اللاهوت العقيدي

الباب الثالث



الباب الثالث

الباب الثالث

عشاء الرب والتقليد الإنجيلي

الفصل الأول

عشاء الرب كان تقليداً ليتورجياً قائماً بذاته، تسلَّمه
الإنجيليون وسجَّلوه في الأناجيل والرسائل

حينما ندقق في كل ما
تمَّ في عشاء الرب ليلة الخميس، بحسب ما
جاء في
الأناجيل وبحسب ما هو قائم في القداسات الآن، نجد أن الأساس الذي بنى الرب عليه سر
الإفخارستيا في العشاء الأخير هو بحد ذاته تقليد أخذته الكنيسة بالتسليم، ووعته،
واستودعته طقوسها بكل دقة، وكان نواة لصلوات أُضيفت دون أن تؤثِّر بشيء على شكل
النواة الأُولى وقوتها وفاعليتها.

ولقد سرى تقليد » عشاء الرب «كما هو بيد
الرسل في جميع الكنائس كتقليد محدد منفصل انفصالاً تاماً عن كل طقس آخر سابق في
العبادة اليهودية، ولأن عشاء الرب جاء استعلاناً لكل الطقوس والعبادات
السابقة وجاء مزدحماً بالمعاني ومحققاً لكل الإشارات والرموز والمثالات والنبوات السابقة، لذلك أصبح من الممكن رؤية كل الطقوس
السابقة وكل العبادات والصلوات والإلهامات
فيه.

من السهل أن نجد قولاً
أو إشارة أو لفظاً قاله الرب في العشاء السري له صلة بل وصلات قوية بطقوس سابقة أو
صلوات، ولكن الأمر الذي يهمنا أن ندركه جميعاً، وندركه بثقة وتأكيد، أن عشاء الرب
يحوي كل ما هو جليل وكل ما هو حق وكل ما هو ملهم ومضيء في الطقوس والعبادات
السالفة، دون أن ينطوي تحت واحدة منها.

لقد
أخذت الكنيسة
» سر
عشاء الرب
«كتقليد
إلهي متكامل في ذاته منفصل عن كل تقليد
آخر.

وحينما سلَّم التلاميذ
هذا التقليد السري الذي هو على أعلى مستوى من الإلهيات، حاول كل واحد أن يسلِّمه
أو يسجِّله كما استلمه أو كما وعاه في قلبه وعينيه وذاكرته، فكان إذا استلمه رسول
آخر لم يكن قد اشترك فيه مع الرب ليلة العشاء الأخير مثل بولس الرسول، كان يستطيع
بكل ثقة وتأكيد أن يقول إنه استلمه من الرب!!!
» لأني
تسلَّمت من الرب ما سلَّمتكم أيضاً أن الرب يسوع في الليلة التي أُسلم فيها أخذ
خبزاً …
«(1كو 23: 11). إلى هذا
الحد بلغت الثقة وبلغ اليقين في تسلُّم وتسليم تقليد سر الإفخارستيا.

ويلزمنا هنا أن نقف عند
مفهوم
» تسلَّمت وسلَّمت «الذي يستخدمه القديس
بولس الرسول هنا بحذر فيما يختص بالأسرار، لأنه استخدمه مرة أخرى فيما يختص بموت ا
لرب وقيامته، أي فيما يختص بحقائق الإيمان العليا:
» وأُعرِّفكم
أيها الإخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه … فإنني سلَّمت
إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه
دُفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب وأنه ظهر … إلخ.
«(1كو 15: 15)

هنا يستخدم القديس بولس
الرسول أيضاً
» تسلَّمت وسلَّمت «بنفس الكلمتين
اليونانيتين
paradidÒnai, paralamb£nein، وهو الاصطلاح الرباني المخصص في العبادة
للتقليد السري الذي يكون على أعلى مستوى. فالكلمة
» تسلَّم «وهي
باليونانية
paralamb£nein،
والكلمة
» سلَّم «وهي باليونانية paradidÒnai، هما أصلاً بالعبرانية وفي الأدب الرباني qibbel min (قبل من) وmasar
le
ويستخدمهما القديس بولس
الرسول ليؤكِّد أن ما يقوله هو تقليد إلهي، وهو هو الصادر من مصدره الأصلي الذي هو
الرب نفسه دون أي انقطاع أو تقطُّع.

ولكن الذي نريد التأكيد
عليه هو أن بولس الرسول في نقله لهذا التقليد، لا ينقله بكلمات من عنده، وهذا بحسب
أصول تقليد التسليم والتسلُّم، حيث ينبغي أن يُنقل بألفاظه وحركاته. فبولس الرسول
ينقل التقليد الذي تسلَّمه من الرسل الذين تسلَّموه من الرب بنفس الألفاظ.

ويؤكِّد علماء اللغة
اليونانية أن القديس بولس في نقله لهذا التقليد، سواء الذي جاء بخصوص الإفخارستيا
(1كو 11: 2325) أو الذي جاء بخصوص موت الرب وقيامته وظهوره (1كو 15: 111)،
يستخدم كلمات جديدة لم تدخل قط في أسلوبه السابق. وعلى سبيل المثال نجد القديس
بولس في جميع رسائله يتكلَّم عن الخطية بوصفها المفرد لأنه يعتبرها قوة مشخَّصة
تستمد شخصيتها من الإنسان العتيق ومن الناموس، لذلك يشدِّد القديس بولس الرسول على
أن المسيح أبطل الخطية بسفك دمه على الصليب لأنه أبطل كلاًّ من الإنسان العتيق
والناموس كليهما، وهما القوتان اللتان تشخِّصان وتحييان الخطية، ففي تعاليم بولس
الرسول حتى في مفهوم الإفخارستيا أي الجسد والدم يتركز الغفران على أساس إبطال «الخطية» وليس
» الخطايا «كما ينقل الكلمة هنا عن التقليد المسلَّم له.

لذلك هنا في نقله لصورة
التقليد الإيماني حينما يقول:
» مات من أجل خطايانا «(1كو 3: 15) فهو لا يتكلَّم قط بلسان نفسه.

كذلك كلمة » حسب الكتب «ليست من
استخدامات القديس بولس في الكتابة، فهو هنا ينقلها حرفياً، كما استلمها شفاهاً.

وكذلك كلمة » اليوم
الثالث
«وكلمة » الاثني عشر «كتعبير عن
الرسل. ومثل مصطلح
» جسد المسيح «كتعبير عن
جسم المسيح اللحمي، لأن القديس بولس لا يستخدم
» جسد المسيح «إلاَّ في
مفهومه العام أي جسد الشركة.

بل ويؤكِّد أيضاً
العالم
» يواكيم إرميا «أن التقليد الذي ينقله
القديس بولس الرسول بكلماته هو من أصل عبري واضح وليس من أصل يوناني، توكيداً على
أن التقليد اللفظي الإصطلاحي منقول من نفس الألفاظ التي قالها المسيح وسمعها
التلاميذ ونقلوها كما هي وكما سَرَتْ في الكنيسة الأُولى في الوسط المسيحي العبري([1]).

ولكن ينبغي أن ننبِّه
ذهن القارىء إلى أن التسجيلات التي تمَّت في الأناجيل الأربعة وفي رسالة القديس
بولس الرسول الأُولى إلى أهل كورنثوس تم تسجيلها في زمن ما بعد تأسيس عشاء الرب
على مراحل مختلفة ومتباعدة جداً. فالقديس بولس الرسول وهو يُعتبر أول مَنْ سجَّل
التقليد الإفخارستي كتابةً في رسالته الأُولى لأهل كورنثوس، سجَّله بعد تأسيس
العشاء الرباني بحوالي عشر سنوات أو أقل قليلاً، كما تسلَّمه من الرسل الثلاثة
بطرس ويوحنا ويعقوب أعمدة كنيسة أورشليم في الزمن الأول([2]).

ويأتي بعد ذلك مرقس
الرسول الذي يُظن أنه استقى تقليد صلوات عشاء الرب من القديس بطرس الرسول كشاهد
عيان، وسجَّل ذلك بعد عشاء الرب بحوالي ثلاثين سنة أو أقل قليلاً([3]).

والمُلاحَظ أن تسجيل
التقليد كلما تباعد زمنه من وقت
» عشاء الرب «كلما بدأ
يدخل أكثر في الصيغة الكنسية المستخدمة آنئذ
في الكنيسة، وكلما بدأت الكلمات تأخذ تفسيراً وترتيباً ليتورجياً([4]).

إلى أن نأتي إلى زمن
كتابة إنجيل يوحنا، وهو تقريباً في نهاية القرن الأول أي بعد زمن
تأسيس عشاء الرب بأكثر من ستين سنة، فنجد أن القديس يوحنا الرسول لا يجد في وقته
سبباً لتسجيل كلمات العشاء الرباني،
بصفتها قد أصبحت من
تعاليم الممارسات السرية
Disciplina
arcani
المحظور إذاعتها إلاَّ
للمؤمنين الممارسين للأسرار فقط، ولأنها محفوظة من المسئولين عنها ومُستخدمة كل
يوم في الكنيسة، فاكتفى بتوضيح الحوادث الملابسة للعشاء فقط.

كذلك نجد بعض الكلمات
مذكورة في إنجيل وغير مذكورة في إنجيل آخر، مثل
» اصنعوا هذا
لذكري
« إذ نجدها في إنجيل
لوقا وفي رسالة بولس الرسول، ولكن لا نجدها في كل من إنجيل القديس مرقس وإنجيل
القديس متى. هذا في الواقع يعود إلى أنها كانت قد أصبحت حقيقة محفوظة في الكنيسة
التي كتب لها القديس مرقس الرسول أو القديس متى الرسول، فاكتفى كل منهما بسرد
التقليد الأساسي أي الكلمات الأساسية([5])
التي قام عليها القداس أو التقليد الكنسي المطوَّل أمَّا القديس بولس
الرسول وتلميذه القديس لوقا الإنجيلي فكل منهما كتب لكنائس كانت في طور التكوين
ولم يترسخ فيها بعد التقليد الإفخارستي جملةً، فارتأى كل منهما أن يوضِّح التقليد
بدقة كما تسلَّمه، وبتكراره كما هو حتى تستقي منه الكنيسة خدمتها.

كذلك
نجد في إنجيل متى الرسول باللغة السريانية، أنه قد أُضيف على تسجيل كلمات العشاء
الرباني المشتركة في باقي الأناجيل كلمة «لمغفرة الخطايا» (مت 28: 26). هذا
التسجيل هو من
واقع ليتورجية الإفخارستيا في الكنيسة بحسب التقليد
المسلَّم للكنيسة هناك قبل كتابة الإنجيل وترجمته.

وقد أصبحت هذه الإشارة
الإنجيلية أهم خصائص الإفخارستيا السريانية منذ البدء حتى اليوم([6]).
وقد أخذت الكنيسة القبطية بهذه العبارة عند تقديس كل من الخبز والخمر.

هكذا نرى أن التقليد
الإفخارستي الموجود في الكنيسة منذ البدء والمدوَّن في الأناجيل يعطي كلٌّ منهما
للآخر ويأخذ بحسب المصدر الواحد الذي أخذ منه هذا وذاك، أي
» عشاء الرب «كما رآه
وسمعه وشارك فيه التلاميذ والإنجيليون.

العنصر التقليدي
الليتورجي في النصوص الإفخارستية:

لقد أخذت الأسرار
وبالأخص
العماد والإفخارستيا مسارها داخل الكنيسة، وتأصلت في حياة المؤمنين، ورسخت
تعاليمها وممارساتها بدقة وحرفية ورهبة شديدة في جميع الكنائس قبل أن تكتب الرسائل
أو الأناجيل. لذلك أصبح خط التقليد الليتورجي السرائري داخل الكنيسة ذا اعتبار هام
وقت كتابة الرسائل والأناجيل، لأن الليتورجيا الأُولى تقليد أصيل ينقل صورة
الممارسات التي تمت وقت العشاء السري والكلمات التي قالها الرب بدقة وحرفية لفظية
وعملية بحسب التقليد المسلَّم.

لذلك فبالرغم من الوحدة
الأساسية في النصوص الإفخارستية المشتركة بين الأناجيل، نجد بعض التعديلات
والإضافات والاختلافات في الترجمة بين بعضها البعض. هذا يوضح مدى تأثير التقليد
الليتورجي القائم في الكنيسة وقتئذ على النص الإنجيلي.

فمثلاً نجد بولس الرسول
في سرده للنص الإفخارستي المسلَّم إليه يضيف نصاً لم يرد في الأناجيل الأخرى،
إلاَّ بصورة جزئية في إنجيل لوقا فقط([7]). ففي الرسالة
الأُولى إلى أهل كورنثوس يقول لهم:
» فإنكم كلما أكلتم هذا
الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء
«(1كو 26: 11). هنا الكلام موجَّه من بولس الرسول إلى أهل كورنثوس
وليس من الرب للتلاميذ، لأن ما سجله بولس الرسول عن لسان المسيح هو
» اصنعوا هذا
لذكري
« حيث يؤكد بولس
الرسول لأهل كورنثوس أنهم كلما أقاموا الإفخارستيا بحسب التقليد المسلَّم من الرب
» كلما أكلتم
هذا الخبز وشربتم هذه الكأس
«يكونون بهذا العمل في
موقف الذين يخبرون أو يبشرون باستمرار بموت الرب، كل مرة، وجيلاً بعد جيل، حتى
يأتي الرب
» تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء «(1كو 26: 11)، وذلك بحسب وصية الرب: » اصنعوا هذا
لذكري
«(لأن كلمة تخبرون kataggšllete هي في زمن المضارع
المستمر بالصيغة
indicative الإخبارية التي تفيد التبشير بحدث قائم أكثر مما تفيد معنى
الإخبار بالكلام عن حادثة مضت وانتهت)([8]).

غير أن هذا النص لم
يُضِفْهُ بولس الرسول من نفسه، ولكنه كان تقليداً قائماً وممارساً. ففي تتميم كل
إفخارستيا يتحتم أن يكون موت الرب واقعاً
في صميم
معنى الصعيدة ومركزاً للصلوات كلها (وهذه الصلاة نجدها واضحة في القداس الباسيلي
في الكنيسة القبطية حيث يقول الكاهن بعد التقديس على الخبز والكأس، وقبل حلول
الروح القدس مباشرة “ففيما نحن أيضاً نصنع ذكرى آلامه المقدَّسة وقيامته من
الأموات
وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمينك أيها الآب وظهوره الثاني الآتي من
السموات المخوف المملوء مجداً، نقدِّم لك قرابينك”).

وإذا رجعنا مرة أخرى
إلى كلمة
» تخبرون بموتي «في أصلها اليوناني نجد
أن مقابلها العبري هو
Higgid وهذا الفعل نفسه نجده هو المستخدم في الإخبار عن قصة
الخروج وقت عشاء الفصح عند الأكل من خروف الفصح
لترسيخ خبر الخلاص والانعتاق والحرية التي تمت للشعب آنئذ في ذهن
الأجيال([9])،
وهذا الطقس يسمى
Higgadi
أي الإخبار بحوادث الخروج من عبودية مصر (تث 6:
69).

وهكذا يتضح لنا من هذا
التقليد الذي سجَّله لنا بولس الرسول عن الأصل الليتورجي المستخدم عملياً في
الإفخارستيا في كورنثوس، أن الإخبار بموت الرب، (عملياً بتقديم الجسد والدم،
ولفظياً بذكر أخبار آلام الرب)، في كل مرة تقام فيها الإفخارستيا هو بشارة مستمرة
بخبر الخلاص الذي تمَّ لنا بذبيحة المسيح.

والذي نريد أن ننبه ذهن
القارىء إليه هو أن النص الإفخارستي الذي سجله لنا بولس الرسول في الرسالة
الأُولى إلى أهل كورنثوس
» فإنكم كلما أكلتم هذا
الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء
«هو في
الواقع نص ليتورجي أخذه بولس الرسول من صميم الممارسة العملية للإفخارستيا داخل
الكنيسة وسلَّمه كما هو لأهل كورنثوس.

ولكن عادت الكنيسة بعد
ذلك وأخذت هذا النص الإفخارستي المضاف وأدخلته برُمَّته كنص ليتورجي قائم بذاته
حيث يقول الكاهن بعد التقديس على كل من الخبز والخمر:

[لأن كل مرة تأكلون من
هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموتي وتعترفون بقيامتي وتذكرونني إلى أن
أجيء].

وهنا اعتبرت الكنيسة
هذا النص الذي أتى على لسان بولس الرسول أنه أصلاً أتى على لسان المسيح نفسه، وهذا
ليس خروجاً عن الواقع أو تجنباً للحقيقة، فالمسيح قال:
» اصنعوا هذا
لذكري
«وذكر المسيح يشمل حتماً موته وقيامته ومجيئه الثاني.

وهنا
نجد صورة واضحة لتأثير الليتورجيا المتوطنة في الكنيسة، قبل تدوين الأناجيل، على
النصوص الإفخارستية التي تسجلت في الأناجيل والرسائل.
والعكس أيضاً، أي مدى تأثير النص
الإفخارستي المدون في
الأناجيل على صياغة الليتورجيا بإضافات إنجيلية عليها باستمرار وعلى طول الزمن.

ونقدِّم هنا مقارنة
بسيطة بين التسجيلات لنصوص الإفخارستيا وبالأخص كلمات التقديس على الخبز والخمر
التي جاءت في الأناجيل والرسائل:

 

صلة
الليتورجيا بالنص الإفخارستي لكلمات التقديس على الخبز والخمر الواردة في الأناجيل:

الرسالة الأُولى لأهل كورنثوس

إنجيل لوقا

 

إنجيل مرقس

 

إنجيل متى

 

أن الرب يسوع

في الليلة التي

أُسلم فيها

أخذ خبزاً

وشكر

وكسر

 

وقال

و

 

 

أخذ خبزاً

وشكر

وكسر

وأعطاهم

قائلاً

وفيما هم يأكلون

 

 

أخذ خبزاً

وبارك

وكسر

وأعطاهم

وقال

وفيما هم يأكلون

 

 

أخذ يسوع الخبز

وبارك

وكسر

وأعطى التلاميذ

وقال

كذلك الكأس أيضاً

بعدما تعشُّوا

 

 

 

قائلاً

وكذلك أيضاً الكأس

بعد العشاء

 

 

 

قائلاً

ثم أخذ الكأس

 

وشكر

وأعطاهم

فشربوا منها كلهم

وقال لهم

وأخذ الكأس

 

وشكر

وأعطاهم

 

قائلاً

واضح من هذا العرض
للنصوص الإفخارستية كما وردت في الإنجيل ورسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس، أن
التقليد الأساسي والأول الذي أخذ عنه الإنجيليون الثلاثة وبولس الرسول، واحدٌ ونفس
الشيء، فالعبارات تكاد أن تكون واحدة، حتى وإن ظهرت فيها مفارقات طفيفة. فهذا بسبب
أن كل كاتب (ممن لم يعاينوا عشاء الرب) إنما كان يسجل التقليد المسلَّم إليه بحسب
الليتورجيا القائمة في الكنيسة التي يعيش فيها والتي اشترك هو بنفسه في الصلاة بها.

ولهذا نجد التقارب يظهر
بشدة بين النصوص الواردة عند القديس بولس الرسول والنصوص الواردة عند القديس لوقا
الإنجيلي، لأنهما كانا ملتزمين بليتورجية واحدة.

كذلك نجد التقارب يظهر
أشد بين الرسولين مرقس ومتى لأنهما أصلاً ملتزمان بليتورجية كنيسة أورشليم حيث
عُقد عشاء الرب.

ولكن الذي نريد أن نوجه
نظر القارىء إليه هو أن كل هذه النصوص المسجَّلة في الأناجيل والرسالة إلى كورنثوس
هي في الواقع نصوص ليتورجية، أي منطوق العبارات التي تُتلى في التقديس على
الخبز والخمر.
وهذا واضح جداً من مطلع التسجيل الذي يقدِّمه بولس الرسول:

«إن
الرب يسوع»
في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً وشكر وكسر، هذا نص ليتورجي
يُقال في خدمة التقديس. فاستخدام كلمة «الرب يسوع» لم ترد قط داخل حديث
إخباري في الأناجيل، وهي هنا تأخذ شكل «اعتراف» إيماني كما جاءت قبل ذلك
» لأنك إن
اعترفت بفمك “بالرب” يسوع وآمنت بقلبك …
«(رو 9: 10)

– كذلك قوله » في الليلة
التي أُسلم فيها
« يشير أيضاً إلى
روح الليتورجيا، فالقول لا يتعلق بتحديد زمن إخباري، وإنما يربط العمل بذكرى رهيبة،
ليعطي الخدمة هيبتها ووقارها، خصوصاً أن كلمة
» أسلم فيها «تشير في
صيغتها
المبني للمجهول إلى إرادة الله الآب الذي أسلمه،
فتربط الذهن المتأمل بكلام إشعياء النبي
» كشاة تساق
إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه … أمَّا الرب فسُرَّ بأن يسحقه
بالحزن.
«(إش 53: 7و10)

كذلك فإن
إيراد الأفعال الثلاثة متتالية: “أخذ” و“شكر” و“كسر”، يكشف عن الالتزام بالشكل
الليتورجي، لأن في الأصل الإخباري هناك وقفة زمنية طويلة يتخللها عمل بين
» شكر «و» كسر « لأن كلمة » شكر «تفيد تلاوة
صلاة خاصة للشكر على الخبز.

كذلك فإن
انفراد القديس بولس الرسول أولاً ومن بعده القديس لوقا الإنجيلي في تسجيل كلمة «شكر»
بدل كلمة «بارك» على الخبز، هو في الواقع محاولة لتسجيل أول اتجاه ليتورجي
جاء للخروج من تحت نير الطقس اليهودي، لأن الكلمة العبرية الأصلية هي “
Berak” وتترجم إلى اليونانية إلى » بارك «eÙloge‹n، فتحويلها إلى مفهوم الشكر eÙcariste‹n (وهي فعلاً تحتمل هذا المفهوم) هو عمل مبكر جداً من أعمال
الليتورجيا في الكنيسة المسيحية عند الأمم.

والقديس بولس الرسول
هنا إنما ينقل لنا أول صورة لليتورجيا في الكنيسة المسيحية وهي تحوُّل مفهوم
ومضمون
» عشاء الرب «من طقس «بركة» إلى طقس «شكر»، وبالتعبير
اليوناني من
«الأولوجيا» إلى «الإفخارستيا».

وقد أخذ القديس لوقا
عنه ذلك (22: 7و19) حيث بدأت تسمية عشاء الرب، بعد ذلك بقليل، تصير
» الإفخارستيا «أي طقس
الشكر. لأننا نجد بعد ذلك القديس مرقس يستخدم كلمة
» شكر «بدل » بارك «(16: 8)، وكذلك القديس متى (36: 15)، ووردت أيضاً في سفر الأعمال
(35: 27)، وقد استخدمها أيضاً القديس يوحنا الرسول (6: 11و23). وقد بدأ استخدامها
رسمياً داخل الكنيسة في الدسقولية (1: 9؛ 1: 10).

وهنا يجدر بنا أن نشير
إلى التغيير الهام الذي حدث في استخدام الفعل
» بارك «Barek بالأرامية
و“
Berak” بالعبرية. فالأصل في هذا الفعل حينما يُقال على الشيء لا يقبل
مفعولاً به إطلاقاً، لأنه فعل مضمر حيث المفعول به هو الله وأصله
» وبارك
الإنسان الله على الشيء
«
فأصبح هذا الشيء مُبارَكاً، أي أخذ بركة إلهية فوق صفاته المادية.

وهذا وارد في إنجيل
مرقس
» ورفع نظره نحو السماء وبارك (أي بارك
الله الآب) ثم كسر الأرغفة وأعطى تلاميذه ليقدموا إليهم

«(مر 41: 6)، » وكان معهم قليل من صغار
السمك فبارك (أي بارك الله الآب) وقال أن يقدِّموا

«(مر 7: 8)، حيث اسم الله لا يُذكر عادة.

ولكن لمَّا امتدت
البشارة خارج فلسطين أصبح عسيراً على الفكر اليوناني والأممي بوجه عام أن يستسيغ
أن يبارك الإنسان الله على شيء دون ذكر الله كمفعول به ظاهراً ومباشراً، فابتُدئ
يستخدم فعل
Berak العبري بدون الله كمفعول به، وحلَّ بدل الله كمفعول به
الشيء ذاته، لذلك نسمع القديس لوقا يقول في إنجيله:
» فأخذ
الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وباركهنَّ ثم كسَّر وأعطى
التلاميذ ليقدِّموا للجمع
«(لو 16: 9). وهذا يُعتبر خروجاً على المنطق اللغوي للغة العبرية
وعلى الفكر العبري بوجه عام فيم يختص بالأمور العادية، لأنه إذا وقع الفعل “بارك”
Berak على مفعول به غير الله، صار هذا المفعول به (أي هذا الشيء)
مقدَّساً([10])
وهذا يحتاج إلى إجراءات طقسية وكهنوتية ومسح بالدم. لذلك فترجمة الفعل
Berak أي » بارك «(افلوجين) بالفعل » شكر «(افخارستين) تعتبر محاولة للخروج من القيود اليهودية الطقسية
الملزمة للكلمة
» بارك « مع الاحتفاظ بكثير من المعاني([11]).

وأيضاً في
استخدام القديس بولس الرسول لكلمة «وكذلك الكأس أيضاً»، هي في الواقع تكشف
عن وضع ليتورجي كمحاولة لعمل مطابقة أو مقابلة متساوية (كذلك أيضاً) بين التقديس
على الخبز والتقديس على الخمر، خصوصاً وأن القديس لوقا استخدمها كما هي

في
تسجيله للنص الإفخارستي في إنجيله.

أمَّا النص الإفخارستي
الذي أورده كل من القديس مرقس والقديس متى، فنجد أنه يبتدىء بجملة إضافية اختيرت
لتكون مناسبة للمعنى
» وفيما هم يأكلون … أخذ خبزاً « ولكن بنظرة واحدة إلى بدايات النصوص الأخرى الواردة في بقية
الأناجيل، وهي واحدة في الجميع، يظهر بوضوح أن القديس مرقس الرسول نقل هذه الكلمات
عن النص الليتورجي الذي تسلَّمه، وعنه أيضاً أخذ القديس متى الرسول نفس النص
الإفخارستي الذي هو من واقع الليتورجيا التي تسلمها وكان يمارسها.

وهكذا فإن الكلمات
الأُولى التي أضافها كل من القديس مرقس والقديس متى كشفت لنا مرة واحدة عن أن النص
الإفخارستي
بأجمعه الوارد في
الإنجيلين هو هو بعينه النص الليتورجي التقليدي المستخدم في الكنيسة وقت تدوين
الأناجيل.

وبذلك يتضح لنا بحسب
الجدول السابق لكلمات التقديس التي أوردها الإنجيليون الثلاثة وبولس الرسول في
رسالته إلى كورنثوس، أنها هي منطوق كلمات الليتورجيا التي كانت تُقدِّس بها
الكنائس وقتئذ. وهذا من شأنه أن يزيد من أصالة ويقين كل من الليتورجيا، أي خدمة
الإفخارستيا في الكنيسة، منذ البدء، كما يلقي ضوءاً كبيراً على وحدة الأصل والمنبع
للإفخارستيا كما سجلها الإنجيليون والقديس بولس الرسول.

 

انفصال الأغابي (وليمة
المحبة) عن طقس عشاء الرب

وتأثير ذلك على النص الإفخارستي
كما جاء في الأناجيل

معروف أن » عشاء الرب «كان أصلاً
وليمة عشاء أقامها الرب مع تلاميذه بسبب المحبة الروحية، مثل ولائم كثيرة سابقة
أكل فيها مع تلاميذه. ولكن من خلال طقس هذا العشاء التقليدي، أسس الرب سر
الإفخارستيا بتقديس الخبز قبل العشاء وتقديس الكأس «بعد العشاء».

ولكن تسلَّم التلاميذ «سر
الإفخارستيا»
كجزء من وليمة المحبة أو من مائدة يشترك فيها الأحباء المؤمنون
بالرب.

ولكن
كما نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس أن هذا الوضع، أي أن تكون هذه
الأسرار الإلهية ضمن وليمة عشاء، أصبح يحمل معه خطورة الاستهانة بالأسرار
المقدَّسة بشكل فاضح:
» فحين تجتمعون معاً ليس هو (على مستوى) لأكل “عشاء الرب”، لأن كل واحد
يسبق فيأخذ “عشاء نفسه” في الأكل، فالواحد يجوع والآخر يسكر، أفليس لكم
بيوت لتأكلوا فيها وتشربوا، أم تستهينون بكنيسة الله؟ … إذاً، يا إخوتي، حين تجتمعون
للأكل انتظروا بعضكم بعضاً، إن كان أحد يجوع فليأكل في البيت لكي لا تجتمعوا
للدينونة.
«(1كو 11: 2022و33و34)

وبذلك نجد أن بواكير
حركة انفصال الإفخارستيا عن وليمة الأكل (المحبة) العامة قد بدأت مبكرة جداً، وذلك
بسبب عادات الشعوب (الأمم) التي لا تنسجم مع تقديس الله على الطعام، وكذلك بسبب
دخول غير المؤمنين في ولائم المحبة بصفتهم أصدقاء أو ذوي ولاية ورئاسة، مما جعل
تتميم الإفخارستيا أمراً عسيراً.

وما أن أتت نهاية القرن
الأول سنة 100م، حتى كانت الإفخارستيا في معظم الكنائس في العالم قد أخذت طابعها
الإنفصالي السرائري المنفرد عن وليمة المحبة (الأغابي)، إلاَّ في مصر، فقد ظلت
وليمة الأغابي متصلة بالإفخارستيا بصورة شديدة حتى القرن الخامس في كل بقاع مصر من
الإسكندرية إلى طيبة (الأقصر)، حيث كان المؤمنون يجتمعون وهم صائمون يوم السبت
مساءً([12])
من كل أسبوع، سواء صيفاً أو شتاءً، وعلى مدار السنة في وليمة محبة بحضور أسقف
الناحية أو الكاهن، وبعد الوليمة يتقربون إلى الأسرار المقدَّسة في وقار وهيبة
عظيمين([13]).

وكانت هذه هي الحال
أيضاً في الأديرة في أيام القديس مقاريوس الكبير كما يصفها مار إسحق في كتبه: (الكتاب
الأول، الفصل الأول، الميمر الأول).

ويعتبر المؤرخون
القدامى ومشاهير القديسين أن هذا الوضع كان وضعاً فريداً مميزاً جداً لمقدار
تأصُّل التقليد الإفخارستي في مصر وأثره على الحياة العامة والإيمانية([14]).

ولكن مصر تقف في هذا
المجال الإفخارستي وقفة فريدة، لأن الأغابي كما قلنا بدأت تتقلَّص في كل الكنائس
الأخرى وتفقد صلتها بالإفخارستيا حتى قبل نهاية القرن الأول، فالقديس يهوذا الرسول
يذكرها بمفردها في رسالته (عدد 12).

ولكن كما نعلم، فإن
الإفخارستيا (تقديس الخبز والخمر) ليست جزءاً من وليمة الأغابي، بحيث يمكن فصله
عنها بدون التأثير على ترتيب الصلاة والتقديس. فالوليمة تبتدىء بالتقديس على خبز
الإفخارستيا وتنتهي بالتقديس على كأس الإفخارستيا. أي أن الإفخارستيا في الأصل
كانت نهاية تغطِّي كل الوليمة. فالمسافة الزمنية بين تقديس الخبز وتقديس الكأس لا
تقل في المتوسط عن ساعة تنقضي في العشاء من المأكولات (الأغابي).

هذا ما نلحظه بسهولة في
تسجيل بولس الرسول للتقليد الإفخارستي الذي تسلَّمه من الرب، أي من الرسل، وسلَّمه
إلى أهل كورنثوس حوالي سنة 50م، ويتضح منه أن هذا التسليم هو من واقع ليتورجي (أي
خدمة كنسية عملية)، قائم على أساس إفخارستيا من داخل وليمة أغابي:
» كذلك الكأس
أيضاً بعدما تعشوا قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي
«(1كو 25: 11). ومعروف أن هذا كان طقس كنيسة كورنثوس في البداية.

كذلك في تسجيل القديس
لوقا
في إنجيله، فإنه يسجِّل تقليداً إفخارستياً قائماً على أساس ليتورجيا
فيها الإفخارستيا والأغابي معاً:
» وكذلك الكأس أيضاً بعد
العشاء…
«(لو 20: 22). وهذا
التقليد يمثل فترة زمنية ما قبل سنة 70م تقريباً.

ولكن في كل من إنجيل القديس
مرقس والقديس متى،
نجد التسجيل الإفخارستي فيهما يمثل لنا ليتورجيا قائمة على
إفخارستيا منفصلة نهائياً عن وليمة الأغابي، حيث يذكر تقديس الكأس بعد تقديس الخبز
مباشرةً:
» أخذ يسوع خبزاً وبارك وكسَّر وأعطاهم … ثم أخذ الكأس وشكر
وأعطاهم …
«(مت 26: 26و27).
وإنجيل مرقس يمثل لنا فترة زمنية ما قبل سنة 70م، وإنجيل متى كُتب بعد إنجيل مرقس.

ولقد أخذ انفصال
الأغابي عن الإفخارستيا صورتين، ففي بعض المناطق كانت وليمة الأغابي تُقام أولاً،
ثم بعد انفضاض المدعوين الذين كان يوجد عادةً بينهم أصدقاء غير مؤمنين، كان
المؤمنون الأخصَّاء المدعوون للشركة يجلسون ويقيمون الإفخارستيا وحدهم سرًّا
كما كان في أثيوبيا مثلاً([15])
وكما نقرأه في “الدسقولية” وفي “هيبوليتس” في “التقليد الرسولي
Apos. Tr.”، وكما نقرأه مبكراً جداً في سفر الأعمال: » وكانوا
يواظبون على تعليم الرسل (فصول للقراءة) والشركة (كينونيا = وهي طقس
الاشتراك معاً في مائدة الرب) وكسر الخبز (اصطلاح سر الإفخارستيا) والصلوات.
«(أع 42: 2)

كذلك فإن نفس الإشارة
الواردة في رسالة القديس بولس الرسول الأُولى إلى أهل كورنثوس بخصوص عدم اللياقة
التي ظهرت في ممارسة
» عشاء الرب «بوجه عام هي
أصلاً بسبب أن مائدة الأغابي كانت قد انفصلت عن الإفخارستيا وصار تقديمها في الأول
فرصة للأكل الكثير والشرب الكثير. لذلك اقترح بولس الرسول أن يأكلوا ويملأوا
بطونهم في بيوتهم قبل أن يجتمعوا للأغابي والإفخارستيا، حتى يكون
» عشاء الرب «له وقاره
الإلهي.

ويُلاحَظ في قول الرسول:
» لأن كل واحد يسبق فيأخذ عشاء نفسه في الأكل، فالواحد يجوع
والآخر يسكر
«هو في الواقع يشير إلى أن الأغابي التي كانت تُقام قبل
الإفخارستيا، قد وصلت إلى درجة الإنحلال (1كو 21: 11).

 

تقليد الكنيسة بخصوص
الصوم من يوم خميس العهد

إلى وقت إقامة
الإفخارستيا ليلة عيد الفصح

وعلاقة ذلك بالنص
الإفخارستي

 

منذ أيام الرسل وهذا
التقليد الكنسي قائم، إذ يأمر كتاب “تعاليم الرسل” أن يُصام الأسبوع المخصص لتذكار
آلام الرب بالخبز والماء القراح، وأمَّا من بعد إفخارستيا خميس العهد (ميعاد عشاء
الرب) وحتى إفخارستيا العيد فلا يُذاق شيء البتة.

في الواقع إن هذا
التقليد الرسولي الكنسي المبارك هو
» استجابة محبة «للوعد أو
العهد الذي أقامه الرب على نفسه وقت العشاء الأخير أنه لن يأكل ولن يشرب من
نتاج الكرمة حتى يأكله ويشربه جديداً في ملكوت الآب
(راجع مت 29: 26)!!

لقد احتفظت الكنيسة
بهذا التقليد الإفخارستي أولاً من جهة الامتناع نهائياً عن الأكل والشرب بالنسبة
لكافة الشعب، ثم إيقاف طقس إقامة الإفخارستيا جملةً من بعد إفخارستيا الخميس، وذلك
استجابةً وتوافقاً مع الرب في صومه أو امتناعه باعتبار أن عودة الكنيسة
للإفخارستيا في منتصف ليلة الفصح هو في الواقع شركة جديدة مع الرب في ملكوته.

أي أن إفخارستيا ليلة
الفصح هي تحقيق لوعد الرب أن يأكله ويشربه معنا جديداً في ملكوت الله،
باعتبار أن القيامة حققت بدء الملكوت الموعود الذي يكمُل بمجيئه الثاني.

لذلك كانت الكنيسة
الأُولى تسهر صائمة حتى منتصف ليلة الفصح في رجاء وانتظار مجيء العريس الذي تؤمن الكنيسة، بحسب تقليد قديم، أنه
سيأتي في منتصف الليل في ليلة من ليالي الفصح.

ولقد كان التقليد
الكنسي الليتورجي المتأصِّل في الكنيسة منذ إقامة أول فصح بعد قيامة المسيح هو
السبب في تنبيه بعض الإنجيليين لتسجيله، فقد كتب القديس لوقا البشير بدقة في
إنجيله:

+ » وقال لهم
شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأني أقول لكم إني لا آكل
منه بعد حتى يُكمَل في ملكوت الله،
ثم تناول
كأساً وشكر
وقال خذوا هذه واقتسموها بينكم، لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى
يأتي ملكوت الله.
«(لو
22: 1518)

ونحن نعلم أن القديس
لوقا كتب إنجيله سنة 70م، أي أن الكنيسة كانت قد عيَّدت للفصح المسيحي أكثر من
ثلاثين مرة. وهكذا كان التقليد الليتورجي الكنسي وقتئذ سبباً في تسجيل هذا النص
الإفخارستي والاحتفاظ به، لأن القديس لوقا كان دقيقاً للغاية في تسجيل كل ما
احتفظت به الكنيسة عن المسيح حسب قوله:
» إذ كان
كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين
كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكمة،
رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبَّعت كل شيء
من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي…
«(لو 1: 13)

يلاحَظ هنا بكل اهتمام
أن الصوم دخل في طقس الإفخارستيا مقابل الأغابي على وجه ما!!
وفي
الحقيقة يُعتبر صوم الكنيسة من عشاء الخميس حتى منتصف ليلة (الأحد) الفصح، صوماً
ذا قيمة واعتبار شديدين لأنه أعطى ويعطي دائماً للإفخارستيا صورتها الملكوتية.
فعشاء الخميس أقامه الرب وهو في صورة عبد موضوعاً في هيئة إنسان يغسل أرجل الناس،
وختمه في جثسيماني بالعرق والدموع، وحقَّقه على الصليب بالآلام وعار الموت. ولكن
بعد القيامة يحضره الرب معنا، بل يقيمه، بل يقدِّسه ويرفعه معنا للآب الآن وهو
قائم عن يمين الآب في مجده كابن الله الوحيد وقد دُفع له كل سلطان مما في السماء
وعلى الأرض.

وينبغي أن نسجِّل هنا
فكر الكنيسة الأُولى من جهة عدم تعييدها الفصح المسيحي مع الفصح اليهودي، بل جعلته
دائماً في الأحد الأول بعد الفصح اليهودي، لا كرهاً في اليهود كما تقول الأجيال
المتأخرة في العصور المظلمة، ولكن محاولة من الكنيسة الأُولى أن تكون صائمة وقت
تعييد اليهود لينظر الرب إلى بقية خاصته المشتتة التي رفضته عن جهل وعدم معرفة
ويردَّها عن التعييد الخاطيء لفصح بائد!!
وهذا هو دليلي على ذلك، قول القديس
إبيفانيوس:

[وبينما هم يعيِّدون،
عليكم أنتم أن تنوحوا صائمين من أجلهم.]([16])

نعم، ينبغي أيضاً أن
تصوم الكنيسة مع المسيح، وبالمسيح إلى الآب، من الخميس إلى الأحد دائماً
وكل عام من أجل الذين أتى من أجلهم ورفضوه.

 

محاولة الحفاظ على
التعاليم السرية للإفخارستيا

وتأثير ذلك على تسجيل
نصوص الإفخارستيا

في الأناجيل والرسائل

 

لقد عانت الكنيسة أشد
المعاناة وتعذَّبت أشد التعاذيب بسبب إشاعة الأخبار الكاذبة عن الإفخارستيا في الدوائر
الحكومية وبين رعاع الوثنيين، سواء من جهة مواد أسرارها أو كيفية ممارستها أو ماذا
يحدث في الاجتماعات أثناءها.

فقد ذاعت الإشاعات أنهم
في اجتماعاتهم السريَّة يذبحون الأطفال ويشربون الدم ويُفسدون الأخلاق ويدبِّرون
المؤامرات ويقاومون السلطات، وكل هذا كان يسبِّب القلق الشديد للحكَّام ويثير حب
استطلاع الرعاع لاقتحام الاجتماعات.

والخطاب
الرسمي المشهور المسمَّى
» خطاب بليني «إلى
الإمبراطور تراجان سنة 112م، يشير إلى هذا:

[إنه بعد امتحانه
للمسيحيين قد اتضح له أنه لا خطر ولا ضرر من الطعام الذي يشترك فيه هؤلاء المسيحيون
في اجتماعاتهم.]([17])

وكذلك القديس بطرس
الرسول يشير إلى هذه الظروف بقوله:

+ » وأن تكون
سيرتكم بين الأمم حسنة لكي يكونوا فيما يفترون عليكم كفاعلي شر، يمجِّدون
الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها.
«(1بط 12: 2)

+ » أيها
الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم
أمر غريب … إن عُيِّرتم باسم المسيح فطوبى لكم.
«(1بط 4: 12و14)

والواقع أن هذا كان
بسبب السرية المطلقة التي كانت تمارسها الكنيسة في ممارستها للأسرار سواء
المعمودية أو الإفخارستيا، فلا يُسمح لأقرب المقرَّبين أن يعرفوا شيئاً عنها، وحتى
المتقدمون للإيمان كان يُخفى عنهم كل التعاليم، حتى الصلاة
» أبانا الذي
في السموات
« والإيمان بالثالوث،
وقانون الإيمان، وما يجري في العماد، أو ما هو سر الإفخارستيا وما يجري فيه، كل
ذلك كان محظوراً أن يعرفه المتقدِّم للإيمان وإلى يوم عماده!!

كذلك فإن الأسلوب
والألفاظ التي كانت تستخدمها الكنيسة في الإشارة أو التعبير عن الأسرار كانت كلها
رموزاً واصطلاحات وإشارات سرية، وهذه كانت تحيِّر غير المؤمنين وتجعلهم يظنون
الظنون ويفهمون أموراً خاطئة مهولة ومشوَّشة عن الأسرار المسيحية وما يجري فيها.

وقد كانت الكنيسة مضطرة
إلى اتخاذ هذا الأسلوب خوفاً من الوثنيين، وفي نفس الوقت كانت تعاني بسببه.
فالتقليد الكنسي كله تسليم وتسلُّم شفاهي ويقوم على سريِّة مطلقة، لأن المعرفة
بالأسرار كانت تُعتبر أيضاً سر الله، والمسيح أشار إلى هذا النوع من المعرفة التي
كانت رأسمال الكتبة والفريسيين:
» أخذتم مفاتيح المعرفة،
ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم
«(لو 52: 11). هنا كلمة “مفتاح المعرفة” تشير إلى الخزانة المغلقة!

وقد ظلت هذه التعاليم
السرية
Disciplina Arcani منهجاً رسمياً في الكنيسة([18]) حتى القرن الثاني،
فكان محظوراً على أي كاتب أن يسجِّل التعاليم السرية على ورقة أو في رسالة أو في
كتاب، وكان محظوراً على أي مسئول أن يسلِّم التقليد لأكثر من واحد.

ولكن هذا كله ليس
بالأمر المستغرب، فالسيد المسيح له المجد اتَّخذ هذا الأسلوب:
» فقال لهم: قد
أُعطي لكم أن تعرفوا سرَّ ملكوت الله، وأمَّا الذين هم من خارج فبالأمثال
يكون لهم كل شيء.
«(مر
11: 4)

وكانت هناك أمور يهتم
الرب جداً أن تُحفظ في طي الكتمان أو في مفهومها السري مثل الآتي:

1 أنه
هو المسيا:

+ » وأنتم مَنْ
تقولون إني أنا؟ فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح (المسيا)، فانتهرهم كي لا
يقولوا لأحد عنه.
«(مر
8: 29و30)

2 أخبار
آلامه وموته:

+ » ولم يُرِد
أن يَعلم أحدٌ، لأنه كان يعلِّم تلاميذه (سراً) ويقول لهم إن ابن الإنسان (التعبير
السري عن المسيا) يُسلَّم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم
الثالث. وأمَّا هم فلم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه.
«(مر 9: 3032)

3 نبوات
آخر الأيام:

+ » سأله بطرس
ويعقوب ويوحنا وأندراوس على انفراد: قُل لنا متى يكون هذا وما هي العلامة عندما يتم جميع هذا؟ … فانظروا أنتم ها أنا قد
سبقت وأخبرتكم بكل شيء.
«(مر 13: 3و23)

وكان السيد المسيح
دائماً يشير إلى التعاليم الخاصة أو السرية بقوله:

+ » مَنْ له
أذنان للسمع فليسمع
«(مت
15: 11؛ 9: 13)،

+ » الذي
تسمعونه في الأذن (أي في السر) نادوا به على السطوح
«(مت 27: 10)،

+ » ليس مكتومٌ
لن يُستعلن
«(مت 26: 10)،

+ » لا تعطوا
القدس للكلاب ولا تطرحوا دُرركم قدَّام الخنازير
«(مت 6: 7)،

+ » ليس حسناً
أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب
«(مت 26: 15)،

+ » ليفهم
القارىء.
«(مر 14: 13)

كذلك كان الرب يُخفي
حقائق إرساليته وعودته إلى الآب في قالب القصة والمثل الذي يحتاج إلى ذكاء وإعمال
الفكر.

والقديس بولس الرسول
يحفظ نفس الطريقة، فهو يعتبر نفسه والرسل
» خدام المسيح
ووكلاء سرائر الله
«(1كو 1: 4). وهو وإن كان يتكلَّم ويكتب للجميع ولكن لا يزال عنده
من أقوال الحكمة التي لا ينبغي أن يتكلَّم بها للجميع بل للأخصَّاء جداً:
» لكننا
نتكلَّم بحكمةٍ بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من (أقوال) عظماء
هذا الدهر الذين يُبطَلون، بل نتكلَّم بحكمة الله في سر، الحكمة المكتومة
التي سبق الله فعيَّنها قبل الدهور لمجدنا، التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر.
«(1كو 2: 68)

وهو
إنما يعطي أهل كورنثوس (وهم أهل حكمة أفلاطون وأرسطو) مجرد لبن كغذاء يتناسب مع
ضعف قدرتهم الطفولية وحكمتهم الجسدية!! أمَّا الغذاء الكامل فأبقاه وأخفاه
للكاملين بالروح! الذين يمكن أن يبلغوا إلى معرفة
» أعماق الله «! (1كو 1: 3؛ 10: 2)، هؤلاء يمكن أن تُكشف لهم
الأسرار المخفية والمكتومة، فإن كان هذا بالنسبة لمسيحيي كورنثوس الذين لهم في
المسيح عدة سنوات، فكم ينبغي أن يكون الكلام للمبتدئين والذين لم يُعمَّدوا والذين
ليسوا بمسيحيين؟

كذلك يرى القديس بولس
الرسول أن كل ما يختص بدقائق الأسرار وممارستها لا ينبغي أن يكتبها في رسالة بل
ينبغي أن يُبقي عليها مكتومة حتى يسلِّمها شفاهاً:
» وأمَّا
الأمور الباقية فعندما أجيء أُرتبها
«(1كو 34: 11)، وهذا بالنسبة لترتيب إقامة الإفخارستيا.

كذلك كل ما يختص بكشف
أسرار المسيح ورموزه في العهد القديم، وخصوصاً فيما يختص بتجسده واتضاعه وارتفاعه:
» الذي من جهته الكلام كثير عندنا وعسر التفسير لننطق به
(محفوظ للتسليم الشفاهي) إذ قد صرتم متباطئي المسامع، لأنكم إذ كان ينبغي أن
تكونوا معلمين لسبب طول الزمان تحتاجون أن يعلِّمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال
الله، وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعامٍ قوي.
«(عب 5: 11و12)

لذلك نجد القديس بولس
الرسول في موضع آخر يجمع كل هذه الحقائق في جملة واحدة مقتضبة غاية الاقتضاب، عن
قصد واضح وإحجام متعمَّد عن الشرح أو التفسير:
» وبالإجماع عظيم هو
سرُّ التقوى الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم،
أُومِنَ به في العالم، رُفع في المجد.
«(1تي 16: 3)

وفي موضع آخر يقول
صراحة إنه:
» سمع كلمات لا يُنطَق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلَّم بها. «(2كو 4: 12)

كذلك يَعتبر القديس
بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين أن بعض التعاليم التي تُقدَّم للمؤمنين في
البداية، ينبغي أن تُقدَّم بمفردها، وعلى أكثر تحقيق تُقدَّم شفاهاً، ولذلك رفض
تسجيل شيء عنها في رسالته. وقد قسَّمها بولس الرسول إلى ثلاثة أقسام:

(أ) التوبة من الأعمال
الميتة،

(ب) الإيمان
بالله،

(ج) تعليم المعمودية
ووضع الأيادي (يساوي الآن مسحة الميرون)، والقيامة من الأموات والدينونة الآتية
(الحديث عن القيامة، وأغلبه على الشيطان، كان من الأمور التي يتحفَّظ فيها
الإنجيليون جداً ولم يقدِّموا دقائق أسرارها).

ويلاحَظ هنا عدم ذكر
الإفخارستيا باعتبارها تعليماً خاصاً لا يُقدَّم للمبتدئين.

بهذا الفكر وعلى أساس
ما قدمناه من اتجاه الإنجيليين والرسل في رسائلهم، من جهة إخفاء هذه الحقائق أو
محاولة صياغتها في ألفاظ مقتضبة جداً ومبهمة أحياناً بصورة شديدة، يتضح لنا لماذا
ارتأى القديس يوحنا الرسول أن لا يكتب شيئاً عن العشاء السري بخصوص ممارسة السرّ
نفسه، واكتفى بشرح كل التعاليم الخاصة به في الأصحاحات الأُولى من إنجيله!! وشرح
القديس يوحنا الرسول هذا لسر الإفخارستيا يعتبره كثير من العلماء الآن، بديلاً
مقصوداً عن الحديث السري ليلة الخميس على العشاء السري.

كذلك فالإقتضاب الشديد
جداً في سرد أخبار عشاء الرب والإكتفاء بوضعه في الصيغة الليتورجية وفي أضيق
ألفاظها، هو عمل مقصود من الإنجيليين! لأن مسألة «أكل» الجسد و«شرب» الدم،
وكلمة
» الذبيحة «و» المذبح «كانت وقت
كتابة الأناجيل نقطة حساسة وخطرة للغاية بالنسبة لليهود والأمميين على السواء، ولا
ننسى أن بعض التلاميذ القدامى تركوا المسيح ولم يعودوا يسيرون معه بسبب هذا الأكل
وهذا الشرب من ا لجسد والدم:
» فقال كثيرون من تلاميذه
إذ سمعوا: إن هذا الكلام صعب مَنْ يقدر أن يسمعه.
«(يو 60: 6)

من أجل هذا نجد في
تسجيل كلٍّ من القديس بولس الرسول والقديس لوقا الإنجيلي محاولة لعدم إبراز شرب
الدم بصورة واضحة، فجاء الشرب من الدم عند بولس الرسول بصورة مُضمَرة غير مباشرة:
» هذه الكأس
هي العهد الجديد بدمي، اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري
«(1كو 25: 11)، أمَّا القديس لوقا الرسول فجعل الأكل من الجسد
والشرب من الدم عملاً يُفهم بدون أن يُذكر:
» هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم اصنعوا هذا لذكري «كذلك الكأس أيضاً بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي
يُسفَك عنكم
«(لو 22: 19و20). الاختصار هنا مقصود وواضح، وتضمين
الكلمات للمعاني العملية واضح أيضاً، ولكن في صورة مخفية لا يمكن أن
يدركها غير
المؤمن!!

كذلك نجد في سفر
الأعمال وهو من تسجيلات القديس لوقا الإنجيلي أنه يجعل
للإفخارستيا اصطلاحاً بسيطاً ولكنه يكشف عن طبيعة الإفخارستيا وهو
» كسر الخبز « لأن الإفخارستيا تبدأ بكسر الخبز. وهذا الاصطلاح لا يُفيد معنى
ولائم المحبة، لأنه يُذكر دائماً بالإضافة إليها، والقصد من هذا الاختصار هو عدم
ذكر شرب دم المسيح.

وفي كتاب “الديداخي” أي
“تعاليم الرسل” الذي اكتُشف حديثاً، وهو من مدوِّنات القرن الأول ويتضمن تعاليم من
الرسل، يتضح من تركيبها وترتيب مواضيعها مكانة سرِّ الإفخارستيا والليتورجيا
الخاصة بها بالنسبة لقامة المؤمن ودرجة نضوجه:

فالأجزاء من (16)
تعاليم المبتدئين، والجزء (7) يُخصص للمعمودية، بعد ذلك تبدأ أقوال عن الصوم
والصلاة، ثم صلاة
» أبانا «!، الأجزاء (815) نظام الكنيسة وتعاليمها، والجزءان
(9و10) نظام الأغابي. وفي نهاية الجزء العاشر تبدأ تعاليم الإفخارستيا بعد كل خدم
الليتورجيا، ولكن بدون وصف للإفخارستيا وبدون ذكر الكلمات أو الممارسات أو الصلوات
التي يُتمَّم بها السر، حيث في (6: 10) ينتهي الكتاب مباشرةً، وفجأة عند كلمة «ماران
آثا»
بحروفها الآرامية السرية، أي
» تعالَ أيها الرب يسوع «آمين.

هذا الاقتضاب الشديد
والسرِّية في كشف تعاليم سر الإفخارستيا كان تقليداً له رهبته واحترامه وتدقيقه
منذ أيام الرسل، والأسباب كثيرة ومتعددة كما قلنا، فمنها الأسباب الروحية باعتبار
الإفخارستيا سر الأسرار جميعاً وهو آخر ما يمكن أن يُلقَّن للمؤمن الكامل، ومنها
الأسباب السياسية باعتبار أن السر يتم في اجتماع عام وأن فيه عبادة واضحة لغير
آلهة الملوك،
ومنها الأسباب
العقائدية حتى لا تُسلَّم الممارسات لذوي العقائد المخالفة، ومنها الأسباب الدينية
الخالصة التي تمنع على عامة الشعب التعرُّف
على خصائص الليتورجيا حتى تحتفظ برهبتها وكرامتها وأثرها في القلوب.

وحتى الآباء الأوائل
المدافعون عن العقيدة، مثل القديس يوستين الشهيد، حينما بدأ يرد على مزاعم
الوثنيين بخصوص ما توهموه من ممارسات في سر الإفخارستيا، كانت ردوده مقتضبة أيضاً،
ولم يحاول أن يزيد على نصوص الإفخارستيا أو يشرحها إلاَّ بالقدر الوارد منها في
الإنجيل، حتى لا يكشف أسرار الليتورجيا وخصائصها باعتبارها عبادة سرية!

ولقد ورث الشعب كله عن
طريق التعليم والتلقين والتحذير أن لا يبوح بأسرار كنيسته أو عقيدته لغير
المعمَّدين، وكان يتعهد بذلك أثناء العماد.

ومن أروع ما وصلنا عن
استخدام لغة الرموز والإشارات السرية للتعبير عن سر الإفخارستيا، النقوش التي وُجدت
باسم كاتبها “أبيركيوس
Abercius”، وهو أسقف لمدينة “هيرابوليس” في نهاية القرن الثاني الميلادي.
ومن أعجب الصدف أن وُجدت كتابة أخرى مذكور تاريخها سنة 216م لصاحبها إسكندر من
“هيرابوليس” ذَكَرَ فيها
» أبيركيوس «والنقش الذي
تركه باسمه. لذلك فإن تاريخ نقوش أبيركيوس صارت معتمدة للغاية.

هذه النقوش وُجدت في
إقليم “فريجيا” بآسيا الصغرى، وهي الآن في “اللاتران” بالفاتيكان، وهي من 22 بيتاً
يصف فيها أبيركيوس حياته وأعماله، وقد كتبها وعمره 72 سنة وتوفى قبل نهاية القرن
الثاني. وأعظم ما سجله هو رحلته إلى روما، والكلام كله رموز، والأسلوب سرِّي تصوفي
Mystical للغاية. فهو يكتب كل شيء عن أسرار الحياة المسيحية بشرط أن أي
قارىء مهما بلغ من الحذق لا يمكنه أن يفهم أن كاتبها رجل مسيحي، وحتى العلماء
شكُّوا في بادىء الأمر، ولكن حينما كُشف السر عن الكلمات ظهرت واضحة وهي تعبِّر
عمَّا كانت عليه الكنيسة من حذر وحذق شديدين في إخفاء حياتها وأسرارها. وننقل هنا
بعض سطورها:

[بالاسم أنا أبيركيوس،
تلميذ للراعي الصالح! … لقد علَّمني التقوى بكتاباته! … أرسلني إلى روما
لأطَّلع على المملكة وأرى الملكة بلباسها الموشَّى بالذهب، … ذهبت في كل النواحي، ورأيت الشعب الذي عليه الختم العظيم، وكان
بولس معي رفيقاً يقودني بالإيمان
أينما
سرت، ووُضع أمامي طعامٌ
» سمكة «من
الينبوع، عظيمة، وطاهرة، كانت قد اصطادتها
عذراء بلا دنس وأعطتها للأصدقاء ليأكلوا منها على
الدوام!! مع خمر حلو، وكأس ممزوج، مع خبز.

أنا أبيركيوس الواقف
الآن أمرت أن تُنقش هذه الكلمات، وفي الحق أنا في طريقي لأكمِّل اثنين وسبعين سنة. فمَن يفهم هذا ويؤمن بالذي كتبت،
عليه أن يصلِّي من أجل أبيركيوس!!]([19])

ويُعتبر هذا الحجر الذي
حمل هذه النقوش أقدم أثر في العالم يتحدَّث عن الإفخارستيا هكذا:

الراعي الصالح هو
المسيح، الملكة الموشاة بالذهب هي الكنيسة، الشعب ذو الختم العظيم هم المؤمنون
المعمَّدون. وأينما سار وجد كنيسة وتناول فيها من الأسرار من الخبز والكأس الممزوج،
فالسمكة هي المسيح (إخثوس
ICQUS)([20])، والعذراء
الطاهرة التي اصطادتها هي العذراء التي حبلت بالكلمة، أمَّا بولس رفيق السفر فهو
الرسائل التي كان يتعزَّى بها.

وهيبوليتس يقول صراحةً
في كتابه “التقليد الرسولي” (سنة 215م) في الفصل 23 عن المعمودية والإفخارستيا
بهذا القول القاطع:

[إنه لن يبوح بهذا
الكلام إلاَّ للمؤمنين.]([21])

هذه هي الصورة الكاملة
لسرية الممارسات داخل الكنيسة وبالأخص الإفخارستيا، فالحلقة محكمة من كافة الجهات
حول التقليد السرائري سواء في الإنجيل حيث الاختصار والاكتفاء بالعناصر الأساسية
المنطوقة في الليتورجيا
دون التطرُّق إلى أي
توضيح في الممارسة، أو سفر الأعمال حيث يسير على نفس المنوال، ويختص شرح
الإفخارستيا للبالغين في الإيمان.

والقديس بولس الرسول
يُبقي
بقية التعاليم دائماً للتسليم الشفاهي ضماناً لنقاوة التعليم وعدم إذاعة أسراره.

وسفر العبرانيين يَعِدْ
بأنه سيعود لشرح وتوضيح هذه المواضيع إنما خارج الرسالة.

ثم “الديداخي” لا تدخل
في تفصيلات أو حتى شرح الممارسة للسر.

وينقل إلينا هيبوليتس
قوانين الرسل مع إضافات خفيفة، ثم يمتنع صراحةً عن تقديم أي تعليم عام، ويجعله
وقفاً على المؤمنين وجهاً لوجه.

أبيركيوس أسقف
هيرابوليس يرفع السر إلى مستوى الشِفْرة!!

الإفخارستيا
تنفصل عن وليمة المحبة كليًّا، ضماناً لبقاء الأسرار للأخصاء من المؤمنين الموثوق
بهم جداً حيث لا يُسمح لغير المعمَّدين حتى بحضور ممارسة (عشاء الرب) سرّ
الإفخارستيا، ثم يُمنع
الموعوظون من حضور وليمة
المحبة أيضاً لضمان الانتقال من وليمة المحبة إلى الإفخارستيا بدون خوف.

والقديس
يوحنا الرسول في هذا الجو السري العجيب عندما طُلب إليه أن يكتب إنجيله في نهاية
القرن الأول ارتأى أيضاً أن لا يتعرض لممارسة السر بحد ذاته، واكتفى بشرح كل ما
يتعلَّق بالسر
لاهوتياً في أصحاحاته الأُولى، بحيث لا يستطيع أحد أن يُدرك
صلتها بالإفخارستيا إلاَّ المؤمنون فقط!!

وبذلك نرى أن ممارسة سر
الإفخارستيا في وقت سابق على كتابة الأناجيل والرسائل، واستقراره في الكنيسة
كليتورجيا ذات تقليد مسلَّم وصلوات محفوظة ومسلَّمة، ودخوله في دائرة التعاليم
السرية الكنسية التي تتبع أصولاً دقيقة في الإخفاء والمحافظة والتسليم، جعلت تسجيل
النصوص الإفخارستية في أضيق حدودها سواء في الإنجيل أو الرسائل أو بقية الكتب التي
وصلتنا بعد ذلك. ولكن اتفاق التقليد الكنسي الليتورجي مع التقليد الإنجيلي المكتوب
يوضِّح لنا حقيقة عظيمة ومهمة للغاية، وهي أن هناك مجرى واحداً لتقليد إفخارستي
واحد استقت منه الكنيسة بالتسليم فماً لفم ويداً ليد، واستقى منه الإنجيليون
والرسل بالرؤيا وبالروح وبالإلهام، وأن الصلوات التي تُقال قبل التقديس وبعد
التقديس، أي مضمون الليتورجيا الأساسي، ليس هو زيادة أو إضافة على النصوص
الإنجيلية، بل هو جزء لا يتجزأ من التقليد الأساسي، إنما ظلَّ محصوراً في دائرة
الليتورجيا فقط بمقتضى تقليد التعاليم السرية
Disciplina Arcani، ولم يسجَّل إلاَّ في العصور الأخيرة.



اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى