علم الانسان

إستعلانات الله



إستعلانات الله

إستعلانات
الله

من
شاكيناه
(*) العهد
القديم لإنسان الخطية،

إلى
شاكيناه العهد الجديد للإنسان الجديد

بعد
خروج آدم من لدن الله وطرده من الجنة، فَقَدَ في الحال إدراكه الداخلي بالوعي
المفتوح لرؤية الله ومعاينته والشركة معه. وصار آدم وكل ذرِّيته يعيشون بإدراكهم
الحسِّي ورؤيتهم القائمة على الحواس فقط؛ وكانت أكبر خسارة، إذ انقطع تدرُّجه في
المعرفة والحياة مع الله. وخرج ليحيا معتمداً على حواسه الجسدية يتحسَّس بها في
نور الشمس ليتعرَّف على ظواهر الأمور من دون الله. وهكذا انقطعت صلته بالله
وتدنَّت معرفته إلى أقصى حدٍّ.

لكن
الله لم يشأ للإنسان أن يتباعد كليًّا عنه حتى لا يتغرَّب الإنسان فيفقد معرفته
بالله. فابتدأ في مناسبات معروفة هامة يظهر للإنسان في مظهر يراه بعينيه؛ فكان
يُعلِن له مجده على هيئة نار متعدِّدة الأشكال والوظائف توضِّح وجود الله وجبروته
لتأسيس شعور الهيبة والمخافة والتوقير.

وقد
رصدنا هنا جميع الظروف التي تراءى فيها “مجد”الله للإنسان بشكل من أشكال
النار. فأولاً ظهر لإبراهيم كمصباح نار الله حينما بلغت عتمة المعرفة أقصاها، ثم
ظهر لموسى كعلَّيقة مشتعلة بالنار، ثم ظهر لبني إسرائيل كعمود نار يصير بالنهار
سحابة مظلِّلة وبالليل نوراً للسير والهداية.

وهكذا
سيرى القارئ، إذا أطال باله، مدى محاولات الله للإعلان عن ذاته وتقرُّبه للإنسان
على مدى الأزمان، ليحتفظ الإنسان بمستوى واضح من معرفة الله معرفة خارجية قائمة
على الحواس:

ظهوره
لإبراهيم:
بمناسبة
إقامة أول ميثاق معه عندما بلغت الظلمة أقصاها:

+
“ولما صارت الشمس إلى المغيب، وقع على أبرام سُبات، وإذا رُعْبة مُظلمة عظيمة
واقعة عليه.. ثم غابت الشمس فصارت العتمة، وإذا تنُّور دخان ومصباح نار
يجوز بين تلك القِطَع. في ذلك اليوم قَطَعَ الرب مع أبرام ميثاقاً” (تك 12: 15و17و18)

ظهوره
لموسى:
الإعداد
للخروج بالشعب من مصر، وكان ذلك في حوريب جبل الله:

+
“وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مديان. فساق الغنم إلى وراء البرية
وجاء إلى جبل الله حوريب. وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عُلَّيقة، فنظر
وإذا العُلَّيقة تتوقَّد بالنار والعُلَّيقة لم تكن تحترق. فقال موسى أميل الآن
لأنظر هذا المنظر العظيم، لماذا لا تحترق العُلَّيقة. فلما رأى الرب أنه مال لينظر
ناداه الله من وسط العُلَّيقة، وقال: موسى موسى. فقال: هأنذا. فقال: لا تقترب إلى
ههنا. اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة”
(خر 1: 35)

ويُلاحَظ
كلمة “موضع”فهي نفس الكلمة التي تُستخدَم في التعبير عن الهيكل أو خيمة
الاجتماع أو هيكل الكنيسة أي موضع الله. وكان حديث الخروج من مصر العبودية بداية
لتكوين شعب الله ليقطن أرض كنعان.

ظهوره
للشعب أربعين سنة:
قيادة الشعب نهاراً وليلاً حتى عبروا سيناء:

+
“وكان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في
عمود نار ليضيء لهم،
لكي يمشوا نهاراً وليلاً. لم يبرح عمود السحاب نهاراً
وعمود النار ليلاً من أمام الشعب” (خر 21: 13و22)

+
“ها أنا مُرسِلٌ ملاكاً أمام وجهك ليحفظك في الطريق، وليجيء بك إلى المكان
الذي أعددته. احترز منه واسمع لصوته ولا تتمرَّد عليه، لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن
اسمي فيه” (خر 20: 23و21)

ظهوره
لإعطاء لوحي الشهادة
والشريعة والوصية التي كتبها الله لهم كبداية
تعليم الشعب:

+
“وحلَّ مجد الرب على جبل سيناء وغطَّاه السحاب ستة أيام. وفي اليوم السابع
دُعِيَ موسى من وسط السحاب. وكان منظر مجد الرب كنارٍ آكلة على رأس الجبل أمام
عيون بني إسرائيل” (خر 16: 24و17)

ظهوره
فوق خيمة الاجتماع “المسكن”
على الدوام طالما هم غير مرتحلين،

بدء
اتصال دائم بين الله والشعب:

+
“ثم غطَّت السحابة خيمة الاجتماع، وملأ بهاء الرب المسكن. فلم يقدر موسى أن
يدخل خيمة الاجتماع، لأن السحابة حلَّت عليها وبهاء الرب ملأ المسكن. وعند ارتفاع
السحابة عن المسكن كان بنو إسرائيل يرتحلون في جميع رحلاتهم. وإن لم ترتفع السحابة
لا يرتحلون إلى يوم ارتفاعها، لأن سحابة الرب كانت على المسكن نهاراً، وكانت
فيها نارٌ ليلاً
أمام عيون كل بيت إسرائيل في جميع رحلاتهم” (خر 34: 4038)

ظهوره
عند تدشين أول هيكل
(سليمان)، ظهور الله أثناء العبادة:

+ “ولما انتهى سليمان من الصلاة، نزلت النار من السماء
وأكلت المحرقة والذبائح، وملأ مجد الرب البيت. ولم يستطع الكهنة أن يدخلوا بيت
الرب، لأن مجد الرب ملأ بيت الرب. وكان جميع بني إسرائيل ينظرون عند نزول النار،
ومجد الرب على البيت”
(2أي 1: 73)

ظهور
الشاكيناه أي مكان سُكنى الله في قدس الأقداس بالخيمة والهيكل،

بدء
سُكنى الله بين الناس منفرداً:

+
“وكلَّم الرب موسى بعد موت ابني هارون عندما اقتربا أمام الرب وماتا. وقال
الرب لموسى: كلِّم هارون أخاك أن لا يدخل كل وقت إلى القدس داخل الحجاب أمام
الغطاء (الهيلاستيريون
ƒlast”rion)
الذي على التابوت لئلا يموت، لأني في السحاب أتراءى على الغطاء” (لا 1:
16و2)

+”
وأجعل مسكني في وسطكم ولا ترذلكم نفسي. وأسير بينكم وأكون لكم إلهاً وأنتم
تكونون لي شعباً.”
(لا 11: 26و12)

+
“فلما دخل موسى إلى خيمة الاجتماع ليتكلَّم معه كان يسمع الصوت يُكلِّمه من
على الغطاء الذي على تابوت الشهادة من بين الكروبَيْن فكلَّمه” (عد 89: 7)

+
“هل سمع شعبٌ صوتَ الله يتكلَّم من وسط النار، كما سمعت أنت،
وعاش” (تث 33: 4)

+
“إنك قد أُرِيتَ لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه. من السماء أَسْمَعَكَ
صوته ليُنذرك، وعلى الأرض أراك ناره العظيمة، وسمعتَ كلامه من وسط النار” (تث
35: 4و36)

الشعب
يستعفي من سماع صوت الرب من وسط النار:

+
“هذه الكلمات (الوصايا العشر) كلَّم بها الرب كل جماعتكم في الجبل من وسط
النار والسحاب والضباب وصوت عظيم.. وكتبها على لوحين من حجر وأعطاني إيَّاها. فلما
سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار تقدَّمتم إليَّ جميع رؤساء أسباطكم
وشيوخكم. وقلتم هوذا الرب إلهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار.
هذا اليوم قد رأينا أن الله يكلِّم الإنسان ويحيا. وأما الآن فلماذا نموت، لأن
هذه النار العظيمة تأكلنا. إن عُدْنا نسمع صوت الرب إلهنا أيضاً نموت، لأنه مَنْ
هو مِن جميع البشر الذي سمع صوت الله الحي يتكلَّم من وسط النار مثلنا وعاش.
تقدَّم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلهنا وكلِّمنا بكل ما يُكلِّمك به الرب
إلهنا، فنسمع ونعمل” (تث 22: 527)

وعد
الله بمجيء مَنْ يكلِّمهم باسمه (لا بالنار ولكن بالنعمة):

+
“يُقيم لك الرب إلهك نبيًّا من وسطك من إخوتك مثلي، له تسمعون. حسب كل ما
طلبتَ من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا
أرى هذه النار العظيمة أيضاً لئلا أموت. قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلَّموا.
أُقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، أجعل كلامي في فمه فيُكلِّمهم بكل ما أُوصيه
به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلَّم به باسمي، أنا
أُطالبه” (تث 15: 1819)

تعقيب:
واضح
أنه بسبب فقدان آدم وبنيه الوعي الداخلي والتعرُّف الروحي على الله بعد طرده من
لدن الله كأثر حتمي لانقطاع الصلة التي كانت تربطه بالله، صلة الروح والمعرفة
بالروح لإدراك الله؛ قَصَرَ الله استعلانه لبني آدم على المعرفة الخارجية الحسية
بالعين والسمع، وجعل النار الإلهية المنظورة هي وسيلة استعلانه، فأخذت أشكالها
التي رصدناها. وقد استنفد الله كافة الاستعلانات الممكنة بِمَنْ هو الله، حتى صارت
سكناه الدائمة في قدس الأقداس من فوق تابوت العهد حيث يسمعه ويراه رئيس الكهنة مرة
واحدة في السنة، التي عرفناها أنها هي “الشاكيناه”.

وكان
لاستعفاء الشعب من سماع صوت الله من داخل النار، لأنه أرعبهم وطلبوا أن يُعيَّن
موسى لكي يعرف ما يريده الله ويخبرهم به هو؛ كان له استجابة سريعة عند الله بأن
وعدهم بإرسال نبي كواحد من إخوتهم من وسطهم يكون اسم الله فيه، هو يكلِّمهم.
وليُلاحظ القارئ هنا أنه جاء فعلاً وسُمِّي “الكلمة”. هذا يكلِّمهم ليس
بنار بعد، بل كما يُكلِّمون هم بعضهم بعضاً، لأنه واحد من إخوتهم.

ومن
هنا بدأ تصميم الله على إرسال ابنه الوحيد متجسِّداً ومتأنِّساً كواحد منهم، ولكنه
يحمل اسم الله أي ذاته وشخصه. على أن لا تكون النار فيما بعد واسطة الاستعلان،
ولكن “الكلمة”الإلهية بجلالها ومجدها وفاعليتها، مما يستلزم بالضرورة انفتاح
وعي الإنسان الداخلي لإدراك حكمة كلمة الله وعمقها وصفاتها كنور للقلب والفكر،
يبدِّد ظلمات جهالته ويكشف له الحق والحياة.

وهكذا بدأ استعلان الله على مستوى داخل الإنسان، أي وعيه
الروحي، حيث يصبح هنا استعلان الله ليس بنار بعد، بل بالنور الحقيقي غير المنطفئ
وغير المصنوع، نور الله نفسه الكاشف الخفيات، ليضيء قلب الإنسان وفكره وحياته،
ويستعلن له كل أمور الله والحياة الأبدية التي سيُدعَى إليها للحياة مع الله حيث
يدخل الإنسان في شركة دائمة أبدية مع الله. لأن استعلان الله هو معرفة الحق أو
الحياة الأبدية أو معرفة الله المطلقة الذاتية، فهي تصبح معرفة استيعاب كل ما لله.
فمعرفة الحق الأبدي هي بعينها الحصول عليه وامتلاكه أو الاتحاد به والشركة معه.
لأنه يستحيل أن يعرفه أحد إلاَّ إذا صار يعيه وعياً كلِّيًّا، أي يحوز عليه. لذلك
فكل مَنْ لا يعرف الحق لا يحوزه ولا يشترك فيه، وهكذا الله.

هنا
النور الحقيقي في تعريف أو استعلان الله الذي صار بواسطة إرسال ابنه
متجسِّداً هو أعظم تعبير واستعلان لله. والنور الحقيقي هو الحق
الكلِّي وهو الحياة الأبدية. فكل مَنْ أدرك نور الله أو أدركه نور الله أدرك الحق
والحياة الأبدية.

هكذا
بدأ القديس يوحنا في إنجيله ليُقدِّم لنا المسيح الذي أرسله لنا الله ليُكلِّمنا
عن الله كلام الاستعلان. يقول القديس يوحنا: إن المسيح كان في البدء أو منذ البدء
عند الله، بل وكان هو “كلمة الله الذاتي”، فهو الله أيضاً، وهو النور الحقيقي الذي
ينير كل العالم من داخل وعي الإنسان، والنور يضيء الظلمة والظلمة لا تدركه قط.

وهكذا يكون الله قد انتقل من استعلان ذاته بالنار وبالعين
الخارجية للإنسان إلى استعلان ذاته بالنور الحقيقي الذي لا يُدركه إلاَّ القلب
الحقّ والروح الحقّ للإنسان. وهذا هو الإيمان بالله الذي يُعطي الإنسان أن يصير
ابناً لله أي يدخل في شركة معه، تلك التي تكون بانفتاح وعي الإنسان الداخلي وقبول
الله.

وهكذا
أصبح باستعلان الله للإنسان بالمسيح يسوع، ب “الكلمة”، بالنور والحق؛ ينفتح أمام الإنسان طريق العودة إلى الحياة مع الله
كشركة في النور والحق والحياة الأبدية. والقديس يوحنا يُقدِّم لنا خبرته في التعرُّف
على المسيح باعتباره الحياة الأبدية التي كانت عند الله وأُظهِرَت لنا:

+ “فإن الحياة أُظهِرَت (ووضح ذلك 100% بقيامة المسيح
من بين الأموات)، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب
وأُظهِرَت لنا. الذي رأيناه وسمعناه (كاستعلان لله والمسيح) نُخبركم به، لكي
يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.

ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً” (1يو 2: 14)

وهذا
يعني أن القديس يوحنا وباقي التلاميذ الذين استعلن الله ذاته لهم في ابنه يسوع
المسيح، وقبلوه وصاروا أولاداً له؛ دخلوا معه في حياة الشركة الأبدية للحياة
الأبدية. وهذا هو منتهى قصد ومشيئة وإرادة الله في عودة الإنسان إليه جديداً
كخليقة جديدة بوعي قلبي مفتوح نحو الله.

استعلان
يوم الخمسين،

ثم
استعلان الله الأخير لبولس الرسول
استعلان من
السماء:

بعد تكميل استعلان الله بيسوع المسيح وقيامته وصعوده إلى
السماء، تمَّ حلول الروح القدس كألسنة من نار نازلة من
السماء حاملة الروح القدس
منقسمة على رؤوس الحاضرين، لتستعلن
آخر صورة لسُكنى الله فيما بعد التوراة؛ لا في خيمة من قماش ولا هيكل من حجارة بعد،
بل في هياكل بشرية صارت من لحم ابنه وعظامه. لذلك سَرَّ الله أن يسكن فيها بروحه
ويجد له إقامة: “أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم” (1كو
16: 3)، وهذا حقٌّ: “لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه” (أف 30: 5).
فمن اللائق جداً أن يأتي روح الله ويسكن فيها.

وهكذا تمَّت الخلقة الجديدة للإنسان الجديد من فوق كقول
الرب. وصارت هي “الشاكيناه”الجديدة لسُكنى الله! مَنْ يصدِّق هذا!!!
“كما قال الله: إني سأسكن فيهم وأسير بينهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي
شعباً” (2كو 16: 6). فصار الإنسان آيةً لاستعلان مجد الله. ولَمَّا سكن الروح
القدس في هيكل الإنسان صار استعلان الله بالكلمة بواسطة الإنسان!!! هذا هو الإنسان
الجديد.

واستعلان
مجد الله في الإنسان في يوم الخمسين هو استعلان خاص علني ومنظور حدث بعد اختيار
نخبة ممتازة وممحَّصة. أما استعلان مجد الله في الإنسان على طقس بولس الرسول الذي
تمَّ بعد ذلك بواسطة المعمودية، حيث يحل روح الله القدوس بالسرِّ في الإنسان، ويحل
وجه يسوع أيضاً سرًّا في الإنسان؛ فهذا يكون استعلاناً لمجد الله بواسطة المعمودية
بالسرِّ بحلول وجه يسوع المسيح سرًّا، وهو استعلان سرِّي غير منظور للجميع لسُكنى
مجد الله في الإنسان عامة.

وكان
بنو إسرائيل يعتبرون سُكنى الله بينهم “الشاكيناه”منتهى المحاباة لشعبهم دون
الشعوب. فماذا نقول نحن بعد أن أتى الله بمجده وجعل مسكنه فينا؟

تكلَّم
الله من السماء وعيَّن بولس الرسول إناءً مختاراً يحمل اسمه إلى أمم وملوك، ورآه
بولس الرسول رؤيا العين الخارجية وبآنٍ واحد بانفتاح
الوعي الداخلي ليُعرِّفه أنه هو المسيح ابن الله الذي يضطهده، ويقبل منه الرسولية
كآخر رسول. رآه بوجهه المبارك يلمع فوق قرص الشمس بلمعان أكثر من الشمس ذاتها.
وهذا يميِّز رؤيا الوعي الداخلي بالروح عن رؤيا العين لطبيعة الشمس المعروفة. فكان
استعلان الله في وجه يسوع المسيح متكلِّماً من السماء، هو آخر حدث لاستعلان الله.
وهنا إضاءة وجه المسيح في السماء تعطينا نوعاً جديداً من الشاكيناه، أي رؤية
“سُكنى الله”التي كانت في قدس الأقداس متكلِّماً لرئيس الكهنة مرة في السنة
للتكفير عن خطايا الشعب في ذبيحة المحرقة المدعوة ذبيحة الكفَّارة التي كانت
تقدَّم مرة واحدة في السنة، وكانت في الحقيقة تعبيراً تصويرياً ونبوَّة عن ذبيحة
أخرى أعلى وأجلَّ وهي ذبيحة المسيح على الصليب.

كذلك، فالشاكيناه كانت مجرد تصوير عن معقولية سكنى الله مع
الناس، إنْ في خيمة أو في هيكل؛ الأمر الذي حدث بصورته المجيدة بحلول روح الله
والمسيح في داخل الإنسان الجديد للسكنى لتصير هي الشاكيناه الحقيقية لمجد الله،
حيث نحن الشاكيناه “ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف.. نتغيَّر إلى تلك الصورة
عينها من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح” (2كو 18: 3). فمن شاكيناه الله في
العهد القديم لإعطاء الغفران لإنسان الخطية إلى شاكيناه إعطاء مجد الله في العهد
الجديد. فكانت الشاكيناه المسيحية، التي محورها الكرازة بالخلاص لأمم الأرض، هي
آخر استعلان مُعطَى للإنسان الجديد المنفتح لاستقبال معرفة الله وقبول آخر وصاياه.
هذه الحقيقة يلزم أن تكون حقيقة إيمانية بالدرجة الأولى.

ملخَّص:

أولاً:
بدأ
استعلان الله بعد طرد آدم من الفردوس بواسطة أشكال النار المتعدِّدة، متكلِّماً
لجميع الأجيال المحصورة فقط في إبراهيم وفي نسله بني إسرائيل، ممثِّلاً لأمم الأرض،
باعتبار أنها استعلانات توثِّق القُرْبَى بين الله والإنسان الخاطئ البعيد عن الله،
إلى أن بلغت نهايتها بصورة الشاكيناه، وهي سُكنى الله في قدس الأقداس لقبول رئيس
الكهنة حاملاً دم ذبيحة المحرقة لغفران خطايا الشعب كله، وسماع كلمة الغفران من
يهوه من فوق غطاء التابوت من بين الكاروبَيْن مرة واحدة في السنة، غفراناً عن
خطايا السهو فقط.

ثانياً:
وانتهت
هذه الاستعلانات بميلاد ابن الله يسوع المسيح وقبوله خطايا العالم، كل الخطايا في
جسده على الخشبة، وموته تكميلاً لعقوبة الله الواقعة على آدم ونسله، وتكميلاً
للمصالحة بين الإنسان والله بصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمين الله حاملاً
البشرية الجديدة في جسده المُقام. وظل الرب يسوع يكمِّل استعلان الله بعد قيامته
بواسطة الروح القدس الذي هو موعد الآب، وذلك في مختاريه بعد يوم الخمسين بعمل
القلب.

ثالثاً: وآخر استعلان للرب
يسوع برؤيا العين الخارجية تمَّ لبولس الرسول وهو في أقصى حالات التحدِّي لله
وتكميل خطايا المقاومة لله بقتل المؤمنين باسم يسوع المسيح. كان ذلك تعبيراً عن
مدى استعلان الله للإنسان الخاطئ وهو في عمق خطاياه لقبول معرفة الله والإيمان به
وقبوله الخلاص مجاناً. فكانت رؤية بولس الرسول هي “الشاكيناه
الجديدة”
القائمة في السماء المتكلِّمة بالدعوة للخلاص الدائم للإنسان
الجديد لكل مَنْ يقبل ويسمع الدعوة المجانية: “مِنْ ثمَّ أيها الملك أغريباس
لم أكن مُعانداً للرؤيا السماوية، بل أخبرت أولاً الذين في دمشق وفي أورشليم حتى
جميع كورة اليهودية، ثم الأمم، أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله عاملين أعمالاً تليق
بالتوبة” (أع 19: 26و20)

 

والآن،
هل تحقَّق تدبير الله وغرضه الأسمى من سكناه فينا، ونستعلنه بالحق كشاكيناه صادقة؟

نحن
نحتاج إلى التدرُّب على محادثة المسيح من القلب ولو أثناء العمل أو الكتابة أو حتى
القراءة. فالإحساس بوجود المسيح لا يلزم أبداً أن يكون في الهدوء أو أثناء الصلاة
فقط، لأن المسيح له حضرة بهية تسيطر على الجو كله كالنور أو الرائحة العطرية يمكن
أن يحيا فيها الإنسان وهو مشغول أو حتى وهو نائم. وحضرة الرب حقًّا وفعلاً مضيئة،
فهو الشاكيناه التي كان يدخل فيها رئيس الكهنة ليتوسل عن الشعب. فهي حضرة مضيئة
بنور سماوي ليس من أي نوع نعرفه. وهو غير منظور ولا محسوس للعين، ولكن محسوس جداً
للنفس. والشاكيناه هي الذُّكصا الكبرى أو المجد الأعظم الذي رآه وسمعه إشعياء
النبي أنه مِلء كل الأرض بسبب التجسُّد المزمع أن يكون. هذا هو المجد الذي نستحوذ
عليه بحبنا الخالص من القلب الخالص، فيملأ حياتنا وفكرنا وروحنا.

كان
رئيس الكهنة يدخل إليه مرة واحدة في السنة؛ لكن قد صار لنا وجود معه بصورة دائمة.
وليس هذا فحسب، بل صار هو الذي يشملنا بحضرته وبنوره الذي يسيطر على كياننا
فيملأنا عزاءً ونعيماً وسروراً. فقط يلزم أن نكون على مستوى حضرته ونور مجده، ولا
يكون هذا إلاَّ بالوجود في حالة حب شديد خالص من القلب والفكر والنفس. فالحب هو
ذبيحة العهد الجديد التي نتقدَّم بها إلى الله وندخل إليه ونتراءى أمامه؛ فيستعلن
لنا مجده أي حضرته المضيئة التي نعيش فيها لحظات من عمرنا الأبدي، فننسى أنفسنا
وهمومنا، بل وينسحب من قلبنا ومن فكرنا الإحساس بالزمن والعالم. فأنْ نكون مع
المسيح أو يكون المسيح معنا، فهذا هو كل العهد الجديد، “عمانوئيل”، الذي في حضرته
وبدون جهد منَّا تصير شريعته في داخلنا مكتوبة على ظهر قلبنا.

كانت
الشاكيناه هي مجد الله في إسرائيل، كما قال بولس الرسول: “الذين هم
إسرائيليون، ولهم التبنِّي والمجد والعهود والاشتراع” (رو 4: 9). هذا
المجد هو مجد الشاكيناه أي حضرة الرب، وكانت في وسطهم. لأن كلمة “شاكيناه”هي
أصلاً من السكنى أي سكنى الله وسط شعب إسرائيل. وأول مَنْ عرفها ودخل فيها موسى،
لأنها كانت هي العلَّيقة ذاتها المشتعلة بحضرة الله كناية عن المسيح في تجسُّده
القادم. فالعلَّيقة هي أول رمز للحضرة الإلهية المضيئة. فأنْ نقتني نحن الشاكيناه
بالحق، فهذا قمة المنتهى. إسرائيل لم ينتفع أبداً بسكنى الله في وسطه. والخوف كل
الخوف أن نفقد نحن هذه العطية العُظمى، شاكيناه العهد الجديد، عمانوئيل الله معنا‍!!!
سرُّ تطويب العذراء مريم، أنها حملت الشاكيناه في بطنها تسعة أشهر ولم تحترق، بسبب
طهارتها وبساطة قلبها الفائق.

ويعطينا
القديس أنطونيوس شهادة حيَّة ملتهبة من حياته وخبرته، ينقلها إلينا كرسالة نورانية
تضيء عالمنا، حينما قال عن عطية الروح القدس باعتباره نار الله الموهوبة من الله
بواسطة المسيح لتلاميذه ولنا حسب الوعد:

[ذلك
الروح الناري العظيم الذي قبلته أنا، اقبلوه أنتم أيضاً! وإذا أردتم أن
تقبلوه ويسكن فيكم، قدِّموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا
أفكاركم إلى السماء في الليل والنهار. واطلبوا باستقامة قلب هذا الروح الناري،
وحينئذ يُعطى لكم..] (الرسالة الثامنة)

هذه
شهادة حيَّة لقديس متَّقد حقًّا بنار الله، ومن سكنى الروح فيه يتكلَّم ويشهد.
حقًّا كان القديس أنطونيوس صورة للشاكيناه الجديدة التي صارت لنا بوعد! مَنْ يقبل
فلْيقبل.

وهكذا ومجاناً أُعطِيَ لنا أن نحمل الشاكيناه أينما كُنَّا
وحيثما وُجِدْنا، لا تسعة أشهر بل العمر كله. كان كل المطلوب من موسى أن يخلع
نعليه ليدخل الأرض المقدسة ويتراءى أمام الحضرة المضيئة المشتعلة. والمطلوب منا أن
نخلع جسدنا العتيق بالجملة حتى نوهَب هذا الوجود الفائق في حضرة المسيح، لأن حضرة
المسيح لا تنحصر في مجرد التواجُد أمامه، بل إن سرَّ الشاكيناه في المسيحية أنه لا
يرتاح إلاَّ في قلب الإنسان. فالعلَّيقة المشتعلة موضعها قلب الإنسان، لأنه هو
الخيمة الجديدة أو المسكن الجديد الذي يحلّ فيه المسيح ويضيء ويشتعل. لذلك أصبح
التزاماً على الإنسان أن يكون قلبه مُعَدًّا كالعليَّة، ومفروشاً باستعداد
الإفخارستيا السريَّة التي فيها يكسر المسيح الخبزة السريَّة مع الإنسان. وهو
القول السرِّي الذي قاله الروح: إن المسيح باستعداد الوقوف على قلب الإنسان ويقرع؛
فإذا انفتح القلب، يدخل ويتعشَّى مع الإنسان ويتعشَّى الإنسان معه (رؤ 20: 3).
فصحْن الإنسان (الذي يأكل فيه) هو همُّه وأمله ورجاؤه، يجترُّه كل يوم وكل ساعة.
أما صحْن المسيح فهو عزاؤه وفداؤه ومسحة روحه القدوس. هكذا يُشارِك المسيحُ
الإنسانَ، ويشترك الإنسان مع المسيح. هو تبادُل الأعواز مع العطايا ممزوجة بالمحبة
التي تجعل همومنا مقبولة عنده، وعطاياه مبهجة لقلوبنا جداً. وهذا هو عمانوئيل الله
معنا، وهذا هو الوعد: “أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 20: 28).
إنه وعد الحياة المسيحية الذي نعيش عليه، ولولاه لقتلتنا غربة العالم وانقطاع
العزاء والمحبة.

وفي
الحقيقة، إنها هي هذه الغربة عينها وهمّ هذا العالم، اللذان جعلا المسيح يُعطي
وعده هذا ويُهيئ حضرته لدوام بقائها معنا، طالما دعوناها بنداء الحب وذرف الدموع.
فشعور الإنسان بالغربة في العالم، وإحساسه بالخوف الدائم من لصوص الكنوز القلبية،
وتوجُّعه من أجل الكنيسة التي باتت متغربة عن عريسها؛ هو الذي يعطي المسيح الإحساس
بضرورة المجيء والسُّكنى حتى يُنشئ في قلب الإنسان خيمته السماوية، ليُشعِر
الإنسان أنه مواطن سماوي مهما تألَّبتْ عليه مواجع الأرض والناس والزمان. وهذا هو
الذي قال عنه المسيح: إن خرافه يعرفها بأسمائها وإنه يجمعها إلى حظيرته ويطعمها
نعمته وسلامه، فتدخل وتخرج وتجد مرعى. هكذا نعيش مع الراعي الصالح الذي نَصَبَ
خيمته بشبه حظيرة داخل قلوبنا، ندخل إليه في سلامه ونخرج محمَّلين بالعطايا.

لكن
إن استثقلنا غربتنا وتآلَفنا مع العالم، بمعنى: إن خرجنا نطلب عزاءنا من أفواه
الناس، وشبعنا من خبز الشركة الدنيوية؛ لا يجد المحبوب سبباً للمجيء إلينا. لا
كأنه يُعادينا، ولكن كأنه يستثقل نفسه علينا، إذ يحس أنه ضيف غريب أو كمسافر ليس له
مكان للمبيت. ولكن، للذين كرَّسوا القلب له وزرعوا فيه صليبه، حتماً يأتي.

(مايو
1999)



(*) “شاكيناه”هو
النطق العبري لكلمة “سُكنى”. وكانت هذه تُقدَّس تقديساً عظيماً عند بني إسرائيل،
لأنها تعبِّر عن سُكنى ا معهم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى