علم

الإنسان عند إغريغوريوس النيصيصى



الإنسان عند إغريغوريوس النيصيصى

الإنسان
عند إغريغوريوس النيصيصى

 

القديس
إغريغوريوس اسقف نيصص هو من الاباء الكبادوك عاش فى القرن الرابع وقد لقبه القديس
إغريغوريوس النزينزى ب “عمود المسكونة كلها” ولقبه الاب مكسيموس المعترف
ب “معلم المسكونة” كما دعى ايضا “اب الاباء” و”كوكب
نيصص”. وفى هذا البحث سندرس تعليم القديس إغريغوريوس النيصصى عن الانسان.

ينظر
القديس إغريغوريوس اسقف نيصص الى الانسان ككائن فريد، موضع حب الله الفائق الذى
خلقه دون غيره على صورته ومثاله، أقامه ملكا لذا لم يجبله الا عد خلقة العالم كله
بكونه قصرا ملوكيا للملك المحبوب، الانسان!

خلقه
ليشهد له بمشاركته صلاحه فيحمل شركة السمات الألهية خاصة الحب والقداسة. وعندما
سقط بأرادته، واختار الشر الذى ليس من صنع الله بل غياب للفضيلة لم يتركه، بل جاء
الكلمة ألألهى متجسدا ليرد أليه صورته الاولى ويدخل به الى البنوة لله ويعيد أليه
حالته الفردوسية,,,أنه غاية العمل الخلاصى.

 

لقد
اجاب القديس إغريغوريوس فى أغلب كتاباته وخاصة مقاله “خلقة الانسان”
Hominis De Opificio على تسؤالات كثيرة منها:

*
لماذا ظهر الانسان اخيرا بعد كل الخليقة؟

*ما
هو تقدير الله لطبيعة الانسان أن قورنت بكل الخليقة المنظورة؟

*
لماذا خلق الله الانسان على صورته ومثاله؟

*
ماذا تعنى صورة الله ومثاله؟

*
ما هو حال الانسان الاول؟

*
ان كان الله قد خلق الانسان صالحا، فمن اين جاء الشر؟

*
هل فقد الانسان صلاحه قسرا؟

*
كيف يمكن ان يسترد الانسان شركته فى صلاح الله؟

*
ما هى نظرتك لأخيك حتى ان كان خادما او عبدا؟

*
ما هى طبيعة العقل غير المنظور؟

*
ما هى علاقة الجسد المنظور بالعقل غير المنظور؟

وفيما
يلى سأحاول او اورد اجابات القديس إغريغوريوس النيصصى لهذه الأسئلة بنوع من
الايجاز الكافى.

 

1) الانسان مركز اللاهوتيات

يركز
اللاهوت السكندرى على الانسان بكونه موضوع حب الله واهتمامه وعمله الخلاصى. فغاية
الثالوث القدوس هو تأليه الانسان بمعنى عودته الى طبيعته الاصلية المُطوبة الى
صورة الله ومثاله فيتمتع بالخلود وعدم الفساد مع شركة المجسد الأبدى بنعمة خلاص
الرب يسوع المسيح.

 

الاباء
السكندريون وعلى رأسهم القديس اثناسيوس الرسولى حتى فى جدلهم اللاهوتى يحملون
منهجا سوتيريولوجيا (خلاصيا) (1)، فنرى القديس اثناسيوس يدافع عن لاهوت المسيح
ليؤكد انه قادر على تقديم الخلاص، دفع الدين الألهى غير المحدود والدخول بنا الى
البنوة للاّب كعطية خلال اتحادنا بالابن الأزلى. أنه يؤكد بحرارة ان الله وحده
يقدر ان يخلص الجنس البشرى الساقط (2)، فأنه ما كنا لنخلص ان لم يصر الله انسانا،
فالانسان بحاجة الى الخالق ليخلص طبيعته الساقطة ويردها الى أصلها واهبا اياها
صورة الله ومصلحا اياها من الفساد الى عدم الفساد، فيه تغلب البشرية الموت وتُعاد
خلقتها (3). وكانت عبارة القديس اثناسيوس الشهيرة عن كلمة الله “صار انسانا
لنصير نحن ألهة” (4) بتأليهنا بنعمة المسيح وليس كما يقول هراطقة هذا الزمان.
ايضا فى دفاعه عن لاهوت الروح القدس يؤكد امكانيته فى تقديم شركة الطبيعة الألهية،
وتجديد خلقتنا، أن لم يكن الخالق فكيف يمكن ان يهبنا شركة الطبيعة ألألهية؟ فيقول
“ان كان بشركة الروح صرنا شركاء الطبيعة الألهية،,, فأن طبيعته هى الله”
(5).

 

حمل
القديس إغريغوريوس النيصصى ذات الفكر السكندرى كما ظهر فى كثير من كتاباته، فنراه
يتكلم فى مجموعة مقالاته عن ” الصلاة الربانية” يتحدث عن الصلاة كوسيلة
لأعادة صورة الله فى الانسان التى افسدتها الخطية وافقدتها جمالها الاصلى، وفى
مجموعة مقالاته عن “التطويبات” يركز على التعرف على الله ورؤيته داخل
النفس حيث تمتلكه النفس وهو يمتلكها، فتتحول الى حالة فردوسية متهللة.

 

يقول
القديس إغريغوريوس النيصصى “أعلن الله عن نفسه انه اتحد بناسوت قابل للموت،
حتى يمكن للبشرية ان تتأله وذلك بتدبير نعمته. أنه ينشر نفسه فى كل مؤمن خلال هذا
الجسد الذى يتحقق بتحول الخبز والخمر رابطا نفسه بأجساد المؤمنيين، كى يضمن بهذا
اشتراك الانسان فى عدم الفساد باتحاده مع الخالق” (6)

 

2) الانسان خليقة الله المحبوبة لديه

يستعرض
القديس إغريغوريوس النيصصى خلق الانسان بكونه الخليقة المحبوبة لدى الله، فلم
يخلقه الله عن ضرورة ملزمة له – حاشا – بل من أجل محبته الفائقة، اذ يقول:


ان كان وجود العالم كله يعتمد على قوة الكلمة الألهى فلا مفر من ان ندرك أن الكلمة
ذاته هو العلة الوحيدة لكل ما فى العالم من أمور متنوعة، خلاله نشأت خطة الوجود
الكاملة. اننا لا نختلف مع من يريد ان يدعوه الكلمة او الحكمة او القوة او الله او
اى اسم أخر مُمجد، لأنه اي كانت التعبيرات او الاسماء المُستخدمة فأنها تكشف عن
أمر واحد الا وهو قوة الله السرمدى، الصانع كل الموجودات، العارف بما لم يكن
موجودا، والحافظ لكل ما هو كائن، والناظر ما سيكون. ثبت لنا من خلال المباحثات
المنطقية، أن كلمة الله (او الحكمة او القوة) هو خالق الطبيعة البشرية، لم يكن
مُلزما تحت ضرورة ما لخلق الانسان، لكنه جاء بالانسان الى الوجود من فرط محبته له.”(7)

 

3) الانسان فى الفردوس

يقول
القديس أكليمندس السكندرى: “كان الانسان فى الفردوس حراً كطفل،,, كأبن
لله” (8). ويصور لنا القديس اثناسيوس الرسولى الانسان الأول فى الفردوس قائلا:
” له فكره المُركز على الله فى حرية دون ان يعوقه عيب ” وقد كان فى صحبة
الملائكة “يتأمل الأمور التى يدركها العقل، والتى يتمتع بها فى الموضع الذى
كان فيه” (9)

 

و
كان لهذا الفكر تأثيرا على القديس كيرلس الكبير الذى يرى ان عقل أدم كان دائما
يتجه الى رؤية الحقيقية الألهية. ويصور لنا القديس إغريغوريوس النيصصى حال الانسان
فى الفردوس كملك صاحب سلطان، فيوضح لنا السبب فى ترك خلقة الانسان الى اليوم
السادس بعد الانتهاء من خلقة المسكونة، فيقول:

 

“لم
يدخل الانسان البشرى الى عالم الموجودات بعد (اى حتى اليوم السادس)، فأنه لا يليق
بالحاكم أن يظهر قبل ظهور الامور التى سيسيطر عليها. لكن ما ان صارت سلطنته مستعدة،
حيث أعد الخالق كل الاشايء كمسكن ملوكى للملك القادم، حتى أُعلن عن الحاكم!، هذا
المسكن الملوكى هو الارض والجزائر والبحر والسماء التى هى كقوس يحوط فوق الكل أشبه
بسقف لها. فى هذا القصر أختزن غنى من كل نوع كل عالم النباتات والحيوانات وكل ما
له جسد ونفس وحياة, وان اراد احد ان يحصى الامور المادية كغنى يجد ايضا كل ما هو
جميل وذات قيمة فى نظر الانسان من ذهب وفضة وحجارة كريمة يتمتع بها الانسان. لقد
خبأ الخالق هذه الاشياء بفيض فى حضن الارض، كما لو كانت كنزا ملوكيا، حتى متى ظهر
الانسان البشرى فى العالم يتأمل بعضها ويسيطر على البعض الاخر، فأنه اذ يتمتع بهذه
الامور يشكر واهب الخيرات، واذ ينظر جمال الأمور التى يراها وضخامتها ينجذب الى
قوة خالقها العظيمة غير المُدركة” (11)

 

الحالة
الفردوسية هى حالة حرية وملوكية، فيها اقام ملك الملوك الانسان ملكاً ينعم بسلطان
على الخليقة، كما يتمتع بغنى الخليقة وجمالها، فيُمجد الخالق محب البشر. من جانب
أخر الحالة الفردوسية هى حالة تناغم وانسجام بين الانسان والسمائيين بكونهم خليقة
الله الملوءة حباً، يقول القديس إغريغوريوس النيصصى:

 

“ان
هذا الانسجام كان على مستوى المسكونة، بين السماء والارض، حيث تمتع الابوان
الأولان بصحبة الملائكة، لكنهما فسدا بالخطية، فطُردا من مجتمعهما هذا، وصار نسلهم
كما فى عالم غريب يترقبون اللخظة التى فيها يعودون الى التمتع بالاتحاد مع الجوقة
الألهية”(12)

4) النفس صورة الله

يرى
القديس أكليمندس السكندرى ومعه العلامة اوريجانيوس انه يجب التمييز بين كون النفس
على صورة الله او على مثاله، ففى رأيهما ان “صورة الله” هو ما نتقبله
عند الميلاد، اما التشبه بالله فنقتنيه من الجهاد كل ايام حيتنا. يقول العلامة
اوريجانيوس: “أعطى للأنسان البشرى كرامة الصورة فى خلقته الأولى، اما كمال
المثال فيُحفظ لتحقيق الكمال” (13).

 

اما
القديس إغريغوريوس النيصصى فيرى الصورة والمثال جانبين لحقيقة واحدة بعينها،
بالنسبه له “للصورة مفهوم جامد اما للشبه فمفهوم ديناميكى دائم الحركة”
(14). وايضا يقول:

 


المثال هو البلوغ او تحقيق تقدم للصورة، أنه جهاد لأجل التمتع بالشبه، هو تشكيل
للنفس حسب مقتضيات الصورة التى اودعها الله فينا مثل خطة بدائية” (15)

 

5) الشركة فى صلاح الله

و
فى ذلك يقول القديس إغريغوريوس النيصصى:

“لا
يمكن أن يُخفى نوره، ولا أن يبقى مجده بلا شاهد، ولا صلاح لا يُتمتع به، او ان
يبقى كل ما يتعلق بالطبيعة اللالهية غير مُستخدم لصالح الانسان كى يتمتبع به ويشترك
فيه. فأن كان الانسان قد جاء الى الوجود لهذا الغرض، اى ليشارك الله فى صلاحه،
فحتما فى خلقته وُهب القدرة على التمتع بكل ما هو صالح. فتمتع العين برؤية النور
الحقيقى بمقتضى الشعاع المزروع فيها طبيعيا، يجذب أليها ما هو مماثل له بقدرته
الفطرية. بالمثل كان من الضرورى وجود تماثل للطبيعة البشرية بالالهية حتى يمكن
خلال هذا التماثل ان تتلاخك مع ما ما هو متجانس معها. كان لابد للكائنات غير
العاقلة سواء التى تعيش فى الماء او الهواء ان يكون لها نظام يتكيف مع البيئة
المحيطة بكل كائن أن يجد عشيرته وما يتجانس معه، الواحد فى الهواء والأخر فى الماء.
هكذا لابد للأنسان الذى جاء الى الوجود لكى يتمتع بصلاح الله ان يكون له شىء ما فى
طبيعته شبيه بما سيشارك فيه. لهذا تأهل الانسان بالحياة والعقل والحكمة وكل صفات
تليق بالله لكى خلال هذه كلها تنشأ فيه الرغبة الى ما هو متجانس.” (16)

 

6) الخلود هو صورة الله فينا

و
فى هذا يقول القديس إغريغوريوس:

“حيث
ان أحدى الامور الصالحة التى تخص الطبيعة الألهية هى الابدية، كان لابد الا تفتقر
طبيعتنا الى هذه الخاصية، بل تتسم بعنصر الخلود حتى يستطيع الانسان خلال قدرته
الطبيعية أن يدرك ما لا يُدرك، وان يتوق الى الابدية الألهية. حقا لقد أوضحت قصة
الخليقة ذلك بتعبير واضح مفهوم، بأستخدام عبارة واحدة، اذ قيل ان الانسان خُلق على
صورة الله ومثاله. هنالك الفردوس بثماره الفريدة التى لم تُشجع شهية من ذاقوها، بل
تقدم لهم معرفة وحياة أبدية. هذا يتفق تماما مع ما سبق ان لاحظناه بخصوص الانسان وهو
أن طبيعتنا البشرية كانت صالحة منذ البدأ ومحاطة بالصلاح.” (17)

 

7) الحرية هى صورة الله فى النفس

“كان
الانسان البشرى صورة ومثالا للقوة التى تحكم كل الموجودات. لهذا السبب ايضا له
السيادة على نفسه وبكونه متشبها بذاك الذى يمارس السلطة الجامعية. لم يكن قط عبدا
لأية ضرورة خارجية، لا، بل كان يفكر فيما هو حق، وبكامل حرية ارادته يختار ما يسره.
وبأختياره حلت الكارثة فى تلك اللحظة التى هيمنت على الجنس البشرى” (18)

 

“هذا
الاله الصالح ما كان يحرم الانسان من أنبل وأثمن الامور الصالحة أعنى هبة الحرية والقدرة
على اتخاذ القرار بنفسه. فلو ان الضرورة هى التى تحكم حياة الانسان لكانت
“الصورة” التى له كصورة الله، زائفة، لأنها تكون بذلك بعيدة كل البعد عن
الاصل ولا وجسه للشبه بينهما. كيف يمكن للطبيعة المستعبدة لأى نوع من الصرورة ان
تُسمى صورة الطبيعة الملوكية؟ الله ليس مسئولا عن الشرور الحاضرة، فقد اسس طبيعتك
لتكون حرة غير مستعبدة، انما تقع المسئولية على الارادة المنحرفة التى بها يحتار
الانسان ما هو ردىء عوضا عما هو افضل.” (19)

 

8) أين هى الطبيعة الصالحة؟

يجيب
القديس إغريغوريوس النيصصى فيقول:

“من
يشاهد الحالة الراهنة للأنسان يظن انه يستطيع تأكيد خطأ مناقشتنا، معترضا بأننا لا
نرى الانسان حاليا على هذا الحال بل على حال مضاد تماما. اين هو عنصر التشبه
بالله؟ اين هو تحرر الجسد من الشهوات, اى الحياة الابدية؟

هوذا
حياة الانسان سريعة العبور، فهو يخضع للشهوات ومصيره الموت ويتعرض لكل انواع
المعاناة فى الجسد والنفس. لكن كون حياة الانسان فى الوقت الحاضر تُحسب فى حالة
غير طبيعية، هذا ليس برهانا انه فى يوم من الايام لم يُخلق محاطا بالصلاح. لأنه
مادام الانسان هو عمل الله الذى جاء به الى الوجود بصلاحه، فلا يُعقل ان نتصور
الله يخلقه محاطا بالشر، الصلاح هو علة وجوده,,,خلق الله الانسان ليشاركه فى صلاحه
الفريد ويدعمه بقدرة طبيعية على كل نوع من الكمال، حتى اذ يكون متمثلا بالله ينجذب
الى مثيله” (20)

 

9) من اين جاء الشر؟

فى
عصر الكنيسة الاولى كان هناك فلسفات كثيرة ومتنوعة تؤمن بوجود ألهين، أله للخير وأله
للشر، او ان الله هو خالق الشر، لكن اباء الكنيسة كانوا حذرين فى تأكيد ان الله
كلى الصلاح ليس مصدرا للشر، يقول القديس إغريغوريوس:

“ربما
تتسائل: كيف استبدل ذلك الذى تشرف بأخذ كل هذه الهبات السامية اى الصلاح بما هو
ردىء؟ السبب واضح، لم يوجد قط للشر اصل فى الارادة الالهية، لو كان الله هو خالق
الشر ومصدره – حاشا – لما كان هناك لوم على ارتكاب الشر. بلى فأن الشر ينشأ بطريقة
ما فى الداخل، ويظهر فى الارادة عندما تنسحب النفس من الصلاح.

الابصار
هو قدرة طبيعية، اما العمى فما هو الا حرمان من القدرة الطبيعية، هكذا يوجد تضاد
بين الفضيلة والشر. فلا يمكن فهم الشر الا بكونه غيابا للفضيلة فبأستبعاد النور
يحل الظلام، ولا وجود للظلام بوجود النور، هكذا طالما يلتصق الصلاح بالطبيعة فلا
يحق وجود الشر (21)

 

10) الشر والشقاء

عالج
القديس إغريغوريوس النيصصى اسقف نيصص مشكلة الشر التى حطمت حياة الانسان وأفقدته
كل سعادة حتى صار يشتهى احيانا الموت عن الحياة، واذا ما شعر بالموت كنهاية للحياة
البشرية صار فى بؤس شديد. ماذا فعل الله مع أبينا أدم؟ لقد ألبسه قميصا من جلد،
ألبس جسده طبيعة الموت، جلد الحيوان المذبوح، كرداء يخلعه ليحمل فى نفسه وجسده
خلوداً بعد اصلاح طبيعته، هذا ما قدمه كلمة الله المخص!

 

يقول
القديس إغريغوريوس النيصصى فى هذا شارحا بأستفاضة:

“يبلغ
الانسان الى شدة الاسى اذا ما فكر مليا فى انحلال جسده، حاسبا فناء حياتنا هذا
بالموت أمرا قاسيا، وتأكد ان انقراض وجودنا البشرى بالموت هو الشر الاعظم. ليتأمل
اذن خلال هذه النظرة السوداوية الى الخير الالهى الفائق، فان الذين يشتركون فى
الحياة مع الله ينعمون بالجانب الحسن، يحبون الحياة ويجدونها تستحق ان تُعاش، اما
نظرتنا الى الانسان الذى يقضى حياته فى ألم فيكون حكمه مختلفا، اذ يحسب اللاوجود
أفضل كثيرا من الحياة المملوءة ألما. الأن دعونا نختبر ان كان الذى أعدنا للحياة
قد دبر لنا هذه الحياة لتكون سعيدة ام لا. اننا بأرادتنا الحرة دخلنا فى عهد صداقة
مع الشر، واذ مزجنا طبيعتنا بالشر بأنخراطنا فى الملذات، كما تُحلى المادة الضارة
بالعسل، هكذا نبتعد نحن عن طريق السعادة المرتبط فى اذهاننا بالخلاص من الألم واسبابه.
لهذا يعود الانسان الى التراب مثل أنية فخارية، حتى ينحل من الشر الذى اكتسبه، ويتشكل
مرة أخرى الى صورته الاصلية بالقيامة.

لقد
قدم لنا الناموس مثل هذه التعاليم فى اطار غامض فى شكل قصة تاريخية، يروى لنا موسى
كيف تورط ابوانا الاولان، باكورة الجنس البشرى فى العصيان، فتجردا من سعادتهما
الأولى، حينئذ كساهم الله لباسا من جلد الحيوانات, فى رأيى ان موسى لم يقصد المعنى
الحرفى لجلد الحيوانات! اى نوع من الحيوانات هذا الذى يُذبح ويُسلم جلده ليصنع
لهما لباساً؟ حيث ان جلد الحيوانات يُنزع من الحيوان وهو ميت لذلك يعنى الله الذى
يشفينا من الشر بحكمته انه قد وهب الانسان الموت الجسدى بعد السقوط، وهى سمة تخص
الخليقة الغير عاقلة، لكن هذا الحال لا يدوم معه الى الابد، فالرداء شىء خارجى
نلبسه لكى نستخدمه الى حين، فهو ليس امرا طبيعيا. هكذا قد وُضعت سمة الفناء على
الطبيعة التى خلقت للخلود…انها تغطى ما هو خارجى وليس ما هو داخلى, تلتصق
بالعنصر الخارجى بالجسد وليس بصورة الله الفعلية، فالعنصر الخاص بالحواس يتحلل
لكنه لا يختفى، لأن الاختفاء يعنى اللاوجود، اما التحلل فهو عودة الى التراب الذى
جاء منه.

اذ
تشترك النفس فى الجسد فى الاهواء الخاطئة، لذا يوجد تشابه بين موت الجسد وموت
النفس. بالنسبة الى الجسد الموت هو مفارة الحياة الخاصة بالحواس, اما بالنسبة الى
النفس فنطلق كلمة الموت على الانفصال عن الحياة الحقة، النفس لا تنحل لأنها غير
مُركبة بل بسيطة، اذ كيف تتحلل؟ لكن يجب نزع بصمات الخطية عنها، ومعالجتها
بالفضيلة فى حياتنا الحالية كى تُشفى من شوائب الخطية. هكذا اذا ما وضعنا فى
الحسبان غرض الله الكلى الحكمة النهائى فلا يجوز لنا بعدم حكمتنا وسوء تقديرنا
للأمور ان ندعو خالق الانسان انه خالق الشر، فهو يعلم ما كان سيحدث (سقوط الانسان)
ولم يمنع الباعث لما حدث فعلا، لأنه ما هو البديل؟ هل هو عدم خلقة الانسان لعلمه
السابق بانه سيضل عن الحق؟ ام ان يعود به الى صورته الأولى، اى حالة النعمة
الأصلية خلال التوبة حتى وان كان قد فسد؟

أنه
لمن الغباء ان ندعو الله خالق الشر لمجرد تألمنا جسديا، لأن هذا جاء ثمرة حتمية
لتقلب الطبيعة البشرية. وان رفضنا اعتبار الله خالق الانسان غير مسئول هما تسبب
لنا من ألم فأن هذا الفكر ايضا لهو قمة الغباء، يتسم به من يحكمون على الامور
بالخير او الشر على اساس مشاعرهم وحدها. هؤلاء لا يدركون ان الصلاح الداخلى لا
يتعلق بالمشاعر البشرية، وان الشر فى الواقع غريب عن الصلاح الحق.

من
كان يشغله رجوع الانسان الى حالة النعمة الاصلية؟من كان يسعى ليقيم الساقط، ويدعو
الضال، ويمسك بيد التائه ويقوده الى الصواب؟ من هو هذا الا ربنا العظيم؟ الله الذى
وهبنا الحياة فى البداية هو وحده صاحب القدرة والحق فى استعادة ما فُقد. ميلاده
حسب الجسد ونموه من الطفولة الى النضوج وأكله وشربه وتعبه ونومه وحزنه ودموعه واتهامه
كذبا ومحاكمته وصلبه وموته وقبره، كل هذه الامور المذكورة فى الاعلان الالهى تضعف
ايمان الاغبياء حتى انهم يرفضون النتيجة النهائية (القيامة) بسبب البداية المؤلمة،
فيحسبون أن القيامة لا تتفق مع الألوهية بسبب عدم ملائمة ظروف موته فى نظرهم. أظن
انه من الضرورى ان نستبعد عن فكرنا قليلا النظر الى الجسد كأمر دنىء وان نفكر فيما
هو صالح فى ذاته وما هو مضاد له، متسائلين ما الذى يميز كل منهما.

أظن
ان من يفكر مليا فى الامر سوف لا يجادل فيما اذا كان امر واحد (الجسد) مشينا، بل
المشين هو السلوك الشرير اما ما هو خال من السلوك الشرير فهو غريب تماما عن كل ما
هو مشين. وما هو ليس متصل بما هو مشين يُعتبر صالحاً وما هو صالح لا خلطة له بما
يناقضه” (22)

 

و
هكذا نرى ان القديس يدافع عن تجسد المخلص، فأن ناسوته او حياته بيننا كأنسان لا
يشينه، لأن هذه الامور ليست خطية او مشينة كما يظن البعض.

 

11) الجهاد الروحى

يقول
القديس إغريغوريوس “انه لا يقوم التطويب على التعرف على الله بل على اقتنائه
كقول الرب(مت5: 8)”(23) ولكتى تقتنى الله فى الداخل يليق بالنفس ان تتشبه
بالمسيح الذى مات من أجل العالم كله، “أن لم تمت تبقى ميتة تماما، فقد
بالاماتة ونزع كل ما هو مائت عنها تقتنى الحياة” (24) النفس فى رحلة حب دائم
لكنها “رحلة مطوبة مع الله لا تتوقف” (25) كما يقول القديس إغريغوريوس.
جهاد النفس دائم ومستمر، رحلة ممتعة لا تتوقف،تجاهد لا بذاتها بل بالله العامل
فيها بنعمته، اذ يقول يجب ان تقودنا اليد الألهية الى غير المرئى.

 

12) قدسية الجسد

فى
حديثه عن الشر والشقاء اوضح القديس إغريغوريوس ان المخلص لم يستنكف عن أن يتأنس ويسلك
مسلك حياتنا البشرية، لأن الجسد فى ذاته ليس شرا، انما هى الارادة المنحرفة نحو
الشر. حين سقط الانسان ألبسه الله قميصا من جلد الحيوان ليكشف الانسان موته فيسعى
الى مخلصه الذى تجسد لأجله كى يهب نفسه وجسده حياة أبدية.

يقول
القديس إغريغوريوس فى ذلك:

“ليس
الجسد مصدرا للشر انما حرية الاختيار” (26)

“الجسد
هو مسكن النفس” (27)

“الجسد
هو اداة الروح،,, العامل فى صحبة النفس” (28)

 

“صار
الكلمة جسدا لكى يغير جسدنا الى روح،,, ولكى يقدس الجسد كله معه، اذ فيه تقدست
البكور” (29)

 

13) وحدة الانسان

يتطلع
القديس إغريغوريوس النزينزى الى النفس، النفس وحدها، مخلوقة على صورة الله للتمتع
بالشركة الابدية مع الله (30)، لكن لا يتحدث عن الانسان فى ثنائية، فأن الجسد فى
نظره معين للنفس،,, يشارك النفس فى جهادها ويشاركها ايضا مجدها.

 

ففى
معرض حديثه عن الكمال يقول: “كمال الحياة المسيحية، اقد تلك الحياة التى
يُستخدم فيها اسم المسيح لأظهارها، هى التى فيها نشترك ليس فقط بأذهاننا ونفوسنا
بل بكل تصرفات حياتنا لكى تكون قداستنا كاملة، متفقة مع ما نطق به بولس: فى كل
الجسد والنفس والروح(1تس5: 23) محفوظة دائما من كل امتزاج بالششر” (31)

 

14) لا تستعبد الانسان

يرى
إغريغوريوس ان الله خلق الانسان فى كرامة طبيعية، لهذا لا يليق بالانسان ان يذل اخاه
الانسان، اذ خلق الجميع فى كرامة، فيقول فى ذلك:

 

“نظم
رب المسكونة ان تكون الطبيعة غير العاقلة هى وحدها التى تلتزم بخدمة الانسان”
(32)

 

“لقد
زين الانسان بعطية حرية الارادة. لهذا من يخضع لك خلال العادات او القوانين هو
مساو لك فى كرامة الطبيعة. فأنه لم يُخلق بواسطتكر ولا يحيا بك ولا تقبل منك سمات
الجسد والروح” (33)

 

“كيف
يمكن لأنسان ان يكون سيدا على حياة الاخر ان كان هو ليس سيدا على حياته؟ لهذا
يلزمه ان يكون مسكينا بالروح، متطلعا الى ذاك الذى لأجلنا صار فقيرا بأرادته.
ليعتبر الكل متساويين بالطبيعة، ولا ينتفخ بوقاحة، سليطا على بنى جنسه لأظهار عمله
بخداع، بل يكون بالحق مُطوبا فيقتنى ملكوت السماوات مقابل اتضاعه فى هذه الحياة
العابرة” (34)

 

خاتمة

كما
رأينا فى هذا البحث ان عصب الفكر اللاهوتى للقديس إغريغوريوس هو دعوة الانسان
للتمتع برؤية الله وشركة المجد الألهى، وذلك بأعادة طبيعته الى اصلها فتحمل صورة
الله وتتمتع بالتمثل به، فتنجذب اليه بكونه الاصل، وتعيش شاهدة له بحياتها الجديدة
الخاملة للقوة الألهية وتنعم بالسماويات ونختم بقول القديس إغريغوريوس النيصصى:

“ان غسلت بالحياة الصالحة الدنس الذى التصق على قلبك، يشرق الجمال
الألهى فيك من جديد”

===

(1)
الكنيسة القبطية الارثوذكسية، كنيسة علم ولاهوت، القمص تادرس يعقوب ملطى، ص 85

(2)
Early Christian Doctine By J.N.D.
Kelly
، P 284

(3)
De Incbrn 8,9

(4)
Ibib 54

(5)
Ep. ad Serapion 1: 24

(6)
The Great Catechism 35 N.P. frs 5:
502

(7)
Orat. Cat. 5

(8)
Protrepticus 11

(9)
Contra Gentes 2

(10)
In Rom. 5: 18-19

(11)
De Hom. Opif 2

(12)
In Psalm،Inscripe 2: 3

(13)
De Principis 3: 6: 1

(14)
Biginnig To Read The Fathers By B.
Ramsay P.67

(15)
Ibid

(16)
Orat. Cat. 5

(17)Ibid

(18)De Virginitate 12

(19)
Oratione Cat. 5

(20)Ibid

(21)Ibid

(22)Oratione Cat. 8: 9

(23)Oratione De Beat 6

(24)
PG 44: 1020B

(25)
Ibid 44: 1025

(26)Ibid 46: 529A

(27)Ibid 24: 237B

(28)In Christ Ressruction 3

(29)
PG 45: 637A.B

(30)Hans، P.123

(31)ON perfection PG 46: 285 A-D

(32)The Lord’s Prayers، S. 5

(33)Ibid

(34)Or. De Beuti 5: 1

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى