علم

الباب الأول



الباب الأول

الباب الأول

النسك

 

الفصل الأول: النسك فى التفسير اللاهوتى.

الفصل الثانى: المفهوم الروحى للنسك فى الانجيل.

الفصل الثالث: المفهوم الكنسى لمعنى النسك فى
الأرثوذكسية.

الفصل الرابع: اعمال النسك عند الآباء وأقوالهم.

الفصل الخامس: سير بعض الآباء النساك.

 

الفصل الأول: النسك فى التفسير
اللاهوتى

[1] التجسد الالهى بحد ذاته يؤخذ كأعلى مفهوم
عملى نسكى:

إذ يحمل أقصى حالة اتضاع ممكنة، هذه أتمها ابن
الله فى ذاته بإخلاء ارادى من كل مجد اللاهوت ولبس صورة عبد متضع، خادم، مرفوض.
ومن جهة أخرى وكنتيجة مباشرة للإخلاء، فان اتحاد المشيئة البشرية بالمشيئة الإلهية
اتحاداً كاملاً طابق فيه المسيح إرادة الانسان لارادة الله مطابقة كلية، يُعتبر فى
حد ذاته عملاً نسكياً بمفهوم الطاعة المتجردة التى أثبت بها بصورة قاطعة بنويته
لله الآب عملياً، لأن النسك هو العمل المستمر لمطابقة المشيئة والإرادة البشرية
لمشيئة وإرادة الله. هذا التعريف يضبط العمل النسكى نفسه، ويجعل كل نشاط منه لا
يطابق مشيئة الله، خطأ عقيدياً، باعتبار أن الحياة المسيحية هدفها النهائى الاتحاد
بالله هذا الاتحاد يبتدئ من أول لحظة فى الحياة مع الله بواسطة إطاعة الوصية،
كمحاولة لإخضاع مشيئة الانسان لله إخضاعاً ينمو شيئاً فشيئاً حتى يصير مطابقاً لها
بعمل النعمة المؤازرة للإنسان.

 وبذلك يصير مفهوم النسك من وجهة نظر لاهوتية
هو:

 أولاً: تمهيد عملى لا غنى عنه
لبلوغ حالة الاتحاد بالله، بواسطة تهيئة الطبيعة البشرية بالإخلاء المستمر من كل
كبرياء أو عظمة أو مجد بشرى كاذب، لكى تكون متضعة على مستوى تجسد ابن الله، فتصير
مناسبة ومستعدة للشركة مع الله.

 ثانياً: رفع حالة العبودية
التى يعيشها الانسان بعيداً عن الله الى حالة بنوية له، بالاجتهاد الدائم فى طاعة
وخضوع حتى الموت، لتكميل مشيئته بكل وسيلة ممكنة، واحتمال كل ضيقة وتجربة توضع فى
طريقه، ليثبت انه جدير ببنوة المسيح وميراثها، ويتم ذلك بشهادة الروح القدس فى قلب
الانسان وضميره، على حد قول بولس الرسول: ” لأنه ان عشتم حسب الجسد
فستموتون. ولكن ان كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون. لأن كل الذين ينقادون
بروح الله فأولئك هم ابناء الله. اذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً
للخوف بل أخذتم روح التبنى الذى به نصرخ يا أباالآب. الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا اننا
أولاد الله. ” (رو8: 13- 16).

 

[2] النعمة والجهاد فى العمل النسكى:

 الحياة النسكية عمل ايجابى وعمل سلبى، أى: شئ
نحصل عليه بالجهد، وشئ نحصل عليه بدون جهد. الذى نحصل عليه بالجهد هو مكتسب
بالارادة، والذى بدون جهد موهوب لنا من قبل الله بالنعمة. كل فضيلة من الفضائل لها
حد ايجابى تنتهى عنده، وحد سلبى تبتدئ منه.

 الجهاد والنعمة فى اكتساب فضيلة المحبة:

فالمحبة يمكن أن تمارسها وتجتهد فى تتميم
واجباتها بالنسبة للناس والله بدون أى عائق وبدون أية مساعدة من الناس، وفى آى
لحظة تريد أن تبتدئ فيها أى عمل محبة يمكن أن تبتدئه بارادتك وحدك ولكن مهما أوتيت
من قدرة واخلاص واستعداد وارادة، فإن محبتك تقف عند حد معين لا يمكن أن تتخطاه،
هذا الحد مرتبط بامكانية الانسان المحدودة وبتدخل ضعفات كثيرة غير مباشرة تحد من
انطلاقة فى المحبة. عند هذا الحد تبدو المحبة دائماً أنها اجتهاد شخصى مشكور، ولكن
ترُى بدون جدال أنها ناقصة. ولكن الحادث أن الانسان لا يقف عند هذا الحد، إذ أن نعمة
الله لا تكف عن عملها فى قلب الانسان المجتهد، حيث يستقبل الانسان روح المحبة الذى
يرفع فى الحال من قيمة المحبة وحرارتها وفيضها فى القلب، ويسخر كل القدرات
المتخلفة والطاقات المتعطلة فى الانسان لتخدم المحبة، ويبدو الإنسان محمولاً بقوة
جارفة ليحب بدون قيد ولا شرط، وبصورة يبدو فيها للآخرين بوضوح أن الانسان واقع تحت
تأثير الهى فائق، وأن قوة إلهية عظيمة تعمل فيه. حتى أنه لا توجد أية عداوة تستطيع
أن تحجز محبته للناس. فإذا عدنا الى الحدود الإيجابية لفضيلة المحبة، أى نهاية عمل
الجهد الذاتى بالارادة، نجد أن شعور الانسان عند هذه المرحلة بالذات، يكون شعوراً
ناقصاً جداً بالنسبة لمطالب محبة البنين، ولا حتى بالنسبة للعبيد إذا كان خالياً
من عمل النعمة. أما إذا انسكب روح المحبة فى قلب الانسان، فإنه يتزكى فى الحال
شعور البنوية فى الانسان، مما يلهب قلبه ويأسره ويشعره بقربه الشديد من الله.

 الجهاد والنعمة فى اكتساب فضيلة الاتضاع

وأيضاً فى فضيلة الاتضاع، فالجهد الانسانى فيها
ينتهى أقصى ما ينتهى عندما يشعر الانسان أنه لا شئ، وأنه غير محسوب عند نفسه، وأنه
أقل الناس جميعاً.

وحتى عند هذا الحد لا يكون الانسان راضياً عن
نفسه، ولا يكون الناس كلهم راضين عنه، إذ يبد أنه متكلف يحاول أن يجرد الانسان من
انسانيته، هذا إذا خلا كل جهاده السابق من عمل النعمة.. ولكن، إذا ما بدأت النعمة
عملها فى القلب، ووهب الله للإنسان روح اتضاع – أى بروحه القدوس – فإن الانسان
يشعر فى الحال أنه أصبح يملك شيئاً جديداً، وتبدو هيبة الاتضاع فيه جليلة بحيث
تزيد بشريته تكريماً وتجعل انسانيته فوق الانسانية الطبيعية، حتى يكاد يحس الناس
ان الله يتكلم ويعمل فيه. وهنا يصير اتضاعاً جاذباً لقلوب الناس معلناً عن الله
الذى فيه.

 

الفصل الثانى:
المفهوم الروحى للنسك فى الانجيل

الكتاب المقدس يقوم اساساً على السلطان الذاتى
لكلمة الله، المرسلة لتعمل عملها فى العالم بقوة الهية كبشارة مفرحة، تفتح بالخبر
السار الطريق الى الملكوت عبر قلب الانسان بقوة فائقة. ولكن الكتاب لا يغفل العمل
البشرى أيضاً بل يزكيه كوصية وأمر.

 العمل النسكى موضوع لإخضاع الطبيعة البشرية
لسلطان الروح، حتى لا تتعوق أو يتعطل تجديدها…
غير أن الجسد لا يستطيع
أن يمتد أو يفعل فى الروح، والعكس صحيح.

 فى المسيحية الروح يقدس الجسد فيصير مسكناً
للروح ويهيئوه لقيامة غير فاسدة، بل الروح يستطيع أن يقدس المادة أيضاً وينقلها من
طبيعتها ويجعلها روحانية. لذلك كل عمل جسدى إذا لم يتقدس بالروح فهو ميت، لابد أن
ينحصر العمل الجسدى بين دافع روحى وغاية روحية حتى لا يعتبر عملاً روحياً، الدافع
الروحى يقدس العمل الجسدى. والغاية الروحية تخلده…

 هدف الانجيل الروحى من العمل النسكى:

 الكتاب المقدس دائماً يشخص ناحية الروح،
لذلك لا يوحى إلا بالإلهام كطريقة وكأساس للنمو والمعرفة والتجديد والحياة…
فالجسد فى الكتاب المقدس يدان دائماً بالروح وليس العكس.

 اتجاه التعليم فى الكتاب المقدس اتجاه خلقى
جديد وليس تقويمياً أو تعديلياً أو مدرسياً.

 الانسان من خلال الكلمة يدخله الروح ويباشر
عمله فيه، كفعل خلق مستمر بالإنارة والالهام، كإنسان يولد بالروح من جديد فيؤهل
لرؤية الملكوت ويحيا معه اذا كانت له الارادة الصالحة والقلب المستقيم والفكر
المستنير بكلمة الانجيل نحو الاتجاه السمائى.

 التقويم المستمر للطبيعة الجسدية والتعديل
المستمر لها بالتهذيب العملى، بالممارسات النسكية، لا يؤهلها للميلاد الجديد ولا
للإستنارة ولا للإلهام ولا لرؤية الملكوت ولا للحياة مع الله، لأن ليست هذه من
طبائع الجسد حتى توهب بأعمال الجسد، إنما هى ثمار الروح وكل غاية الأعمال النسكية
هى تهذيب الجسد والحواس لتنمى فيه قوة الضبط الإرادى والاحتراس واليقظة، حتى لا
يعوق عطية الروح ولا يمنع عمل التجديد. فالأعمال النسكية تهيئ لعمل الروح يخلق
فينا كياناً جديداً.

 النسك فى الانجيل يعمل جنباً الى جنب مع العمل
الالهى:

قوة الكتاب المقدس الإلهية قائمة بصورة قاطعة،
سواء بالعمل الإلهى أو بالعمل البشرى، فى عمليات تحويل جذرية، فى تحويل الموت إلى
حياة، وتغيير الفاسد إلى عدم فساد,و الظلمة إلى نور، وغير الطاهر إلى طاهر, وعلى
وجة العموم، رفع الطبيعة الضعيفة المستعبدة تحت العوز والجهل والخطيئة، الى شركة
فى الطبيعة الإلهية الروحانية الفائقة.

الخليقة الجديدة الروحانية هى مصدر الإلهام
النسكى:

الله يخلق طبيعة روحانية جديدة للإنسان، ويمدها
بكل وسائط النعمة لكى يتأهل بها الإنسان الى الدخول فى شركة الحياة الأبدية مع
الله وميراث يسوع المسيح. ولكن الطبيعة الروحية الجديدة الموهوبة للأنسان كعمل
إلهى، لا تلاشى الطبيعة الجسدية أو تلغى صفاتها وعملها. الروحانية الجديدة
الموهوبة من الله، لها عمل إيجابى فى الإنسان تجاه الجسد والحواس والغريزة
والإرادة والعالم عمل ذو اتجاهين:

 الإتجاه الأول: أن تضعف ميل الجسد نحو
الخطيئة.

 الإتجاه الثانى: أن تجذبه باستمرار الى الله.

الخليقة الجيدة بكل إمكانياتها وكل إنعاماتها
وكل مواهبها، فى الكتاب المقدس، ليست مستقلة عن الجسد أو قائمة بذاتها منفصلة عن
الاحتكاك بالعالم وحوادثه، ولا تعتبر فى حد ذاتها نهاية أو نتيجة، ولكن كطريق
نعبره عائدين إلى الله بالجسد والإرادة وفى صميم العالم الذى نعيش فيه. الروح فى
الخليقة الجديدة وَصِى على الجسد، وقائد ومعلم وطبيب وقاضى ومؤدب بسبب ما جعله
الله فى الخليقة الجديدة من حرية الارادة، وحرية الاختيار، ومعرفة الحق، والقدرة
على التميز، والاستنارة والحب الإلهى.

 الخليقة الروحية الجديدة فى الانسان تكون صادرة
من الله ومتصلة دائماً به، والنعمة تدبرها وتسندها وتمدها بقوة سرية، لذلك
فالإنسان المولود ثانية قادر أن يقود الجسد ويخضعه لسلطان الروح، وقادر أن يحرره
من سلطان الخطيئة، وقادر أن يطهره من آثار الضعف التى خلقتها الخطية. لذلك نجد
الكتاب المقدس يضع المسئولية كاملة وبصورة صارمة على الإنسان الروحى، من جهة
مقاومة الخطيئة، وحفظ الجسد طاهراً والسلوك روحياً، وتجنب كل عثرة وغواية، والوقوف
ضد تيارات العالم وشهواته، دون أن يعطى للإنسان الروحى أى عذر، أو يلتمس له أدنى
إعفاء من اللوم والدينونة، إن هو أطاع الجسد أو خضع للخطيئة.

 التعليم النسكى الإنجيلى فى الواقع العملى
الروحى:

 الكتاب المقدس، قبل أن يطلب أن تُقلع العين
وتُقطع اليد والرجل، سبق فولد فينا إنساناً جديداً كاملاً بكل أعضائه، روحياً
مؤهلاً للحياة الأبدية، لا يتأثر من تقطيع الأعضاء بل ولا يخشى من القتل كلية
والملكوت على قيد خطوة. هذا بحد ذاته يرفع الارادة والنية بقوى الى مستوى إطاعة
الوصية. إذن، فصرامة الوصية النسكية فى الكتاب المقدس تعتمد، بصورة أساسية، على
طاعة كلمة الله بصفتها قادرة أن تُكمِلّْ كل وعد الله، وعلى عمل النعمة وفى
الخليقة الجديدة التى نلناها سابقاً بالميلاد الثانى من الماء والروح بالمسيح،
بحيث أنه بدون عمل النعمة هذا فإن العمل النسكى، مهما بلغ، يصبح عديم النفع،
ويحى أنا الانسان الشقى من ينقذنى من جسد هذا الموت ” (رو7: 24).

 والاماتة التى بلغت الى قلع العين وقطع اليد
والرجل وخصى الانسان لنفسه، تعتمد اساسا وبصورة كلية على الحياة الابدية التى

منحها الله فى كيان الانسان، وصارت مستعدة أن
تقيمه من المرض والتشويه والموت إنساناً لا عيب فيه، كاملاً فى الروح، مثمراً
لائقاً لميراث كامل مع المسيح فى ملكوت الله. هذا يشجع الضمير لكى يسلك الانسان فى
هذه الحياة كأقطع اليد، أو كأعرج الرجل، أو كمقلوع العين، أو كمخصى تجاه الخطية،
بمنتهى راحة الضمير دون الحاجة الى سكين أو مخراز لتكميل العمل على مستوى الجسد.

 الوصية النسكية تقوم فى الانجيل بضمان
النعمة:

 الكتاب المقدس حينما يأمر بقلع العين اتقَّاء
للخطية ودفاعاً عن القداسة، يعتمد سراً على عمل النعمة داخل الانسان، التى توصله
الى هذه الحالة بالفعل بدون سكين أو مخراز، بقصد ضمان دخول الإنسان إلى الحياة
الأبدية وهو أعور بالنية، أى كمن لا عين له تجاه الخطية مع أنه ذو عينين تجاه الله.
لذلك فالوصية النسكية تفقد قيمتها فى الكتاب المقدس إذا لم تكن – من جهة – معتمدة
على النعمة، ومن الجهة الأخرى، تكون مرتبطة بالحياة الأبدية كهدف السعى أى لابد أن
يكون العمل النسكى أولاً، مستمداً قوته ودوافعه من المسيح، ومؤازراً بالنعمة. أى
لا يكون مستمداً من الصرامة الجسدية وحسب، لأنه يمكن أن يقلع الانسان عينه عن
صرامة جسدية ويظل يشتهى كما هو، وثانياً يكون هادفاً للحياة الأبدية، أى لا يتوقف
عند لذة الاماتة بل يتجاوز الاحساس بالموت الى الاحساس بالحياة الأبدية!لأنه قد
يخصى الانسان نفسه بالفعل وعن صرامة جسدية ويبقى نادماً على ما فعل، بعيداً عن
ملكوت الله.

 لذلك فالعمل النسكى فى الكتاب المقدس ليس طقساً
ولا ناموساً جسدياً فى حد ذاته، بل يزيد عن كونه وصية أو أمراً يحمل ضمان تحقيقه
فى الاستجابة القلبية له. فمجرد أن ينحاز الضمير للوصية بصدق النية واستعداد
الإرادة يجد الإنسان عوناً من النعمة فى حينه، وبمجرد أن يعزم على التنفيذ تبدأ
النعمة تعمل بدل الخطيئة وتبدأ الحياة تسرى بدل الموت لحظة بلحظة، فكل إماتة
للأعضاء بإخلاص النية يلازمها قيامة بالروح للأعضاء بالنعمة، وكل موت حقيقى يلازمه
حياة أبدية.

 العمل النسكى عمليتان متلازمتان:

 تطبيق الوصية هو قبول الموت عن الجسد والعالم،
وتقبل نتائجها بآن واحد هو نوال حياة.

 العمل النسكى وصية الهية
يتلازم فيها العمل والنتيجة معاً بصورة وعد يتحقق بالإيمان، فكل عمل نسكى يتم على
مستوى الوصية هو فى واقعه الإلهى موت وحياة، خسارة وربح معاً.

 الموت والحياة فى العمل النسكى عملية واحدة
وليسا عمليتين، عملية واحدة ذات حدين. فالموت يكمل بمقدار الدخول فى الحياة مع
الله بالوصية، والحياة تسود بمقدار تكميل الوصية بالموت عن الجسد والعالم.

 التحول هنا يتم فى صميم طبيعة الانسان. فيتحول
الموت الى حياة جديدة ذات طابع روحانى مقدس.

آلام النسك تصبح بالنهاية ذخيرة حرية وراحة
واستنارة:

 فالعمل النسكى فى الكتاب المقدس، إذا أُخذ على
أساس أنه تفاعل حى مستمر بين الخليقة الجديدة السمائية والجسد الترابى الواقع تحت
ناموس الخطيئة، يصبح عملية تحرير مستمرة من عبودية الخطيئة والموت، وتحولاً فى
كيان الانسان لينحاز كله الى الله، وبالتالى يصبح تجديداً لهيئة العالم بالنسبة
للإنسان، كحالة قيامة داخلية، تمهيداً وإعداداً للإنتقال الكامل الى ملكوت الله.
أما هذه الإماتات المتعددة والضعف والعوز والمرض، هذه التى يحملها الجسد كآثار
للعمل النسكى والجهاد ضد الخطيئة، تصير له بالنهاية علامات انتصار وراحة وسلام،
شبيه بآثار الصليب، ” سمات الرب يسوع “، مماثلة لآثار المسامير
والحربة والشوك، كختم عتق وحرية وإراحة من ألم الخطية وأتعاب الجسد وجذب الغريزة
وإلحاح الشهوة وكذب العالم: ” لا يجلب أحدٌ علىَّ أتعاباً فيما بعد لأنى
حامل فى جسدى سمات الرب يسوع ” (غل6: 17).

وكأنما جروح المعركة تصير بالنهاية معمودية
يصطبغ بها الإنسان فيكف عنه ألم الموت. ” لا يسود عليه الموت بعد ”
(رو6: 9).

 الكتاب المقدس يشدد أن العمل النسكى، إن كان
معمولاً بالروح فهو اقتناء فعلى للحياة: ” إن كنتم بالروح تميتون أعمال
الجسد فستحيون ” (رو8: 13).
الإنسان الروحى يقتنى بالإماتات الظاهرة
والباطنة ذخيرة حياة لا تزول، حينما يكون عمل النسك هو فاعلية نعمة. فالسهر
والصلاة والدموع والتقشف والصوم والحرمان والفقر والعفة وقطع المشيئة لله، حينما
يقتنيها الإنسان فهو يقتنى النعمة فى صورة نسك، أو يقتنى الحياة فى هيئة إماتة، أو
يقتنى النور والراحة فى هيئة حرمان وحزن.

 النسك الروحى، فى الكتاب المقدس، بمثابة
اقتناء زيت الاستعداد الذى يحمل فيه الانسان سر مجئ الرب، إذا اقتناه أحد فى آنية
جسده فهو يكون دائماً متأهباً مستعداً كمن اقتنى قيامة حاضرة، فمهما أصاب الجسد من
تعب وضعف وقصور، ومهما دبت الأمراض وعلامات انحلال الموت، تجده شجاعاً ينتظر ساعة
الدعوة وأذنه مرهفة لسماع صوت العريس الذى ينادى المفديين المستعدين للقائه.

 العمل النسكى زيت ابتهاج يقتنيه الانسان
قطرة قطرة كعصير النعمة. إنه ذخيرة حياة مفرحة يعبر بها الإنسان ساعة الموت
الرهيبة بانتعاش روحى، فلا يئن كمن يريد أن يخلع مسكنه الأرضى، كانسان غير محترص
بسبب عمله غير المرضى أمام الرب، بل بالحرى يفرح إذ يجد ثوب العرس مهيئاً ليكتسى
به والأعمال مبيضة فى دم الخروف (رؤ7: 14).

 العمل النسكى، كنور غلبة الحياة على الموت، يتقدمنا هنا
على طول الطريق الضيق، حتى عتبة باب الدخول، ليبدد عنا وحشة الطريق وظلال تهديدات
الموت.

 الكتاب المقدس يشدد، أن لا يجزع الإنسان من
الضعف الجسدى: ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ” (لو12: 4)،
” إن أعثرتك عينك اليمنى فاقلعها ” (مت 5: 29).

 الله لا يمتنع عليه أن يحيى الموتى ويشدد
المُحَطَّمْ، ولكنه يفضل دائماً أن يعمل بقوته فى الإناء الأضعف. ومهما أصاب الجسد
من عوز أو هزال أو مرض، فلن تعطل هذه كلها قوة الله من أن تبلغ أوج عملها وكمالها
فى الانسان.

 ” تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف
تُكمَلُ ” (2كو12: 9).

إن سر قوة الانسان، فى الكتاب المقدس، ليست فى
صحة الجسد أو حكمة العقل ورزانته أو فى قوة الإرادة وثبات العزيمة، ولكن سر قوة
الإنسان المسيحى تكمن دائماً أبداً فى اقتناء النعمة.

” تكفيك نعمتى “. والكتاب
المقدس يضع قوة الله رهن كل ضعف بشرى يصيب الانسان من أجل الله، حيث تزدهر قوة
الله فى الضعيف والمنسحق والمكسور، وتكمل عملها وراحتها فيه

شرط النسك الإنجيلى الذى يجعله مقبولاً لدى
الله:

وأما أنت فمتى صمت.. لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذى فى الخفاء ”

” ومتى صليت فادخل إلى مخدعك واغلق بابك
وصلى إلى أبيك الذى فى الخفاء “.

” ومتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل
يمينك. لكى تكون صدقتك فى الخفاء ” (مت6: 1-8).

العمل النسكى منظور إليه فى الكتاب المقدس أنه
عمل سرى،
كفعل
عبادة تتممه النفس فى الخفاء، حينما تسكب ذاتها سكيباً أمام الله العمل النسكى،
فى حد ذاته، عمل إماتة وإخلاء،
وهو أصلاً قدرة موهوبة للإنسان ليتغلب بها على
ذاته المتعظمة، ليلغيها حينما يباشر قمعها وضبطها فى الخفاء سراً أمام الله، على
أساس تسليمها الكلى لله

الكتاب المقدس يضع الإنسان الناسك موضعاً
حرجاً أقصى ما يكون الحرج، حينما يشتهر عمله بين الناس ويصير له مديح وكرامة فى
العالم، حيث ينتهى – على حد قول الكتاب – كل أجرٍ له عند الله، أو جزاء روحى من أى
نوع. والانسان غالباً مسئول فى ذلك. ” قد استوفوا أجرهم “. (مت 6: 2).

جزاء النسك غنى روحى: وما هو جزاء الله؟:

” كنت أميناً فى القليل فأقيمك على الكثير
” (مت25: 21).

هكذا يحقق الله للإنسان التكامل، لا من القلة
إلى الكثرة حسب ظاهرة الآية، وإنما الإنتقال من الاعتبارات الجسدية المؤداة بالنسك
الى الاعتبارات الروحية الموهوبة بالنعمة، لأن القليل يشير دائماً الى الجسديات
والكثير يشير الى الروحيات. والانسان بمجرد أن تنجح نسكياته وتُقبل صلواته، يدخل
فى مجال الروح فتنحل عنه كل إحساسات النقص والعوز التى كانت ترزح تحت ثقلها الذات
البشرية متململة، تتلمس التعويض المادى بين الناس. مجازاة الله لا تعادلها مجازاة
العالم كله.الله لما يغنى الانسان بالروح، يكف عنه الاحساس بالعوزالجسدىوعندما
يهبه الاستنارة ومعرفة الحق لا يعود يطلب مجد العالم ولا يحزن لظلم العالم ولا
ترتاح ذاته إلا فى التسليم الكلى لله. والله لما يجازى علانية لا يكون كالعالم
الكذاب الذى يُشهر أعمال النسك ليوقع أصحابها فى المجد الذاتى والسبح الباطل،
علانية الله ممحصة بنار الروح القدس، ومجازاته غير خائبة البتة وهباته بلاندامة العمل
النسكى فى الكتاب المقدس هو سر القليل المؤدى الى الكثير
هو درب ضيق على
الطريق الضيق يختصر السبيل الى الباب المؤدى الى الحياة، هو جهد الخفاء الذى نسرق
به المجازاة خلسة ونؤَمِنْ أنفسنا ضد أباطيل الدنيا.

 

الفصل الثالث:
المفهوم الكنسى لمعنى النسك فى الأرثوذكسية

 ان كلمة النسك تفيد عموماً كل نشاط ايجابى
لتحرير النفس تقاوم به النشاط السلبى، أى هو التمرن على الفضائل لقطع دابر الرذائل
والعادات الشريرة. والحقيقة أن استخدام هذه الكلمة فى الكنيسة قديم جداً، فأول ما
نصادفها فى الحياة المسيحية نصادفها فى وصف العلامة فيلو اليهودى لأول جماعة
مسيحية مصرية متعبدة فى ظاهر الاسكندرية حول بحيرة مريوط الذين اسماهم ”
نساكاً “،

 ولكن أول تحديد لعمل النسك فى المفهوم المسيحى
نجده واضحاً فى محاجاة العلامة أوريجانوس مع الوثنيين، الذى فيه يشرح اختلاف مفهوم
النسك وعمله بين المسيحيين والوثنيين اذ يقول: [ أما النسك عندنا فهو ضبط الجسد
وقمعه لاماتة أعضائه التى على الأرض التى هى الزنا والنجاسة والشهوة وكل
الانحرافات فى الغريزة والعاطفة ].

اوريجانوس فى المحاجاة ضد كلسوس ويبدأ هذا
الاصطلاح يأخذ صفته الكنسية فى قوانين الرسل فى القانون رقم 51: [ أيما اسقف أو قس
أو شماس أو من كان من زمرة الكهنوت بالجملة أو أى فرد من الشعب، امتنع من الزيجة
واللحوم والخمر، لا لقصد النسك بل لكونه يشمئز منها على انها دنسة مرذولة، ناسياً
ما قيل بأن كافة الأشياء هى حسنة جداً [ 1تى4: 4 ]. فأما أن يتقوَّم أو أن يقطع
ويطرح من الكنيسة ].

 ومن هذا يتضح أن كل امتناع صحيح عن الزيجة أو
عن أكل اللحم أو عن شرب الخمر كلية برضى القلب، كتقوى أو نذر حياة أو من أجل تقويم
الجسد، هو محسوب فى تعاليم الكنيسة وقوانينها الرسولية أنه ” نسك “.
سواء كان ذلك بالنسبة للكهنة أو الرهبان أو العلمانيين على حد سواء. وهكذا يبتدئ
يتسع معنى النسك فى الكنيسة ليشمل كل ممارسة صادقة لأى وصية انجيلية. فالصبر على
الآلام والتعذيب والسجن حفظاً للايمان، يعتبره يوسابيوس القيصرى نسكاً [ شهداء
فلسطين 10 ]، كما يعتبره اثناسيوس الرسولى ” أعظم نسك “.

[1] الذى يداوم على الصلاة والطلبة مثل حنة
النبية تعتبره الكنيسة ناسكاً. [ كيرلس الأورشليمى: عظة 1: 19 ].

[2] والذى يهب ممتلكاته للفقراء ويختار حياة
الفقر لنفسه تعتبره الكنيسة ناسكاً. [ جيروم: تاريخ الكنيسة76: 41 ].

[3] والذى يعيش منكراً لذاته تعتبره الكنيسة
ناسكاً [ كيرلس الكبير الاسكندرى: شرح انجيل يوحنا 13: 35 ].

[4] والذى يمارس الفضيلة الانجيلية هو فى
الحقيقة ناسك لأنه يدرب ويضبط نفسه [ ذهبى الفم: شرح أعمال الرسل 2: ب].

والذى يتخصص فى خدمة الفقراء حباً فى التقوى
تعتبره الكنيسة ناسكاً [ يوسابيوس: شهداء فلسطين 11].

[5] والذى يتخصص فى دراسة الكتاب المقدس واهباً
حياته لهذه الدراسة يعتبره العَّلامة ترتليان ناسكاً. ولكن على الرغم من هذا
المعنى المتسع لكلمة ناسك، فإنها يمكن بكل سهولة اقتصارها على كل مسيحى يجاهد
ليحفظ وصية المسيح بايمان وحب أيا كان وأينما كان وكيفما كان!!.

 وهذا المعنى الموضوعى المحدد نجده واضحاً فى
تعليم كليمندس الاسكندرى حيث يعتبر أن المسيحية من حيث واقعها العملى هى ” نسك
” (1)، فالعمل النسكى فى عرفه هو برهان صدق الاختيار أما الذين أرادوا أن
يتوفروا على تطبيق الحياة النسكية، أى الحياة

 

المسيحية، توفراً دقيقاً كاملاً: فيصبح عليهم أن
ينزحوا من الدنيا ويسكنوا البرية والجبال ويعتبرهم اكليمنضس أنهم هم الذين يشهدون
بأنهم ” مختارون أكثر من المختارين “. حيث صارت لهم قوانين نسكية خاصة [
قوانين باسيليوس ]. أما القوانين النسكية بالنسبة للمسيحى العادى فهى وصايا
الانجيل.

 وأما القوانين النسكية بالنسبة للرهبان
والمتوحدين فهى ضمانات اضافية تكفل تنفذ وصايا الانجيل الأساسية.

 

الفصل الرابع:
أعمال النسك عند الآباء وأقوالهم

حياة النسك

الشرب:

 ان أردت أن تشرب بعضاً من الشراب فلا تزد
على ثلاثة كؤوس، واياك أن تحل الوصية من أجل الصداقة.

الطعام:

·     
ضبط البطن يذهب الأوجاع أعنى الشهوات الردية:
أما شهوة الأطعمة فتجلبها. فلا تكن نهماً فى الأطعمة لئلا تتجدد فيك خطاياك
القديمة.

·     
أضاف الأب اشعياء الاسقيطى أن انساناً من
الاخوة، جعل قليلاً من العدس فى القدر، ووضعه على النار، وما أن غلى، حتى رفعه عن
النار، فقال له الأخ: ” أيها الأب، ان العدس لم ينضج بعد. فقال له الشيخ: ألا
يكفيك ما أبصرته من النار! لأنه غذاء عظيم “.

وقال أيضاً أنبا اشعياء:

·     
اكتفوا من القوت باليسير الحقير، ولا تطيعوا
العدو فى مشورته فى الضيافة باللذيذ، الكثير، فقد نهى الرب تلك التى أضافته [ مرثا
] عن الاهتمام والقلق. ولما أضاف الذين تبعوه، لم يحضر لهم أصنافاً كثيرة، وانما
أحضر لهم ما كان حاضراً عند أحد التلاميذ.

 تشبهوا
بالأرملة التى أضافت النبى بما وجد عندها من الخبز والماء ولا تشتهوا الاكثار من
القنية، من أجل ضيافة الغرباء ورحمة المساكين، فان هذا أيضاً من خداع الشياطين،
التى تقود الى الاشتغال بالاهتمام واى السبح الباطل، فاليسير الحاضر ممدوح كفلسى
الأرملة.

·              
اذا كنت ساكناً فى قلاية فاجعل لطعامك مقداراً
معيناً، ووقتاً معروفاً لا تتعداه لأن خراب النفس شهوة الأطعمة.

الجسد:

 اياك أن تترك جسدك فى حالة لا تليق بسبب قذارته
لئلا يسرقك المجد الباطل – ولكن اذا كنت شاباً فاترك جسدك ليظهر بشكل غير مقبول.

 

الزهد

الملبس:

 * لا تلبس ثوباً جديداً حتى تبلغ حد الكبر
وتدخل فى سن الشيخوخة.

 قيل عن أحد الآباء أنه أقام مدة من الزمان وهو
عريان، بلا ثوب فى البرية، فأوصى الله الى بعض الشيوخ أن يمضى إليه ويستر عورته
لأنه رد غضب الله عن العالم كله. فلما جاءه الشيخ أخبره بالأمر فقال:
أما يوجد فى العالم عريان غيرى؟ “.

القنية:

 (1) اذا أقمت فى مكان وبنيت لك فيه قلاية
وانفقت فى بنائها نفقة ما، ثم بدا لك بعد حين أن تخرج منها وأقام فيها أخ أخر
وأردت الرجوع اليها مرة أخرى، فاحذر من أن تُخرج ذلك الأخ منها ولكن ابحث لنفسك عن
قلاية أخرى، وان كنت وقت خروجك منها أولاً قد تركت فيها متاعاً ووجدت أن الأخ قد
أحرقه فلا تطالبه بشئ منها.

 (2) ان اردت أن تنتقل من قلاية الى أخرى فاحذر
من أن تأخذ معك شيئاً من متاعها، بل اتركه للأخ
الذى سيسكن
فيها والله يرزقك انت حيثما كنت.

 (3) ان كنت ساكناً فى قلاية فاياك أن يكون لديك
اناء يمنعك من حفظ وصايا الله.

 (4) محبة المال تضايق العقل، فلنترك أمور
العالم وننطلق، وما تصنعه من أجل الله هو يعينك فى ساعة شدتك التى هى ساعة الموت.

سؤال: ” كيف أقدر أن أمسك بطنى وأن آكل دون
حاجتى، لأنى لا أستطيع صبراً؟ “.

الجواب: ليس أحد يفلت من هذا
الأمر، إلا الذى قد بلغ الى مقدار ذلك الذى قال: ” انى نسيت أكل خبزى من صوت
تنهدى، وقد لصق لحمى بعظمى.. فمن كانت حالته هكذا، فإنه يأتى بسرعة الى قلة الطعام
لأن دموعه تصير له مثل الخبز، ويبدأ اذ ذاك أن يتغذى من نعمة الروح القدس.

 صدقنى يا أخى، انى أعرف انساناً يعلم الرب أنه
قد بلغ الى هذا المقدار الذى ذكرت، حتى أنه كان لا يأكل فى كل اسبوع إلا مرة أو
مرتين، وكان مراراً كثيرة يسبى فى النظر الروحانى، ومن حلاوة ذلك كان ينسى أكل
الطعام المحسوس، وكان اذا أراد أن يأكل يشعر كأنه شبعان، ولا يجد لذة للطعام، وكان
يأكل بدون شهوة، لأنه كان يشتهى أن يكون دائماً مع الله، وكان يقول أين نحن؟.

قال الأخ السائل: أنا أطلب إليك يا ابى
أن توضح لى قوة هذا الأمر، وكيف يصير الانسان الى ما ذكرت، فانى أجهل ذلك، واذا
أنا بدأت أقلل طعامى، فما يدعنى الضعف حتى أعود الى المقدار الأول، وأنت قلت لى أن
الذى يبلغ الى المقدار الأول الذى قيل فيه: ” ان لحمى لصق بعظمى من صوت
تنهدى “. يصير الى قلة الطعام، فبين لى هذا الأمر؟.

قال الشيخ: هذا هو التصاق اللحم
بالعظم، أن تصير جميع أعضاء الانسان ملتصقة، الى أن تكون أفكار الانسان كلها فكراً
واحداً بالله، عند ذلك يلتصق الجسدانى ويصير روحانياً، ويلحق الجسد بالفكر الالهى،
وحينئذ يصير الفرح الروحانى – فى القلب – يغذى النفس ويشبع الجسد. ويقوى كلاهما
حتى لايكون فيهما ضعف ولا ملل، لأن ربنا يسوع المسيح اذ ذاك يكون الوسيط ويوقف الانسان
بالقرب من الأبواب التى ليس داخلها حزن ولا وجع ولا تنهد، وحينئذ يتم القول:
حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك “،
فالذى يبلغ الى هذا المقدار قد اقتنى
الاتضاع الكامل ليسوع المسيح ربنا.

المال

* تأهل أحد الشيوخ لمواهب الله، وذاع صيت
فضله فاستدعاه الملك لينال بركة صلاته، فلما تناقش معه وانتفع منه، احضر له مالاً،
فقبله الشيخ وعاد به الى قلايته، وبدأ فى تنظيفها وتعميرها فجاءه مجنون به روح
نجس، فقال له حسب عادته: ” اخرج من خليقة الله ” فقال له الشيطان: لن
أطيعك فقال الشيخ: ولِمَ؟ فأجابه لأنك صرت واحداً من خدامنا اذ تركت عنك الاهتمام
بالله، وأشغلت ذاتك بالاهتمام بالأرضيات.

* سأل أخ شيخاً: هل تحب يا أبى أن أن
أحبس لنفسى دنانير فتكون عندى لئلا يصيبنى مرض؟.

فلما رأى الشيخ أن فكرى قد هوى امساك الدنانير،
قال له: ” نعم ” فلما مضى، أزعجته أفكاره قائلة له: ” أترى بحق قال
لك الشيخ أم لا؟ “. ثم قام أيضاً ورجع إلى الشيخ وطلب إليه قائلاً: ” من
أجل الله قل لى الحق، لأن أفكارى تحزننى جداً من أجل الدنانير فقال له الشيخ: أنى
لما أبصرت أنك تحب امساك الدنانير، قلت لك أمسك أكثر من حاجتك، أما ان أمسكت
بالدنانير، فسوف يكون رجاؤك عليها، فان هى نفذت، فان الله لن يهتم بك ولن يعينك.

·     
وقيل أن شيخاً راهباً أصيب بمرض الجذام، فأحضر
له أحد المسيحيين مالاً وقال له: ” انفق هذا المال على نفسك فى حال كبرك
ومرضك، فأجابه الشيخ وقال: ” أتريد أن تفقدنى فى ساعة واحدة ما قد تعبت فى
اقتنائه منذ بدء حياتى حتى هذه الساعة؟ ” وهكذا لم يقبل منه شيئاً.

·     
وجاء عن أنبا مقاريوس الاسكندرى: أنه لم يكن فى
جنبيه أية محبة للمال. وحدث مرة حين جاء لصوص الى قلايته ليلاً وأخذوا ما وجدوه
فيها، انه لاحظ مايعملون فساعدهم فيه ثم سهل لهم طريقة حمل ما أخذوا الى خارج
الصحراء.

·     
وقيل عن انبا مقاريوس: أنه كان يوصى تلاميذه بأن
لا يقتنوا مقتنيات البتة. وكان يخاطبهم بقوله: ان الراهب له جبة مع أنه لا يساوى
عند المسيح جبة.

·     
وقال بعض الآباء: ان شئت أن تمتلك النوح، فاجتهد
أن تكون أوانيك. وكل امتعتك مسكينة فقيرة، مثل الاخوة الشحاذين، اذا اقتنيت كتاباً
فلا تنمق فى تجليده ولا تزينه. وبالاجمال ليكن جميع ما هو لك مما لا تتألم على
فقدانه. ثيابك وحذاؤك وكل أوانيك لتكن هكذا حتى لو جاء قوم ليسرقوها لا يسترضون
بها ولا يعجبهم شئ منها.

·     
وكأن الأب تادرس الفرمى يقتنى ثلاث أناجيل ثمينة
جداً فذهب الى أنبا مقاريوس وقال له: عندى يا أبى ثلاثة كتب وأنا أنتفع منها،
والاخوة كذلك يستعيرونها وينتفعون منها. فاخبرنى الآن ماذا ينبغى أن أصنع؟ [ هل
استبقها لمنفعتى ومنفعة الاخوة، أم أبيعها وأفرق ثمنها على المساكين؟ ].

 فأجاب
الشيخ قائلاً: ” ان أعمال الرهبنة جميلة، ولكن أعظمها جميعاً هو الفقر
الاختيارى “.
ولما سمع الأب تادرس هذه الكلمات، مضى وباع الكتب وأعطى
ثمنها للفقراء.

 

أقوال الآباء فى النسك

[1] هذا ما يليق بالراهب: ثوب بقدر الجسد لأن
الغرض منه شئ واحد هو ستر الجسد من الحر والبر، ولا يتطلب ازدهارالصبغ وحسنه،
ولانعومة الثوب ولا ليونته، لأن الميل الى ذلك من صفات النسء، كما يجب أن يكون
الثوب سميكاً حتى لا يحتاج الأمر الى وشاح ليدفئ لابسه وليكن الحذاء بسيطاً يتمم
الحاجة الضرورية اليه فقط. وكذلك الحال فى الطعام، خبزة واحدة تسد الجوع، والماء
ليروى ظمأ العطشان. وأما المشى فلا يكون بطيئاً بانحلال، كما لا يكون بسرعة
وعجرفة، حيث الحركات الخطيرة

 القديس
باسيليوس

[2]
اعطِ بطنك طعاماً مشبعاً سريع الهضم لكيما بالشبع تزيل عنها شهوة الحنجرة وبسرعة
هضمه تهرب من الحرارة المتولدة من دسمه.

 يوحنا
الدرجى

[3]
لا يوجد هاهنا طعام أو شراب، بل جوع وعطش دائم.

[4]
منذ الآن لن يكون لعب أو ضحك أو قهقهة أو انحلال.

[5]
داوم السهر والصوم الى المساء فى كل زمانك إلا فى حالة مرض يلحقك أو ضعف يصيبك.

 القديس
اكليمادوس

[6]
الصوم من العشاء الى العشاء. البعد عن كل شره ورغبة. والزهد فى كل شئ ما خلا الخبز
والماء، والامتناع عن شرب الخمر إلا فى حالة مرض.

ماراسحق السريانى

[7]
السهر لنصف الليل وصلوات لا تنقطع ليلاً ونهاراً وخدمة المزامير وضرب المطانيات
والسجود، والهذيذ فى الصلوات، تضرع القلب، بسط اليدين نحو السماء.

[8]
الرقاد على الأرض الى وقت الشيخوخة إلا فى حالة المرض.

 ماراسحق
السريانى

[9]
اذا جلست على المائدة فضع ذكر الموت أمامك ومن خلفه ضع موقف الدينونة الرهيب، وأنت
بذلك تقطع الطريق على شيطان الشره

[10] اذا تناولت الكأس لتشرب فاذكرالخل والمرارة
التى شربها يسوع من أجلك وبذلك تضبط نفسك.

[11]
الصوم هو غصب الطبيعة وتكليفها بمراد النفس. وقطع تلذذ الفم وحرمان الجسد من
الحرارة.

 الأب
يوحنا الدرجى

[12]
لتسترح فى جلوسك، ابغض شهوة الأطعمة، فيخفف ألم الزنى عنك.

[13]
احتفظ بالامساك، كيما تقمع حركات الجسد، فان مرض فعزه حتى يجئ الى الصحة دون أن
تلازم اللذات.

[14]
اعطى البطن ما يقوته لا ما يهواه وما ألذ وأطيب خبز الصوم لأنه معتوق من خمير
الشهوات.

[15]
ان أردت شرب الشراب فقلل منه، لأن قلته تنفع شاربه، وويل للمحتال والسكران فانهما
يدانان مع القتلة والزناة.

[16]
لا تقتنى ثوباً حسناً لئلا تنكره نفسك المحقره.

[17]
ان كان لك غنى بدده، وان لم يكن لك، فلا تجمع وطوبى للذى يسلك الطريق الضيقة
الحزينة، فانه يفرح ويدخل السماء وهو مكلل.

 القديس
نيلُس السينائى

[18]
الصوم بذل الجسد، والسهر ينقى العقل أما كثرة النوم ففيها خسارة العقل، وجفاف
العينين، وتغلظ القلب.

الأنبا اشعياء الاسقيطى

تعب الجسد

[19]
ابغض كل ما فى العالم من نياح الجسد لأن ذلك يصيرك عدواً لله. فقاتل الجسد كمن
يقاتل عدواً لدوداً جداً. الذى يطلب الرب بوجع قلب يسمع منه ان هو سأله باهتمام
ومعرفة وهو غير مرتبط بشئ من العالم إلا بنفسه فقط، وذلك لكى يوقفها قدام الرب بلا
عيب كنحو قوته.

[20]
لا تتضجر من الاتعاب مطلقاً فيأتيك النياح من قبل الله سريعاً مثل بيت ضرب خارج
المدينة يرمى فيه كل نتن، هكذا نفس الراهب العاجز تصير مأوى لكل شر.

 [21]
أحب التعب والمشقة فى كل شئ لتخف عنك أوجاعك.

 الأنبا
اشعياء الاسقيطى

[22]
لا تطلب حوائج كثيرة، لأنك عاهدت المسيح أن تعيش معه بالفقر، لأن المسيح هو حياة
النفس، وكل ما أقتناه فى قلبه وفى فكره وفى تصرفاته بامتداد عقله اليه، فهو ذاك
الذى ينجح فى سيرة هذا العمر، وينال الحياة التى لا تزول.

 أحد
الآباء الشيوخ

[23]
من يهتم بجسده بشهوة أكل وشرب، فهو يقيم عليه الحرب، ويقاتل نفسه بنفسه.

 انبا
تيموثاوس

[24]
لا تشبع خبزاً، ولا تشته شراباً.

 أحد
الأباء الشيوخ

[25]
خبز وملح مع سكوت وراحة، أفضل من أطعمة شريفة مع هموم وأحزان.

 مارافرآم

[26]
أرفع الصلاح كله أن يمسك الانسان بطنه ولسانه.

 أحد
الآباء الشيوخ

[27]
شاب يتنزه دفعات كثيرة، فقد صار سيفاً لنفسه وحده.

 أحد
الآباء الشيوخ

[28]
اعلم يقيناً ان كل انسان يأكل ويشرب بلا ضابط ويحب أباطيل هذا العالم فانه لا
يستطيع أن ينال شيئاً من الصلاح بل ولن يدركه، لكنه يخدع نفسه.

[29]
اذا قاتلتك الشياطين بالأكل والشرب واللبس فارفض كل ذلك منهم وبين لهم حقارة ذاتك
فينصرفوا عنك.

 أنبا
موسى الأسود

[30]
من قول بعض الشيوخ:

 سألنا
أنبا انانيه أن يقول لنا كلمة فقال لنا: عليكم بالمسكنة والامساك، لأنى كنت فى
برية مصر فى شبابى، وحدث أن اشتكى أحد الآباء بطحاله، فطلب جرعة خل، فلم يجد فى
تلك البرية كلها، وكان فيها ثلاثة آلاف راهب، فشكى حاله لأحد الشيوخ الذى أمر
باحضار قليل من الماء، ثم قام وصلى عليه ورسم باسم الآب والابن والروح القدس، ودهن
به الطحال، فزال الوجع لوقته برحمة السيد المسيح.

[31]
زار مرة رهبان من الاسقيط الأم سارة، فقدمت لهم طعاماً، فتركوا الجيد وأكلوا من
الدون، فقالت ” بالحقيقة انكم اسقيطيون ”

[32]
قال أحد الأخوة: مضيت مرة إلى الأب مقاريوس بالنهار ظهراً، وقد عطشت لدرجة كبيرة
جداً، فطلبت منه قليل من الماء لكى أشرب، فقال لى: أما يكفيك ذلك الظل الذى أنت
واقف فيه، لأن كثيرين الآن يسلكون فى المسالك والوهاد فى العراء، لا يجدون ظلاً
مثل هذا. فسألته بعد ذلك أن يقول لى كلمة عن النسك. فقال لى: قوى قلبك يا ابنى
فأنى أقمت عشرين سنة لم أشبع من خبز وماء، ولا من نوم، وكنت آكل خبزى بقانون، وأما
من جهة النوم فانى كنت استند الى الحائط

 واختطف
يسيراً منه.

[33]
لست أعنى بالنسك ترك الطعام الضرورى لأن هذا يؤدى الى الموت، ولكنى أعنى ترك
المآكل التى تجلب لنا اللذة وتسبب تمرد الجسد.

[34]
وقد تكون هناك أشياء كثيرة ليس فيها خطية ومع ذلك يجب أن نتنسك عنها اذا كان فى
ذلك ربح لنا وللآخرين كما قال الرسول ” لذلك ان كان طعام يُعثر أخى فلن آكل
لحماً الى الآبد لئلا أُعثر أخى ” [1كو8: 13]، وأيضاً قال: ” حسنٌ أن لا
تأكل لحماً ولا تشرب خمراً ولا شيئاً يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف “. [
رو14: 21 ].

 [35]
والمتنسك بالحقيقة هو من يتغرب من كل الآلام الجسدانية حتى الطبيعية. والنسك هو
رأس الحياة الروحية وهو يقلع شوكة اللذة. أما اللذة فهى خدعة الشرير والصنارة التى
يصيد بها أتباعه ويسوقهم مكبلين بقيودها الى الموت.

[36]
أما فضائل الناسك فهى مخفية لا تظهر للناس ومع ذلك فهى تُعرف من معاملة الناسك
لجسده. وفى هذا ربح ليس بقليل لكل الذين ينظرونه حتى أثناء أكله، كما يقول الرسول:
” حتى إذا أكلتم أو شربتم أو عملتم أى عمل آخر يكون الكل لمجد الله “.

[37]
ولكن لا نعد مع أعداء الله الذين ينحرفون بنياتهم السيئة ويُحَّرِمُونَ بعض
الأطعمة التى خلقها الله ليأكلها الانسان بالشكر يجب علينا أن نذوق من كل طعام
يقدم لنا، كل نوع فى زمنه دفعة واحدة حتى نظهر للجميع أم أن كل شئ طاهر للأطهار،
وأن كل ما خلقه الله هو حسن وأن ليس شئ نجساً فى ذاته اذا تناولناه بالشكر، لأن كل
شئ يتطهر بكلمة الله. ولكن مع هذا لنحفظ صورة النسك ونهرب من امتلاء البطن لأن
النسك ترتعب منه الشياطين كما قال مخلصنا: ان هذا الجنس لا يخرج بشئٍ إلا بالصلاة
والصوم.

 القديس
باسيليوس الكبير

[38]
كل خبزك بسكينة وهدوء وامساك. اياك والشره فانه يطرد خوف الله من القلب، والحياء
من الوجه، ويجعل صاحبه مأسوراً من الشهوات ويضل العقل عن معرفة الله.اجعل لك مرة
واحدة فى النهار للقيام بحاجة الجسد لا للشهوة، ولا تأكل حتى تشبع.

 القديس
انطونيوس

[39]
الأكل بقدر ليس خطية، وانما هزيمة الرهبان هى أن تسود عليهم الحنجرة ويتعبدوا
للشهوة. فاحفظ نفسك من الامتلاء بالطعام لأن الطريق المؤدية الى الحياة كربة
والباب ضيق والامتلاء يجعلك خارج الفردوس.

 القديس
باخوميوس

[40]
– جالس الضباع ولا تجالس الشره الذى لا يكتفى.

 –
التحدث مع الخنازير ذات الحمأة، أفضل من فم الأكولين

 –
لا تخاصم ولا تماحك من أجل البطن.

 ماراسحق
السريانى

[41]
ان المحب لله لا يحفظ ملاذ الأطعمة.

 أحد
الشيوخ

[42]
يا حنجرانى، يا من تطلب أن تملأ جوفك، الأجود لك أن تلقى فيه جمر نار من أن تتناول
أطعمة الرؤساء.

 أحد
الأباء الشيوخ

[43]
الذى يأكل كثيراً ويقوم عن المائدة أفضل من الذى يأكل قليلاً ويبطئ أمام المائدة
حتى يشبع.

 قول
لآخر من الشيوخ

[44]
وقيل أيضاً:

 ”
ويحٌ لشاب يملأ بطنه ويصنع هواه، لأن رهبانيته وتلمذته، وكل تعبه، يكون باطلاً
“.

[45]
كذلك قيل:

 ان
كانت شهوتك عالمية، فهذه أيضاً شهوة الكلاب والخنازير، اعنى بذلك البطن والزنا.
أما ان كانت شهوتك بالله، فهذه هى شهوة الملائكة.

[46]
مرة سأل أخ الأب شيشوى عن تدبير ما، فأجابه الشيخ قائلاً ” ان دانيال النبى
قال: خبز شهوة ما أكلت “.

 

[47]
وقيل أيضاً:

 ان
شيخاً كان يأكل أثناء تأدية عمله فَسُئِلَ عن ذلك فقال: ” انى لا أؤثر أن
أجعل الطعام عملاً أتفرغ له، حتى لا تشعر نفسى بتلذذ فى الطعام “.

[48]
ان امساك البطن هو ان تقلل من شبعك قليلاً، وان كان عليك قتال فاترك قليلاً أكثر
“.

 القديس
برصنوفيوس

[49]
لا تحب الخمر لئلا يحرمك من رضى الرب.

 أنبا
موسى الأسود

[50]
من بذل نفسه لشرب الخمر لا يمكنه أن يخلص من شر الأفكار وقبح الأعمال. فإن لوطاً
لما امتلأ من السكر وقع فى مضاجعة قبيحة مغايرة للناموس الطبيعى.

[51]
ان رداء الراهب هو علامة عدم وجود الشر.

 انبا
اغاثون

[52]
شيطان الزنا يرصد ثوب الراهب، هل يلبسه باستمرار، أو يغيره عند التقائه بآخر، لأن
هذا هو مفتاح الزنى.

[53]
ان آباءنا كانوا يلبسون خرقاً موصولة قديمة، وأغطية عتيقة أما الآن فلباسنا ثياب
غالية الثمن. امضوا من ههنا فقد أفسدتم ما كان ههنا.

ماراسحق السريانى

[54]
ان المحب لله لا يحفظ مالاً.

 أحد
الشيوخ

 

[55]
وقال بعض الأباء:

 لا
تقتنى ذهباً فى كل حياتك وإلا فما يهتم الله بك، وان أتاك أحد بذهب، وكنت محتاجاً،
فانفقه فى قوتك، وان لم تكن محتاجاً، فلا يبت عندك.

[56]
محبة المقتنيات تزعج العقل، والزهد فيها يمنحه استنارة

 أنبا
موسى الأسود

[57]
لا تبقى لك أكثر من حاجتك ولا تدفع اكثر من طاقتك.

 القديس
انطونيوس

[58]
ان محبة المقتنيات متعبة جداً تؤدى الى نهاية مريرة لأنها تسبب اضطراباً شديداً
جداً للنفس فسبيلنا أن نطردها منذ البدء لأنها ان أزمنت فينا صار اقتلاعها صعباً.

[59]
ان كنت مشتاقاً الى ملك السماء فاترك غنى العالم.

 انبا
اغاثون

[60]
التمس فهماً لا ذهباً واقتنى سلامة لا ملكاً.

[61]
المرتبط بالمقتنيات والملذات فهو عبد للأوجاع الذميمة.

ماراسحق السريانى

[62]
من لا يستطيع أن يبغض المقتنيات، فلن يقدر أن يبغض نفسه حسب الوصية المسيحية.

 أحد
الآباء الشيوخ

[63]
أنه هوى شيطانى للراهب أن يحتفظ لديه بقوت قليل، ذلك لأنه يدخر ما لا حاجة به
إليه، أما الصديق فانه يلقى على الرب همه، وبغيرهمَّ يغرق، من أجل ذلك فيد الرب
مفتوحة قدامه وهى ممتلئة، فيأخذ ويعطى بسذاجة بغير فكر. من يحفظ شيئاً زائداً
لينيح به المحتاجين فهو حكيم بحق. من أجل هذا اذ تفرغ يده، تجدها تمتلئ كل ساعة،
لأنه اذ أعطى، فله أن يأخذ أيضاً. من ينيح آخر فى ضيقته، له هو أيضاً من يهبه نياح
الحياة.

 أحد
الآباء الشيوخ

[64]
مرة سأل أخ أنبا سرابيون قائلاً: ” قل لى كلمة “، فقال الشيخ: وماذا
تريد بسماع الكلمة وقد أخذت قوت الفقراء وتركت فى هذه الكوة وذلك لأنه أبصرها
مملوءة كتباً.

[65]
نسك النفس هو بغض التنعم وبغض الجسد هو العوز.

 القديس
موسى الأسود

[66]
إن الراهب غريب فى أرض غريبة، فإذا أراد أن يجد راحة فعليه أن لا يشغل نفسه بأى شئ
فيها.

 القديس
ارسانيوس

[67]
الغربة أفضل من اضافة الغرباء.

 أنبا
يعقوب

[68]
كمثل انسان اذا دخل الحمام ان لم يخلع عنه ثيابه لا ينعم بالاستحمام، كذلك الانسان
الذى أقدم على الرهبنة ولم يتعرى أولاً من كل اهتمام العالم وجميع شهواته وملذاته
فلن يستطيع أن يصير راهباً ولن يبلغ حد الفضيلة، ولن يمكنه كذلك أن يقف قبالة جميع
سهام العدو التى هى شهوات النفس.

 القديس مقاريوس الكبير

[69]
لقد جرب آباؤنا الصوم كل يوم فوجدوا أنه نافع وموافق لنقاوة النفس. ونهونا عن
امتلاء البطن من أى طعام كان حتى ومن الخبز البسيط، أو من الماء أيضاً.

 الأب
يوحنا كاسيان

 [70]
ان كنا لا نستطيع أن نصوم الى العشاء فلنشارك الضعفاء ونصوم الى الساعة التاسعة أو
الى نصف النهار على الأقل، وإنما لا نأكل من باكر وهذا لا يحتاج الى قوة جسد.

ماراسحق السريانى

 

الفصل الخامس: سير بعض الآباء النساك

[1] القديس العظيم الأنبا أنطونيوس أب الرهبان

[أ] كيفية خروجه من العالم:

 كان القديس انطونيوس يأخذ لنفسه فائدة روحية من
كل موقف من مواقف الحياة التى يتعرض لها ومن كل حدث من الأحداث التى تقع حوله.
والعجيب أن أول درس يتلقاه فى الرهبنة وفى الموت عن العالم لم يكن من شخص حى بل من
جسد انسان ميت، وكان هذا الانسان هو أباه. فعندما بلغ انطونيوس الثامنة عشرة من
عمره تنيح والده فدخل اليه ونظر الى الجسد المسجى ثم قال: ” تبارك اسم الله،
أليست هذه الجثة كاملة ولم يتغير فيها شئ البتة سوى توقف النفس الضعيف، فأين هى
همتك وعزيمتك وسطوتك العظيمة. إنى أرى الجميع قد بطل وتركته، فيالهذه الحسرة
العظيمة والخسارة الجسيمة “. ثم تأمل فى الجسد مرة أخرى وأردف قائلاً ”
إن كنت أنت قد خرجت بغير إرادتك فلا أعجبه من ذلك بل أعجب من نفسى إن عملت كعملك
“.

 وبعد موت أبيه بفترة قصيرة ماتت أمه وتركته
وحيداً مع أخته الصغيرة ” ذيوس ” وكان عمره حينذاك لا يزيد عن عشرين
عاماً، فكان عليه أن يهتم بشئون بيته ويرعى اخته الوحيدة. وكان كثيراً ما يتأمل فى
حادثة موت والديه ويردد قائلاً: لابد لى من مفارقة هذا العالم الزائل مثل أبى
وأمى، فالأفضل أن أخرج منه طائعاً قبل أن يخرجونى منه كارهاً.

 ولم يمضى على انتقال والديه إلا ستة أشهر، وذهب
كعادته الى الكنيسة فى أحد الأيام وهو يوم الأحد، وأخذ يناجى نفسه وهو فى الطريق
إليها: كيف أن الرسل قد تركوا كل شئ وتبعوا المخلص، وكيف كان المؤمنون فى الكنيسة
الأولى يبيعون ممتلكاتهم ويأتون بأثمان المبيعات ويضعونها عند أرجل الرسل لكى توزع
على كل أحد كما يكون له احتياج [اع4: 34، 35 ]. وبينما هو متأمل فى هذه الأمور دخل
الكنيسة وسمع الشماس يقرأ الانجيل فى قول الرب للشاب الغنى: ” إن أردت أن
تكون كاملاً فاذهب وبع املاكك واعطِ الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعال
اتبعنى.” [مت19: 21].

 لقد اعتبر القديس انطونيوس هذا القول
موجه له خصيصاً، ووجدت هذه الكلمات أرضاً خصبة فى قلبه المستعد، وأثمرت سريعاً.

 وبعد أن خرج انطونيوس من الكنيسة باع ممتلكاته
عن أبيه، وتقدر بنحو ثلاث مائة فدان من أجود الأراضى الزراعية فى قمن العروس. ووزع
ثمنها على الفقراء محتفظاً بالقليل لأخته بعد أن أودعها بيتاً للعذارى. وعندما دخل
الكنيسة مرة ثانية سمع الشماس يقرأ قول الرب: ” لا تهتموا للغد. لأن الغد
يهتم بما لنفسه يكفى اليوم شره ” [مت6: 34 ].
لم يحتمل البقاء فى العالم
بل خرج قاصداً التفرغ الكامل للنسك والعبادة خارج بيته مدرباً نفسه بالصبر وكان
حريصاً أن ينفذ وصية الرب فى حياته.

وكان انطونيوس خاضعاً لقيادة الروح القدس الساكن
فيه والذى يحول كلام الله الذى يسمعه الى حياة حارة بالروح محققاً قول الرب:
الكلام الذى اكلمكم به هو روح وحياة “. [يو6: 63].

وحينما خرج انطونيوس من بيته قاصداً التحلل من
العالم والارتباط بالواحد، لم يكن هناك أديرة ولم يعرف راهب بل ولم تكن هذه
التسمية معروفة. وقد كان كل من يريد أن يتدرب على النسك يخرج للانفراد والعزلة
خارج حدود بلدته، وهو ما كان يعرف بنظام الحبساء.

[ب] حياته النسكية:

 كان فى ذلك الوقت خارج القرية المجاورة
شيخ قديس عاش حياة النسك منذ شبابه فاقتدى الأنبا انطونيوس بسيرته وتقواه. وابتدأ
الأنبا انطونيوس يعمل بيديه لينفق على قوته بجزء ويتصدق بالجزء الآخر إلى جوار
مثابرته على الصلاة والنسك عملاً بقول الكتاب: ” إن كان أحد لا يريد أن
يشتغل فلا يأكل أيضاً “.

[ 2تس 3: 10 ].

ودرب القديس نفسه أن يأكل مرة واحدة كل يوم عند
الغروب، ثم تدرج الى مرة كل يومين واستمر فى نسكه حتى وصل إلى أنه كان يأكل مرة
واحدة كل أربعة أيام. وكان طعامه الخبز والملح، وشرابه الماء فقط.

 وقد ذُكر عن القديس انطونيوس بعدما سكن مغارته
بالبرية الجوانية أنه حينما كان يجلس للأكل مع الأخوة كان يجلس بخجل واستحياء،
لكنه كان يتعزى ويعزى الأخوة بكلام فيه منفعة. وكان يقول لهم باستمرار انه يجب ان
نسمح بوقت قصير للجسد بسبب الحاجة، ويجب ان نخصص كل الوقت الباقى للروح، أن نطلب
منفعتها لكى لا تنجرف بملذات الجسد بل ينبغى أن يخضع الجسد للروح، وهذا هو ما قصده
الرب بقوله: ” فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا. فإن هذه
تطلبها أمم العالم. وأما انتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه بل اطلبوا ملكوت
الله وهذه كلها تزاد لكم.” [ لو12: 29- 31].

 وكان القديس انطونيوس يرتدى لباساً من
شعر وفوقه قميص من جلد، وظل يرتدى هذا اللباس حتى نياحته. وكان يكفيه أن ينام على
حصير خشنة، وغالباً ما كان ينام على الأرض العارية، فكانت راحته الحقيقية أن يكون
للرب مسكناً فى جسده المتعب، وموضعاً لإله يعقوب فى قلبه المحب [ مز132: 5 ].

[ج] جهاده ومثابرته:

 وإن كان القديس انطونيوس لم يتلقَ من الآخرين
سوى القليل من الإرشادات إلا أنه كان يمارس أكثر كثيراً مما يرشده به الآخرون.
فكان يسهر كثيراً لدرجة أنه كثيراً ما كان يقضى الليل كله فى الصلاة دون أن ينام.
لقد تعلم من الكتب أن مكائد ابليس كثيرة فاستمر فى النسك والعبادة بغيرة شديدة.
ولما كان ابليس يعجز عن خداع قلبه بالملذات الجسدية، فقد حاول أن يصطاده بشباك
حروبه المتنوعة، فكان القديس يجتهد أن يقمع جسده أكثر فأكثر وتحمل أتعاباً كثيرة.
كما اعتزم انطونيوس أن يدرب نفسه على حياة أكثر نسكاً، بيد أن الشيطان عدو كل بر
لم يطق أن يرى فى هذا الشاب كل ذلك العزم فابتدأ يحاربه بكل ما لديه من أسلحة
الشر، أما القديس انطونيوس فكان يقاومه راسخاً فى الايمان وكلل الرب جهاده
بالانتصار.

 قال القديس انطونيوس فى الرسالة الرابعة:

[ الذين يريدون أن يتبرروا بمعيشة النسك بيسوع
المسيح، يجب عليهم أن يطردوا الشهوات الجسدية متوسلين لدى الرب يسوع، وهو برحمته
وتحننه يبطل عنهم كل الضيقات والتجارب التى تأتى على الجسد ].

وهكذا ظل القديس انطونيوس زهاء عشرين عاماً يدرب
نفسه فى الوحدة لا يخرج قطعاً ويندر أن يراه أحد.

بعد هذا لما كثر الذين أرادوا برغبة حارة أن
يقلدوا نسكه، وبدأوا يقتحمون بابه خرج اليهم متعمقاً فى الأسرار ممتلئاً من الروح
القدس ولأول مرة رؤى خارج الحصن وعندئذ تعجبوا من منظره عندما رأوه، لأنه كانت له
نفس هيئة جسمه السابقة فلم يكن بديناً كرجل بغير تمرين، ولا نحيفاً هزيل الجسم
بسبب الصوم والصراع مع الشياطين. بل كان كما عهدوه قبل اعتزاله.

سيرة أبا انطونيوس الكبير بقلم أثناسيوس
الرسولى.

 

[2] القديس مقاريوس الكبير أب برية
شيهيت

[أ] جسم نحيل ووجه شاحب من شدة مخافة الله.

 كان وجهه وجسمه النحيل يكفيان لأظهار شدة
تعففه ونسكه، مع أن الأصوام لم تكن هى السبب الوحيد لنحافة جسده، بل هذا أيضاً كان
نتيجة لمخافة الله التى امتلأت بها نفسه فأضمرت، بل وأحرقت، بنوع ما كل جسده.

[ب] محبة العوز:

 جاءه بعض النساك مرة ليروه فى الاسقيط، فلم
يجدوا فى قلايته أى شئ من متاع الدنيا. وحتى الماء الذى يشرب منه وجدوه منتن
الرائحة، فأرادوا أن يأخذوه إلى بلده لأجل تقويته وتزويده بالأمور الضرورية، ولكنه
عرفهم جيداً بأنه يحب هذا العوز، وأنه لو كان يريد تلك الضروريات، فإنه يعلم جيداً
أين يطلبها بدون الإلتجاء لطلب معونتهم.

[ج] يعمل بيديه ويبيع شغله بنفسه، ويعمل كأجير.

وكان يعمل طول النهار فى قطع الخوص. ويظهر
بالأكثر تقشفه واتضاعه فى أنه كان يحمل بنفسه من الاسقيط القفف والمقاطف التى كان
يصنعها، ليبيعها فى ترنوت على ضفة النيل ومرة وجد نفسه متعباً تحت هذا الثقل، حتى
أنه اضطر إلى ان يجلس على الأرض، وإذ كان ما يزال بعيداً عن النهر خاطب الله قائلاً:

[ يارب أنت تعلم أنه ما عاد فىَّ قوة. وللوقت
وجد نفسه على شاطئ النهر ].

ومعروف أن القديس مقاريوس كان ينزل كل سنة مع
النساك فى زمان الحصاد ليعمل كأجير فى الحقول ليبتاع قوته.

 [د] تقشفه وزهده:

 قال بعض الآباء لأنبا مقار المصرى:
“ان جسدك قد جف سواء أكلت أو صمت “. فقال لهم الشيخ: ان قطعة الخشب التى
احترقت وأكلتها النيران، تفنى تماماً، وهكذا أيضاً قلب الانسان يتطهر بخوف الله،
وبذلك تفنى الشهوات من الجسد وتجف عظامه.

+ وقيل أيضاً أن انساناً أتاه بعنقود مبكر، فلما
رآه سبح الله. وأمر أن يرسلوه الى أخ كان عليلاً، فلما رآه الأخ فرح، وهم أن يأخذ
منه حبة واحدة ليأكلها لكنه قمع شهوته، ولم يأخذ شيئاً وقال: ” خذوه لفلان
الأخ لأنه مريض أكثر منى فلما أخذ العنقود إليه رأه وفرح، ولكنه قمع شهوته، ولم
يأخذ منه شيئاً، وهكذا طافوا به على جماعة الاخوة فكان كل من أخذوه إليه يعتقد أن
غيره لم يره بعد، وهكذا لم يأخذوا منه شيئاً، وبعد أن انتهوا من مطافهم على اخوة
كثيرين أنفذوه الى الأب فلما وجد أنه لم تضع منه حبة واحدة سبح الله من أجل قناعة
الأخوة وزهدهم، وكان القديس يقول: كما أن بستاناً يستقى من ينبوع واحد، تنمو فيه
أثمار مختلف مذاقها وألوانها، كذلك الرهبان فانهم يشربون من عين واحدة، وروح واحد
ساكن فيهم لكن ثمرهم مختلف، فكل واحد منهم يأتى بثمرة على قدر الفيض المعطى له من
الله.

ويقول القديس مقاريوس: [ يجب على الناسك أن
يجتهد فى الصوم كما لو كان متأكداً أنه سيعيش مائة عام، وأن يضبط شهوات نفسه
ويتناسى الاهانات ويقاوم الكآبة ويحتمل الأتعاب والآلام، كما لو كان سيموت فى
اليوم نفسه ]. فالفكرة الأولى تجعل الناسك حكيماً حازقاً، وتجعله يحرص على
الانتظام الصارم فى النسك بدون أن يسمح لنفسه بالتهاون، بحجة ضعف الجسد، بينما
اعتبار الموت القريب يلهمه السمو الروحى بالايمان الذى لا يقتصر على احتقار راحة
الدنيا فقط، بل ويجعله راسخاً فى احتمال المشقات لأنه سيثبت قلبه ونظره دائماً الى
السماء نحو المكان الذى يترقبه كل حين، مؤمناً أنه سوف يُدعى إليه.أما وجهة نظر
القديس مقارة فى أهمية التقشفات الجسدية بالنسبة للحياة الروحية، فتظهر من قوله:
” اسعى لكل نوع الإماتة، فإذا لم يكن لك الإماتة التى بالروح فاسعى الى إماتة
الجسد، حينئذ تعطى لك التى بالروح، فتموت عن كل إنسان، وحينئذ تستطيع أن تصل الى
موهبة الوجود الدائم مع الله فى السكون “.

 

 [3] الأنبا باخوميوس أب الشركة

[أ] النوم: كان القديس باخوميوس
يديم الصلاة بنسك زائد وسهر. واذا أراد أن يرقد، لم يكن يرقد ممتداً. ولا على
مصطبة بل كان يجلس مستنداً إلى حائط.

 [ب] العمل اليدوى:

 وهذا ما كان راهب أو رئيس رهبنة، ليعفى
منه. وعليه فلقد كان أنبا باخوميوس يشاطر رهبانه أعمالهم اليدوية. يخرج معهم الى
الحقول لمزاولة الزرع والحصاد ويحمل مؤونته بنفسه أسوة بهم

 وقيل أنه مضى دفعة، فى أمر مع الاخوة وكان ذلك
الأمر يحتاج أن يحمل كل واحد منهم كمية من الخبز. فقال له أحد الشبان: حاشاك أن
تحمل شيئاً يا أبانا. هوذا أنا قد حملت كفافى وكفافك. فأجابه القديس: ” هوذا
الأمر هذا لا يكون أبداً. ان كان قد كتب من أجل الرب أنه يليق به أن يتشبه بأخوته
فى كل شئ. فكيف أميز نفسى أنا الحقير عن اخوتى حتى لا أحمل حملى مثلهم لأنه مكتوب
أيضاً ان من أراد أن يكون عظيماً فليكن خادماً “.

[ج] اهتمامه أن يعلم رهبانه بسلوكه:

[1] إذ كان يجمع الحصاد فى جزيرة سأل تلميذه
تادرس أن يفرش له حصيرة ليرقد عليها، إذ كان مريضاً جداً. حاول تادرس أن يضع حصيرة
تحت الحصيرة لكن الأب رفض، كما رفض أن يقبل من هذا التلميذ أن يأخذ بلحتين. فلما
سأله تادرس عن سبب رفضه أجاب الأب إنه يخاف يوم الدينونة الآخير، لئلا يكون هناك
راهب مريض أكثر منه فيكون فى حاجة إلى الحصيرة والبلح. ختم الأب حديثه بأنه يلزمنا
تقديم أنفسنا أمثلة للرهبان فى كل شئ.

[2] كان مريضاً وقدمت إليه ” شُربة ”
جيدة، فصب عليها ماء حتى أفسدها، قائلاً: ” أما تعرفون كيف تطهون الطعام؟
“. وبعد تناوله الطعام رش ماءاً على قدمىّ تادرس. وإذ سئل عن سبب تصرفاته
هذه، أجاب إنه أفسد الطعام لئلا يعتاد على الطعام الجيد عندما يكون مريضاً، ورش
الماء حتى إذا ما أتهم فى الدينونة الأخيرة بأنه ترك تلميذه يغسل له يديه يجيب:
” وأنا أيضاً غسلت قدميه “.

[3] حدث مرة أن طلب أحد الآباء ويدعى تاناسه من
تادرس أن يستبدل ثياب القديس باخوميوس المتواضعة بثياب جديدة، لأن الجو كان بارداً
ولا يليق بقائدهم أن يلتقى بالضيوف بهذه الثياب وفى الليل لم يجد القديس باخوميوس
ثوبه، سأل عنه تادرس، فأجاب: ” خذ هذا الثوب الجديد “. ولما كرر الأب
الطلب ثلاث مرات رافضاً أن يرتدى الثوب الجديد بكى تادرس لأن أباه كان يرتعش من
البرد. العجيب فى الأمر أن القديس باخوميوس انتابه حزن شديد لأنه لم يطع تلميذه
تادرس الذى كان مسئولاً عن الثياب وقد بقى سبع سنوات يسأل الله المغفرة من أجل هذه
المعصية.

[4] كان القديس باخوميوس أباً ناجحاً، إذ فتح
قلبه بالحب الصادق قبل أن يفتح ديره، وكان يتعامل مع تلاميذه كأب وليس كرئيس أو
قائد.

 مرة صام القديس باخوميوس خمسين يوماً باكياً
ومصلياً بلا انقطاع من أجل عشرة رهبان تدنست أفكارهم. توسل إليه أحد الآباء أن
يطرد هؤلاء الرهبان خارجاً لأنه يموت بسببهم، فأجاب القديس باخوميوس: ” أيها
الأب الشرير، كيف تتجاسر وتطلب أن أطردهم خارجاً، ألم تسمع عن موسى النبى الذى وضع
نفسه من أجل شعبه العاصى؟!…”.

 

[4] الأنبا ارسانيوس معلم أولاد
الملوك

[ أ ] حياته الرهبانية الأولى:

 بدأ القديس ارسانيوس حياته الرهبانية بنسك عظيم
وصلاة وقداس وزهد حتى فاق كثيرين وسمع بفضله أولاد أكابر القسطنطينية ودواقستها
وابتدأ كثيرون منهم يزهدون ويجيئون الى ديار مصر ويترهبون.

[ب] موته عن العالم:

 دفعة أتى اليه رجل يدعى جسريانون بوصية من رجل
شريف من جنسه مات وأوصى له بمال كثير جداً. فلما علم القديس بذلك هم بتمزيق الوصية
فوقع جسريانوس على قدميه وطلب اليه ألا يمزقها وإلا فرأسه عوضها، فقال له القديس:
أنا قد مُت منذ زمان وذاك مات أيضاً. وبذلك صرفه ولم يأخذ منه فلساً واحداً.

 [ج] جهاده فى الصلاة والسهر:

·     
 قيل عنه أنه كان يستمر الليل كله ساهراً. فاذا
كان الغد كان يرقد من أجل الطبيعة مستدعياً النوم قائلاً: هلم يا عبد السوء وكان
يغفو قليلاً وهو جالس، ولوقته يقوم وكان يقول: يكفى للراهب أن يرقد ساعة واحدة من
الليل ان كان عمالاً.

·     
وقيل أيضاً أنه فى ليلة الأحد كان يخرج خارج
قلايته ويقف تحت السماء ويجعل الشمس خلفه ويبسط يديه للصلاة حتى تسطع الشمس فى
وجهه ثم يجلس.

[د]
تقشفه:

(1)        
الأكل بقدر:

·              
قال عنه دانيال أحد تلاميذه: أن مؤونته فى السنة
كان تليس قمح. واذا جئنا الى عنده كنا نأكل منها.

·     
وقيل عنه أيضاً: أنه عندما كان يسمع أن الفواكه
نضجت على الأشجار كان يطلب من الاخوة أن يحضروا له بعضاً منها، اذ اعتاد أن يأكل
مرة واحدة فى السنة كل نوع من أنواع الفواكه حتى يقدم التمجيد لله.

(2)        
عمل اليدين:

ذُكر عن أنبا ارسانيوس أنه من يوم أخذ الاسكيم
لم يبقى فى قلايته أكثر من حاجته بل كان يتصدق بالباقى للجميع. وكان قد تعلم ضفر
الخوص من الرهبان. وكان يضفر القفف والمراوح وغيرها ويبيع ويأكل منه ويشترى خوص
الضفائر ويتصدق بما تبقى. وهذا كان عمله دائماً.

 

[5] الأنبا موسى الأسود

جهاده ونصرته فى الحياة الرهبانية

[ أ ] تدريب الصوم والصلاة:

 بينما كان القديس موسى مداوماً على الصوم
والصلاة والتأمل اذ بشيطان الخطية يعيد الى ذاكرته العادات المرذولة القديمة
ويزينها له بعد أن استنارت روحه وعاد الى معرفة الله، ولما اشتدت عليه وطأة
الأفكار الشريرة مضى الى القديس ايسيذوروس وأخبره بحرب الجسد الثائرة ضده فعزاه قائلاً:
” لا تحزن هكذا وأنت مازلت فى بدء الصعوبات ولمدة طويلة سوف تأتى رياح
التجارب وتقلق روحك فلا تخاف ولا تجزع – وأنت اذا ثابرت على الصوم والسهر واحتقار
أباطيل هذا الدهر سوف تنتصر على شهوات الجسد “. واستفاد موسى من كلام القديس
ايسيذوروس ورجع الى قلايته منفرداً وممارساً انواعاً كثيرة من إماتة الجسد، ولم
يتناول سوى القليل من الخبز مرة واحدة فقط فى اليوم كله مثابراً على الصلوات وعمل
اليدين.

[ب] خدمة الآخرين وتدريب نفسه على أعمال المحبة:

 كانت المياه يصعب احضارها الى القلالى اذ
كان يلزم أن يسيروا مسافة كبيرة واستغل موسى الأسود هذه الفرصة وأخذ يدرب نفسه على
اعمال المحبة، فكان يخرج ليلاً ويطوف بقلالى الشيوخ ويأخذ جرارهم ويملأها بالماء،
فلما رأى الشيطان هذا العمل لم يحتمله فتركه الى أن أتى فى بعض الأيام الى البئر
ليملأ قليلاً من الماء وضربه ضرباً موجعاً حطم عظامه حتى وقع على الأرض مثل الميت
وجاء بعض الاخوة فحملوه ومضوا به الى البيعة وهناك أقام القديس بالبيعة نحو ثلاثة
أيام ثم رجعت روحه إليه.

 [ج] الانسحاق أمام الله وعدم الاتكال على برنا
وقوتنا:

 تزايد الأب موسى جداً فى نسكه وفى مقاتلته
لذاته لدرجة كبيرة لكن بالرغم من هذه الإماتات والسهر وقهر الذات – لم يمكنه أن
يلاشى من مخيلته تلك الأشباح الدنسة بل كانت تزداد كلما ازداد هو فى محاربتها،
وربما كانت زيادة تقشفاته هذه بدون اذن من مرشده الروحى، لأنه لما ذهب إليه يشكو
حاله قال له: ” ينبغى عليك الاعتدال فى كل شئ حتى فى أعمال الحياة النسكية
“،
كما قال له أيضاً: ” يا ولدى اذا لم يرحمك الله ويعطيك الغلبة
عليهم هو وحده فما تقدر عليهم أبداً. امضى الآن وسلم أمرك لله وانسحق أمامه وداوم
على الاتضاع وانسحاق النفس فاذا نظر الله الى صبرك واتضاعك فانه يرحمك “.
فأجاب موسى: انى أثق فى الله الذى وضعت فيه كل رجائى أن أكون دائماً متسلحاً ضد
الشياطين ولا أبطل اثاره الحرب ضدهم حتى يرحلوا عنى فلما رأى القديس ايسيذوروس منه
هذا الايمان. حينئذ قال له: وأنا اؤمن أيضاً بسيدى يسوع المسيح.. وباسم يسوع
المسيح من هذا الوقت وصاعداً سوف تبطل الشياطين قتالها عنك. وقال له: امضى الى
البيعة المقدسة وتناول من الأسرار الالهية واستمر القديس موسى يصنع كقول الشيخ
مواظباً على ذلك فأعطاه الله نعمة عظيمة وتواضعاً وسكوناً فانحلت عنه قوة الأفكار
ومن ذلك الوقت عاش موسى فى سلام وازداد حكمة.

 

[6] تادرس الأسقيطى

حياة التجرد:

 قيل عنه أيضاً: أنه أتاه بعض الشيوخ
الآباء، فوجدوه لابساً ثوباً ممزقاً، وصدره مكشوف، وكاكوليته من قدام، واتفق وقتئذ
ان وافاه انسان غنى ليراه، فلما قرع الباب، خرج الشيخ وفتح له واستقبله وأجلسه على
الباب. فأخذ التلميذ قطعة من ثوب، وغطى بها اكتافه، فمد الشيخ يده ورماها عنه.
فلما انصرف ذلك الانسان الغنى، سأله التلميذ قائلاً: ” يا أبتاه، لماذا صنعت
هكذا؟ لقد أتاك الرجل لينتفع فلماذا شككته؟ ” فقال له الشيخ: ” لماذا
تدعونى أباً ونحن بعد نرضى البشر؟. قد أضعنا الزمان، وجاز الوقت، من أراد أن ينتفع
فلينتفع، ومن أراد أن يتشكك فليتشكك، أما أنا فكما أوجد هكذا ألتقى بالناس. ثم
أوصى تلميذه قائلاً: ” ان أتى انسان يريد رؤياى، فلا تقل له شيئاً وعظياً، بل
ان كنت آكل، فقل له: انه يأكل، وان كنت نائماً فقل له: انه نائم، وان كنت أصلى،
فقل له أنه يصلى.

وقيل عنه لما خرب الاسقيط أتى فسكن الفرما وشاخ
وضعف، فجاءوه بالأطعمة. فكان ما يجيئ به الأول يعطيه للثانى وهكذا على طقس وترتيب
كان يعمل بكل ما يأتون به. وفى آخر الوقت عندما يحين موعد الأكل يأكل مما كان
عنده.

 

[7] الانبا سرابيون

عطفه الشديد على المساكين:

 مرة مضى انبا سرابيون الى الاسكندرية فوجد هناك
انساناً مسكيناً عرياناً فى السوق فوقف يحدث نفسه قائلاً: كيف وأنا الذى يقال عنى
انى راهب صبور عمال، أكون لابساً ثوباً، وهذا المسكين عريان، حقاً ان هذا هو
المسيح والبرد يؤلمه: وعندئذ وثب بقلب شجاع وتعرى من الثوب الذى كان يلبسه وأعطاه
لذلك المسكين. ثم جلس هو عرياناً والانجيل فى يده، واتفق أن كان المحتسب مجتازاً
فلما أبصره عرياناً قال له يا أنبا سرابيون من عراك؟ فأشار الى الانجيل وقال هذا
هوالذى عرانى. فبعدما كسوه قام من هناك، فوجد انساناً عليه دين وهو معتقل من صاحب
الدين

وحيث لم يكن لديه شئ يوفيه عنه باع الانجيل ودفع
ثمنه للدائن، ولما كان ماشياً لاقاه فى الطريق انساناً يستعطى، فأعطاه الثوب وجاء
عرياناً، فدخل قلايته. فلما أبصره تلميذه هكذا قال له: يا معلم، اين الثوب الذى
كنت تلبسه؟ فقال له أيضاً ” وأين انجيلك يا أبى الذى كنا نتعزى به؟ ”
فقال له: ” يا ولدى لقد كان يقول لى كل يوم بع كل مالك وأعطه للمساكين. فبعته
“.

 

[8] الأب سيصوى

 مرة زار أنبا ألونيوس أسقف فيلوأبولاوس فى جبل
انطونيوس الأب سيصوى ولما عزم على الانصراف جعله يتغدى باكراً قبل انصرافه وكان
صوماً، فلما وضعت المائدة، اذا قوم يقرعون الباب، فقال لتلميذه: قدم لهم قليلاً من
الطبيخ ” فقال الأسقف: دعهم الآن لئلا يقولوا ان سيصوى يأكل باكراً “.

 فتأمله الشيخ وقال للأخ: ” أمضى اعطهم
” فلما أبصروا الطبيخ قالوا للأخ: ” يا ترى هل عندكم ضيوف، والشيخ يأكل
معهم؟. قال نعم، فحزنوا قائلين: ” لماذا تركتم الشيخ يأكل فى مثل هذا الوقت؟
أما تعلمون أن الشيخ يعذب نفسه أياماً كثيرة بسبب هذه الأكلة؟ ” فلما سمع
الأسقف هذا الكلام، صنع مطانية قائلاً: اغفر لى يا أبى لأنى تفكرت فكراً بشرياً،
أما أنت فقد صنعت أوامر الله فقال الشيخ: ” ان لم يمجد الله الانسان، فمجد
الناس ليس شيئاً “.

 وحدث مرة أيضاً أن زاره أنبا قسيانوس، والقديس
جرمانون، وهما شيخان من فلسطين، فاحتفل بضيافتهما، فسألاه لأى سبب لا تحفظوا رسوم
صومكم فى وقت ضيافتكم الأخوة الغرباء على ما قد عرفناه فى بلدنا فلسطين؟.

 فأجابهم قائلاً: ” ان الصوم معى دائماً،
وأما أنت فلست معى دائماً، والصوم شئ نافع لازم، وهومن نيتنا ومن ارادتنا، وأما
اكمال المحبة فيطالبنا به ناموس الله بلازم الاضطرار، فبواسطتكم أقبل المسيح ويوجب
علينا ديناً لازماً بأن اخدمه بكل حرص، فاذا شيعتكم أمكننى استعادة صومى، وذلك أن
أبناء العرس لا يستطيعون أن يصوموا مادام العريس معهم، فمتى رُفع العريس فحينئذ
يصومون بسلطان.

 

 [9] الأنبا يوحنا القصير

أصوامه:

 وقد بلغ
الزهد به حداً انقطع معه عن كل طعام وشراب اسبوعاً مستمراً واذا أكل لا يشبع خبزاً
وكان يردد قول معلمه: لا تتكل على برك ولا تصنع أمراً تندم عليه وامسك لسانك وبطنك
وقلبك.

عمل اليدين وعطفه على الفقراء:

 كان القديس فى أوقات الفراغ من صلاته وتأملاته
يعمل فى صناعة السلال وذلك ليحصل على معيشته ومعيشة الأخوة الذين معه والفقراء
الذين يفدون إليه.

 كانت
العادة فى زمن الحصاد ان ما يجمعه الشيوخ يحتفظون بنصفه ويوزع النصف الآخر
للمحتاجين. أما القديس يوحنا فكان يعطى الكل ولا يبقى لذاته شيئاً.

سأله الاخوة مرة قائلين: يا أبانا هل يجب أن
تقرأ المزامير كثيراً فرد قائلاً: ان الراهب لا تفيده القراءات والصلوات ما لم يكن
متواضعاً محباً للفقراء والمساكين.

 

[10] الأب ديسقورس

 قيل عن الأب ديسقورس (الشماس) ان خبزه كان من
شعير وعدس، وفى كل سنة كان يرسم لنفسه خطة يبدأ بها جهاده قائلاً: فى هذه السنة
سوف لا ألتقى بانسان، ولن أكلم أحداً وفى هذه السنة لن أكل طبيخاً ولن أتذوق ثمرة.
وهكذا كان يصنع فى كل خطة، فاذا تمم احداها، بدأ بالأخرى، وهكذا كان الحال طوال
السنة، وقد كان يقول: ” ان كنا نلبس الثوب السمائى، فلن نوجد عراة، وان وجدنا
لابسين غير ذلك الثوب، فماذا نصنع؟ نخاف أن نسمع ذلك الصوت القائل:
اخرجوه الى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان “.

 فالآن يا اخوتى، قبيح بنا بعد أن نقضى فى لبس
الاسكيم هذه السنين كلها، وأن نوجد عراة فى اليوم الآخير وليس علينا ثياب العرس،
فالويل لنا من تلك الندامة، اذا ما نظرنا الى سائر الأبرار والصديقين، وهم يصعدون
الى السماء، ونحن نساق الى العذاب.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى