اللاهوت الروحي

الباب الثالث



الباب الثالث

الباب
الثالث

قضية
الخلاص

” حولت لي العقوبة خلاصاً “ (القداس
الإلهي)

الفصل الأول: فلسفة الخلقة

الفصل الثاني: مشكلة الخطية

الفصل الثالث: تدبير الخلاص

 

الفصل الأول: فلسفة
الخلقة

أولاً: غاية الخلقة

ثانياً: دوافع الخلقة

ثالثاً: موقفك من الله

أولاً: غاية الخلقة

 

أولاً: غاية الخلقة

كان
هذا الموضوع نقطة بحث كثيرين من الفلاسفة والمفكرين، كما أنه موضوع تساؤل كل إنسان
“لماذا خلقني الله”؟. وإذ فشل البعض في التعرف على الإجابة الصحيحة لهذا
السؤال اعتبروا أن الحياة جناية ارتكبها الآباء في حق الأبناء، حتى قال أحدهم (هذا
جناه أبى على وما جنيت على أحد). ولذلك امتنع عن الزواج!!.

 

وصرخ
آخر في وجه أمه قائلا: (ويحك يا أمي فقد حكمت على بالإعدام) وقد اعتبر أن هذه
الحياة إنما هي حكم إعدام!.

 

وأبوب
في معمعة التجربة نراه يسب يومه قائلا: “ليته هلك اليوم الذي ولدت فيه والليل
الذي قال قد حبل برجل، ليكن اليوم ظلاما.. أما ذلك اليوم فليمسكه الدجى ولا يفرح
بين أيام السنة.. لأنه لم يغلق أبواب بطن أمي ولم يستر الشقاوة عن عيني..

ثم
يتساءل في تأفف:

لم
لم أمت من الرحم؟

عندما
خرجت من البطن، لم لم أسلم الروح؟

لم
يعطى لشقي نور وحياة لمسرى النفس؟ (أيوب1: 3،2)

 

 لم
يكن أيوب وحده من بين رجال الكتاب المقدس الذي قال هذا ولكننا نرى أرميا أيضاً
بقول: “ملعون اليوم الذي ولدت فيه. اليوم الذي ولدتني فيه أمي، لا يكن
مباركاً ملعون الإنسان الذي بشر أبي قائلاً قد ولد لك ابن.. لأنه لم يقتلني من
الرحم فكانت لي أمي قبرى ورحمها حبلى (بي) إلى الأبد. ثم يتساءل أيضاً في تأفف
كأيوب قائلا:

“لماذا
خرجت من الرحم لأرى تعباً وحزناً فتفنى بالخزي أيامي”. (أرميا14: 20-18).

 

أليست
هذه الأسئلة هي ما يدور بفكرك وخاصة عندما تصادف أية تجربة فتتبرم متسائلا: لماذا
خلقني الله؟

مسكين
حقاً هو ذلك الذي لم يتعرف بعد على الغاية من وجوده في هذه الحياة.

فهل
تعرف يا أخي لماذا أنت موجود؟ لماذا خلقك الله؟.

 

ربما
تقول إن الله قد خلقك لكي تعبده!

حسن
أن تعبد الله، ولكن هل تظن أنه محتاج إلى عبوديتك، تأمل قول القديس إغريغوريوس في
القداس الإلهي:

“لست
أنت محتاج إلى عبوديتي، بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك”

هو
ليس في حاجة إلى عباداتنا، فلم يخلقنا من أجل هذه الغاية!

وربما
تقول إنه خلقك لكي تمجده!.

حسن
أن تمجد الله، ولكن هل تظن أنه من أجل هذه الغاية قد خلقتك؟ وهل تظن أنه محتاج إلى
تمجيداتك؟.

أسمع
يسوع يقول: “مجدا من الناس لست أقبل”.(يو41: 5).

ثم
يقول: “أبى هو الذي يمجدني”.(يو54: 8).

 

إن
الله ممجد في ذاته يا أخي، وإلا فهل كان غير ممجد قبل خلقة العالم؟.

اسمع
قول يسوع “مجدني أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون
العالم”. (يو5: 17).

إذن
فما هي غاية الخلقة؟.

تتضح
هذه الغاية عندما نفحص النقطة التالية وهي:

 

ثانياً: دوافع الخلقة

إن
الله لم يخلق الإنسان بدافع الأنانية حتى يعبده ويمجده إنما دوافع الخلقة تتركز
في:

1-
المحبة:

ويوضح
هذه الحقيقة القديس إغريغوريوس الناطق بالإلهيات في قداسه التأملى قائلا:

“خلقتني
إنساناً كمحب للبشر”

ويوحنا
الحبيب يقول: “الله محبة” (1يو8: 4). وكل ما يصدر عن الله هو عمل محبة،
وعن المحبة تصدر إشعاعات النعمة المباركة التي عملت في الخلقة وهي:

 

2-
الصلاح:

والصلاح
معناه البذل والكرم، فان كان الشخص الذي يمتلئ من روح الله تظهر فيه هذه الثمرة
المباركة “أي الصلاح” كما جاء في رسالة بولس الرسول لأهل غلاطية.(22:
5). فكم بالحرى الله نفسه، فكل أعماله صادرة عن صلاحه، ولذلك فالقديس إغريغوريوس
يبرز أيضاً هذا الجانب في القداس فيقول:

“الذي
من أجل الصلاح وحده، مما لم يكن كونت الإنسان”

وللصلاح
خاصية عجيبة أسهمت هي الأخرى في خلقة الإنسان ألا وهي:

 

3-
التعطفات:

فبروح
الحكمة الإلهية التي أوتيها القديس إغريغوريوس يقول في قداسه: ” من أجل
تعطفاتك الجزيله كونتنى إذ لم أكن”.

فصلاح
الله وكرمه ظهرا في تعطفاته الجزيله التي بها كون الإنسان وخلقه لغاية سامية تمثل
الحلقة الأخيرة في سلسلة دوافع الخلقة ألا وهي:

 

4-
المشاركة:

 إن
من خصائص المحبة الصادقة المشاركة.. ولنا في محبة الأب لأبنائه الجسديين مثالا
لمحبة الله للإنسان، فالأب يتعب كثيراً لكي يعطى أولاده ويمتعهم، وإذا سألت أحد
الآباء عن دوافعه التي تحركه للإنفاق على أولاده لتيقنت أن المحبة الأبوية هي
الدافع القوى لإشراك أولاده فيما له.

ولنتأمل
يا أخي في الأمور التي أشركنا الله فيها معه والتي تمثل الغاية التي من أجلها
خلقك.

 

(أ)
شركة خواصه:

يكشف
لنا الوحي الإلهي عما دار في عقل الله بخصوص خلقة الإنسان فتقرأ في سفر التكوين
“وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فخلق الله الإنسان على صورته. على
صورة الله خلقه”.(تك26: 1،27).

ولكن
ماذا يقصد الوحي بقوله على صورة الله؟.

يوضح
الآباء ذلك بقولهم:

“الله
جل شأنه ليس له شبه ولا مثال، وإنما أشار بقوله هذا أن الإنسان ذو ثلاث خواص: أعنى
ذا عقل ونطق وروح”. (صلاة الإكليل).

هذه
هي الشركة في خواص الله، فميزه عن بقية المخلوقات بالعقل والنطق والروح، وأصبحت يا
أخي صاحب هذا الامتياز الإلهي!.

(ب)
شركة سلطانه:

هذا
هو امتياز آخر أعطاه الله للإنسان عند خلقته، فيقول الكتاب: “قال الله نعمل
الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم
وعلى كل الأرض.. فخلق الله الإنسان.. وباركهم الله وقال لهم.. املأوا الأرض
وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على
الأرض” (تك26: 1-28).

 

هذه
هي محبة الله يا أخي التي تريد إسعاد الإنسان فيعطيه من سلطانه ليتسلط على كل
الأرض.

تأمل
هذا الامتياز يا أخي! فهل أنت متسلط فعلا على كل الأرض؟ أم أن كل ما في الأرض
متسلط عليك؟!.

 

(ج)
شركة مجده:

فبطرس
الرسول يقول “دعانا إلى مجده الأبدي” (بط10: 5). ولهذا يكتب أيضاً
قائلا: “أنا الشيخ.. شريك المجد العتيد أن يعلن” (1بط1: 5).

 

تأمل
يا أخي فان الله لم يخلقك لتمجده، بل خلقك ليمجدك. “لأن الذين سبق فعرفهم سبق
فعينهم.. فهؤلاء مجدهم أيضاً”.(29: 8،30).

أنظر
أي امتياز أعطاك الرب؟؟.

 

(د)
شركة طبيعته:

معلمنا
بطرس الرسول يقول “قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء
الطبيعة الإلهية”. (2بط4: 1).

هذا
هو اسمي امتياز يهبه الله للإنسان، إذ أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له فقد تشارك في
الجسد البشرى ليشركنا في الروح الإلهي “أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله
يسكن فيكم” (1كو16: 3).

 

هل
تبينت إذن يا أخي غاية خلقة الإنسان؟ أرأيت كيف أن الله المحب الصالح أراد لحفنة
من التراب “وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار
آدم نفساً حية”.(تك7: 2). أراد لهذه الحفنة الترابية أن تتمتع بخيراته
وأمجاده، فدبر لها كل عوامل سعادتها؟.

أفيبقي
لك اعتراض بعد؟!.

ألعل
الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني؟!.

شكراً
لله الذي يحتمل غباوتنا كثيراً..

 

ثالثاً: موقفك من الله:

إزاء
هذا الحب الأبوي ماذا ينبغي أن يكون موقفك من الله؟. صدقني يا أخي المبارك لو
أدركت مشاعر الله من نحوك، وتفطنت إلى عمق محبته لك لذابت نفسك فيه وسبى قلبك في
حبه.

ولكن
دعنا نوضح بالتفصيل ما ينبغي أن يكون عليه موقفك من حبيب الروح.

 

1-
التمتع بعشرته:

آه
يا أخي المبارك لو تلامس قلبك بتيار المحبة العلوي لسرى في جسدك شعاع نوراني يلقى
بك في مجال الجاذبية العميق الذي لا تعود عنه تطيق انفصالا.

سباني
بحبه سبيا عميقاً فما عدت عنه أطيق انفصالا

 

حبيبي
ستختبر بنفسك ما اختبرته العروس من قبلك فأنشدت قائلة: كالتفاح بين شجر الوعر كذلك
حبيبي بين البنين، تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقي.. اسندوني بأقراص
الزبيب أنعشوني بالتفاح فانى مريضة حباً شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني”.
(نش3: 2-6).

 

آه
يا مبارك لو انفتحت عيناك لترى، وانفتح قلبك لتشعر بنيران المحبة الإلهية لصرخت في
الحال قائلا: “اجعلني كخاتم على قلبك. كخاتم على ساعدك لأن المحبة قوية
كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية. لهيبها لهيب نار لظى الرب. مياه كثيرة لا تستطيع
أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها” (نش6: 8،7).

هل
لك عشرة ممتعة مع الحبيب؟ إن لم. فلم لا؟!.

أخشى
وكل ما أخشاه أن تكون متعتك هي في الخطية؟!.

 

2-
الشكر على نعمته:

متى
أدركت أن وجودك هي نعمة قد أسبغها الرب عليك، ليمتعك بخيراته وإحساناته وأمجاده،
سيلهج قلبك حمداً وشكراً معدداً إحسانات الرب إليك فتقول مع داود النبي:


باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي كل حسناته..

الذي
يغفر جميع ذنوبك..

الذي
يشفي كل أمراضك..

الذي
يفدي من الحفرة حياتك..

الذي
يكللك بالرحمة والرأفة..

الذي
يشبع بالخير عمرك..

فيتجدد
مثل النسر شبابك..” (مز1: 103-5).

 

إن
القلب الذي يدرك محبة الله يجد أن كل ما خلق إنما خلق من أجله هو. هذا ما شعر به
القديس إغريغوريوس فعدد في قداسه قائلا:

 

“أقمت
السماء لي سقفاً..

وثبت
لي الأرض لأمشى عليها..

من
أجلي ألجمت البحر..

من
أجلي أظهرت طبيعة الحيوان..

أخضعت
كل شئ تحت قدمي..

لم
تدعني معوزاً شيئاً من أعمال كرامتك..

أنت
الذي جبلتني ووضعت يدك على..

ورسمت
في صورة سلطانك..

ووضعت
في موهبة النطق..

وفتحت
لي الفردوس لأتنعم..”

 

وعندما
يرى الإنسان أن كل ما خلق من أجله تزداد تشكراته لمجد الله.

“لأن
جميع الأشياء هي من أجلكم لكي تكون النعمة وهي قد كثرت بالا كثرين تزيد الشكر لمجد
الله”.(2كو15: 4).

 

3-
تمجيد عظمته:

اللحظة
التي فيها تتلاقى مع الله وترى عجائبه وتلمس يمينه الحافظة وذراعه المخلصة وقلبه
المفعم بالمحبة، ينطلق لسانك بأناشيد التمجيد، فتصرخ مع موسى النبي قائلا:
“الرب قوتي ونشيدي،

وقد
صار لي خلاصي،

هذا
إلهي فأمجده،

إله
أبى فأرفعه”. (خر2: 15).

فيصبح
التمجيد إذن ليس واجباً أو فرضاً، وإنما مظهر من مظاهر التمتع بعشرة الرب والإحساس
بنعمته.

 

ولا
يقتصر تمجيدك على مجرد الترنم به وإنما ستجد نفسك مدفوعاً:

“لتخبر
بين الأمم بمجده”.(مز3: 96). حتى يصير للجميع شركة معك.

أخي
الحبيب.. هل أنت حقاً بتكريس تام تمجد الله في جسدك وفي روحك؟

“مجدوا
الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله”.(1كو20: 6).

 

الفصل الثاني: مشكلة
الخطية

أولاً: مفهوم الخطية

ثانياً: مظهر الخطية

ثالثاً: عوامل الخطية

رابعاً: ثمار الخطية

لقد
عرفت يا أخي أن خلقتك ووجودك هو عمل محبة الله من أجل إسعادك، وعرفت أيضا ما ينبغي
يكون عليه موقفك إزاء هذا الحب الأبوي.

والآن
تستطيع بسهولة أن تتعرف على سر مشكلة الخطية التي “طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها
أقوياء” (أم26: 7).

 

أولاً: مفهوم الخطية

الخطية
في أبسط معانيها هي “الانفصال عن الله” فلسان حال الخطاة “يقولون
لله ابعد عنا وبمعرفة طرقك لا نسر”(أيوب14: 12).

ونتيجة
للانفصال عن الله تصبح حياة الخاطئ:

 

ظلمة:

فالله
نور كما قال رب المجد نفسه: “أنا هو نور العالم” (يو12: 8).

ولهذا
فكل من هو في صلة مع الله يصبح هو الآخر نوراً،كما قال السيد المسيح “أنتم
نور العالم” (مت14: 5) ولكن إذ ينفصل الإنسان عن الله يبتعد عن النور فيصبح
ظلمة – ولهذا فالكتاب المقدس يوضح بكل جلاء أن حياة الخطية هي ظلمة فيقول
“لأنكم كنتم قبلا ظلمة أما الآن فنور في الرب.. ولا تشتركوا في أعمال الظلمة
غير المثمرة بل بالحرى وبخوها” (أف11: 8).

 

ونستطيع
أن نبسط هذا المفهوم بالمثال الآتي:

يستمد
القمر ضوءه من الشمس، إذ أنه جسم معتم في ذاته ولكن أشعة الشمس تنعكس على سطحه
فيضئ، ولكن إذا توسطت الكرة الأرضية بين الشمس والقمر حدث كسوف للقمر فلا يضئ بل
يصبح معتماً مظلماً.

فالشمس
في المثال تشير إلى الله شمس البر، والقمر المعتم هو أنا وأنت، وإذ نتعرض لأشعة
النعمة الصادرة من مصدر النور نضئ بشكله المنير، ولكن عندما يقف العالم بينك وبين
الله تظلم حياتك، هذه هي حياة الخطية. فهل يوجد ما يعطل وصول النعمة لحياتك.

 وهناك
نتيجة أخرى للانفصال عن الله هي:

 

 تعدى:

الحياة
مع الله هي حياة طاعة لوصاياه، الطاعة الناتجة عن المحبة وقد وضح ذلك السيد يسوع
المسيح في قوله “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبى وإليه نأتي وعنده نصنع
منزلا.” (يو23: 14).

 

وإذا
انفصل الإنسان عن الله، كان ذلك دليل عدم محبته ونتيجة لذلك لا يطيع وصاياه بل
يتعدها، وفي هذا قال السيد المسيح “الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي” (يو24:
14).

وهذا
هو التعدي الذي يقصده الكتاب المقدس عندما عرف الخطية قائلا: “كل من يفعل
الخطية يفعل التعدي، والخطية هي التعدي” (يو4: 3).

قف
يا أخي وانظر هل تحب الله وتحفظ وصاياه، أم أنك تحب الشرور أكثر من محبة الله
فتتعدى وصاياه لكي تشبع شهواتك!!

ونتيجة
ثالثة هي:

 

 موت:

الله
هو الحياة كما قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحياة.” (يو9: 14)
وفيه الحياة “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس” (يو4: 1).وكل من
يتصل بالله له الحياة.” (يو12: 5). بل إن مجيء السيد المسيح إلينا هو لكي
يعطينا هذه الحياة “أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم
أفضل.”(يو10: 10).

ولكن
إذ ينفصل الإنسان عن الله ينفصل عن مصدر الحياة فيصبح ميتاً، هذا ما وضحه السيد
المسيح في مثل الابن الضال في قول الأب لعبيده: “ابني هذا كان ميتا
فعاش” (لو24: 15). فكان ميتا بانفصاله عن أبيه وعندما عاد إلى أحضانه نال
الحياة مرة أخرى.وهذا هو عين ما قاله بولس الرسول عن الخاطئ “ونحن أموات
بالخطايا أحيانا مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.” (أف5: 2).

 

عزيزي
هل أنت متصل بمصدر الحياة لتستمد الحياة منه أم أنك منفصل عنه وليس فيك الحياة.
أنا أخشى يا أخي أن ينطبق عليك القول “أن لك اسماً أنك حي وأنت
ميت.”!!(رؤ1: 3).

 

ثانياً:
مظهر الخطية

عندما
ينفصل الإنسان عن الله يتغير موقفه تماما من الله. فبعد أن كان يتمتع بعشرته تصبح
لذته في شهوته، وبدلا من شكر الله على نعمته يجحد بركاته، وعوض أن يمجد الله في
محبته يمجد ذاته.

وعنى
يا أخي أفصل أمامك الأمر لترى موطن خطيتك:

 

1-
التمتع بالشهوات:

يقول
سليمان الحكيم “نفس الشرير تشتهى الشر” (أم10: 31).

ويضيف
بطرس الرسول فيقول “يذهبون وراء الجسد في شهوة النجاسة. يحسبون تنعم يوم لذة.
لهم عيون مملوءة فسقاً لا تكف عن الخطية.” (2بط10: 2).

فانظر
يا أخي وكن صريحاً مع نفسك، عل تتمتع بعشرة الرب حقيقة أم أن متعتك في شهواتك؟!.

 

فإذا
وقفت لتصلي هل تشعر بالمتعة والاشتياق لشخص الحبيب وتتلذذ بالجلوس عند قدميه؟. أم
أنك تعتبر أن الصلاة عبء ثقيل، فتتثاءب وتتململ وتتعجل الوقت وتسرع في صلاتك حتى
تنتهي من هذا الواجب المتعب..؟ بينما إذا جلست مع أصدقاء الخطية في المقهى أو في
أماكن اللهو والخلاعة طاب لكم الحديث وطال حتى منتصف الليل دون ملل أو قلق!!.

 

وإذا
جلست لتقرأ الكتاب المقدس هل تشعر بلذة ومتعة لأنك تقرأ كلمة الله وتصغي إلى
رسالته لك وتستكشف أخبار السماء؟. أم أنك تؤدى فرضاً عسراً فتقرأ بملل وضيق؟.
بينما نراك في شوق والتهاب تلتهم جرائد الصباح والمجلات الأسبوعية والروايات
الدنسه.. واأسفاه!!.

 

وعندما
تحضر القداسات الإلهية والاجتماعات الروحية هل تشعر بالبهجة والفرح لأنك في محضر
رب الجنود؟ أم أنك تتأفف إذا تأخرت الكنيسة عن ميعاد الانصراف؟ وربما عبرت عن
استيائك ببعض الكلمات الجارحة والانتقادات اللاذعة.. بينما إذا ذهبت إلى السينما
أو جلست أمام التلفزيون لا تشعر بمرور الوقت، وعندما يقترب الفيلم من النهاية
تتأسف في قلبك على أنه انتهى هكذا سريعاً.

عجباً
يا أخي! ماذا تقول عن هذا القلب الذي لا يتمتع إلا بالشهوات ولا توجد إشتياقات له
للتمتع بعشرة الرب! أنها الخطية التي فصلتك عن الله فما عدت ترى فيه بهجة أو جمالا
بقدر ما ترى في ملذاتك وشهواتك.

 

حبيبي
إن كنت لا تتمتع بعشرة الرب هنا فكيف تقضى الأبدية في محضره ففي الأبدية سوف لا
نجد سوى الله موضوع البهجة والسعادة اللانهائية، فان كانت متعتك على الأرض فيه
وأشتياقات قلبك مركزة في أن تراه كما هو فسوف تسعد بتحقيق رغبتك وهذا هو النعيم
بعينه. “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع
المسيح الذي أرسلته”(يو3: 17).

ولكن
إن كنت في حالة نفور من الله هنا على الأرض فأن أبديتك ستكون في غاية الكآبة
والبؤس لأنك سوف لا تجد لذة بمعاشرة الرب وهذا هو الجحيم بعينه.

 

2-
جحد البركات:

إن
الإنسان الذي يشعر بمحبة الرب وبركاته لا يكف عن أن يشكره على إحساناته، ولكن إذ
ينفصل عن الرب لا يرى أن الله هو مصدر الخير الذي يعيش فيه. فبالرغم من عدم
أمانتنا إلا أن الله يظل أميناً. مثل هذا الإنسان المبتعد عن الله يرجع مصدر
النعمة التي يرفل فيها إلى مهارته وذكائه ومجهوداته.. آه يا صاحب القلب الجحود ألا
تشكر من أوجدك من العدم؟ ألا تذكر فضل من وهبك الصحة والأولاد والمال وسيج حولك
إلى هذه الساعة؟ إن من أعظم بركات الرب عليك يا أخي أنه تمهل عليك طوال سني جهلك
وشرك ليتيح لك فرصة للتوبة والرجوع إليه: “أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول
أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة ولكنك من اجل فساوتك وقلبك غير
التائب تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة” (رو4:
2،5).

 

أخي
هل تشكر الله على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال لأنه سترك وأعانك وحفظك وقبلك
إليه وأشفق عليك وعضدك وأتى بك إلى هذه الساعة؟!. أم ينطبق عليك قول الرسول:
“لأن الناس يكونون معجبين بأنفسهم غير شاكرين” (2تى3: 2).

 

3-
تمجيد الذات:

عندما
ينفصل الإنسان عن الله ينسى بل يتناسى الله نهائيا ويبدأ في تأليه نفسه فأينما وجد
حاول أن يظهر عظمة ذاته، وإذا تكلم لمست في أحاديثه الكبرياء والانتفاخ سواء
بالعلم والمعرفة، أو المال والثروة، أو الصحة والقوة.. الخ.

ولكن
اعلم يا من تنتفخ وتتشامخ وترتفع إلى فوق، اعلم أن الله يتمهل عليك إلى حين، تاركا
لك فرصة للتوبة، ولكن سيأتي اليوم الذي فيه يسحق كبرياءك ويخزى علمك ويذل قوتك.

 

تأمل
يا أخي ما حدث مع هيرودس الملك الذي لبس الحلة الملوكية وجلس على كرسي الملك
وابتدأ يكلم الشعب قائلا: “هذا صوت إله لا صوت إنسان” وسر الملك بهذا
الهتاف..ففي الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعط المجد لله فصار يأكله الدود
ومات” (أع21: 12-23).

 

وتأمل
أيضا يا أخي ما دونه الكتاب المقدس عن نبوخذ نصر الملك في سفر دانيال الإصحاح
الرابع. بعد أن بنى مدينة بابل العظيمة “كان يتمشى على قصر مملكة بابل وأجاب
الملك فقال: أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال
مجدي. والكلمة بعد في فم الملك وقع صوت من السماء قائلا: لك يقولون يا نبوخذ نصر
الملك إن الملك قد زال عنك، ويطردونك من بين الناس، وتكون سكناك مع حيوان البر
ويطعمونك العشب كالثيران فتمضى عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي متسلط في مملكة
الناس وأنه يعطيها لمن يشاء. في تلك الساعة تم الأمر على نبوخذ نصر فطرد من بين
الناس وأكل العشب كالثيران وابتل جسمه بندى السماء حتى طال شعره مثل النسور
وأظافره مثل الطيور”.

 

هذا
هو ما حدث لنبوخذ نصر عندما تكبر وتشامخ. ولكن تأمل ما حدث له عندما تصاغر وتواضع
إذ يقول ” وعند انتهاء الأيام أنا نبوخذ نصر رفعت عيني إلى السماء فرجع إلى
عقلي وباركت العلي وسبحت وحمدت الحي إلى الأبد الذي سلطانه سلطان أبدى وملكوته إلى
دور فدور وحسبت جميع سكان الأرض كلا شئ وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان
الأرض. ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل. في ذلك الوقت رجع إلى عقلي
وعاد إلى جلال مملكتي ومجدي وبهائي، وطلبني مشيرى وعظمائي وتثبت على
مملكتي.وازدادت لي عظمة كثيرة. “فالآن أنا نبوخذ نصر أسبح وأعظم وأحمد ملك
السماء الذي كل أعماله حق وطرقه عدل ومن يسلك بالكبرياء فهو قادر أن
يذله”(دا: 4).

 

فماذا
يا أخانا..؟ هل تفتخر وتتكبر من أجل مركزك أو علمك أو مالك أو نسبك..؟.

اذكر
قول هذا المختبر نبوخذ نصر.”من يسلك بالكبرياء فهو قادر أن
يذله”(دا37:).

وأخيراً
أضع أمامك قول بطرس الرسول “تسربلوا بالتواضع لأن الله يقاوم المستكبرين وأما
المتواضعون فيعطيهم نعمة.فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في
حينه”(1بط5: 5،6).

 

صلاة:

اعطني
يارب أن أعرف من أنا. وما هي خطيتي. حتى أتواضع أمامك ولا أتكبر بشيء هو أصلاً من
عطاياك التي وهبتها لي فضلاً، فكيف أفتخر بها أمامك. ارحمني واصفح عني.

 

ثالثاً: عوامل الخطية

توجد
عدة عوامل تسب السقوط في الخطية منها:

 

1-
الطبيعة الوراثية:

تلك
هي الطبيعة الفاسدة التي ورثناها عن أبوينا الأولين آدم وحواء، الطبيعة الملوثة
بجرثومة الخطية والإثم “هاأنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي” (مز5:
51).

هذه
الطبيعة الوراثية هي قوة ضغط لا يمكن للإنسان أن يضبطها إلا بمعونة إلهية. وعن هذه
الطبيعة كتب بولس الرسول قائلا: “أرى ناموسا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني
ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي”(رو23: 7).

 

ألا
تشعر بتأثير هذا العامل في حياتك، فترى نفسك بالطبيعة ميالا للخطية؟. في الواقع يا
أخي إن هذا العامل هو أقوى العوامل التي تجرف الإنسان إلى تيار الإثم.. هذا العامل
هو الذي دعي بولس الرسول أن يطلق صرخته المدوية “ويحي أنا الإنسان الشقي. من
ينقذني من جسد هذا الموت”؟! (رو24: 7).

لا
تخف يا أخي من جبروت هذا العامل فقد وجد بولس الرسول القوة التي أعتقته من سلطانه
وأعلنها لنا بقوله “ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد اعتقني من ناموس
الخطية والموت”(رو2: 8).

 

ويقصد
بناموس روح الحياة “الروح القدس” فالروح القدس قوة تهيمن على ميول
الطبيعة القديمة وتضبطها وتحرر من سلطانها.

 

فان
كنت مهزوما من سلطان طبيعتك القديمة سلم قيادة حياتك للروح القدس، روح القوة ولكن
دائم الخضوع للسلطة، والوجود في حضرته وتحت مظلته بروح الصلاة الدائمة والالتصاق
به فكرياً وقلبياً وعملياً. فيعتقك من ناموس الخطية والموت.

2-
البعد عن النعمة الإلهية:

ألا
ترى يا أخي أنك كلما اقتربت من مصدر النعمة كلما شعرت بالراحة والسلام والغلبة؟
ففي اللحظة التي تبتعد فيها عن الله تسقط فريسة للخصم الزائر كأسد جائل ملتمسا من
يبتلعه.

 

تأمل
يا أخي _ ويا أختي ما حدث لدينة ابنة أبينا يعقوب يقول الكتاب “وخرجت دينة
لتنظر بنات الأرض فرآها شكيم ابن حمور رئيس الأرض وأخذها واضطجع معها وأذلها”
(تك.24). سقطت دينة في يد من أذلها عندما تركت خيام أبيها.. هكذا يا أخي حينما
تترك خيام أبيك، خيام النعمة، لا بد وأن تسقط في يد رئيس سلطان الهواء الذي بذلك
ويمرر حياتك. وما أجمل تصوير القديس أغسطينوس لهذا الأمر عندما قال: “لأنك
إذا ما ابتعدت عن معرفة العلي بدون قوة تدعمك سقطت. لأن إبليس وملائكته ينصبون
فخاخهم كما يفعل الصيادون. والذين يسلكون في المسيح تبتعد خطواتهم عن تلك الفخاخ،
لأن إبليس لا يجرؤ على بسط شبكته في المسيح، فهو يقيمها على حافة الطريق لا في
الطريق”.

 

أتريد
أن تنجو من فخاخ إبليس؟ اقترب إلى الله وامسك به فهو القائل “تعلق بي أنجيه.
أرعه لأنه عرف اسمي يدعوني فأستجيب له. معه أنا في الضيق. أنقذه وأمجده. من طول
الأيام أشبعه وأريه خلاصي” (مز14: 91-16).

 

3-
القرب من مجال الخطية:

وثمة
عامل آخر من عوامل السقوط في الإثم هو القرب من مجال وتأثير الخطية، فمن ذا الذي
يقترب من الحية وينجو من سمها؟ أو يمشى إنسان على الجمر ولا تكتوي
رجلاه”؟.(أم28: 6).

 

تأمل
يا أخي سر سقوط أمنا حواء، فقد نهاها الرب عن الأكل من الشجرة، وقد حرصت فعلا على
هذه الوصية، وذات يوم سولت لها نفسها أن تقترب إلى الشجرة المنهي عنها، فإذا
بالحية تنتهز هذه الفرصة لتوجه لدغتها المميتة إلى أمنا المسكينة. لاحظ يا أخي
تعبير الكتاب “فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل..”(تك6: 3). وهذا يدل
على أن حواء كانت قريبة من الشجرة فكان هذا سر سقوطها.

 

أو
ليس هذا هو سر سقوط شمشون الجبار؟ لقد أقترب من مجال الخطية إذ ذهب إلى وادى سورق
ودخل بيت دليلة واستسلم لها فأنامته على ركبتيها ودعت رجالا وحلقت سبع خصل رأسه
وابتدأت بإذلاله وفارقته قوته.(قض.16).

 

عزيزي
القارئ: أخشى أن تكون أهوجاً كما كان شمشون! فترتاد أماكن الدنس وتتردد على دور
الملاهي والسينما والتلفزيون ظانا أنك قوى الإرادة، مدعيا أن هذه الأمور لا توثر
فيك، أخشى أن تكون لك علاقات منحرفة مدعيا أنها علاقات شريفة. أحذر فان النهاية
تعيسة! لأن الخطية لذيذة في بدايتها، وطريقها غامض في أوله تخدعك ثم تقتلك فقد
خدعت بولس الرسول من قبلك فقال “لأن الخطية.. خدعتني وقتلتني”.(رو11:
7).

أخي
إنها ساعة لتستيقظ “فاهرب لحياتك.. ولا تقف في كل الدائرة لئلا تهلك”
(تك17: 19).

 

اقطع
صلتك بالخطية، لا تذهب إلى الأماكن التي تعثرك، ولا ترتبط بالصداقات الشريرة،
وابتعد عن كل ما يؤدى بك إلى عبودية الخطية.

 

رابعاً: ثمار الخطية

الخطية
شجرة مرة ثمارها افسنتين، وربما تكون قد تذوقت مرارتها وإليك بعض ثمارها:

 

1-
الخزي والعار:

يقول
سليمان الحكيم “البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية”(أم34: 14).

 

عندما
تعرى أبونا آدم من ثوب النعمة فر هاربا والخزي يغطى وجهه إذ سمع صوت الرب الإله
ماشيا في الجنة وتوارى بين الأشجار ومن هناك رفع صوته الأسيف “سمعت صوتك في
الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت”(تك10: 3).

وهو
ذا داود النبي الملك المكرم ينكس الرأس مخزياً أمام ناثان النبي الذي كشف له خطيته
الشنعاء مع امرأة أوريا الحثى..

 

أعرف
إنساناً كان غنياً يملك الأطيان والعمارات وكان يشغل منصباً محترماً في الوظائف
الحكومية، وإذ استعبد للخطية من خمر وزنا وقمار وسجاير ومخدرات باع كل ما يملك، بل
وصل به الحال أن فصل من وظيفة، وأدى به الأمر إلى خلل في قواه العقلية وهوذا الآن
يدور في الشوارع وعلى كتفه “بطانية” مهلهلة راية العار وعلامة الخزى!!.

 

أخي
هل غطى الخزى وجهك وهل كستك الخطية بالعار؟ تستطيع الآن يا أخي أن تكتسي بثوب البر
ورداء الخلاص.

 

2-عدم
السلام:

 يقول
الكتاب “لا سلام قال إلهي للأشرار”(اش22: 48).

 

(أ)
لا سلام مع نفسك:

لهذا
أنت في قلق داخلي، والأحزان والهموم تملا حياتك، لا تبحث عن الراحة في الخمر، ولا
تخدع نفسك باللهو والمكيفات ظاناً أن هذه الوسائل تعطيك سلاماً.. ألا تعلم يا أخي
أن سبب تعاستك هو الخطية.. فلا سلام لك طالما أنت في ارض الخطية.. فان أردت أن
تتمتع بالراحة والسلام اترك كورة الخنازير..

 

(ب)
لا سلام مع الناس:

صدقني
يا أخي لو بحثنا عن سبب الانشقاقات والتحزبات والمناوشات بينك وبين الآخرين لوجدت
السر كامنا في الخطية. فالسلام مفقود لأن الله في القلب غير موجود، إذ أنه لا يوجد
في قلب ملئ بالخطية.

 

فان
كنت يا أخي لا تشعر بالسلام مع المحيطين بك سواء في البيت أو العمل فأبحث عن
السبب، ربما تكون محبا لذاتك، محبا للظهور، متكبرا فتصطدم مع الآخرين، أو عينيك
شريرة وقلبك دنس فلا تجد راحة ولا سلام.

إن
أردت أن يكون بينك وبين الناس سلام انزع الخطية من قلبك وأصغى إلى قول الوحي:
“إذا أرضت الرب طرق إنسان جعل أعداءه أيضاً يسالمونه” (أم7: 16).

 

(ج)
لا سلام مع الله:

حقيقة
يا أخي لا تستطيع أن تتمتع بالإسلام الكامل إلا في وجودك مع الله ولكنك تحب الخطية
أكثر من الله فتفصلك عن مصدر السلام فيئن قلب متوجعاً باحثاً عن السلام في غير
موضعه وهيهات أن تجده..

 

عزيزي
اقترب إلى الرب يقترب إليك واسمعه يقول لك “تعالوا إلى يا جميع المتعبين
والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (مت28: 11). هو مستعد أن يترك لك خطاياك ويبررك
من كل إثم فيصير لك معه سلام “إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا
يسوع المسيح” (رو1: 5).

 

3-
الهلاك الأبدي:

يوضح
لنا بولس الرسول هذه الثمرة التي يجنيها الأشرار من الخطية بقوله: “أجرة
الخطية هي موت” (رو23: 6). ويضيف قائلا: “في نار لهيب معطياً نقمة للذين
لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح. الذين سيعاقبون بهلاك
أبدى من وجه الرب.” (2تى8: 1،9).

ربما
تستهين يا أخي بهذه النهاية التعيسة، وفي موجة من الاستهتار تستسلم لهذا الشقاء
الأبدي.. ولكن من قلب مفعم بمحبتك أرجوك أن تفتح عينيك لتبصر حالة الغنى التعيس
التي صورها رب المجد بقوله:

 

رجل
غنى قضى أيام حياته في تنعمات وتلذذات الخطية، ما أشفقت عيناه يوما على لعازر
المسكين المضروب بالقروح. وإذ تنتهي حياته في الجسد يلقى في أعماق الجحيم ومن
هناك: “رفع عينيه في الجحيم وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في
حضنه. فنادى وقال يا أبى ارحمني وارسل لعازر ليبل طرف أصبعه بماء ويبرد لساني لأني
معذب في هذا اللهيب. فقال إبراهيم يا ابني اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك
لعازر البلايا. والآن هو يتعزى وأنت تتعذب” (لو19: 16-31).

 

تأمل
يا أخي هذا الغنى وهو في الجحيم معذباً من اللهيب وليس من يبرد لسانه. آه كم يتمنى
هذا التعيس وأمثاله ممن يعانون من لهيب البحيرة المتقدة بنار والكبريت، كم يتمنون
أن تتاح لهم فرصة ولو دقيقة واحدة ليعودوا إلى أرضنا ليتوبوا في الرماد والمسوح
حتى يخلصوا من عذاب جهنم. ولكن هيهات لمن في الخطية قد مات أن ينجو من العذاب.

 

صدقني
يا أخي إن سكان الجحيم يحسدونك على هذه الفرصة المتاحة لك لتتوب. فلماذا يا مبارك
“تستهين بغنى لطف الله وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك
إلى التوبة، ولكن من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك الغضب وإستعلان
دينونة الله العادلة.”(رو4: 2،5).

 

 هذه
يا أخي الخطية في مفهومها كانفصال عن الله، وفي مظاهرها المتعددة من تلذذ بالشهوات
وتمجيد للذات..، وها هي عواملها التي تؤدي للسقوط: من طبيعة فاسدة، وابتعاد عن
الله، واقتراب من مجالات الشر. أما ثمارها المرة فهي الخزي والعار، وعدم السلام،
والهلاك الأبدي.

 

صلاة:

 إلهي
لا تسمح أ، أنفصل عنك وأسقط في الخطية وأحرم من نعمة الوجود معك. لا تسمح لنفسي أن
تهلك بل خلص نفسي من أجل حبك.

 

الفصل الثالث: تدبير
الخلاص

أولاً: إشكال خطير.

ثانياً: حل وحيد.

ثالثاً: خطة حكيمة.

 

تقديم

هل
من ضرورة للخلاص؟

 لو
لم يكن الله محبا، ما كان هناك ضرورة للخلاص. إذ أن حكمه قد صدر على الإنسان
بالموت: “يوم تأكل منها موتاً تموت”. فكان من الممكن أن يخلق الله جنساً
آخر عوض ذلك المائت تاركا إياه يقاسى حمم جهنم الأبدية.

 

ولكن
الله في محبته الفائقة للإنسان أشفق عليه، ولم يرتض أن يتركه يعانى أوجاع الموت،
بل أراد أن ينقذه من لهيب الجحيم، فدبر له طريق الخلاص. وهذا هو التدبير الذي كشفه
الروح لبولس الرسول فقال: “إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه
لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ في المسيح ما في السموات وما على الأرض في ذاك
الذي فيه أيضاً نلنا نصيباً معينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شئ حسب رأى
مشيئته” (أف9: 1-11).

والواقع
أن تدبير الخلاص يصطدم بإشكال خطير ويستلزم حلاً عادلاً فكانت خطة الله الحكيمة
للخلاص.

 

أولاً: إشكال خطير

ينشأ
هذا الإشكال بسبب وجود صفتين متميزتين في ذات الله، هما صفة العدل وصفة الرحمة،
والاحتياج إلى للتوفيق بينهما بشأن خلاص الإنسان. فعندما نبحث هذا الإشكال بخصوص
هاتين الصفتين: العدل والرحمة.

 

1-
حكم العدل:

عندما
خلق الله آدم أمره أن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر قائلاً له “يوم تأكل
منها موتا تموت” (تك17: 2).

ولكنه
أكل فاستحق الموت وفقاً لعدل الله “فالله قاض عادل” (مز11: 7). ويشمل
هذا الحكم:

(أ)
موت جسدي:

فبعد
أن سقط آدم في الخطية صار حكم الله عليه “وتعود إلى الأرض التي أخذت منها
لأنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19: 3). ولهذا فقد طرد من الجنة حتى لا
“يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد” (تك22: 3).

 

(ب)
موت أدبي:

كان
آدم في الجنة سيداً مكرماً “متسلطاً على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل
حيوان يدب على الأرض” (تك28: 1). ولكن بعد أن أخطأ انتزعت السلطة من يده
وأصبح مساوياً لما كان قبلا صاحب سيادة عليهم. (تك15: 3). وبعد الكرمة أصبح في
هوان “يعمل الأرض وبالتعب يأكل عشب الحقل” (تك17: 3،18،19،23). وهكذا
ورثته الخطية العار والخزى “عار الشعوب الخطية” (أم34: 14).

 

(ج)
موت أبدي:

إن
عقوبة الخطية لم تقتصر على الموت الجسدي والأدبي فحسب وإنما شملت أيضا الموت
الأبدي في نار جهنم. وقد وضح رب المجد مصير الأشرار الأبدي بقوله “اذهبوا عنى
يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته” (مت41: 25).

 

هذا
الحكم المثلث لم يكن قاصراً على آدم فحسب بل امتد إلى جميع الجنس البشرى، إذ قد
ورثوا منه جرثومة الخطية التي سرت في دمائهم فأوجدت فيهم ميلا طبيعياً للخطية. وقد
وضح هذه الحقيقة القديس بولس الرسول بقوله “بإنسان واحد (وهو آدم) دخلت
الخطية إلى العالم، وبالخطية (صار) الموت.

وهكذا
اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ اخطأ الجميع”(رو12: 5). هذا هو موقف الإنسان
أمام عدل الله.

ولنتأمل
الآن الصفة الأخرى من صفات الله وهي:

 

2-
عمل الرحمة:

فقد
قال الكتاب “الرب إله رحيم رؤوف.. غافر الإثم والمعصية والخطية”(خر6:
34،7).

وفي
رحمته لا يرتضى موت الإنسان إذ قال “هل مسرة أسر بموت الشرير ألا برجوعه عن
طرقه فيحيا” (حز23: 18).

من
هنا تنشأ المشكلة، فان نفذ الله عدله في الإنسان وعاقبه بالموت، فأين عمل
الرحمة؟!.

وإن
عامله بالرحمة وغفر له فأين حكم العدل؟!. حقيقة يا أخي إنها مشكلة، وليس لها سوى
حل وحيد وهو موضوع حديثنا في النقطة التالية.

 

 

ثانياً: الحل الوحيد

 لكي
يمكن للرحمة أن تسود لا بد للعدل أن يأخذ مجراه. وهنا ينشأ الحل الوحيد لهذه
المشكلة بتدبير (فدية) تتحمل حكم العدل عوضاً عن الإنسان الذي ينعم بعمل الرحمة.
ولكن لا بد للفادى أن تتوفر فيه شروط معينة حتى يوفي مطالب العدل الإلهي، فيجب أن
يكون الفادي.

 

1-
غير محدود:

فالخطية
تقدر وفقاً لشخصية المخطأ إليه، وتقاس عقوبتها طبقاً لمركزه،وتتناسب كفارتها مع
قيمته. فمثلا: إذا أخطأت في حق زميل لك، كانت خطيتك محدودة ولا تحتاج لأكثر من
اعتذار. أما إذا أخطأت في حق الحاكم فان خطيتك تستحق عقوبة شديدة، ولا يكفي
الاعتذار عنها ليعفى عنك.

أما
خطية الإنسان ضد الله، فهي خطية غير محدودة. لأن الله غير محدود. ولهذا فقد استحقت
هذه الخطية عقوبة غير محدودة.

فلا
بد أن يكون الفادى الذي يكفر عنها، غير محدود.

 

2-
إنساناً:

إذ
يجب أن يكون الفادى من جنس المفدى، ومساوياً له في القيمة على الأقل. فلا يصح أن
يفدى الإنسان ملاك لأنه ليس من جنسه وكذلك الحيوان لا يصلح إذ أنه ليس من جنسه
أيضاً ولا من قيمته.

 

3-
طاهراً:

فان
كان الفادى خاطئاً فإنه يموت بخطية نفسه، ولا يصلح لفداء غيره. إذن يجب أن يكون
طاهراً. فمن ذا الذي تكتمل فيه هذه الشروط؟

هل
ملاك يمكن أن تتوفر فيه هذه الشروط؟

كلا.
فالملاك مخلوق محدود وليس إنساناً.

هل
حيوان يمكن أن تتوفر فيه هذه الشروط؟

كلا.
فالحيوان مخلوق محدود وليس إنساناً.

هل
نبي يمكن أن تتوفر فيه هذه الشروط؟

كلا.
فالنبي وإن كان إنساناً فهو محدود وغير طاهر.

لا
يوجد سوى حل وحيد لفداء الإنسان، وهو: أن يتجسد الله (غير المحدود) في جسد (إنسان)
ويولد من عذراء ليكون (بلا خطية) وهذا ما تم فعلا.

 

فالمسيح
هو الله غير المحدود “عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد”(1تى16: 3).

وهو
الطاهر الوحيد “لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر”(1بط22: 2).

 

فيسوع
هذا الإله المتجسد قدم نفسه فدية عن البشر إذ تحمل هو حكم الموت ووفى عدل الله،
حتى يخلصنا نحن برحمته “متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح
الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة
بإمهال الله لإظهار بره في الزمن الحاضر ليكون باراً ويبرر من هو من الإيمان
بيسوع”(رو24: 3-26)

 

ثالثاً: خطة حكيمة

إن
عملية تجسيد الله وارتضائه بالصلب أمر لا يمكن للإنسان أن يقبله بسهولة لأنه يفوق
إدراك العقول. وما العهد القديم بكل ما فيه سوى تمهيد البشرية لقبول التجسد
والفداء، إذ قد أعلن الرب ذلك في وعود صريحة، ورموز واضحة. أقتصر منها على ذكر ما
يلي:

 

1-
وعود الفداء:

وتنسق
هذه الوعود في نبوات صريحة أشار بها الروح في العهد القديم إلى موت المسيح الكفاري
ليخلص البشرية نذكر منها:

 

(أ)
النبوة لنسل المرأة:

بعد
سقوط آدم وحواء بغواية الحية أصدر الرب حكمه قائلا للحية “أضع عداوة بينك
وبين نسلك ونسلها، وهو يسحق رأسك وأنت تسحق عقبه”(تك15: 3). ففي هذا الحديث
نبوة صريحة عن الفداء ففي قوله “هو يسحق رأسك” إشارة واضحة عن هزيمة
الشيطان في الصليب إذ يقول الرسول “وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب.
إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه” (كو15: 2).

وفي
قوله “أنت تسحقين عقبه” إشارة إلى موت المسيح على الصليب. فعندما مد
الشيطان رأسه ليسحق عقب المسيح داس المسيح على رأسه وسحقها.

 

(ب)
نبوة اليهو:

وهو
أحد أصحاب أيوب الذين جاءوا ليعزوه، فتنبأ عن فداء المسيح للإنسان إذ قال “قد
أخطأت وعوجت المستقيم ولم أجاز عليه. فدى نفسي من العبور إلى الحفرة، فترى حياتي
النور” (اى27: 33،28).

ففي
هذا القول نبوة صريحة عن عمل الفداء، فالإنسان الذي أخطأ وعوج المستقيم لم يجاز
عليه. أي لم ينفذ فيه حكم الموت الذي هو قصاص الخطية. (رو23: 6).

 

(ج)
نبوة داود:

لقد
تنبأ داود النبي كثيراً عن المسيح وموته الكفارى ولكنى سأقتصر فقط على ما جاء من
نبوات في مزمور 22، ومنها:

*
صراخ السيد المسيح على الصليب “إلهي، إلهي لماذا تركتني”(مز1: 22).

*
الاستهزاء به “الذين يرونني يستهزئون بي، يفغرون الشفاه، وينغضون الرأس
قالين: اتكل على الرب فلينجه لينقذه لأنه سر به.(مز7: 22،8).

*
تسمير يديه ورجليه: ثقبوا يدي ورجلي وأحصى كل عظامي”(مز16: 22،17).

*
تقسيم ثيابه: “اقتسموا ثيابي وعلى لباسي يقترعون”(مز18: 22).

*
موته: “يبست مثل شقفة ولصق لساني بحنكي وإلى تراب الموت تضعني” (مز15:
22).

وفي
المزمور أيضا نبوات عن قيامته والتبشير باسمه..

 

(د)
نبوات أشعياء:

ونقتصر
أيضاً على بعض النبوات في الإصحاح 53 ففيه يتكلم عن نيابة المسيح عنا في تحمل:

الحزن:
أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها.(اش4: 53).

التأديب:
مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. (اش5: 53).

الإثم:
كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا.(اش6: 53).

عبدي
البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها.(اش11: 53).

جعل
نفسه ذبيحة إثم.(اش10: 53).

الذنب:
ضرب من أجل ذنب شعبي.(اش8: 53).

الخطية:
هو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين.(اش12: 53).

الصلب:
ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامته أمام جازيها فلم
يفتح فاه.(اش7: 53).

الموت
والقبر: جعل مع الأشرار قبره ومع غنى عند موته.(اش7: 53).

 

(ه)
نبوة دانيال:

ويحدد
دانيال أموراً عجيبة عن مجيء الفادى بقوله: “سبعون أسبوعاً قضيت على شعبي
وعلى مدينتك المقدسة لتكمل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر
الأيدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القديسين. فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر
لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً يعود
ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له
وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضى
به..الخ”(دا.24: 9-27).

وفي
هذا الكلام إشارة واضحة إلى مجيء المسيح وفدائه للبشرية حتى يسود البر الأبدي..

 

(و)
نبوة هوشع:

إذ
يقول بصريح العبارة موضحاً الفداء: “من يد الهاوية أفديهم، من الموت أخلصهم.
أين أوباؤك يا موت. أين غلبتك يا هاويه”(هو14: 13).

هذه
كلها نبوات صريحة وإشارات واضحة تمهيدية حتى إذا جاء المسيح وقبل الموت فداء
للبشرية تكون العقول قد مهدت لقبول ذلك.

ولننتقل
الآن لنرى إشارات عملية أيضاً مهد بها الرب للفداء وهي:

 

2-
رموز الفداء:

كثيرة
هي الرموز التي تشير إلى الفداء نقتصر على بعض منها:

 

(أ)
ذبيحة آدم:

يقول
الكتاب “وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصه من جلد وألبسهما”(تك21: 3).
ولاحظ يا أخي قوله (صنع) ولم يقل (خلق) فلابد وأن يكون هناك ذبيحة دموية، ثم أخذ
جلدها وصنع منه أقمصة لسترهما. أليس هذا هو أول رمز لذبيحة المسيح الذي صنع الرب
من ثوب بره أقمصة لستر عيوبنا “ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء
البر”(أش10: 61).

 

(ب) ذبيحة هابيل:

قدم
قايين قربانا للرب من أثمار الأرض (تك3: 4). وقدم هابيل من أبكار غنمه تك4: 4).
فسر الرب بذبيحة هابيل، لأنها ترمز إلى الفداء إذ أنه مكتوب “بدون سفك دم لا
تحصل مغفرة” (عب22: 9). أما تقدمة قايين فقد رفضت لأنها ليست ذبيحة دموية.

 

(ج)
ذبيحة إسحاق:

لقد
أمر الرب إبراهيم بأن يقدم ابنه اسحق محرقة، وعندما هم أن يذبحه، إذ بالرب يقول له
“لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش
وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن
ابنه” (تك9: 22-13).

 

ففداء
اسحق رمز إلى فداء المسيح للبشرية من حكم الموت المسلط على رقابهم. وهكذا يقول
الرسول “الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاه مات المسيح لأجلنا”
(رو8: 5).

 

(د)
ذبيحة الفصح:

حدث
في الليلة التي أخرج فيها الرب شعبه من أرض مصر، جال الملاك المهلك ليضرب كل بكر
في أرض مصر، أما أبكار بنى إسرائيل، فقد أمر الرب بأن يفدوهم بذبح خروف ورش دمه
على الباب (على القائمتين والعتبة العليا) حتى إذا مر الملاك يعبر ولا يهلك البكر
الذي في داخل هذا البيت (خروج12).

فكان
هذا الخروف رمزاً إلى فداء المسيح للبشرية، إذ برش دمه على القلوب تنجو من ضربة
الهلاك.

 

(ه)
ذبائح الناموس:

لقد
حدد الناموس أنواع ذبائح مختلفة يقدمها رئيس الكهنة. والكهنة والرؤساء والشعب عن
خطاياهم، منها ذبائح المحرقة وذبائح السلامة، وذبائح الخطية، وذبائح الإثم(لاوين7:
1) علاوة على الذبائح اليومية وذبائح السبوت، وذبيحة الفصح، وذبيحة الكفارة،
وذبيحة عيد المظال (لاوين23،عدد28،29).

وهذه
الذبائح جميعها ترمز إلى ذبيحة المسيح لأجل خلاص العالم.

 

(و)
الحية النحاسية:

أمر
الرب موسى النبي أن يصنع حية من نحاس ويعلقها على راية لينظر إليها كل من لدغته
الحيات المحرقة بسبب تذمرهم في البرية، ومن نظر إليها بإيمان يشفى في الحال، ويخلص
من الموت (عدد4: 21-9).

 

وفي
هذه الحية رمز واضح للمسيح فقد أشار رب المجد صراحة إلى ذلك إذ قال “وكما رفع
موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك من يؤمن به بل
تكون له الحياة الأبدية.” (يو14: 13،15).

 

ورمز
الحية للمسيح له عدة أوجه منها:

تعليق
الحية على رايةيرمز إلى تعليق المسيح على الصليب.

صقل
الحية في النار يرمز إلى آلام المسيح.

خلو
الحية من السم يرمز إلى خلو المسيح من الخطية(رو3: 8).

لعنة
الحية في الفردوس يرمز إلى اعتبار المسيح لعنة لأجلنا(غل13: 3).

شفاء
من ينظر إليها يرمز إلى خلاص من يؤمن بالمسيح(يو15: 3).

 

هذه
يا أخي تدبيرات الله لخلاص البشرية حتى أنه في “ملء الزمان أرسل الله ابنه
مولوداً من امرأة تحت الناموس، ليفتدى الذين تحت الناموس”(غل4: 4). فما أعظم
الرب وما أكرم أفكاره العالية. فإن كنا قد سقطنا بإرادتنا ولم نسلك سبيل الطاعة بل
تمردنا وعصينا فقد حصدنا ما زرعنا، علقما ومرارة. وبذلك استحققنا العقاب العادل
وهو الموت الأبدي. ومع ذلك ما ارق قلب الرب! وما أعجب محبته! وما اعظم مراحمه فلم
يرتض أن يرانا ننحدر إلى الهاوية ويبقى ساكناً بل تحركت أحشاؤه تعطفا علينا وأسرعت
بيمينه لتنشلنا. وهكذا تم الفداء، وأتم الفادى أعظم عمل اقتضته محبته وقال وقلبه
ممتلئ سروراً ورغم الآلام: (قد أكمل) وبهذا فصل في أعظم واعقد قضية مرت على
البشرية بل تخص البشرية بأسرها، القضية التي ما كان ممكناً أن تحل لولا أن أخذ
الفادى على عاتقه أن يتولى بنفسه حلها.

فأي
شكر نقدمه له كل حين على فضله الذي لا يوصف! له المجد إلى الأبد. آمين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى