحبتك للبشرية صارخا قائلا: اللهم اغفر لي أنا
الخاطيء وارحمني.. فلا تتخل عن قلب خاشع مفتقر لرحمتك ” ونطلب شفاعة السيدة
العذراء لكي تهييء لنا أسباب التوبة.

وتحثنا
الكنيسة في صلاة النوم كما اشرنا من قبل علي التوبة ونحن نصلي: ” هوذا أنا
عتيد أن أقف أمام الديان العادل مرعوبا ومرتعدا من كثرة ذنوبي.. لكن توبي يا نفسي
مادمت في الأرض ساكنة.. انهضي من رقاد الكسل وتضرعي إلي المخلص بالتوبة “.

 وفي
صلاة الستار ” أية ادانة تكون ادانتي انا المضبوط بالخطايا، من يطفيء لهيب
النار عني، من يضيء ظلمتي أن لم ترحمني انت يارب لانك متعطف علي البشر “.

و
في الخدمة الثانية من صلاة نصف الليل: ” اعطني يارب ينابيع دموع كثيرة..
واقتني لي عمرا نقيا بالتوبة،،..اذا ما تفطنت في كثرة أعمالي الردئية.. تأخذني
رعدة فأهرب إليك يا الله محب البشر فلا تصرف وجهك عني “.

وما
أكثر صلوات الاسترحام التي يحفل بها القداس الالهي من أوله إلي آخره في اسم ذبيحة
الافخارسيا نبع الرحمة والخلاص المقدمة عن حياة العالم كله.

بولس
البسيط يبكي والراهب يتوب

أتي
القديس بولس البسيط تلميذ القديس أنطونيوس الكبير إلي برية الإسقيط لإفتقاد الأخوة
كعادته. ولما دخلوا الكنيسة ليكملوا القداس كان يتأمل كل واحد من الداخليين ويعرف
الحال التي عليها نفسه، وكان ينظر مناظرهم بهجة وملائكتهم تتبعهم مسرورة، وعاين
أسوداُ آكلة وشياطين كثيرة محيطة بأحد الأخوة وملاكه يتبعه من بعيد عابساُ، فلما
رأي ذلك بكي وقرع صدره مرات وخرج من الكنيسة باكياُ.. فخرج إليه الأخوة قائلين: لماذا
تبكي يا أبانا؟! وطلبوا إليه أن يدخل معهم القداس. فإمتنع وجلس علي باب الكنيسة
منتحباُ جداُ.

ولما
كملت الصلاة وخرجوا كان يتطلع إليهم أيضاُ، فرأي ذلك الأخ الذي كان قد دخل علي تلك
الحال المحارب وقد خرج بهي الوجه أبيض الجسم وملاكه ملاصق له مسرور والشياطين
يتبعونه من بعيد وهم مكمدين. فصفق القديس بولس بيديه مسرواُ ووثب فرحاناُ، ونادي
الأخوة بصوت عال: ” تعالوا أنظروا أعمال إلهنا الصالح. ولما حضر الكل أخبرهم
بما ظهر له وسأل ذلك الأخ أن يعرفه السبب الذي من أجله وهبة الله نقاوة، فقال الأخ
بمحضر من الكل: ” إني منذ زمان طويل أعيش في النجاسة إلي أبعد حد، فلما رأيت
أبونا بولس باكياُ إبتدأ قلبي فيَ يأخذ إحساساُ فأنصت إلي قراءات القداس وسمعت قول
أشعياء إغتسلوا صيروا أنقياء أزيلوا شروركم من امام عيني.. فلما سمعت أنا الخاطيء
هذا الكلام ضعف قلبي وناديت الله بتوبة وتعهدت أمامه ألا أرجع إلي نجاستي وأن
أخدمه كل أيامي بطهارة وعلي هذا العهد خرجت من الكنسة ” فلما سمع الآباء هذا
الكلام مجدوا الرب الذي بحكمه وضع قراءات القداس لتتوب من يطلب توبة.

 

في
القسم المنظور من سر التوبه

بما
أن حد وتعريف كل سر من الاسرار هو أن يحصل من يمارسه علي نعمة غير منظورة تحت
علامات منظورة وهذه الحدود تشمل سر التوبة كغيره من الاسرار فوجب علي من يتقدم
لاتمامه لكي يحصل باستحقاق علي تلك النعمة السرية أن يقوم بما يتحتم عليه أتمامه
وهو يشمل أمرين:

الأول:
الإعتراف الشفوي وهو يختص بالمعترف.

الثاني:
الحل الروحي وهو يصدر من قبل معلم الإعتراف0

 

نتائج
سر التوبة الغير المنظورة

عندما
يتقدم المسيحي النادم علي ما فرط منه والتائب عما أرتكبه من الخطايا إلي طبيبه
الروحي وهو منسحق قلبياُ وعازم عزماُ ثابتاُ علي اصلاح سيرته وتطهير سريرته في
المستقبل ومملؤ ايماناُ حقيقياُ حياُ بربنا ومخلصنا يسوع المسيح ورجاء به ومحبة له
تليق بمركزه البنوي ويعترف بجميع خطاياه يمنحه الاب الروحي ترك الخطايا باسم الرب
اتباعاُ للأمر الالهي القائل ” ما تحلونه علي الأرض يكون محلولاُ في السماء ”
(مت 18: 18) ومن غفرتم له خطاياه تغفر له” (يو 23: 20)
” إن
لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون ” (لو 1: 14 – 5)0 ولهذا تحدث الآباء عن
التوبة وفوائدها كما يلي:

 

القديس
مكاريوس الكبير: لا يمكن للأنفس أن تحيا إن لم تتقدّم روحياُ بالتوبة والإعتراف

القديس
مرقس الناسك: لا نٌدان علي كثرة شرورنا، بل لإننا لا نريد أن نتوب.

القديس
موسي الأسود: مادامت لك فرصة للتوبة (قبل الموت) فارجع وتقدَّم للمسيح بتوبة خالصة،
سارع قبل أن يٌغلق الباب، فتبكي بكاءً مُراً، لأن المسيح إلهنا يريد خلاص كل الناس،
وهو ينتظرك وسوف يقبلك0

الشيخ
الروحاني: لا يدخل مدينة الروحانيين (أورشليم السماوية) من كانت له صلة بشهوة
العالم.

مار
إسحق: ليست خطية بلا مغفرة إلا التي بلا توبة.

القديس
باسيليوس الكبير: جيد ألا تُخطيء000 وأن أخطأت فجيد ألا تؤخر التوبة000 وإن تُبت
فجيد أن لا تُعاود الخطية بمعونة الله000 وأن تشكره علي معونته ومراحمه

أنبا
أنطونيوس: أوقد سراجك بدموع عينيك

ذهبي
الفم: أي مقدرة للخطية حيث تكون التوبة.

أنبا
إيليا: التوبة: صُلح مع الله + معمودية ثانية + رجوع إلي الله + تُجدد قلب الخاطيء
+ تُصلح ما أفسدته الخطية + تجذب الناس إلي العرس 0

مار
إفرام السرياني: الماء يُخمدِ لهيب النار، والدموع تطفيء شهوة الشر.

 مجاري
المياه توقف الحريق، ومجاري الدموع تفيد في زمن التجربة0

 إن
النفس وقت خروجها من العالم لا تجد ما يُعزيها وما يُشجعها إلا ما قدمته من التوبة
والدموع0

 أطلب
التوبة في كل لحظة، ولا تدع نفسك للكسل لحظة واحدة.

 

من
بركات التوبه: محو الخطية

ومسحها
تماماُ من سجل حياة المؤمن حتي لا يذكرها الله له حسب قول اشعياء النبي ” قد
محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك ” (إش 22: 44) ” أنا هو الماحي ذبوبك
لأجل نفسي وخطاياك لا اذكرها ” (إش 25: 43). وحسب قول أرميا النبي ” لأني
اصفح عن اثمهم ولا اذكر خطيتهم بعد ” (أر 34: 31). وحسب قول حزقيال النبي
” كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه ” (حز 22: 18). ” أستر وجهك
عن خطاياي وامح كل آثامي ” (مز 9: 51). ” لاني سأكون صفوحاُ عن آثامهم
ولا اذكر خطاياهم وتعدياتهم في ما بع ” (عب 12: 8)0

 

التطهير
من نجاسة الخطية والتبرير منها

حسب
قول داود النبي ” طهرني بالزوفا فاطهر اغسلني أكثر من الثلج ” (مز 7: 51).
” أقول لكم أن هذا نزل إلي بيته مبرراُ دون ذاك ” (لو 14: 18). ” فاذا
تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو 1: 5). ” وأطهرهم
من كل أثمهم الذي اخطأوا به والتي عصوا بها علي ” (ار 8: 33). ” وأرش
عليكم ماء طاهراُ فتطهرون من كل نجاستكم ومن كل اصنامكم اطهركم ” (حز 25: 36).
” فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح ازلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر
ضمائركم من اعمال ميتة لتخدموا الله الحي ” (عب 14: 9). ” متبررين
مجاناُ بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح ” (رو 24: 3). ” لكنه جعل
التائبين مرجعاُ وعزي ضعفاء الصبر ورسم لهم نصيب الحق فتب إلي الرب واقلع عن
الخطايا ” (سيراخ 20: 17 – 21)0

 

خلاص
النفس في يوم الرب

والتمتع
برجاء الحياة الابدية في المسيح يسوع ” اليوم حصل خلاص لهذا البيت ” (لو
9: 19). ” لانكم بالنعمة مخلصون بالايمان وذلك ليس منكم هو عطية الله ”
(اف 8: 2). ” الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضي اعمالنا بل بمقتضي
القصد والنعمة التي اعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الازمنة الازلية ” 0

 

رحيم
لا يعجل وجواد لا يبخل

يا
الله يا سيدي غفرت خطيتى وأنت عالم كل خفى غفلت وأنت مطلع على السراير. أشرقت على
قبيح فعلى وشرى. ونظرت إلى سوء أفعالى ولم تعاجلنى بالعقوبة. ولم تهتك سترى عند
وقعتى. يا رحيم لا يعجل. يا جواد لا يبخل، نظرت فضيحتي وأمهلتني، وطولت روحك علي
منتظراُ توبتي وقد أنتبهت من هجعتي وبادرت إليك أطلب رحمتك0 ثقة مني بوعدك أنك
تقبل توبة التائب، وأنا أسالك يا سيدي أن ترفعني من صرعتي وتقيمني من سقطتي وتتجاوز
عن ذنبي، وتغفر خطيتي وتقبل توبتي لئلا يفتخر العدو أنه قد طرحني من مرتبتي. يا من
يجدد ولا يبخل ويعطي ولا يمنع ياربنا وإلهنا يسوع المسيح أنت قلت في أنجيلك
المقدس, وقولك الحق اليقين، أطلبوا تجدوا إسلوا تعطوا إقرعوا يفتح لكم. وأنا
الخاطيء المسكين قد قبلت وعدك بأمانة ووثقت بقولك ووقفت بين يديك أعترف بخطيئتي
وأسألك أن لا تخيبني ولا تقطع رجائي يارب. يارب وأسألك أن ترحم ضعفي، وتغفر لي خطيتي
ولا تضرب وجهي بصلاتي. ولا تردها خائبة. وأن كنت مجرمُ مذنباُ ولست أستأهل ما أطلب
منك لأني نجس وسخ، ولكن من أجل كثرة نعمتك ورحمتك ومجيئك لخلاص خليقتك وسلامتهم
إستجب دعائي. وإقبل بكائي يا سيدي وإلهي. ولا تخيب دموعي ولا تؤاخذني بشروري
وسماجة أفعالي، وكثرة خطاياي. ولكن كمواعيدك الصادقة وأمانتي بإسك القدوس. لأني
خليقتك وعمل يديل الطاهرة وأني علي صورتك ومثالك المقدس وأني من عبيدك الذين
خلقتهم بحكمتك لذلك تجاسرت وفحت فمي النجس، وسلتك هذه، أن تغفر خطيتي وتقبل توبتي
فيا من هو كريم. ويا من له القدرة والسلطان العظيم. برأفتك إشفيني أنا الشقي
وخلصني من أجل رحمتك، تعطف علي. لا تحول وجك عني يارب في وقت طلبتي. ولا تمنعني
رحمتك في وقت مسكنتي، يا ملك الملوك لأنك تهوي سلامة العباد، ةحب خلاص الأنفس.
أسالك يا سيدي ان تهب لي رجعة حقانية وتوبة مسيحية، وامانة مستقيمة، وتنجيني في
ساعة خروج نفسي من جسدي، ولا تجعل لغيرك عليَ قدرة ولا لسواك عليَ سلطان، لأنك أنت
الرب الخالق والسيد المشفق معدن الرحمة وواهب الخلاص ومحب الخير نجيني من سوء
الأعداء فإن نفسي مرتعدة منهم، وليس لي خلاص منهم إلا بك، من أجل أسمك القدوس يا
سيدي إلي هر الداهرين آمين(السبع طلبات دير السريان 1951 ص1 5)

 

النجاة
من دينونة المصريين علي معاصيهم

حسب
قول يوحنا المعمدان للفريسيين والصدوقيين ” يا اولاد الافاعي من اراكم أن
تهربوا من الغضب الآتي ” (مت 7: 3) وقول السيد المسيح ” أن لم تتوبوا
فكذلك جميكم تهلكون ” (لو 3: 13) ” وتنبأ عن هؤلاء ايضاُ اخنوخ السابع
من آدم قائلاُ قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة علي الجميع ويعاقب جميع
فجارهم علي جميع اعمال فجورهم التي فجروا بها وعلي جيمع الكلمات الصعبة التي تكلم
بها عليه خطاة فجار” (يه 14 – 15).” اذاُ لا شي0 من الدينونة الآن علي
الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” 0

 

المصالحة
مع الله بربنا يسوع المسيح


فاذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو 1: 5). ”
ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصالحة أي أن
الله كان في المسيح مصالحاُ العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعاُ فينا كلمة
المصالحة اذا نسعي كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع
الله ” (2 كو 5: 18 – 20). ” ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله
بالصليب قاتلاُ العداوة به فجاء وبشركم بسلام انتم البعيدين والقريبين لأنه به كنا
لنا كلينا قدوماُ في روح واحد إلي الاب ” (اف 2: 16 – 18). ” وأن يصالح
به الكل لنفسه عاملاُ الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما علي ارض أم مافي
السموات وأنتم الذين كنتم قبلاُ اجنبين واعداء في الفكر وفي الأعمال الشريرة قد
صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوي امامه ان ثبتم
علي الايمان متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الانجيل الذي سمعتموه ”
(كو 1: 20 23)0 أما كل الذين قبلوه اعطاهم سلطان أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين
باسمه ” (يو 1: 12). ” اذ لست بعد عبداُ بل ابنا ُ” (غل 4: 7).
وتكون اسماؤنا ” في سفر الحيوة ” (في 3: 4). ” بل قد أتيتم إلي جبل
صهيون وإلي مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلي ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة
ابكار مكتوبين في السموات ” (عب 12: 23). ” رايت الاموات صغاراُ وكباراُ
واقفين أمام الله وانفتحت اسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحيوة ودين الاموات مما هو
مكتوب في الاسفار بحسب أعمالهم وكل من لم يوجد مكتوباُ في سفر الحياة طرح في بحيرة
النار ” (رؤ 12: 20 – 15)0

مبارك
ومطوب من غفرت آثامه ولم يحسب له الرب خطية وكان هذا ختام حياته السعيد والخلود مع
الله في كل حين0

 

آتي
إليك مقراُ بذنوبي

ربي
وإلهي ومخلصي يسوع المسيح كنز الرحمة ونبع الخلاص: آتي إليك مقراُ بذنوبي. أعترف
بأني بوقاحة تجاسرت ودنست هيكلك المقدس بخطاياي والآن ألجأ إلي رحمتك وتحننك لأن
مراحمك لا تحصي وأنك لا ترد خاطئاُ أقبل إليك0 فها أنا يارب معترف بأن اثامي قد
طمت فوق رأسي كحمل ثقيل وقد فارقتني قوتي فلا تحجب يارب وجهك عني لئلا أرتاع. ولا
توبخني بغضبك ولا تؤدبني بغيظك. ولا تحاكمني بحسب إسحقاقي. أرحمني يارب فأني ضعيف.
أذكر يارب أني عمل يديك وإرأف بي. لا تدخل في المحاكمة مع عبدك لأنه لن يتبرر
قدامك حي. عد وألبسني حلة جديدة تليق لمجدك، أغفر لي وسامحني لأترنم قائلا: ”
طوبي لمن غفر إثمه. وسترت خطيته. أعترف لك بخطيتي ولا أكتم إثمي قلت أعترف للرب
بذنبي وأنك رفعت آثام خطيتي آمين (من صلوات الأجبيه طبعه مكتبه المحبه بالقاهره
عام 1972)

 

 

عجيبة
أنت أيتها التوبة..

جميلة
في جوهرك رغم منظرك، شافية في أعماقك رغم المرارة التي في مذاقك! فبك نستعد وبك
نستحق.. وبك نصطلح ونجدد العهد للدخول إلي الأقداس!! لذا جيد أن يصلي الأب الكاهن
التحليل أثناء القداس صارخاً والشعب كله سجود وإنصات: ” اللهم يا حامل خطية
العالم إقبل توبة عبيدك منهم: نوراً للمعرفة وغفراناً للخطايا لأنك أنت إله رؤوف
ورحيم.. لقد دخلنا في دائرة النور فحباً وسجوداً، وشكراً وحمداً لذاك القدوس الذي
يعلم ضعف طبيعتنا وعجز إرادتنا، فوضع لنا هذه الأسرار المقدسة التي بها وفيها نصحح
ونقوم ونثبت في شركته وعمق محبته بل بها نصرخ ونقول: لا تشمتي بي يا عدوتي، لأني
إن سقطت أقوم.

زمان
التوبة

أن
الرذائل والمعاصي أما أن تتعلق بالزمان الماضي وهذا ما فعله الإنسان في سائر ايامه
ضد الله وضد ابناء جنسه وضد نفسه 0أو تتعلق بالزمان الحاضر وهي الرزائل التي
يباشرها في حيز ما خرج إلي الوجود وقبيح أن يقول الإنسان أني تائب عما أنا فاعله
لانني اتعهد اليك يارب اني لا افعل ما انا فاعله. وأما أن تتعلق بالمستقبل وهي
التي لم يفعل منها شيئاُ وفي امكانه فعلها وفي مثل هذه تقع التوبة بأن يعهد
الإنسان عهداُ أن لا يفعلها مع قدرته علي فعلها0

والتوبة
تحسن مع وجود القدرة وأما مع عدمها فهي باطله فأنه قبيح بالاصم ان يقول أني تائب من
سماع الاصوات المطربة المبهجة0 وقبيح بالاعمي ان يقول اني تائب عن النظر إلي المناظر
التي تنكر الشريعة النظر اليها.

 

من
الضروري للتوبة

 معرفة
الفضائل والرزائل. المحاسن والقبائح حتي يعلم الإنسان بماذا يتوب وبماذا يتمسك.

 أن
تكون التوبة بالنية والعقيدة لا بمجرد اللفظ لأنها عهد مع من هو مطلع علي السريرة.

أن
لا تتعلق بزمان مخصوص وأيام مخصوصة فأنها أن تعلقت بمدة معينة فالنية معقودة بعد
علي معاودة فعلها

 أن لا تكون من رزيلة
مخصوصة مع بقاء غيرها فإن البواقي تكون مدنسة للفعل.

 أن لا تكون بتأويل أو
مشروطه من جهة لكن مطلقة من النية الخالصة فإن قرن الإنسان التوبة بشرط أو بتأويل
يجوز معه فعلها فلا تكن صحيحة مثال ذلك أنه يعتقد أن لا يظلم الناس ولا يفجر إلا
إن تدعو ضرورة إلي ذلك0

 أن لا تكون التوبه
محدوده بمكان معين مثل الامتناع عن فعل الخطيه في مكان كالمذبح والهيكل ولكن يمكن
فعلها في باقي الأماكن. فعلي هذا الوجه لا تكون هذه التوبة من نية خالصة لأنها
معقودة علي معاودة الفعل

 أن لا تكون مخصوصة
بإنسان ما دون إنسان مثال ذلك أن يقع العهد بأن لا يظلم فلآناُ دون غيره فهذا لا
يصح لأن النية والفكرة معلقة بعد بالظلم0

 أن لا يكون الغرض
فيها الظهور امام الناس بعدم فعل الخطيه بينما النية معقودة علي الفعل.

 أن تتم التوبه لأنها
مستحسنة لذاتها لا لأجل مكافأه يكافي عليها.

 أن
لا تقع خوفاُ من العقاب الذي يستحقه من يستمر في فعل الرزائل بل محبة في الله
وكراهة للمعاصي التي تخالف شريعته.

ان
علة هذه الشروط أن جنس الرزيلة باي نوع كان من أنواعه مدنس للعقل فأي نوع بقي منها
مدنس للعقل باقي ببقائه سواء كان قليلاُ أو كثراُ0

 

غسل
اليد والملابس البيضاء

عجيبة
هي كنيستنا القبطية حينما تعلم الأب الكاهن، قبل البدء في صلاة القداس أن يغسل
يديه بالماء ثلاث مرات ويقول: ” انضح علي بزوفاك فأطهر، تغسلني فأبيض أكثر من
الثلج. تسمعني سروراً وفرحاً فتبتهج العظام المتواضعة، أغسل يدي بالنقاوة وأطوف
بمذبحك يارب لكيما أسمع صوت تسبحتك. “

إن
غسل الماء يشير إلي النقاوة كما ترمز إليه الملابس البيضاء التي يرتديها الأب
الكاهن أثناء الخدمة.. لقد غسل السيد المسيح أقدام تلاميذه قبل التناول وقال لهم: ها
أنتم طاهرون. لذلك لا يليق بأحد أن يتقدم إلي الذبيحة المقدسة بدون طهارة ونقاوة..
” طهر إنساننا الداخلي كطهر إبنك الوحيد هذا الذى نريد أن نتناوله، فليهرب
عني الزني وكل فكر نجس من أجل الله الذى من العذراء” ” من صلاة الخضوع
“.. لقد كان صموئيل النبي محقاً حينما قال ” تقدسوا وتعالوا معي إلي
الذبيحة ” (1 صم 16: 5).

التوبة
الحقيقيه وغير الحقيقيه

تنقسم
التوبة إلي نوعين حقيقية وغير حقيقية. والتوبه الغير حقيقية هي التي تظهر للناس
أنها حقيقية وهي ليست كذلك مثل التوبة باللفظ والفم من دون الفكرة0 فكثيرون من
الناس يرفعون ايديهم إلي السماء ويستغفرون ويتوبون باللفظ ولا يراجعون بذلك حقيقة
افكارهم ويظنون أن هذا مقنع في التوبة.

أما
التوبة الحقيقية فهي التي تكون بايمان ورغبه حقيقيه من الداخل وبضمير وتتم باستئصال
الرزائل من العقل وغرس الفضائل المضادة لها عوضاُ عنها.

 

تذكر
نتائج الخطية

فكر
فى عواقب الخطية واعلم أنها تهين الله جداً. وتهيج غضبه غليك، وتفصلك عن إلهك،
وتحرمك سلامك، وتورثك القلق. وان لم يكن الامرهكذا, فما الذي ابكي القديسين علي
خطاياهم السالفه، ومن هؤلاء داود النبي، الذي هو ملك عظيم، كان يبكي بكاء كثيرا،
بل بلغ به الامر الي حد انه تعب من تنهده ندما، وكان يعوم كل ليله سريره، وبدموعه
يبل فراشه، وساخت من الغم عيناه (مز 6: 6، 7). كل ذلك فعله داود من اجل خطيه
ارتكبها وهو المرنم الحلو,صاحب العود والقيثارة، وكان دائما يقول. ” خطيتي
امامي في كل حين ” (مز 3: 51). اما نحن فمنا من لا يبالي بخطاه، وحينما نشعر
بضيق نفسي نحاول ان نسري عن انفسنا بوسائل مصطنعه مسكنه، فنذهب الي اماكن اللهو
والتسليه، وكان حريا بنا ان نفتش ذواتنا ونثوب الي رشدنا. ونكتشف الخطايا الرابضه
عند باب قلبنا تذكر خطايانا وجهالات صبانا ونبك عليها ان امكننا ذلك، فدموعنا تغسل
ذنوبنا.

 

نوعان
من التائبين

الكنيسة
تميز نوعين من التائبين: الأول: الذين يسقطون في خطايا الجهاد اليومي الذين.
والثاني: يسقطون في خطايا إنكار المسيح وجحد نعمته

 

الذين
يسقطون في خطايا الجهاد اليومي

التائبين
الذين يسقطون في خطايا الجهاد اليومي، والذين بفعل التوبة ومحبتهم للرب يسوع
يندمون عنها ويسرعون في طلب الإعتراف للإقرار بإثمهم هؤلاء تمارس الكنيسة لهم
” سر الإعتراف” كطب روحي لازم لمرضي الخطية.

 

الذين
يسقطون في خطايا إنكار المسيح وجحد نعمته

أما
التائبين الذين يسقطون في خطايا إنكار المسيح وجحد نعمته، أو ينجسون أجسادهم
بالزنا مع أشخاص لم تتقدس أجسادهم بفداء المسيح ومعموديته.. هؤلاء لا تكتفي معهم
بممارسة سر الإعتراف فقط، بل وتباشر لهم ” أوشية الجاحد ” (1) طلباُ
لغفران الرب فعلهم الرديء، ضده وضد الروح القدس الذي حزن فيهم.. هؤلاء أطفأوا عمله
فيهم، فيستلزم من الكنيسة شفاعة خاصة فوق بركة سلطان الحل والغفران.

صفات
التائبين

الشخص
التائب يتصف بالعديد من الصفات الروحيه الهامه منها: الأتضاع، دموع حاضره، اتخاذ
المتكأ الأخير، الاحتراس من السقوط

الاتضاع

هذا
الإنسان المنسحق النفس، الشاعر بعدم استحقاقه، ويلوم نفسه باستمرار، طبيعى أن يسلك
باتضاع. لا يستطيع أن ينتفخ فى شئ أو على أحد. ولا يكلم أحداً بسلطان. لا يمدح
نفسه، ولا يتحدث عن أعمال حسنة له، لأنه يعرف ان لنفسه أعمالاً أخرى شنيعة، ولا
يرى من العدل أن يعطى الناس فكرة غير صحيحة عن نفسه، وبأن يقص على الناس خبراته
الروحية الجديدة، وتعزيات النعمة له، يقول” وهل أستطيع أيضاً أن أخبرهم عن
باقى حياتى وأظهر لهم نجاساتى كلها؟

 

الزنا
خطيه مدنسه سواء كانت بالفعل او بالفكر او بالحواس. سواء كانت مع من هم من الأيمان
او خارجه. وهي تدنس الأنسان روحا وجسدا. وهي مرفوضه مع الجميع وخاصه مع من هم خارج
الأيمان لأنها بجانب كل شرورها تشوه صوره الأيمان والمؤمنين عند غير المؤمنين.
وليس معني هذا ان شر هذه الخطيه اذا تمت مع المؤمنين يكون أقل.

وكما
أنه يرفض أن يمدح نفسه، كذلك لا يقبل مدحاً من أحد، ولا يسعى إلى ذلك. ويقول لنفسه
” إن من كان مثلى خاطئاً لا يستحق مديحاً من أحد، وإلا فهو مرائى يظهر للناس
بغير حقيقته “. وهكذا أيضاً لا يبرر ذاته فى شئ. ولا يدافع عن نفسه فى كل ما
يوجه إليه، مهما كان مظلوماً. وإن حورب من الداخل يقول لنفسه ” لماذا أحزن
وأحتج إذ تسرب إلىّ هذا الشر الذى لم أعمله، بينما لم أحزن ولم أحتج عندما نسبت
إلىّ فضائل ليست فىّ وأعمال حسنة لم أعملها؟ وماذا يكون هذا الشر – إن عرف عنى –
إلى جوار الشرور الكثيرة التى اقترفتها فى حياتى؟ وإن كنت فى هذه المرة بالذات لم
أرتكب هذه الخطية التى ينسبونها إلىّ، فقد ارتكبتها قبل ذلك مرات فى حياتى، فوصفى
بها ليس ظلماً ولا تجنياً. حقاً إننى بعدل جوزيت “.

 

دموع
حاضره

الإنسان
التائب دموعه حاضرة باستمرار. كلما يقف أمام الله يبكى، وكلما يذكر خطاياه يبكى،
بل إن رأى خطايا غيره يبكى أيضاً. فى وحدته، فى قراءته، فى مطانياته، فى مزاميره،
وفى أحاديثه أحياناً.. فى كل ذلك دموعه منسكبة. إن داود النبى يرينا أن دموعه لم
تفارقه حتى فى رقاده (مز6)، بل وفى طعامه أيضاً ” لقد أكلت الرماد مثل الخبز،
ومزجت شرابى بالدموع ” (مز102).

ليست
هى دموع الخوف، وإنما هى دموع الحساسية، دموع الندم والشعور بالنقص. دموع محب شعر
أنه أهان حبيبه وأحزنه. ومع أن الخطية غفرت، إلا أن النفس الحساسة لا تستطيع أن
تتصور كيف وصل بها الحد أن فعلت ذلك، ويعصرها الحزن والندم فتبكى.. يستطيع الإنسان
أن يفكر قبل أن يعمل العمل، فإن لم يعجبه فهو مايزال حراً بإمكانه أن يرفضه ولا
يعمله. أما إن كان قد عمل العمل وانتهى الأمر، وليست أمامه بعد حرية لا للتفكير
ولا للإختيار، فليس أمامه إذن – إن كان العمل خاطئاً- إلا أن يبكى.. بكاء العاجز
الذى لا يستطيع أن يرد عملاً قد عمل، يمكنه أن يعتذر، أو يطلب الصفح، أو يغطى
الخطأ بعمل آخر فاضل، أو يعالج النتائج السيئة أو.. الخ، ولكن لا يمكنه أن يمنع
ذلك العمل من أن يعمل، فقد عمل وانتهى الأمر. وحينما تنغلق جميع الأبواب هكذا أمام
الإنسان، ينفتح حينئذ أمامه باب الدموع، فيدخل منه لعله يجد فيه بعض العزاء.

كثيرة
هى الدموع التى سكبها القديسون. ان سيرتهم ممتلئه بها. بعضها دموع حب، وبعضها دموع
فرح، وبعضها مشاركة وجدانية، وبعضها دموع توبة.

من
أمثلة الحساسية الجميلة فى حياة التوبة ما رواه القديس العظيم الأنبا ببنوده عن
نفسه، قال: ” عندما كنت صغيراً، وجدت خيارة ملقاة على الأرض وقعت من الجمالين،
فالتقطتها وأكلتها وكلما أذكر هذه الحادثة أبكى ” حدث ذلك وهو طفل فى العالم،
ثم كبر وترهب، وازداد فى النعمة جداً، وصار رجل معجزات، وخلف القديس العظيم أنبا
مقار الكبير فى رعاية وأبوة الاسقيط، وصار شيخاً فى الفضيلة وأباً لكثيرين، ومع
ذلك كلما يتذكر تلك الحادثة يبكى..

 

اتخاذ
المتكأ الأخير

الإنسان
المنسحق فى الداخل، هو منسحق فى الخارج أيضاً. لأن مشاعره الداخلية لابد أن تظهر
فى تصرفاته. فى داخله يعرف يقيناً أنه خاطئ ونجس وأقل من الناس جميعاً. خطاياه –
فى نظره – ثقيلة جداً، أثقل من خطايا الناس كلهم معاً لذلك فهو لا يدين أحداً، بل
كلما يرى خطية الأنسان، يشتهى لو كانت خطاياه خفيفة هكذا وليست فى بشاعتها التى
يقشعر منها ضميره. وإذ هو يدرك أنه أقل من الناس جميعاً، تراه يتخذ دائماً المتكأ
الأخير بينهم شاعراً أنه لا يستحق أيضاً هذا المتكأ الأخير، لأنه لا يستحق الاتكاء
إطلاقاً مع الناس، إذ لو عرفوا حقيقته لنبذوه من بينهم واشمئزوا منه. لذلك إذا دعى
لأجتماع أو حفلة خاصة أو جلسة روحية لبعض من أولاد الله المباركين، يلبى الدعوة
وهو خاجل من نفسه، يقول فى داخله ” من أنا حتى أجلس مع هؤلاء القديسين؟!
مبارك هو الرب الذى لم يكشف لهم خطاياى، وإلا كانوا يتحاشون مقابلتي “. وهكذا
يدخل الاجتماع فلا يجلس فى المتكآت الأولى بل ينزوى فى مكان لا يطمع فيه أحد، ومع
ذلك يشعر أنه يشوه جمال تلك الجلسة الروحية بوجوده، ويخيل اليه أنه نشاز أو شئ
غريب، فيوبخ نفسه قائلاً: ” أشاول أيضاُ بين الأنبياء؟!.

 

كيف
يجرؤ أن يدخل إلى ههنا؟

وإن
ذهب إلى الكنيسة يعتريه تردد كبير قبل أن يدخل، وأخيراً يدخل فى خوف كما يدخل
السارق متسللاً إلى بيت. ويقف فى ركن غير ملحوظ وهو يصلى قائلاً ” لا يحل
غضبك يارب على هذا المكان المقدس بسببى. ” ومع أنه لم يجلس فى الصفوف الأولى،
ولم يصل إلى الجرأة التى تساعده على دخول المذبح، ومع أنه لا يخطر على باله أن يقف
على منبر أو يرفع صوته بلحن، إلا أنه فى متكئه الأخير يظل خائفاً لئلا يراه أحد
معارفه القدامى، فيتعجبوا من وجوده فى الكنيسة، ويهمس الواحد منهم فى أذن أخيه
” كيف يجرؤ هذا الشرير أن يدخل إلى ههنا؟!”..

 

فى
كل مكان وفى كل تصرف

هذا
” المتكأ الأخير ” صحبه فى كل مكان وفى كل تصرف. فمثلاً إذا تكلم الناس،
يصمت هو كغير مستحق للتكلم. وإن دعى لإبداء رأيه أو أتاه فكر بهذا، يجيبه هاتف قوى
من أعماقه قائلاً ” كيف أتكلم عن الصالحات وأنا إنسان شرير؟ الصمت أفضل
“. وإن اضطر للكلام، يكون آخر المتكلمين وهو يحتج على ذاته بقوله ” من
أنا حتى أتكلم؟ “، وتبدو معانى هذه العبارة واضحة فى حديثه وفى أسلوبه.. فى
تصرفاته كلها، يقدم غيره على نفسه. ويبعد عن كل موقف فيه كرامة. ويعطى الكرامة لكل
احد. ويحترم الكل، ويعامل الكل بتوقير، سواء فى ذلك الصغير أو الكبير جاعلاً نفسه
آخرهم جميعاً.. يقول لنفسه فى تأكيد ” كل هؤلاء سيدخلون ملكوت السموات قبلى
وتكون درجتهم أعلى منى.. هذا لو وجدت مستحقاً أن أكون معهم هناك “. حتى
الخطاة يحترمهم أيضاً. لا يدينهم بل يحنو عليهم مشفقاً، لأنه جرب الخطية وعرف
شدتها وقسوتها ويشعر أن هؤلاء فى خطيتهم أفضل منه لأنهم لم ينحدروا إلى الدرك الذى
انحدر إليه فى خطيته.

 

لا
أستحق سوى هذا

قد
يقول الناس عن هذا الشخص أنه متواضع ولكنه فى الواقع لا يفعل ذلك فى فضيلة التواضع،
وإنما شعوراً منه بعدم الاستحقاق. ولذلك إن أهمله الناس أو تجاهلوه، قد لا يحس ذلك،
وإن أحس لا يضطرب فى الداخل وإنما يقول لنفسه ” عادل هو هذا التصرف وحسن،
وأنا لا أستحق سوى هذ ا”..

ولذلك
يحصل أيضاً على فضيلة الاحتمال لأن كل ما يأتيه من ضيقات أو ‘اساءات يشعر فى عمق
قلبه أنه مستحق لها ومستحق لأكثر منها ويقول فى نفسه ” هذا من أجل خطاياى
“. وهكذا لا يستاء من شئ ولا يغضب من أحد. ودائماً يجلب الملامة على نفسه،
واثقاً أن خطاياه هى السبب فى كل شئ..

 

الاحتراس
من السقوط

إن
الإنسان التائب، الذى جرب الخطية وعرف ضغوطها وعنفها، كما عرف أيضاً ضعفه إزاءها
وعجزه كثيراً عن مقاومتها، تراه يحرص كثيراً فى سلوكه.. يخاف جداً من السقوط، لذلك
يحترس من الصغائر التى تبدو لغيره توافه لا تعثر ولا تسقط، لئلا تقوده إلى الكبائر
التى ” كل قتلاها أقوياء “. إنه فى توبته لا يشعر أبداً بأنه أكبر من
الخطية، بل على العكس يشعر أنه ضعيف عن مقاتلة أصغرها. لذلك يهرب من الخطية ومن كل
طرقها وكل أسبابها. ومن كل الطرق المؤدية إلى طرقها. ولعل هذا الحرص الشديد كان
أحد العوامل الأساسية التى جعلت قديسى التوبة المشهورين، لا يعودون إلى خطاياهم
القديمة مرة أخرى بعد توبتهم.

 

كيف
أتوب؟

إجلس
مع نفسك

الخطوة
الأولى فى طريق التوبة هى محاسبة النفس. إجلس مع نفسك وحاسبها على نحو ما فعل
الإبن الضال. إستعرض حالات شقائك وتعبك وقلقك وفقدان سلامك، وقل لذاتك: ” كم
من أجر لأبى (السماوى) يفضل عنه الخبز (النعم الروحية)، وأنا أهلك جوعاً (روحياً)..
ما الذى سلبنى سعادتى وراحتى وفرحى وسلامى..؟. ما الذى جنيته طوال ليل حياتى
المظلمة نتيجة أفعالى الآثمة؟

إن
كنت صريحاً مع نفسك، وأميناً فى محاسبتها فستكون الخاتمة، وقفة خاشعة أمام الله،
وصلاة خارجة من قلب ملؤه الخجل، ووجهاً منكساً إلى أسفل، وعينين دامعتين، ويداً
تقرع على الصدر فى ندم، وشفتين ترددان نفس كلمات ذلك الإبن الضال (يا أبى أخطأت
إلى السماء..).

والحق
أن حساب النفس يعتبر – ولاشك – من المقومات الأساسية للحياة الروحية. تكلم عنه
قديسون وأفاضوا فى أهميته. فنحن قد نخجل من مكاشفة الآخرين بمكنونات دواخلنا
ودقائقها، لكننا لا نخجل من أنفسنا. وقد لا نتقبل فى رضى تأنيب الآخرين ولومهم، أو
علي الاقل توجيههم، لكن نفوسنا لن تتململ منا حين نلومها ونقرعها ونقسو عليها..

حاسب
نفسك إذاً لتعرف أخطاءها وعيوبها ونقائصها، ومتى عرفتها ووقفت عليها، فلم نفسك
وأنبها بقسوة. نحن نهدف من هذا العمل إلى التغلب بأنفسنا على عيوبنا والتخلص من
أخطائنا التى نستعبد لها.

 

نجنا
من تذكار الشر. الملبس الموت

إن
تذكرنا لخطايانا أمر جيد يجلب لنفوسنا خشوعاً. لكن نريد أن ننبه إلى أمر قد يستغله
عدو الخير لمضرتنا.. يحدث أحياناً حينما يتذكر الإنسان خطاياه ليندم عليها، أن
إبليس يحاول اقتياده بالفكر ثانية إلى جو الخطية التى يريد تذكرها ليقدم عليها،
ويستثير فيه المشاعر القديمة. وقد تحدث هذه الحالة بوضوح فى خطايا الشهوة الجنسية
والغضب والحقد والمجد الباطل. ولذا تصلى الكنيسة المقدسة فى القداس الإلهى ”
طهرنا من كل دنس، ومن كل غش، ومن كل رياء، ومن كل فعل خبيث، ومن تذكار الشر الملبس
الموت..”. فبمجرد انتباهك إلى هذه الحرب الجديدة إقطع هذه الأفكار.. وإن كان
الشيطان سيحاربك عن هذا الطريق فأتركه نهائياً واستخدم وسيلة أخرى تجلب لنفسك
ندماً وخشوعاً..

 

متى
تكون محاسبة النفس؟

أنسب
الأوقات لحساب النفس من أجل نمونا الروحى هى:

 عقب
الخطية مباشرة حتى نندم عليها ونتوب عنها.

 آخر
كل يوم حتى نصفى الحساب اليومى ونبدأ فى اليوم التالى صفحة جديدة.

 قبل
التوجه للأب الكاهن للإعتراف، حتى يكون إعترافنا كاملاً.

 فى
نهاية كل أسبوع باعتباره وحدة زمنية، نأخذ عقبه يوم راحة للجسد. وحيذا أن تقترن
راحة الجسد براحة الروح.

 فى
نهاية كل عام. فإذا كنا بنعمة الرب قد سلكنا فى خوفه ذلك العام وشعرنا بمعونته فى
حياتنا نهتف شاكرين: ” كللت السنة بجودك وآثارك تقطر دسماً ” (مز11: 65).
وإذا كانت حياتنا غير مرضية، ونبت الشوك فى حقلنا الداخلى، وشجرة حياتنا حملت
ورقاً ولم تعط ثمراً، نتذكر الصوت الصارخ فى البرية ” والآن وضعت الفأس على
أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلفى فى النار ” (مت10: 3)
فنتضرع إلى الرب فى تذلل وانكسار قائلين: ” يا سيد أتركها هذه السنة أيضاً
” (لو8: 13).

 

مراحل
التوبة

1
أول مرحلة في التوبة هي الشعور بأنني أغضبت قلب الله المحب والاحساس بالخطية أنها
خاطئة جدا, فلقد أخطأ داود ولكنه لم يشعر بخطيئته إلا بعد أن أرسل الله له من
يبكته عليها، وهكذا كثيرون لم يتنبهوا لخطيتهم إلا بعد أن يرسل لهم الله من يوقظ
ضمائرهم مثل عخان بن كرمي، آخاب الملك، شاول الملك، أولاد عالي الكاهن، مريم
النبيه، وبلعام بن بعور الذى وبخته الآتان، وبني اسرائيل في مراحل كثيرة من
تاريخهم لم يشعروا ببعدهم عن الله إلا عن طريق الانبياء، والقديس بطرس ذكره الله
بصياح الديك..

2
الندم علي الخطية والتفكير في عواقبها.

3
تقرير عن عدم العودة إلى الخطية مرة أخرى وقطع جميع ما يذكرنا بها فالسحرة الذين
آمنوا حرقوا كتب السحر (أع 19: 19) والمرأة الخاطئة سكبت الطيب الذى اقتنته علي
قدمي المخلص، ويقول السيد المسيح عن قطع العثرات والمعثرين ان اعثرتك عينك اقلعها
” (مت 5: 1،2) فالمكان الذى أخطأت فيه للرب إلهك لا تذهب إليه ولا تقترب منه
مرة أخرى ويقول القديس يهوذا ” نبغض حتي الثوب المدنس من الجسد ” (يه
23).

وهكذا
من يقرر التوبة أى عدم الرجوع للخطية ينبغي أن يبتعد عن كل مسبباتها ويقطع كل
فكرها عنه.

4
إزالة آثار الخطية مثل الاعتذار لمن أسأت إليه ورد نقود من سلبت منه وهكذا..

5
الانسحاق والتذلل أمام الله حتي يرحمنا ويقبلنا وذلك بالمسكنة الروحية الداخلية
والخارجية أيضا في الملبس والمأكل والمتكأ الأخير وعدم إدانة الآخرين.. (القلب
المنكسر والمنسحق لا يرزله الله).

6
التضرع إلي الله بدموع من أجل ان يقبلك ويرحمك مثلما فعل داود النبي قائلا ”
إرحمني يا الله كعظيم رحمتك..”.

7
الإعتراف إلي الله علي يد خادم أسراره أب الإعتراف والمدبر الروحي المسئول عنا
أمام الله

 

كل
الخطايا قابلة للغفران

لا
توجد خطية غير قابلة للمفغرة مهما بلغت شناعتها، طالما للإنسان نية للتوبة، قال رب
المجد ” الحق أقول لكم أن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي
يجدفونها، ولكن من جدف علي الروح القدس فليس له مغفرة إلي الأبد بل هو مستوجب
دينونة أبدية، لأنهم قالوا أن معه روحاُ نجساُِ (مر 28: 3 – 30)

والتجديف
علي الروح القدس، الذي لا يغفر، والذي ذكر في هذه الآية ليس هو خطية مجردة، بقدر
ما هو حالة روحية معينة يصل فيها الإنسان إلي الفساد الطوعي والعناد والمقاومة
المقصودة للمعرفة الصريحة وتأنيبات الضمير الشاهد بتأثير الروح القدس في القلب..
فهو والحال هذه ليس كخطيه الزني أو القتل أو السرقة مثلاً0 فقد يرتكب الإنسان أبشع
الخطايا، وقد يتكلم بجهالة ضد ابن الله، ويجدف عليه بعدم ايمان علي نحو ما كان
عليه بولس الرسول قبل تغييره، لكن كل ذلك يغفر بفعل وتأثير الروح القدس الذي يقوده
الي التوبة، أما الذي يعتاد رفض عمل الروح القدس وتأثيره، ويتعمد اخماد صوت ضميره
الذي يؤنبه، فهو يحرم من الغفران حرماناً أبدياً، اذ يفقد كل وسيلة لآرشاده
وتأنبيه، لأن مهمة الروح القدس اثارة القلوب وأرشادها ثم أقناعها بالحق.. ”
ومتي جاء ذاك الروح القس يبكت العالم علي خطية ” (يو 8: 16) فالروح القدس هو
الذي يبكتني علي خكاياي فأتوب، فأن أنا رفضت عمل الروح القدس في داخلي – أي جدفت
عليه – فسوف لا أتوب، وبالتالي لا تكون لي مغفرة.

 قال
مار اسحق السرياني: ” ليست خطية بلا مغفرة إلا التي بلا توبة “

 

 الخطية
التي لا يغفرها الله للخاطيء

الله
يغفر كل ذنوب وشرور وآثام وسيئات وزلات الخاطيء الذي يأتي اليه نادماُ وتائباُ،
وباكياُ ومستغفراُ0 فقد قبل بطرس الرسول بعدما أخطأ أمامه؟ وقبل المرأة الزانية
وأعطاها فرصة أخري، وقَبِل الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، وقَبِل زكا العشار
الظالم وقَبِل داود بعد سقطته وتوبته. كما قبل اللص اليمين (ديماس) وقبل الجندي
الروماني الذي طعنه بالحربة (وصار لونجينوس أسقفاً وشهيداُ) وكان يمكنه ان يقبل
يهوذا الإسخريوطي نفسه، لو جاء اليه نادماُ ولكنه يأس من رحمة الله وشنق نفسه
وهلك0

الله
لا يغفر الانتحار ” المعنوي” أي يأس الشرير، وإصراره علي خطاياه حتي
النفس الأخير، وترديده عبارة ” مفيش فايدة.. ذنوبي أكبر من أن تُغتفر”
وهي فكرة الشيطان الخبيث الذي يريد هلاك كل الناس، فالسيد المسيح له المجد ” لم
يأت ليهلك بل ليخلص ما قد هلك ” وقد خلص الملايين ولا يزال باب رحمته مفتوحاً
علي مصراعيه حتي ساعة مجيئه الثاني “. ويقول الرب يسوع بوضوح: ” كل خطية
وتجديف يُغفر للناس، وأما التجديف علي الروح القدس فلن يغفر للناس!! ومن قال كلمة
علي الروح القدس (الذات الالهية) فلن يُغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي ”
(مت 31: 12 – 32)0

والمُراد
بالتجديف علي الروح القدس (
blasphemy
against holy spirit
)”
التجديف علي اللاهوت أو الذات الالهية وإلأساءة اليه وإهانة لله، بدون ندم ولا
توبة، لان المجدف هو شخص يقاوم حقيقة وجود الله ذاته (= انكاره أو نسب الضعف إليه،
كأن الله لا يقدر علي خلاصه من خطاياه) والسقوط في الكفر (الإلحاد أو الإلتجاء
للسحرة، وطلب مساعدة الشيطان)، بل ونسب معجزات السيد المسيح لبعلزبول (إبليس) كما
فعل بعض اليهود0

والخطية
” التي للموت ” (للهلاك الأبدي) التي أشار اليها القديس يوحنا الحبيب في
رسالته (1 يو 16: 5 – 17) هي رفض الحياة الأبدية التي أتي بها السيد المسيح، وقساوة
القلب، وعدم قبول الحق، بغباوة وكبرياء.

القديس
يوحنا ذهبي الفم في شرحه لخطية التجديف علي الروح القدس، المميتة للنفس والروح
والجسد، يقول: إن اليهود كانوا يعرفون الروح القدس تمام المعرفة، أما المسيح (الله
الظاهر في الجسد) فلم يكن معروفاُ جيداُ لهم، ولهذا كان من الممكن أن يسامحهم
السيد المسيح فيما ينسبونه اليه كإبن للإنسان، ولكن الله لا يغفر من ينسب الضعف للروح
القدس، وعدم القدرة علي الخلاص، واليأس من رحمة الله، خاصة لمن تأصل الشر في قلبه،
وعدم رغبه تركه (بل يفتخر به أحياناُ) وصارت حالته شبيهة بحالة الشيطان نفسه،
ويهوذا الاسخريوطي، الذي يأس من رحمة الله ” (تفسير متي مقاله 3: 41) وطوباه
من يسعي في طلب رحمة الله، قبل أن يغلق عليه باب القبر، فالآن زمن الرحمة وفي
الأبدية زمن العدل، والحساب والعقاب الأبدي!!و لا ننسي ان المريض الذي يرفض الدواء
لا ينال الشفاء.

 

نفس
خاطئة ضلت وتاهت في أودية العصيان

أيها
الآب القدوس الذي يحب رجوع الخطاة. وقد وعدت أنك مستعد لقبولهم. أنظر يارب الآن
إلي نفس خاطئة قد ضلت وتاهت في أودية العصيان زماناُ طويلاُ، فيه تمردت وشعرت
بشقاوتها، لبعدها عن ينبوع خلاصها، والآن تتقدم اليك تطلب منك تطهيرها من الأدناس
والأقذار التي توحلت فيها. إقبلها ولا ترفضها فإنك إن نظرت إليها بحنوك وعاملتها
برحمتك تنقت وخلصت وان اهملتها بادت وهلكت. امنحني يارب نعمة بها أتقوي علي الدنو
منك بإيمان وطيد ورجاء تائب، لأعترف بذنوبي وأكره العودة إليها، وليبكتني روحك علي
آثامي. أنر قلبي لأري كم أخطأت وأسأت وتركت وأهملت وإمنحني عزماُ علي عدم الرجوع
إلي الأثم. لأثبت في حفظ وصاياك وأحيا لمجد إسمك القدوس. آمين. (من صلوات الأجبيه
طبعه مكتبه المحبه بالقاهره عام 1972).

 

لا
تيأس

يقول
القديس يوحنا ذهبي الفم ” أخطأت؟ فادخل الكنيسة وامسح خطيئتك كلما خطئت تب عن
الخطية ولا تيأس من ذاتك وان خطئت ثانية فتب ثانية أيضا ولا تسقط من الرجاء
بالخيرات الموعود بها “.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى