اللاهوت الروحي

الباب الثاني



الباب الثاني

الباب الثاني
كيف أقبل المسيح

محبة الله للبشرية.

رفض البشر للرب.

مبادرة المسيح الحبية.

الموقف الشخصي.

لكي
يستطيع الإنسان أن يقبل المسيح في حياته ينبغي أن يعرف الأمور التالية:

1
محبة الله للبشرية.

2
رفض البشر للرب.

3
مبادرات المسيح الحبية.

4
موقفك من هذه المبادرات.

 

أولاً: محبة الله لكل البشر

 مما
لا شك فيه أن الله المحبة يكن كل حب للبشرية التي خلقها.

 وعن
محبة الله الخالق قال قداسة البابا شنوده الثالث:

[ظهرت
محبة الله أولا في الخلق
. لماذا؟ وكيف؟ منذ الأزل كان الله وحده، وكان مكتفيا
بذاته. ولكنه لم يشأ أن يبقى وحده. ومن أجل محبته لنا قبل أن نوجد، شاء فأوجدنا.
ولم نكن شيئا جديدا بالنسبة له، فالله لا يجد عليه شيء. وإنما كنا في عقله فكرة،
وفي قلبه مسرة، قبل أن يكون لنا وجود مادي فعلي.. فكان وجودنا هو ثمرة حبه
وثمرة كرمه]

 (كتاب
المحبة قمة الفضائل ص 25)

 

 والأدلة
على محبة الله للبشرية كثيرة جدا منها:

1
أنه خلق الإنسان على صورته
: كما يوضح سفر التكوين “وقال الله نعمل
الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تكوين1: 26) فانظر يا أخي إلى مدى تلك المحبة
التي يخص بها الإنسان عن سائر المخلوقات، إذ خلقه على صورته. ومعنى ذلك أنه ميَّز
الإنسان بالعقل والروح والخلود والصفات الإلهية المجيدة من بر وقداسة وصلاح.

 وعن
ذلك قال قداسة البابا شنوده الثالث:

[من
دلائل محبة الله لنا أيضا في الخلق، أنه خلقنا على صورته ومثاله.. على
صورته من حيث أنه ذات وعقل وروح. ومن حيث أن له روحا خالدة، ومن حيث النقاوة
والطهارة وحب الخير، ومن حيث القيادة والسلطة]

(كتاب
المحبة قمة الفضائل ص26)

 

2
وهناك دليل آخر أنه خلق للإنسان فردوسا: فهذا دليل على محبة الله للبشر إذ
أنه عندما خلق الإنسان كان قد خلق له مسبقا كل أسباب السعادة فغرس له جنة رائعة
الجمال بها جميع أنواع الأشجار والأزهار والطيور، وسلطه على كل شيء فيها.

وعن
هذا الدليل قال قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث:

[ومن
محبة الله في خلق الإنسان، أنه وضعه في جنة.. وكانت الجنة مليئة بكل أنواع الثمار،
وجميلة جداً، يكفي أنها جنة]

 (كتاب
المحبة قمة الفضائل ص26)

 

3
ودليل ثالث على محبة الله للبشرية أنه قال “.. لذاتي مع بني آدم” (أمثال
8: 31) أي أن مسرة قلبه هي بالبشر كما عبر نشيد الملائكة الخالد يوم ميلاد السيد
المسيح “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”
(لوقا2: 14)

وعن
ذلك كتب قداسة البابا شنوده الثالث قائلا:

[من
نحن يارب، حتى تكون معنا؟ نحن التراب والرماد، والمزدرى وغير الموجود (1كو1: 28)..
وكأن الله يقول: أنا معكم كل الأيام، لأني أحبكم، وأحب أن أكون في وسطكم.. نعم إن
مسرتي في بني البشر، أنا أحب أن أسكن فيهم.. أنتم سمائي الخالدة، أنتم عرشي الذي
أجلس عليه.. أنتم ملكوتي!]

(كتاب
المحبة قمة الفضائل ص33)

فتأمل
يا أخي مقدار محبة الله للبشرية التي خلقها لتتنعم معه في فردوسه. ولكن ماذا كان
موقف البشر يا ترى؟؟

هذا
ما سوف نراه في النقطة التالية.

 

ثانياً: رفض البشر للرب

ما
أعجب موقف البشر من هذه المحبة الإلهية الفائقة. أتدري ماذا كان موقفهم؟

 لقد
فضل البشر أن ينفصلوا عن الله رافضين محبته لهم!!

ولقد
أخذ ذلك الموقف الانفصالي صورا مختلفة ولكنه في النهاية كل المواقف تعبر عن شيء
واحد هو الانفصال عن الله. من تلك الصور ما يلي:

 

1
الموقف المعادي لله:
فحواء بإصغائها لغواية الحية وشكها في محبة الله
وأكلها من الشجرة التي حذرها منها قد أخذت موقفا عدائيا من الله بكسر وصيته.

2
عدم المسرة بعشرة الرب:
ولسان حال الأكثرية يقول “ابعد عنا وبمعرفة
طرقك لا نسر” (أيوب21: 14)

3
الابتعاد عن بيت الرب:
فالمثل الذي قاله السيد المسيح عن الابن الضال
يوضح كيف ابتعد عن بيت أبيه وذهب إلى كورة بعيدة وبذر أمواله بعيش مسرف، ظنا منه
أنه بهذا قد استمتع بحريته بعيدا عن سيطرة أبيه، ولم يكن يعلم أنه ألقى بنفسه في
حضن الشيطان الذي مرر نفسه وحرمه حتى من الخرنوب طعام الخنازير. (لوقا 15: )

 

يقول
قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث
عن رفض الناس للرب:

 [الخطاة
ينفصلون عن إرادة الله، وينفصلون عن إدارة الله.. وقد عبر الله عن هذا الانفصال
بقوله: “رفضوني” و”تركوني”. فقال: “تركوني
أنا ينبوع الماء الحي وحفروا لأنفسهم آبار، آبارا مشققة لا تضبط ماء” (ار2:
13). وقال أيضا “رفضوني أنا الحبيب مثل ميت مرذول” (مز37: 21).
نعم الخطية هي.. ترك لله ورفض له. فالخاطي لا يشعر بحب نحو الله ولا بدالة
معه].

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة 9)

4
عقوبة رفض البشرية لله:

 كان
عقاب الرب لآدم هو الموت إذ قال له “يوم أن تأكل من هذه الشجرة موتا تموت”
(تك1: )

ولهذا
قال بولس الرسول” وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع”
(رو3: )

وقال
أيضا “أجرة الخطية هي موت” (رو3: 26)

وعن
ذلك يقول قداسة البابا شنوده الثالث:

[الخطية
هي عصيان الله، وتعد على حقوقه، وعدم محبته.. والله غير محدود.. فالخطية غير
محدودة.. وعقاب الخطية هو الموت..
معروف أن” الجميع أخطأوا وزاغو وأعوزهم
مجد الله. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد” (رو3: 23و12) وهكذا وقع حكم
الموت على الجميع.
واستد كل فم وصار العالم كله تحت قصاص من الله (رو3: 19)]

 (كتاب
الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي ص 18)

 وحكم
الموت هذا يشمل الموت الجسدي والموت الأدبي والموت الأبدي.

1
الموت الجسدي:
أصبح الجسد البشري جسدا فاسدا قابلا للموت “وضع للناس
أن يموتوا مرة وبعد ذلك الدينونة” (عب9: 27)

 

2
الموت الأدبي:
أي العار والخزي، فالخطية ورثت الإنسان العار الأبدي
“عار الشعوب الخطية” (أم14: 34)

 

3
الموت الأبدي:
في جهنم النار الأبدية “.. اذهبوا عني يا ملاعين إلى
النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته” (مت25: 41)

 

ثالثاً: مبادرات المسيح الحبية

بالرغم
من انفصال البشرية عن الله بسبب الخطية، إلا أن الرب لم يتوان عن إتمام خلاصنا
بإعلان مبادراته الحبية. الواقع أن السيد المسيح له أكثر من مبادرة منها:

(أ)
المبادرة العامة:

 عندما
جاء بنفسه من السماء وأخذ جسدا مثل أجسادنا وأطاع حتى الموت موت الصليب عوضا عن
البشرية الساقطة المحكوم عليها بالموت. وهذا كله بدافع من محبته للبشرية كما وضح
الرب يسوع المسيح “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل
من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16) وكما يقول معلمنا بولس
الرسول “الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا” (رو
5: 8)

وعن
ذلك قال قداسة البابا شنوده الثالث:

[وهكذا
وقع حكم الموت على الجميع. واستد كل فم وصار العالم كله تحت قصاص من الله (رو3:
19) ولم تعد هناك وسيلة للخلاص غير نعمة الله تفتقدنا، وقد افتقدتنا فعلا
وخلصتنا بدم المسيح الذي به وحده الخلاص
. من أجل هذا قال معلمنا بولس الرسول:
“متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة
بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة” (رو3: 25)]

 (كتاب
الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي ص 18و19)

(ب)
المبادرة الخاصة:

 هذه
المبادرة الخاصة هي مجيء المسيح إلى كل فرد منا قائلا “أنا واقف على الباب
وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ3: 16)

وقد
أشار قداسة البابا شنوده الثالث إلى مبادرة الله الحبية قائلا:

1 [الله يريدنا أن نرجع.. وحسن في هذا الرجوع أن
تأتي المبادرة من الله. فهو الذي يبدأ وهو الذي يطلب وهو الذي يدعونا إليه]

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة43و44)

2
ويقول أيضا قداستة: [الله واقف على الباب وهو الذي يقرع..! وهو الذي يقول
في كل حين: “هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل
إليه وأتعشى معه وهو معي”] (رؤ3: 20)

(كتاب
حياة الرجاء ص 49)

 

رابعاً: موقفك من المبادرة

 المسيح
على الباب يقرع وينتظر أن يفتح الإنسان قلبه له، إذ يقول “إن سمع أحد صوتي
وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” وهذا يطابق ما قاله لعروس النشيد
“افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا جميلتي يا حمامتي يا كاملتي، لأن رأسي امتلأ
من الطل وقصصي من ندى الليل” (نش5: 2).

 إنه
ينتظر أن نفتح له، ومن يفتح له يتمتع بوجوده في داخله على المستوى الروحي.

 

1
وفي هذا قال قداسة البابا شنوده الثالث:

 [أنا
واقف على أبواب قلوبكم أقرع لكي تفتحوا لي (رؤ3: 20)

إنما
المشكلة تأتي من جهتكم أنتم، “فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه”.
لذلك أقول “ارجعوا إلي” أي افتحوا أبواب قلوبكم المغلقة
دوني..”فأرجع إليكم” أي أدخل إلى هذه القلوب التي أخرجتموني
منها
، برفضكم إياي في خطاياكم..].

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة 45)

 

2
وقال أيضا قداسته:

 [خاطب
الرب إذن وقل له: أريد يارب أن ألقاك، أريد أن أشعر بك في حياتي، أريد أن أعاشرك
وأحبك وتلتهب بك عواطفي، أريد أنك كما دخلت عقلي أن تدخل قلبي أيضا. وكما
اقتنعت بك فكرياً أن أختبرك عملياً]

(اللقاء
مع الله جريدة وطني بتاريخ 16/5/1996)

 

ومن أقوال الآباء القديسين

1
يوحنا ذهبي الفم:

 [إني
أريدك أن تستمتع بمتعة حقيقية لا تضمحل. فما هذه المتعة الحقيقية دائمة الازدهار؟
إنها دعوة المسيح ليدخل إليك ويتعشى معك (رؤ3: 20) دعه يشاركك فيما تملك أو
بالأحرى فيما هو يملك. هذه هي السعادة التي بلا حدود منذ بدايتها وإلى الأبد].

(The Nicene and Post
Nicene Fathers First Series
،
Volume
xii P. 163)

 

2
القديس أمبروزيوس:

 [السيد
المسيح واقف على باب نفسك، اسمعه يقول: “هأنذا واقف على الباب أقرع إن سمع
أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ3: 20) والكنيسة تتكلم
عنه “صوت حبيبي قارعا افتحي لي يا أختي” (نش5: 2) إنه يقف ليس بمفرده
فأمامه تذهب الملائكة قائلة “ارتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك
المجد” (مز24: 7). أية أبواب؟ إنها الأبواب التي تكلم عنها المرنم في موضع
آخر قائلا: “افتحوا لي أبواب البر” (مز118: 19)]

 ويعلق
على ذلك قائلا: [افتح إذن أبوابك للمسيح ليدخل إليك، افتح أبواب البر، باب
البساطة والعفة، أبواب الشجاعة والحكمة.. بابك هو الاعتراف العلني الذي تقدمه بصوت
أمين.. فليتك تفتح قلبك للمسيح..]

(The Nicene and Post Nicene
Fathers, Series Two, Volume
x P.264)

 

3
القديس جيروم:

[عندما
تصلي إلى أبيك الذي في السموات، سيأتي إليك ويقرع قائلا “هأنذا واقف على
الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب ادخل إليه وأتعشى معه وهو معي” ففي
الحال ستجيب بشغف “صوت حبيبي قارعا افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا جميلتي يا
كحمامتي يا كاملتي” من المستحيل أنك ترفض وتقول “خلعت ثوبي فكيف ألبسه،
غسلت رجلي كيف أوسخهما”]

 ويكمل
قائلا: [قم افتح في الحال وإلا فبينما أنت تتوانى يتحول ويعبر. فتقول في
مرارة “فتحت لحبيبي ولكن حبيبي تحول وعبر” لماذا تغلق أبواب قلبك في
وجه العريس؟
ليتك تفتحها للمسيح وتغلقها في وجه الشيطان].

(The Nicene and Post Nicene Fathers, Series Two, Volume vi P.33)

 

فما
هو موقفك أيها العزيز من هذه المبادرة الحبية؟

هل
أنت مستعد أن تفتح باب قلبك لملك المجد الرب يسوع المسيح ليدخل فيه؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى