علم

الباب الثانى



الباب الثانى

الباب الثانى

السجود

الفصل الأول: السجود فى الطقس الكنسى

الفصل الثانى: أقوال الآباء فى السجود

الفصل الثالث: السجود والمطانيات فى حياة بعض
الآباء

 

السجود

 السجود تعبير صادق عن مشاعر الحب والخضوع
والاتضاع فهو لائق جداً بالله، اذ أنه سبحانه صاحب الحق الأول فى خضوعنا له
واتضاعنا أمامه.

 وسجود العبادة خاص بالله وحده، فهو يقدم لله
كمشاركة للملائكة الذين يقدمون السجود لله على الدوام. ولا يصح أن يقدم بهذه الصفة
لأحد آخر سوى الله. غير أنه يجوز أن يقدم للآخرين وانما فى معانى أخرى غير
العبادة.

والانجيل يحدثنا عن صور شتى لأنواع السجود:

 فسجود الابن الضال لأبيه، يحمل معنى التوبة
والندامة من ابن لأبيه وسجود يعقوب لعيسو أخيه سبع مرات الى الأرض كما يقول الكتاب
فى سفر التكوين، كان لاسترضاء وجه أخيه وصرف روح الغضب وقد نجح يعقوب فى ذلك اذ
لما رآه أخوه ” ركض للقائه وعانقه ووقع على عنقه وقبله. وبكيا ” (تك
33: 4).

 وسجود بنى يعقوب ليوسف أخيهم وهو رئيس لمصر،
كان علامة الولاء الواجبة لرئيس الأرض.

 وسجود ابراهيم المبارك من فم الله لبنى حث
الشعب الوثنى، كان علامة اتضاع شديد ودعة نفس امتاز بها ابراهيم، كما يقول سفر
التكوين: ” فقام ابراهيم وسجد لشعب الأرض لبنى حث ” (تك23: 7)

وسجود المرأة الشونمية لأليشع أمام قدميه إلى
الأرض، كان اعترافاً بالجميل وتكريماً لروح النبوة التىأقامت ابنها الميت حياً.
هكذا نرى للسجود معانى أخرى غير العبادة تنحصر فى أشخاص الناس.

ونحن لسنا مختارين فى سجودنا لله كما يتوهم
المتحررون أو المحتجون فى هذه الأيام. فالسجود لله أمر حتمى وليس المخلوق قط
اختيار فى الامتناع عن تقديمه، كقول القديس كيرلس رئيس الأساقفة وصاحب القداس
الكيرلسى فى صلاة الصلح:

” اللهم يا من تجثو له ركبة ما فى السموات
وما على الأرض وما تحت الأرض. الذى الكل مذلول وخاضع بعنق العبودية تحت خضوع قضيب
ملكه “.

 

الفصل الأول: السجود فى الطقس الكنسى

 يقدم الانسان فى العبادة حركات خشوعية أمام
الله ليعبر بها عن خضوعه وخشيته. وهذه الحركات على ثلاثة أنواع:

الأول: وتسمى احناء الرأس، وهى
لها مواضع خاصة فى العبادة.

الثانى: وتسمى احناء الركب،
ولها أيضاً مواضع خاصة فى العبادة.

الثالث: وتسمى السجود على الأرض
ولها أيضاً مواضع خاصة فى العبادة

أما احناء الرأس فيتم أثناء الوقوف مع احناء
الظهر قليلاً الى الأمام. واحناء الركب يتم بالركوع وملامسة الركب للأرض مع بسط
اليدين نحو السماء. والسجود يتم بالركوع مع انطراح الوجه
ليلامس الأرض أيضاً عند الجبهة.

وهذه الأوضاع العبادية، تقليدية تستمد أصولها من
العهد القديم ولو أنها فى العهد الجديد أصبحت ذات أهمية أكثر بسبب ازدياد الاحساس
بالله لا من جهة الرهبة والخوف كسيد فقط بل ومن جهة كثرة مراحمه وبذله وشدة اتضاعه
الذى أسر قلوبنا وجعلنا نخشع حباً عند الوقوف أمامه وقلبنا ينفطر وعيوننا تفيض
بالدموع أمام صليبه المحي الذى به نلنا الفداء.

وفى العهد القديم كانت العبادة تتم فى المجامع
المحلية أو الهيكل الرئيسى فى أورشليم. ففى المجامع كان لا يجوز السجود اذ كان
يكتفى باحناء الرأس فقط أو الركوع فى اتجاه مكان الهيكل، أما فى الهيكل نفسه فكانت
العبادة تحتم الركوع والسجود على الأرض بسبب حضور الرب فى قدس الأقداس:
صعدت لأسجد فى أورشليم” (اع24: 11).
ويقول سفر أخبار الأيام عن سليمان:
” ثم جثا على ركبتيه تجاه كل جماعة اسرائيل وبسط يديه نحو السماء وقال أيها
الرب إله اسرائيل لا إله مثلك فى السماء والأرض حافظ العهد والرحمة لعبيدك
السائرين أمامك بكل قلوبهم. ” (2أى6: 13، 14).

 وقد استلمت الكنيسة هذه الأوضاع العبادية
التقليدية الهامة من الرسل والتلاميذ أنفسهم، فنجد بطرس يجثو على ركبتيه فى
الصلاة: ” فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلى ثم التفت الى
الجسد وقال يا طابيثا قومى. ففتحت عينيها. ولما أبصرت بطرس جلست. ” (اع9:
40).

 ونجد بولس يجثو أيضاً فى صلاته: ” ولما
قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى ” (اع20: 36).

 ومن لغة بولس الرسول نفهم أن الركوع يعبر عن
عمق صلاة الابتهال: ” بسبب هذا احنى ركبتىَّ لدى ابى ربنا يسوع المسيح.. لكى
يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الانسان الباطن ” (اف3: 14،
16). أما عند ذكر العبادة فى الهيكل فنسمع بولس الرسول يقول: ” صعدت لأسجد
فى أورشليم ” (اع24: 11).

وهنا نستطيع أن نلمح الفرق بين الركوع والسجود
حيث السجود يقدم لله كعبادة خالصة بخوف وهيبة ووقار بدون طلب شئ أو انتظار نوال
شئ.

 والتفريق بين احناء الرأس واحناء الركب والسجود
الكامل نجده واضحاً جداً أثناء صلاة القداس:

 فعند صلاة التحليل ينادى الشماس:
احنوا رؤوسكم أمام الرب”
حيث ينال الشعب الحل من الأسقف أو الكاهن وهم
واقفون. أو جالسون باحناء الرأس فقط. أما فى أيان الصوم عند الابتهال والطلبات [
كل أيام الصوم فى الأربعين المقدسة ]، فينادى الكاهن على كل الشعب:
احنوا ركبكم “.
ويبتدئ يقول الطلبات والتوسلات وفى كل طلبة ينادى قائلاً:
” وأيضاً احنوا ركبكم “.

أما فى وقت حلول الروح القدس على الخبز والخمر
فيصرخ الشماس: ” اسجدوا لله بخوف ورعدة “، حيث يتم السجود أمام
الله للجسد ثم للدم. وهكذا ينبغى أن نفرق بين نداءات الشماس، لأن كل حركة فى
العبادة سواء باحناء الرأس أو احناء الركب أو السجود تعبر تعبيراً طقسياً ذا معنى
عميق فيما يختص بالصلاة ودرجاتها. فالركوع يدل على أننا نتوسل ونبتهل فى الصلاة من
أجل أنفسنا أو الأخرين، ونطلب من الله رحمة أو حلاً أو غفراناً منه رأساً أو من فم
الأسقف أو الكاهن. ولكن السجود يدل على الخضوع والتوبة سواء لله فيكون برهبة
وانسحاق وخوف عظيم أو لمن أخطأنا اليه، عظيماً كان أو غير عظيم، ويكون باتضاع فقط.
والسجود فى هذه الحالة يسمى: ” مطانيا “، ومعناها البسيط توبة.

 وفى الركوع يقول القديس امبروسيوس: [ نحن نحنى
ركبنا لأن الركب المنحنية أكثر من جميع حركات الجسد الأخرى تهيئ للانسان السماح من
الله وزوال نقمته وقبول نعمته ].

 وفى السجود يقول القديس ديونيسيوس الأريوباغى:
[ وكل أصحاب الدرجات الكهنوتية أو المرشحين لها يلتزمون بالتقدم أولاً نحو المذبح
الالهى ثم السجود لكى يعلنوا خضوعهم وتسليم حياتهم لله منه سينالون تكريسهم ].

 وفى قول للقديس ديونيسيوس الأريوباغى نجد
تفريقاً بين سجود الكاهن وسجود الشماس أثناء الرسامة: [ وبينما يركع الأساقفة
والكهنة أثناء الرسامة على كلتا الركبتين يركع الشماس أثناء الرسامة على ركبة
واحدة ].

ولكن من العسير فصل الركوع عن السجود عندما
يلتهب قلب الانسان فى الصلاة وينتقل من مجرد التوسل الى تقدم الكرامة الواجبة.
ولكن لا ينبغى أن ننتقل من الركوع الى السجود دون أن ننتقل روحياً وقلبياً من حالة
التوسل والطلب الى حالة التسليم والخضوع.

ويقول القديس كليمندس الرومانى: ليتنا نسقط أمام
الله متوسلين بالدموع

ويقول هرماس الراعى: فجثوت على ركبتى وبدأت أصلى
لله معترفاً بخطاياى.

 ويقص القديس هجسبُّوس سنة 170 ميلادية عن
القديس يعقوب الرسول البار: [ أنه كان قد اعتاد أن يدخل الهيكل فى أورشليم وحده
ويظل ساقطاً على ركبتيه ].

 ويضيف يوسابيوس عن هجسبُّوس، أن ركبتى يعقوب
الرسول البار صارتا من كثرة الركوع خشنة وصلبة مثل ركب الجمال.

ويقص لنا يوسابيوس عن قسطنطين الملك: أنه كان
يذهب الى مخدعه المخصوص داخل القصر فى ساعات معينة من النهار ويغلق على نفسه
ليناجى الله ويظل ساقطاً على ركبتيه متضرعاً من أجل شئون مملكته. كما يذكر
يوسابيوس أيضاً عن قسطنطين أثناء مرضه الآخير: أنه كان يركع على الأرض ويظل
متوسلاً.

ويقص علينا القديس غريغوريوس النزينزى عن أخته
القديسة: أن ركبها تصلبت من كثرة الركوع وأصبحت منحنية.

ويقص القديس اغسطينوس فى كتابه ” مدينة
الله “. قصة عن معجزة شفاء تمت أثناء ما كان يصلى مع آخرين. وكيف أن الروح
دفع المريض ليشارك الآخرين فى الركوع والصلاة: وبينما كنا راكعين على الأرض
كالعادة، وإذ بالمريض ينطرح أيضاً بقوة خفية ويبتدئ يصلى. مع أنه لم يكن قادراً
على الركوع أو الكلام قبلاً.

 ويقول أيضاً القديس اغسطينوس عن وضع الصلاة
المناسب:

[ والذى يصلى ينبغى أن يقدم من أعضاء جسده ما
يناسب التوسل،

 

فعليه أن يركع ثم اما أن يبسط يديه الى أعلى أو
ينطرح على الأرض] وهنا يفرق القديس بين الركوع والسجود. وفى قول لأرنوبيوس يلمح
على أن تقديم السجود للمسيح كعبادة خالصة أمرطبيعى فى حد ذاته: [ ونحن نسجد للمسيح
طبيعياً لنعبده بصلاة متحدة ]

 وفى قول آخر للقديس أبيفانيوس. يشدد أن العبادة
بالسجود الزام: الكنيسة تأمرنا أن نرفع الصلوات لله بلا انقطاع بكل مداومة وبكل
توسل راكعين فى الأيام المحددة ليل نهار.

 والقديس جيروم يعتبر السجود تقليداً كنسياً:
أنه تقليد كنسى أن نحنى ركبنا أمام المسيح. وأول تقليد وصلنا عن متى ينبغى السجود
ومتى لا ينبغى جاءنا على يد القديس ايرينئوس، يقول عند سؤاله أنه منحدر بالتسليم
من الرسل: [ وبما أنه واجب علينا ولائق أن نذكرعلى الدوام سقوطنا فى الخطايا وكذلك
نعمة المسيح التى بواسطتها قمنا من سقطتنا. لذلك فان ركوعنا على ركبنا فى اليوم
السادس [الجمعة] هو اشارة الى سقوطنا فى الخطايا، أما عدم ركوعنا فى يوم الرب
(الأحد) فهو اشارة الى القيامة التى حصلنا عليها بنعمة المسيح التى خلصنا بواسطتها
من خطايانا ومن الموت ] وهذا الكلام قاله القديس ايرنيئوس فى حديث له يوم عيد
القيامة، اسمه: ” سؤال وجواب للأرثوذكس ”

 

الفصل الثانى: أقوال الآباء فى
السجود

[71] كل مرة نسجد فيها الى الأرض نشير الى كيف
احدرتنا الخطية الى الأرض وحينما نقوم منتصبين نعترف بنعمة الله ورحمته التى
رفعتنا من الأرض وجعلت لنا نصيباً فى السماء.

 باسيليوس
الكبير

[72]
اسجد فى مبدأ صلاتك وأسأل الله بانسحاق وتذلل أن يعطيك الصبر فى الصلاة وضبط
الفكر.

 

[73]
على الأقل ينبغى للراهب أن تكون المطانيات فى كل دفعة ثلاثين، وبعدها يقبل الصليب
المكرم، ويأخذ فى الركوع. وقوم يزيدون على هذا العد حسب قوتهم.

 

[74]
اغصب نفسك للسجود أمام الله [ ضرب المطانيات ] لأنه هو محرك روح الصلاة.

 

[75]
لا تظن أن السجود أمام الله هو أمر هين. لا شئ من الأعمال الصالحة يوازى المواظبة
على تكميل خدمة الصلاة بضرب المطانيات.

ماراسحق السريانى

[76]
اذا ضايقتنا الأفكار أثناء الصلاة وشعرنا بالملل، فلنخر على الأرض وكتاب الصلاة فى
أيدينا ونضرع ونحن ساجدون أن يهبنا الله نشاطا لنكمل خدمة الصلاة.

 

[77]
كلما استنار الانسان فى الصلاة كلما شعر بضرورة وأهمية ضرب الميطانيات ويحلو له
الثبات فيها. كلما يرفع رأسه ينجذب من فرط صرارة قلبه للسجود لأنه يحس بمعونة قوية
فى هذه الأوقات ويزداد فرحه وتنعمه.

 

[78]
اعطى نفسك للصلاة وأنت تحصل على لذة الميطانيات وتداوم فيها بسرور.

 

[79]
رائحة عرق التعب فى الصلاة هى أذكى من رائحة البخور والعطور

 مار
أسحق السريانى

[80]
اذا كان تشتت الفكر يلازم السجود دل ذلك على أن العقل لم يتحد بالله بعد. اعرف
انسانا بعد أن أتعب ذاته فى الصلاة صار كل مرة يسجد فيها فى الصلاة يبتلع عقله
الدهش.

 الشيخ
الروحانى

[81]
محبة دوام السجود أمام الله فى الصلاة دلالة على موت النفس عن العالم وادراكها سر
الحياة الجديدة.

 الشيخ
الروحانى

[82]
رأيتهم فى الصلاة التى يصلونها، حينما ينتهون من تلاوة كل مزمور لا يستعجلون فى
السجود كواجب يراد أنهاؤه كما يعمل الكثير منا الآن، بل رأيتهم على خلاف ذلك، فبعد
أن يفرغوا من المزمور يقفون برهة يرفعون فيها صلاة قصيرة، ثم ينحنون فى خشوع
ويسجدون إلى الأرض بوجوههم بورع كثير وتقوى شديدة ثم ينتصبون بخفة ونشاط ويعودون
إلى وقفتهم المنتصبة وافكارهم كلها منحصرة فى الصلاة

 الأب
يوحنا كاسيان

 يتحدث
عن رهبان مصر

[83]
المداومة على السهر مع ضرب المطانيات بين الحين والآخر لا تتأخر كثيرا عن أن تكسب
العابد المجتهد فرحة الصلاة.

 مار
اسحق السريانى

[84]
من كثرة ضرب المطانيات يجهد الجسد ويسخن وتنحل معه كثرة الأفكار، ويصل القلب إلى
حالة أتضاع، ويكون الانسان فى نشوة روحية عالية.

 الاسقف
اغناطيوس

 

الفصل الثالث: السجود والمطانيات فى
حياة الأباء

 [11] القديسان مكسيموس ودوماديوس

قال الأب مقاريوس: حدث يوما وأنا جالس بالاسقيط
أن أتانى شابان غريبان أحدهما متكامل اللحية، والآخر قد بدأت لحيته، فقالا لى: أين
قلاية مقاريوس؟ فقلت لهما: وماذا تريدان منه؟ أجابانى نريد مشاهدته فقلت لهما
أنا هو. فصنعا مطانية وقالا:
يا معلم نشاء أن نقيم عندك. فلما وجدت أنهما فى
حالة ترف ومن أبناء نعمة وغنى أجبتهما: لكنكما لا تتحملان السكنى ها هنا فأجابنى
الأكبر قائلا: ان لم نحتمل السكنى ها هنا فاننا نمضى إلى موضع آخر. فقلت فى نفسى:
لماذا أطردهما، والتعب ذاته سيجعلهما يهربان. فقلت لهما: هلما فاصنع لكما قلاية ان
قدرتما فقالا: أرنا موضعا يصلح. فأعطيتهما فأساً وقفة وكذلك قليلاً من الخبز
والملح واريتهما صخرة صلبة وقلت لهما: انحتا هاهنا واحضرا لكما خصاً من الغابة
وسقفاً واجلسا وتوهمت أنهماينصرفان من شدة التعب. فقالا لى وماذا تصنعون هاهنا؟
فقلت لهما: اننا نشتغل بضفر الخوص. وأخذت سعفاً وأريتهما بدء الضفيرة وكيف تخاط
وقلت لهما اعملا زنابيل وادفعاها الى الخفراء ليأتوا لكما بخبز، وعرفتهما ما
يحتاجان من معرفة ثم انصرفت عنهما.

 [ 12] الأنبا سرابيون

 مع أخ يلوم نفسه ملامة باطلة:

حدث أن زاره أخ، فطلب منه الشيخ أن يصلى كما هى
العادة فاعتذرقائلاً: انى خاطئ لا أستحق ولا اسكيم الرهبنة. فأراد الشيخ أن يغسل
رجليه فأبى ولم يدعه واعتذر أيضاً بمثل هذا الكلام وقال: انى خاطئ ولست مستحقاً.
ثم هيأ الشيخ طعاماً فلما جلسا يأكلان أخذ الشيخ يعظه بمحبة ويقول له: يا ابنى ان
كنت تريد أن تنتفع فاجلس فى قلايتك. واترك عنك الدوران واجعل اهتمامك فى نفسك وفى
عمل يديك فانك لا تنتفع من الجولان مثلما تنتفع من الجلوس فى قلايتك. فلما سمع
الأخ ذلك الكلام وهذه العظة، تململ وتغير لون وجهه حتى أن الشيخ لاحظ ذلك فى وجهه.

 فقال له الشيخ: بينما أنت تقول أنى خاطئ وتصف
نفسك أنك لست أهلاً لأن تحيا فى هذه الدنيا فاذا بى لما عاتبتك بمحبة أراك وقد
تململت وتلون وجهك حتى صرت مثل السبع. ان كنت بالحقيقة تريد أن تكون متضعاً فاحتمل
ما يأتيك من الاغتنام من الآخرين، ولا تلم نفسك ملامة باطلة بالرياء وبالكلام
الباطل.

 فلما سمع الأخ هذا الكلام انتفع به وصنع له
مطانية قائلاً:
اغفر لى ” ورجع
الى قلايته.

 [13] الأنبا زينون

 اخوان كان يجتمعان فى بعض الأديرة، كل واحد
منهما منفرد فى قلايته فقال أحدهما لرفيقه: أنا أقصد المضى الى الأنبا زينون
فأعرفه فكرى. فقال الآخر أيضاً: وأنا أريد أن أقول له فكراً. وانطلقا سوياً. وأخذ
كل منهما الشيخ على انفراد، وأقر له بأفكاره فأحدهما سجد بدموع على قدمى الشيخ،
يسأله أن يصلى عليه.

فقال له الشيخ: اذهب ولا تدفع ذاتك الى شر، ولا
تقع فى خطية، ولا تضطجع فى صلاتك. وبعد مضيه خارجاً اعترف الآخر للشيخ بفكره وقال
له صلى علىًّ. ولم تكن طلبته إليه بوجع واجتهاد. وبعد مدة من الزمان اتفق انهما
اجتمعا الواحد لصاحبه فقال له لما زرنا الشيخ هل أخبرته بفكرك الذى ذكرت أنك تريد
أن تقوله له فقال: نعم فقال له: هل انتفعت بعد اقرارك له؟ فأجابه نعم بصلوات الشيخ
شفانى الله. فقال له ذلك الآخر: أما أنا وان كنت قد اعترفت له، إلا أننى ما أحسست
بالشفاء. فقال له ذلك الذى انتفع. وكيف سألت الشيخ فقال: قلت له الآن صلى علىَّ يا
أبى فان الفكر الفلانى يؤذينى فقال له الآخر: أما أنا فعندما اعترفت له: بللت
رجليه بدموعى طالباً أن يبتهل فى أمرى. وبصلواته شفانى الرب. هذا الخبر حدثنا به
الانبا زينون يعلمنا أنه يجب على من يسأل أحد الآباء فى أمر أفكاره. أن يطلب الى
الله بكل قلبه وببكاء شديد فينال مراده. ومن يعترف بتوان وفتور فليس من شأنه أن
يعدم المتعة فقط بل يدان ويعاقب.

 

[14] أنبا جراسيموس

لقى أنبا جراسيموس امرأة فى البرية شبه عارية،
فلما أبصرته توارت عنه، لكنه أراد أن يكلمها فتوارت خلف صخرة وكلمته، فقال لها: كم
لك فى هذه البرية من الزمان؟!. فقالت: ” خمسون سنة ” قال لها: ماذا كان
غذاؤك؟ قالت: ” ان الخالق لا يضيع ما خلق ” قال لها: فماذا أبصرت فى
البرية؟ أجابت: ما أبصرت غير المسيح وأعماله وصنائعه. قال لها: ففيمَ الخلاص؟
قالت: ” فى ترك ما انت فيه “، قال لها: وما هو؟

 أجابت: شغلك بالبكاء على خطاياك أولى من سؤالك
امرأة عما لا ينفعك قال لها: ” صدقت ” وعمل مطانية وانصرف.

[15] أحد الآباء الشيوخ

 قيل أيضاً أنه كان يوجد شيخ له تلميذ جيد، ومن
الملل كان الشيخ يخرجه خارج الباب ويزدرى به فكان التلميذ يمكث جالساً خارجاً،
ولما فتح الشيخ الباب فى اليوم الثالث، وجده جالساً فأدى الشيخ له مطانية وقاله
له: ” يا ولدى ان تواضعك وطول أناتك قد غلبا شرى وصغر نفسى فهلمَّ الآن الى
الداخل، ومنذ الآن كنت أنت الشيخ وأنا التلميذ.

 

[16] القديس مقاريوس الاسكندرانى

قال: أنه فى يوم من الأيام جلس على باب قلايته
فحضر بين يديه رجل عليه أسمال بالية، وسجد بين يديه وقال: يا أبتاه أسألك أن أكون
تحت ظلك، وأخذ بركة صلواتك المقدسة. قال له القديس حباً وكرامة. ثم سكن بقرب قلاية
القديس وكان فقيراً جداً من أمور العالم، غنياً بنعمة ملكوت السموات.

 وفى احدى ليالى الشتاء القارسة البرد، وقع ثلج
ورعد وبرد شديد ولم يكن له شئ يتغطى به غير قطعة عباءة مخرمة – فتذكر القديس
مقاريوس ذلك الراهب وضعف حاله وأخذ عكازه وخرج يفتقده فوقف على باب القلاية وكان
الظلام شديداً فسمع صوته من داخل وهو يتهلل ويفرح ويشكر الرب يسوع المسيح ويقول:
ياربى أشكرك اذ وهبتنى هذه النعمة العظيمة الجزيلة والمواهب الجليلة الفاخرة التى
هى العافية. ياربى كم من الملوك والأكابر والسلاطين مقابل أعدائهم الآن ومنهم من
كسروا ونهبت أموالهم وأملاكهم، وأولادهم يباعون، وقوم منهم هدمت حصونهم وقلاعهم
وهربوا، وغيرهم فى السجون وقلوبهم مملوءة أحزاناً. أما انا يارب خالى القلب والفكر
من جميع هذه الشرور. أشكرك يارب يسوع المسيح. وكم من الأغنياء ذوى الأموال الجزيلة
فيهم مرضى وبرص وبعلل شديدة وعيونهم تالفة وبأصناف أوجاع كثيرة لا تنفعهم أموالهم
وليس لهم شفاء ويشتهون أن يكونوا مثلى بغيرهَّم. اشكرك ياربى يسوع المسيح. وكم فى
السجون الآن ينتظرون قطع أعضاءهم، وربما موتهم وقلوبهم مملوءة هموماً وأفكاراً.
وأنا يارب بعيد عن كل هذه أشكرك ياربى يسوع المسيح. وكم فى العالم من المساجين فى
هذه الساعة مثقلين بالحديد لا يستطيعون مَّد أرجلهم، وأنا يارب أمد رجلى هكذا ثم
مد رجليه وقبَّل الأرض شكراً لله ثم قال: اشكرك يارب يسوع المسيح كم من انسان قطعت
يداه أو رجلاه أما أنا فسالم اليدين والرجلين وسائر الأعضاء. اشكرك يارب وإلهى
يسوع المسيح على هذه النعمة العظيمة التى اعطيتنى. ثم قام ليصلى واذا بالمسكن قد
أضاء كله من نوره.

 فلما رأى القديس العظيم مقاريوس الاسكندرانى
ذلك تعجب من كثرة افراز هذا الانسان وانصرف وهو يسبح الله له كل المجد.

 
[17] أحد الآباء الشيوخ

شكا
أخ الى شيخ قائلاً: انى أضرب المطانية للأخ الغاضب معى. وهو غير نقى الفكر والضمير
معى؟. فقال له الشيخ: لست تقول الحق، لأنك وأنت تضرب المطانية، تؤديها له بدون أن
تتوب إليه من كل قلبك. فقال له الأخ نعم. بالصواب حكمت.

 قال
الشيخ: من أجل ذلك لا يقنعه الله أن ينقى ضميره معك، لأنك لم تضرب له المطانية
وأنت معترف بخطئك نحوه، بل لازال يعلق فى ضميرك أنه هو المخطئ.

 ضع فى ضميرك أنك انت
المخطئ، وزكى أخاك وبرئه من الخطيئة، وحينئذ يحقق الله ذلك فى فكره، ويعطفه عليك.

 
[18] الأنبا موسى الأسود

سأل
أخ الأنبا موسى قائلاً: اخبرنى يا أبى كيف أفتقد الأخ؟.

أجاب
قائلاً: افتقاد الأخ جيد، والكلام البطال ردئ، وهذا الأمر يأتى بك الى التجربة،
فافتقد اذن أخاك، وتحفظ من الكلام البطال وليكن حديثكما فى أخبار الآباء السالفين،
وفيما كانوا يعملونه، وتقول له: كيف أنت؟ وكيف حالك يا أخى ويا أبى؟، ولا تلتمس
منه سوى كلام الحياة فقط، وقل له: صلى علىَّ، فان خطايا كثيرة وما شاكل ذلك، واعمل
له مطانية وانصرف من عنده بسلام.

 

[19] الأنبا انطونيوس أب الرهبان

ادَّعوا
مرة على أخ فى دير بأنه زنى. فخرج من ديره وجاء الى أنبا انطونيوس. فجاء اخوة ديره
ليردوه وبدأوا يوبخونه بأنه فعل كذا وكذا أما هو فأجاب بأنه لم يفعل شيئاً من هذا،
واتفق أن أنبا بفنوتيوس كان هناك. فقال لهم مثلاً:

 رأيت
رجلاً على شاطئ النهر وقد رموه فى الطين الى ركبه فجاءه قوم ليساعدوه فغطسوه الى
كتفيه.. فلما أُخْبِرَ أنبا أنطونيوس بكلام بفنوتيوس قال: ان هذا الرجل قادر أن
يشفى ويخلص النفوس.

فلما
سمع الأخوة ندموا على الكلام الذى قالوه وصنعوا مطانية للأخ وحملوه الى ديره
بسلام.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى