علم

الأنبا أرسانيوس



الأنبا أرسانيوس

الأنبا
أرسانيوس

معلم اولاد الملوك

 حياة القديس
ارسانيوس الأولى ونشأته:

        جاء
عن القديس ارسانيوس انه كان من روما العظمى وكان من افاضل فلاسفتها. وكان والده من
اكابر البلاط المقربين إلى الملك فلما ملك تاودسيوس ارسل إلى الملك والبابا بروما
طالبا رجلا فليسوفا يحسن اللغتين الرومية (اللاتينية) واليونانية لكى يعلم اولاده
الحكم والادب، فلم يجدوا فى كل فلاسفة روما رجلا يشبه ارسانيوس فى الحكمة والفضل
ومخافة الله فارسلوه إلى الملك بالقسطنطينية ففرح به الملك واحبه لفيض معرفته،
ولاجل نعمة الله التى كانت عليه. فسلم له الملك اولاده وقدمه على كل اكابر مملتكه.
وكان إذا ركب يكون قريبا من الامبراطور وكان له امر نافذ وعبيد كثيرون يقومون
بخدته ولم يتخذ فى بيته امرأة.

خروجه
إلى العالم:

        لما
بلغ مركزا هكذا بدأ يفكر فى نفسه قائلا: ان كل هذا لابد له ان يتلاشة كما ينحل
المنام، وان كل غعنى الدنيا وجدها وجاهها عبارة عن حلم. ولا يوجد شيىء ثابت غير
قابل للتغير وانه لا ينفع الإنسان الاخير بقدمه قدامه)).

فزهدت
نفسه كل شيىء، وصار يطلب من الله كل وقت قائى: ((عرفنى يارب كيف اخلص)) فجاءه يوما
صوت يقول له (ياراسانى اهرب من الناس وانت تخلص).

وصوله
الاسقيط:

        قام
لوقته وترك كل شيىء ونزل إلى البحر فوجد سفينه اسكندرية تريد السفر، فركب فيها
وجاء بها إلى الاسكندرية ومن هناك اتى إلى الاسقيط، إلى الاب مقاريوس، ذاك الذى
اسكنه فى إحدى القلالى الخارجة عن الدير لانه وجده عاشقا للهدوء. وبعد حضوره بأيام
قلائل تنيح الاب مقاريوس.

حياته
الرهبانية الأولى

        بدأ
القديس ارسانيوس حياته الرهبانية بنسك عظيم وصلاه وقداسه وزهد حتى فاق كثيرين وسمع
بفضله اولاد اكابر اللقسطنطينية وامرائها وابتدأ كثيرين منهم يتزهدون ويجيئون إلى
ديار مصر ويترهبون.

+
ميله الشديد للتعليم:

        بدأ
القديس حياته الرهبانية بميل شديد للتعليم، فقط قيل عنه:

        كان
انبا ارسانيوس دفعة يسأل أحد الشيوخ المصرين عن افاره فرآه شيخ آخر وقال له: يا
ابتاه ارسانيوس كيف

وانت المتأدب بالرومية واليونانية
تحتاج إلى ان تسأل هذا المصرى الامى عن افكارك؟.. اجابه انبا ارسانيوس
قائلا: ((اما الأدب الرومى واليونانى فانى عارف به جيدا.. اما الفا فيطا التى
احسنها هذا المصرى فانى إلى الآن لم اتعلمها)) وكان يقصد طريق الفضيلة.

+
طريقة تدريبه:

        ان
انبا ارسانيوس لاجل انه ربى فى الملك ونشأ فى الملك وكمان ذا جسد مترفه كاولاد
الملوك، لم يقدر سريعا ان يعبر فى

 طريقة
رهبان المصرين ولا صعوبة مسلكهم عاجلا، بل كان يأخذ نفسه بقطع شهوته بالتدريج
قليلا حتى يصل إلى درجاتهم (1).

        والعجيب
انه لم يكن محتاجا إلى طرقة مباشرة فى تعليمه بل كان يستقى الحياه النسكية مما
يحدث حوله واحيانا كثيرة كانت تكفيه الاشارة كما حدث فى القصتين التاليتين.

1-
جلس الاب ارسانيوس فى بعض       الأيام يأكل فولا مسلوقا مع الاخوة وكانت عادتهم
ان لا ينقوه. اما هو فكان ينقى الفول الابيض من بين الاسود والمسوس ويأكله فلم
يوافق رئيس الدير على ذلك وخشى ان يفسد نظام الدير. فاختار رئيس الدير أحد الاخوة
وقاله له: ((احتمل ما افعله بك من اجل الرب)). فأجابه الاخ: امرك ياأبى. وقال:
اجلس بجانب ارسانيوس ونق الفول الابيض وكله
فعمل الاخ كما امره رئيس الدير الذى فاجأه بلطمة مرة على صدغه
وقال: كيف تنقى الفول الابيض لنفسك وتترك الاسود لاخوتك؟.. فصنع ارسانيوس مطانية
للرئيس وللاخوة وقال لذلك الاخ: ((يا أخى.. أن هذه اللطمة ليست لك ولكنها موجهة
لخد ارسانيوس)). واردف قائلا: ((هوذا ارسانيوس معلم اولاد الملوك اليونانين لم
يعرف كيف يأكل الفول مع رهبان اسقيط مصر). وهكذا ازداد فهما واحتفاظا بموهبته.

2-
قيل ان أحد الاخوة المجاورين لقلاية انبا ارسانى خرج يوما ليقطع خوصا. وكان يوما
حره شديد. فلما قطع الخوص ورجع اراد ان يأكل فلم يمكنه ان يبلع الخبر اليابس لان
الحر كان قد يبس حلقه. وفى ذلك الوقت كان الاخوة بالاسقيط يسلكون بتقشف عظيم ونسك
زائد فأخذ الاخ وعاء به ماء واذاب فيه قليلا من الملح، وبل الخبر وبدأ يأكله..
فدخل إليه الاب اشعياء ليفتقده، فلما احس الاخ بالانبا اشعياء رفع الوعاء وخابأة
تحت الخوص. وكان انبا اشعياء رجلا ذكيا حارا فى الروح جدا. وكان يعلم بأن انبا
ارسانيوس يعمل صنفين من الطعام: بقلا وخلا ولكن لاجل احتشامه لم يرد الاباء ان
يكسروا قلبه سريعا. فوجد انبا اشعياء انها فرصة مناسبة لان يؤدب انبا ارسانيوس
بواسطة هذا الاخ. فقال للاخ: ما هذا الذى خبأته منى؟.. فقال الاخ: (اعفر لى ياابى
مناحل محبى السيد المسيح لقد دخلت البرية لاقطع خوصا فاشتد على الحر جدا لدرجة انه
سد حلقى. فلما دخلت القلاية اردت ان اكل فلم استطع بلع الخبز لجفاف فمى وحلقى
فاخذت ماء واذبت فيه قليلا من الملح وبللت به القراقيش (الخبز الجاف)) ليسهل لى
بلعه)). فأخذ الانبا اشعياء الوعاء وخرج ووضعه قدام قلاية انبا ارسانيو وقال
للمراقب: دق الجرس كى يحضر الاخوة ليصيروا الاخ زيتون كيف يأكل مرقا، فلما حضروا
التفت إلى الاخ وقال له أمام الاخوة: يا أخى، لقفد تركت تنعمك وكل مالك وجثث إلى
الاسقيط حبا فى

 الرب
وفى خلاص نفسك فكيف تريد الآن ان تلذذ ذاتك بالاطعمة؟.. ان تريد ان تأكل مرقا امض
إلى مصر لانه لا يوجد فى الاسقيط تنعم فلما سمع الانبا ارسانيوس قال لنفسه: هذا
الكلام موجه إليه يا ارسانى، وفى الحال امر خادمه ان يعمل له بقولا فقط. وقال: ها
أنا قد تأدبت بسائر حكمة اليونانين اما حكمة هذا المصرى بخصوص الاكل وحسن تدبير
فانى لم اصل إليها بعد. لقد صدق الكتاب اذ يقول: وتأدب موسى بكل حكمة المصرين.

+
موته عن العالم:

        دفعه
اتى إليه رجل يدعى جسربانوس بوصية من رجل شريف من جدنسه مات واوصى له بمال كثير
جدا. فلما علم القديس بذلك هم بتمزيق الوصية فوقع جسريانوس على قدميه وطلب إليه
إلا يمزقه وإلا فرأسع عوضها، فقال له القدس: أنا قدمت منذ زمان وذلك مات ايضا.
وبذلك صرفه ولم يأخذ منه ولا فلسا واحدا.

حياته
فى التوحد

1- 
جهادة
فى الصلاه والسهر:

  
+ قيل عنه انه كان يستمر الليل كله ساهرا. فإذا كان الغد كان يرقد من اجل الطبيعة
مستدعيا النوم قائلا: هلم ياعبد السوء وكان يغفو قليى وهو جالس، ولوقته يقوم وكان
يقول: ((يكفى للراهب ان يرقد ساعة واحد من الليل ان كان عمالا.

        +
قيل ايضا انه فى ليلة الاحد كان يخرج خارج قلايته ويقف تحت السماء ويجعل الشمس
خلفه ويبسط يديه للصلاه حتى تسطع الشمس فى وجهه ثم يجلس.

وفى
جهاده مع الشياطين ورد ما يلى:

        قصده
الشياطين مره ليجربوه. فلما جاءه اللذين يخدموه سمعوا صوته وهم خارج القلاية وهو
يصرخ إلى الله ويقول: ((يارب لا تخذلنى فأنى ما صنعت قدامتك شيءا من الخير.. لكن
هبنى من فضلك ان ابا فى عمل الخير..)).

        +
وقد اخبر عنه دانيال تلميذه فقال: ((انه ما طلب قط ان يتكلم من كتاب بل كان يصلى
من اجل ذلك لو اراد. وما كان يكتب رسالة)).

        +
حدث مرة ان ذهب أحد الاخوة إلى قلاية القديس ارسانيوس فى الاسقيط، وتطلع من
النافذة فأبصر الشيخ واقفا وجسمه كله مثل نار، وهذا الاخ كان مستحقا لرؤية ذلك
المنظر. فطرق الباب وخرد إليه الشيخ ولما رأى الشيخ أن الاخ كان مندهشا من المنظر
الذى رآه قال له: ((هل كنت تطرق على الباب لمدة طويلة؟.. وهل رأيت شيئا غير
عادى؟.. ثم خاطبه ابا ارسانيوس وصرفه.

        +
مره دعا تلميذيه الكسندر وزويل وقال لهما: ان الشيطاين تقاتلنى ولكونى لا أدرى ان
كانت تحربنى بالنوم فهلما اتعبا معى فى هذه الليلة واسهرا واراقبانى وانظرا ان كنت
اغفو اثناء سهرى، فجلسا واحد عن يمينه والاخر عن يساره من غروب الشمس إلى شروقها،
وقد قالا: اننا نمنا واستيقظنا ولم نلاحظ انه نام بالمرة ولكن لما بدأ النهار يلوح
نفخ ثلاث نفخات كأنه نائم وساء اكان ذلك عن قصد حتى نظن نحن انه قد نام او ان
النعاس قد غلبه لسنا ندرى
ثم نهض وقال لنا: هل كنت نائما؟. فقلنا له: لاندرى يا أبانا لاننا
انفسنا قد غلبنا النوم.

        وهكذا
كان القديس يخفى فائله ويتظاهر ان يغلب بالنوب لكنه كان يقظا ساهرا.

2- 
صمته..
وهدوئه.

   
+ قيل عن انبا ارسانيوس انه بعدما هرب من القسطنطينية واتى إلى الاسقيط كان يداوم
على الصلاه والتضرع إلى الله ان يرشده إلى ما ينبقى له ان يعمل وكيف يتدبر. وبعد
مضر ثلاث سنين جاءه صوت يقول له: ((يا أرسانيوس.. الزم الهدوء والبعد عن الناس
واصمت وانت تخلص لان هذه هى عروق عدم الخطية).

        فما
ان سمع الصوع دفعه ثانية حتى كان يهرب من الاخوة ويلزم نفسه الهدوء والصمت.    +
ذكر عنه ايضا انه لما ابتدأ اني تعلم الصمت كان جحاءه الصوت لم يقدر سريعا. فوضع
حصاه وزنها اثنا عشر درهما فىفمه ثلاث سنين لا يخرجهخا إلا وقتما كان يأكل او
يجيئه غريب فكان يعزيه لاجل الله. وبهذه الفضيلة قوم السكوت وعلم فمه الصمت. (820
ميامر) من 5

 

        +
وخبر عنه ايضا انه من كثرة الهدء والسكينه التى كانت له، دخلت عليه فى قلايته
الشياطين وتقدم منه واحد ومعه سكين يريد ان يقطع بها يدريه فلم ينزعد القديس ولا
اختبل بل مد يده وقال اعمل ما شئت لاجل محبة المسيح. فلما رأى العدو الشطان هذا
الهدوء وهذا الصبر صاح: ((احرقتنى ايها الشيخ بكثرة هدوئة واتضاعك (1)

        +
قال: كثيرا ما تكلمت وندمت، وأما عن السكوت فما ندمت قط)).

        والقصة
التالية توضح مقدار محجبة القديس ارسانيوس للسكوت من جهة ومن جهة اخرى كيف ان
مواهب الروح القدس فى الكنيسة متعددة.

        +
حدث مرة ان جاء اخ غريب إلى الاسقيط ليبصر الانبا ارسانيوس فاتى إلى الكنيسة وطلب
من رجال الاكليروس ان يروه اياه، فقالوا له: كل كسرة خبر وبعد ذلك تبصره، فقال: لن
اتذوق شيئا حتى ابصرفه. فارسلوه معه اخا ليرشده إليه لان قلايته كانت بعيدة جدا.
فلما قرع الباب

فتح
له وصليا وجلسا صامتين. فقال الاخ الذى من الكنيسة: أنا منصرف فصليا من اجلى. اما
الاخ الغريب فلما لم يجد له دالة عند الشيخ قال:

وأنا
منصرف معك كذلك، فخرجا معا. فطلب إليه ان يمضى به إلى قلاية انبا موسى الذى كان
اولا لصا. فلما اتى إليه قبله بفرح ونيح وغربته وصرفه.

        فقال
له الاخ الذى ارشده: ها قد اريتك اليونانى والمصرى. فمن من الاثنين ارضاك؟. اجابه
قائلا: اما أنا فاقول: ان المصرى قد ارضانى. فلما سمع أحد الاخوة ذلك صلى إلى الله
قائلا: يارب اكشف لى هذا الأمر، فان قوما يهربون من الناس من اجل اسمك وقومك وقوما
يقبلونهم من اجل اسمك ايضا. والح فى الصلاهوالطلبة فتراءت له سفينتان عظيمتان فى
لجة البحر. ورأى فى احداهما انبا ارسانيوس وهو يسير سيرا هادئا وروح الله معه.
ورأى فى الاخرة انبا موسى وملائكة الله معه وهم يطعمونه شهد العسل (1).

3- 
حياة
التخشع المستمرة والدموع:

   
+ قيل عنه: انه إذا جلس يضفر الخوص كان يأخذ خرقة ويضعها على ركبتيه لينشف بها
الدموع التى كانت تتساقط من عينيه. وفى زمان الحر كان يرطب الخوص بدموعه وهو يضفر
من اجل ذلك كان شعر جفونه يتساقط من كثرة البكاء.

        +
قيل عنه ايضا: انه فى كل بكره وعشية كان يحاسب نفسه ويقول: ((ماذا عملنا مما يحب
الله، وماذا عملنا مما لا يحب الله))، وهكذا كان يفتقد حياته بالتوبة.

        +
وكان يقول كل الاوقات: ((تأمل يا أرسانى فيما خرجت لاجله)).

4- 
تقشفه:

(I)   
الاكل
بقدر:

  
+ قال عنه دانيال أحد تلاميذه: ان مؤونته فى السنة كان تلبس قمح واذا جئنا إلى
عنده كنا نأكل منها.

        +
وقيل عنه ايضا: انه عندما كان يسمع ان الفواكه نضجت على الأشجار كان يطلب من
الاخوة ان يحضورا له بعضا منها، إذا اعتاد ان يأكل مرة واحد فى السنة كل نوع من
انواع الفواكه حتى يقدم التمجيد لله.

(IIالتعرى من الترف:

  
وما كان يحدد ماء الخوص إلا دفعة واحدة فى السنة فكلما نقص الماء اضاف إليه قليلا
منه وهكذا صارت له رائحجة كريهة جدا ونتن لا يطاق وكان يعمل الضفيرة ويخيط إلى ست
ساعات يوميا. وحدث ان زاره الاب مقاريوس الاسكندرى. فلما اشتم الرائحة قال له:
((يا أبانا ارسانيوس لم لا تغير هذا المال لانه قد انت؟ فاجابه انبا ارسانيوس
قائلا: ((الحق انى لا استطيع ان اطيقها. لكنى اكلف نفسى باحتمال هذه الروائح الكر
يهة وذلك عوض الروائح الزكية التى تلذذت بها فى العالم.فلما سمع الاخوة الموجودين
ذلك انتفعوا.

(ج)
عمل اليدين:

        +
ذكر عن انبا ارسانيوس انه من يوم اخذ الاسكيم لم يبق فى قلايته اكثر من حاجته بل
كان يتصدق بالباقى للجميع. وكان قد تعلم ضفر الخوص من الرهبان، وكان يضفر القفف
والمراوح وغيرها ويبيع ويأكل منه ويشترى خوص الضفائر ويتصدق بما تبقى. وهكذا كان
عمله دائما (1).

 

اتضاع
القديس وانكار ذاته:

        +
حىء إلى الاسقيط مرة بقليل من التين فاقتسمهما الرهبان فيما بينهم ولاجل انه شيىء
ضئيل استحو ان يرسلوا له منه شيئا قليلا وذلك

لجلاله
منزله. فلما سمع الشيخ امتنع عن المجىء إلى الكنيسة وقال: ((افرزتمونى من الاخوة
ولم تعطونى من البركة التى اسلها الله كأنى لست

اهلا
لان آخذ منها، ولوجه آخر نسيتمونى بسبب كبريائى )). فلما سمعت الجماعة انتفعوا من
اتضاع الشيخ وانطلق القس واتاه بنصيب من التين ففرح وجميعهم سبحوا الله وجاء معهم
إلى المجمع.

        +
قيل عن انبا ارسانيوس وتادرس الفرمى انهما كان مبغضين للسبح الباطل جدا اكثر من
غيرهم من الناس. أما أنبا ارسانيوس فلم يكن يلتقى بالناس كيفما اتفق. وأما تادرس
فأنه وان كان يلتقى بهم لكنه كان يجوز بسرعة كالرمح.

        +
مرض الانبا ارسانيوس مرة واحتاج إلى شىء قيمته خبزة واحدة. واذ لم يكن له ما يشترى
به، اخذ من انسان صدقة وقال:

((اشكرك
يالهى يا من اهلتنى لان اقبل اصدقة من اجل اسمكم)).

        +
وحدث وهو فى الاسقيط ان مرض فمضى القسيس وجاء به إلى الكنيسة ووضعه على فراشر صغير
ووضع تحت رأسة وساده من جلد

 الغنم،
فلما جاء بعض الشيوخ ليتفقدوه وروأو الفراش والوسادة قالوا: أهذا هو ارسانيوس
المتكىء على هذا الفراش..؟! فما كان من القسيس إلا

ان

اختلى
بأحدهم وسأله قائلا: ماذا كان عملك فى بلدتك قبل ان تترهب ؟ قال: راعيا. قال له:
وكيف كان تدبيرك فى عيشتك؟أجابه: تدبير المشقة والتعب. والان كيف حالك فى قلايتك
فا أجابه بكل ارتياح افل مما كنت فى العالم. فقال له القسيس: إلا تعلم ان انبا
ارسانيوس هذا كان فى العالم

ابا
لملوك، وكان له ألف غلام من اصحاب المناطق الموشاه بالذهب واطواق اللؤلؤ.. وكان له
عبيد وخدم يقومون بخدمته وهو جالس على الكرسى الملوكية وتحته البرفير والحرير
الخاص الملون، فأما انت فقد كنت راعيا ولم يكن ذلك فى العالم ما هو لك الآن من
النباح، اما هذا فليس له شىء من النعيم الذى كان له فى العالم. فالان انت مرتاح
اما هو فمتعب.

        فلما
سمع الشيخ ذلك ندم وصنع مطاينة قائلا: اغفر لى يا أبى فقد اخطأت. بالحقيقة هذا هو
الراهب لانه اتى إلى الاتضاع واما أنا فقط اتيت إلى نياح وانصرف منتفعا.

        +
قال انبا دانيا عن انبا ارسانيوس انه بتمسكه بالسكون كان يمتنع عن الكلام فى تفسير
الكتاب المقدس بالرغم من قدرته على ذلك، إذا رغب، كما انه لم يكن ليكتب حرفا واحدا
بسرعة.

محبته
للوحدة وتجلده فيها:

        قيل
ان قلايته كانت على بعد اثنين وثلاثين ميلا، وما كان يأتى بسرعة وكان اخرون يهتمون
به. فلما خرب الاسقيط خرج باكيا وقال

:
اهلك العالم رومية. واضاع الرهبان الاسقيط.

لماذا
يهر ب من الناس:

        سأل
الاب مقاريوس انبا ارسانيوس مرة قائلا: لماذا تهرب منا يا أبتاه؟)).فا أجابه الشيخ
قائلا: ((الله يعلم انى احبكم، ولكنى لا استطيع ان اتكون مع الله ومع الناس فلهم
ارادات كثيرة وهكذا لا استطيع ان اترك الله واصير مع الناس)).

الخروج
إلى الدير ثم إلى الوحدة:

        +
سأل الاخزوة: ((لماذا اعتبر الشيوخ انبا ارسانيوس فى خروجه من العالم إلى الدير ثم
فى خروجه من المجمع إلى الوحدة مثالا سجلوه فى الكتب؟)) هنا رد أحد الشيوخ: ((ذلك
لان انبا ارسانيوس قد اخرجه الله إلى الدير
ثم اخرجه إلى الوحدة. ولانننا واثقون ان هاتين الدعوتين كانتا حسب
ارادة الله فحق للشيوخ ان يأخذوا قانونهم من حياه رجل الله هذا)).

        وقد
فسر أحد الشيوخ القدمات هذين الندائين فقال:

        سأل
بعض الاخوة أحد الشيوخ القديسين : ((فسر لنا الندائين سمعهمها انبا ارسانيوس)). ما
معنى ما قيل له فى النداء الأول.

((فر
واهرب من الناس وأنت تحيا)). وما معنى ما قيل له فى النداء الثانى: ((اهرب، واحفظ
السكون، هش حياة التأمل فى السكون لان هذه

هى
الامور الرئيسية التى تحفظ الإنسان من الخطية؟)).

        اجاب
الشيخ ان النداء ((فر واهرب من الناس وانت تحيا)) معناه ان اردت ان تتخلص من الموت
الكامن فى الخطية، وان تحيا الحياه

الكاملة
التى فى الصلاح اترك ممتلكاتك وعائلتك ووطنك، وارحل إلى البرية ((أى إلى الصحارى
والجبال إلى الرجال القديسين واتبع معهم وصاياى وانت تحيا حياة النعمة. والمقصود
من: ((اهرب، والزم السكون، عش حياة التأمل فى السكون)). انك لما كنت فى العالم
وكنت مسوقا بمشاغل الامور التى فى العالم جعلتك تخرج منه وارسلتك للسكنى مع
الرهبان، حتى بعد فترة قصيرة من السكنى فى مجمع الرهبان يمكنك ان تسمو باتباع
وصاياى بانطلاق، وللتأمل فى السكون.

        والان
إذا قد تدريب التدريب الكافى فى النداء الأول تستطيع ان تهرب من المدير ((مجمع
الاخوة)) وتدخل إلى الوحدة فى قلايتك، تماما

 كما
انطلقت من العالم ودخلت إلى الدير.

        اما
معنى ((احفظ السكون وعش حياة التأمل فى السكون)) فهو: انك اذقد دخلت إلى الوحدة فى
قلايتك فلا تعط للزائرين فرصة المجىء اليك والتحدث معهم بلا ضرورة إلا فى الامور
التى تتعلق بسمو الروح، فإذا فعلت هذا فسوف تجنى ثمار الجلوس فى السكون والتأمل،
لانه بالنظر وبالمسع وبالحدث مع الزائرين الذين يأتون اليك فقوة الافكار التى
تعطيش فيها تنقلك بعيدا فتشتت تأملاتك وسكونك، ولكن لا تظن ان مجرد ترك الاخوة فى
الدير او عدم قبول زائرين فى قلايتك يكون كافيا ليجعل عقلة هادئا او يمكنك من
التأمل فى الله واصلاح ذاتك ما لم تحترس بالاكثر إلا تشغل عقلك بهم باية طريقة
حينما يكونون بعيدين عنك.. فان الراهب عندما يتذكر أى انسان إنما يتذكره مرتبطا
ببعض الميول أى بميول الاشتياق او الغضب او المجد الباطل، فان حدث ان العقل جال فى
اموره عادية فانه ما لم يقطعها عنه لابد ان يتجه تفكيره بالضرورة إلى الذكريات
المتصلة ببعض هذه الامور.

        وهكذا
الحال مع المبتدء فى حياة التأمل فى السكون إذا ما نذكر النساء فانه يسقط فى شهوة
الزنا. واذا ما تذكر الرجال يسقط فى الغضب بالفكر. وحياججهم ويؤنبهم ويدينهم او
يطلب منهم تكريما له ثم يميل إلى الحياه السلبية. وكذلك لما سألوا انبا مقاريوس.
ما هو الطريق السليم للمبتدىء فى قلايته؟.

        قال:
((لا يتذكرون الراهب فى قلايته انسانا فانه لا ينتفع شيئا من اجهاد افكاره فى
المناقشات مع الناس وعليه ان يعتنى بضبط افكاره فى الخفاء من محجاججتهم وهذا ما
قصد بنداء: ((اهرب، الزم السكون والتأمل الصامت)).

ارسانيوس
والاب البطريرك:

        +
اتى ذات يوم الباب ثاؤفيلس البطريرك ومعه والى البلاد إلى انبا ارسانيوس وسألوه
كلمة فسكت قليلا ثم ثال لهم: ((انت قلت لكم شيئئا فهل تحفظونه ؟)) فلما ضمن له
الباب البطريرك امر حفظه قال لهم: ((اينما سمعتم بارسانى فلا تدنوا منه)).

        +
وحدث ايضا مرة ان اشتهى البابا البطريرك ان يراه، فارسل إليه يستأذنه ان كان يفتح
له فأجاب: ان جئت فتحت لك، وان فتحت

 لك
فلن استطيع ان اغلق فى وجه أحد. وان فتحت لكل الناس فلن استطيع الاقامة هاهنا)).

        فلما
سمع الاب البطريرك هذا الكلام قال: ((ان مضينا إليه فكانتا نطرده فالافضل إلا نمضى
إليه)).

زيارة
اخ للقديس:    دفعة اتاه أحد الاخوة وقرع بابه ففتح له ظانا انه خادمه، فلما رآه
انه ليس هو وقع على وجهه
فقال له الاخ:

        قم
يا أبى حتى اسلم عليك ولو على الباب. فقال له الشيخ: لن اقوم حتى تنصرف. والح الاخ
فى الطلب فلم يقم. فتركه الاخ وانصرف.

زيارة
بعض الاباء للقديس:

        زاره
مره بعض الشيوخ وسألوه عن السكون وعن قلة اللقاء فقال لهم:

        ان
العذراء ما دامت فى بين والديها فكثيرون يريدون خطبتها. فان هى دخلت وخرجت فانها
بذلك لن ترضى كل الناس لان بعضهم يزدريها وبعضهم يشتهيها، ولن تكون لها الكرامة
إلا وهى مختفية فى بيت ابيها. هكذا النفس المهندية الهادئة المعتكفة متى اشتهرت
تهلهلت.

زيارة
إحدى العذارى من بناء رؤساء البلاط فى روما:

        سمعت
بخبره عذراء من بناء رؤساء البلاط فى روما. وكانت غنية جدا وخائفة من الله، فلما
جاءت لتبصره ومعها مال كثير وحشم

وجنود،
تلقاها البابا ثاؤفيلس البطريرك بوقار كثير واضافها. فسالته ان يطلب إلى الشيخ بأن
يفسح لها الطريق للمضى إليه. فكتب يقول له:

ان
السيدة ((ايلارية السقليكى))(1)ابنة فلان من بلاط ملك رومية تريد ان تأذن لها
برؤيتك لاخذ بركتك.

        وكتب
ذلك لمقدم الاديرة بان يمكن السيدة ((ايلارية السقليكى)) من زيارة الاباء القديسين
واخذ بركتهم. فلم يشاء الانبا ارسانيوس ان تأتى إلى البرية وانفذ لها بركة من عنده
وقال لها: ((هوذا قد علمت بتعبك وسفرك ونحن مصلون لاجلك. فلا تحضرى لانى لا اشاء
ان ابصر وجه امرأة))ز اما هى فلم تقبل وقالت: ((ان ثقتى بالله ان ابصر وجهك
الملائكى، لانىلا ما تبعت وجئت لانظر انسانا
فبلدى كثيرة الناس بل اتيت لاعاين ملاكا)). وامرت ان يشدوا على الدواب حتى اتت إلى
البرية فلما وصلت إليه كان القديس ارسانيوس خارج قلايته. فما ان ابصرته حتى خرت
عند قدميه فاقامها بعض وقال ((لقد اثرت ان تبصرى وجهى. وها انت قد ابصرتيه فماذا
استندت))؟.

        اما
هى فمن احتشامها لم تستطع النظر فى وجهه. فقال لها: ((إذا سمعت بأعمال فاضلة
فاعملى على ان تمارسيها ولا تجولى طالبة فاعليها. كيف تجرأت فعبرت هذه البحار؟ اما
تعلمين انك امرأة ولا يليق بك الخروج إلى مكان ما اتريدين المضى إلى رومية قائلة
للنساء الباقيات أننى رأيت ارسانى. فتحولين البحر طريقة للنساء ليأتوا إليه)).
فأجابته السيدة قائلة: ((انى لايمانى يا ابى اتيت اليك وان شاء الله لن ادع امرأة
تأتى اليك، فصل من اجل واذكرنى دائما)). فاجابها منتهرا قائلا: ((لا بل انى اصلى
إلى الله ان يمحو خيالك واسمك وذكرك وفكرك من قلبى)). وتركها ودخل قلايته. فلما
سمعت ذلك لم ترد له جوابا ورجعت وهى قلقة الافكار ولما دخلت الاسكندرية اعترتها
حمى لفرط حزنها.

        اما
الباب ثاؤفيلس البطريرك فانه استقبلها باكرام جزيل وسألها عن امرها. فقالت: ((يا
أبتاه ليتنى ما قابلت الشيخ لانى لما سألته ان يذكرنى اجابنى)). انى اصلى إلى الله
ان يمحجو خيالك واسمك وذكرك وفكرك من قلبى)) وهوذا عبدتك تموت من الحزن. فقال لها
الباب البطريرك

:
((إلا تعلمين انك امرأة. وأن العدو يقاتل الرهبان بالنساء. فالى ذلك اشار الشيخ.
واما عن نفسك فهو يصلى دائما وغير ناس تعبك وسفرك)) فطاب قلبها ورجعت إلى بلادها
مسرورة.

        +
حدث مرة ان كان انبا ارسانيوس قلا فعزم على ان يترك قلايته دون ان يأخذ معه شيئا
منها، وذهب إلى تلميذيه الكسندر وزوبل بشخصه وقال لا لسكندر قم واذهبي إلى المكان
الذى كنت فيه (وفعل السكندر ذلك) وقال لزويل قم وتعال معى إلى النهر وابحث لى عن
سفينه قاصدة الاسكندرية ثم ارجه واذهب إلى اخيك، وقد تعجب زوبل من هذا الحديث،
وعلى ذلك فقد افترقوا
اما القديس ارسانيوس فقط انطلق إلى الاسكندرية حيث مرض مرضا خطيرا.
وعاد تلميذاه إلى المكان الذى كان يسكنان فيه قبلا وقال أحدهما للاخر: ((ربما اساء
احدنا إلى الشيخ ولهذا افترق عنا)) ولكن لم يمكنهما ان يجدا فى نفسيهما سببا يكون
قد ايقة.وكان لما عوفى الشيخ انه قال: ((اقوم واذهب إلى الاباء)) وارتحل وعاد إلى

((البترا
Patara)) (1) حيث كان تلاميذه، واثناء عبوره النهر رأته جارية حبشية واتت
من ورائه وامسكت بثوبه وجذبته، فزجرها الشيخ. اما هى فأجابته: ((ان كنت راهبا فاذهب
إلى الجبل)) فانت الشيخ نفسه بهذه الاشارة وقال فى نفسه: ((ارسانيوس، ان كنت راهبا
فامض

إلى
الجبل)).

        من
ثم استقبله تلميذاه الكسندرا وزوبل وخرا عند قدميه فطرح هو ايضا نفسه قدامهم.
وبكوا جميعا فقال الشيخ:

        ((اما
سمعتم انى كنت مريضا؟ اجابوه: ((نعم)) فقال لهم:

        ((فلماذا
لم تأتوا لتبصرونى ‍)) اجابه الكسندروس قائلا: ((ان الطريقة التى افترقت بها لم
تكن صحيحة وبسببها عثر كثيرون وقالوا / لو انهم لم يعصوا الشيخ فى امر ما.. ما كان
افترق عنهم.

        قال
لهم الشيخ: أننى اعرف هذا ولكن اناسا ايضا عتيدون ان يقولوا ان الحمامة إذ لم تجد
موضعا لرجليها رجعت إلى الفلك (2). وهكذا استراح التلاميذ وسكنوا معه مره اخرى.

حياته
الأخيرة ونياحته:

        +
اخبر عنه دانيال تلميذه فقال:

        كان
كاملا فى الشيخوخة وصحيح الجسم مبتسما. وكانت لحيته تصل إلى بطنه. وكان طويل
القامة لكنه انحنى اخيرا من الشيخوخة وبلغ من العمر سبعا أو خمسا وتسعين سنة.
أربعون سنة منها حتى خروجه من بلاط الملك. وباقيها فى الرهبنة والوحدة. وكان رجلا
صالحا مملوء من الروح القدس والايمان. وقد ترك لى ثوبا من الجلد وقميصا من الشعر
ونعالا من ليف وبهذه الاشياء كنت أنا الغير المستحق اتبارك.

وقال
تلميذه ايضا عنه:

        انه
لم اقربت ايامه اوصى قائلا: ((لا تهتموا بان تعملوا تذكارا لى ولكن قدموا قربانا
فقط.. وكان يقول دائما: إذا كنت فعلت شيءا فى حياتى يستحق الذكرى فسوف اجده.

+
ولما قرب وقت نياحته دعا تلاميذه وعزاهم ووعظهم وقال لهم: ((اعلموا ان زمانى قد
قرب فلا تهتموا بشيىء سوى خلاص نفوسكن ولا تنزعجوا بالنحيب على.)) وكان البار
يتكلم بهذا ودموعه تنهمر من عينيه فقالوا له: ((يا أبانا. اتفزع انت ايضا؟‍ اجابهم
قائلا: ((ان فزع هذه الساعة ملازم لى منذ جئت إلى الرهبنة)).

        وقال
ايضا: هانذا واقف معكم أمام منبر المسيح المهاب، فإذا جاءت الساعة رجائى إلا تعطوا
جسدى لاحد من الناس)). فقالوا له: فماذا نصنع لاننا لا نعرف كيف نكفنه؟ فقال لهم
الشيخ : ((اما تعرفون كيف تربطون رجلى بحبل وتجرونى إلى الجبل لتنتفع به الوحوش
والطيور))- وكان الشيخ يقول لنفسه دائما:

((ارسانى
ارسانى تأمل فيها خرجت لاجله))

        ..
هكذا رقد القديس ودموعه تسيل من عينيه
فبكر تلاميذه بكاء مرا وصاروا يقبلون قدميه ويودعونه كانسان غريب
يريد السفر إلى بلده الحقيقى.

        ولما
سمع الانبا بيمين بنياحته تنهد وقال: ((طوباك يا انبا ارسانيوس لانك بكيت على نفسك
فى هذا العام فان من لا يبكى على نفسه هاهنا زمانا قليللا، سوف يبكى هناك زمانا
طويلا. فان كان ها هنا بكاء بارادتنا واما هناك فالبكاء من العذاب وعلى كلتا
الحالتين لن تنحجو من البكاء وعلى ذلك فما امجد ان يبكى الإنسان على نفسه هاهنا)).

 

ولما
حضر البابات ثاؤفيلس البطريرك الوفاة قال:

((كوباك
يا انبا ارسانيوس لانك لهذه الساعة كنت تبكى كل ايام حياتك)).

        ولما
كان بلاديوس قد اورد سيرة مختصرة حوت بعض امور لم ترد فيما سبق فاننا نوردها كما
هى اتماما للمنفعة.

        قيل
ان انبا ارسانيوس انه حين كان فى العالم كان رداؤه انعم من أى انسان اخر، وحين عاش
فى الاسقيك كان رداؤه احقر من الجميع.

        ولما
كان يأتى إلى الكنيسة
على فترات مبتاعدة كان يقف وراء عامود حتى لا يرى أحد وجهة ولا يرى هو وجود الآخرين.
وكان وجهه مثل وجه ملاك، وشعره ابيض كالثلج وكثيفا، اما جسده فكان جافا من الاتعاب
ولحيته مستطيلة إلى وسطه ورموش عينيه قد تساقطت من البكاء. وكان طويل القامة مع
انحناء خفيف من الاكبر، وقد انتهت حياته وهو فى سن الخامسة والتسعين وقد عاش فى
العالم اربعين سنة فى البلاط ايام الملك ثيئودوسيوس الكبير والد الامبراطورين
اورنوريوس واركاديوس، وقضى فى الاسقيط اربعين عاما، وقضى عشرة اعوام فى طرة التى
بجانب بابليون فى مواجهة منف التى فى مصر. وسكن ثلاثة اعوام فى كانوبيس الاسكندرية.
وفى العامين الباقيين جاء إلى طرة مرة اخرى حيث رقد ولقد اتتنهى حياته فى سلام
وخوف الرب.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى