اللاهوت العقيدي

أولاً: المقدمة



أولاً: المقدمة

أولاً: المقدمة

(أ) السلام
الذي يبتدئ به الكاهن المصلِّي
هو على هيئة حوار (ديالوج) بين الكاهن والشعب: “الرب
مع جميعكم
Ð KÚrioj met¦ p£ntwn Ømîn”:

ويُعتقد أن الكلمة
الأخيرة
Ømîn مضافة، وهي التي تحدد المخاطَب بصفة الجمع
“أنتم”، والدليل على ذلك عدم وجودها في الأصل في النسخ القديمة
([1])،
كذلك لا نجدها في النسخة المستخدمة عند الروم
القديمة منها والحديثة
([2])، كذلك لا نجدها في قوانين التقليد الرسولي لهيبوليتس
الخاصة بالمعمودية، كذلك لا توجد في جميع النسخ القبطية القديمة الخاصة بالإجراءات
الطقسية الأخرى
([3]).

ومما يزيد اليقين بأن
كلمة
Ømîn مضافة، عدم وجودها في الجُمل التخاطبية
المماثلة التي تأتي بعدها في الطقس. فهي ليست موجودة مثلاً في الدعاء
e„r»nh p©sin وترجمتها “السلام للجميع”
(ولم يقل “لجميعكم”) التي تأتي بصورة متكررة كثيراً ليس في الطقس القبطي فقط بل
وفي السرياني أيضاً، حيث تأتي كلها بدون تحديد المخاطَب، وهذا كان
نوعاً
من الأدب العبادي حيث الدعاء بالسلام أو الدعاء بوجود الرب لا يمنحه الكاهن للشعب
بل يطلبه طلبة لنفسه وللجماعة: “الرب مع الجميع

السلام للجميع!!”.
ولكن تشجَّع الأقباط حديثاً
واستخدموا المخاطَب الجمع
“جميعكم” بعد
أن لاحظوا استخدام الروم لها. لأن المعروف أن النُسخ اليونانية حذفت هذه التحية
الأصلية التي كانت بالصيغة المصرية واستعاضت عنها بتحية من الكتاب المقدَّس يرد
فيها كلمة “جميعكم” وهي الواردة في 2كو 14: 13: «نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله
وشركة الروح القدس
“مع جميعكم” » وأول
مَنْ استخدم هذه الآية كاصطلاح ليتورجي هي الليتورجية الواردة في الكتاب الثامن
لقوانين الرسل
A.C. VIII، (حيث يُلاحظ فيها أن الله الآب استعاد موقفه قبل الابن تصحيحاً
للآية) وقد وردت هكذا([4]):

`H c£rij toà pantokr£toroj Qeoà kaˆ ¹ ¢g£ph toà
Kur…ou ¹mîn


‘Ihsoà
Cristoà kaˆ ¹ koinwn…a toà ¡g…ou pneÚmatoj œstw met¦ p£ntwn
Ømîn

(ب) ارفعوا قلوبكم ¥nw Ømîn t¦j
kard…aj
:

يُلاحَظ أن كلمة Ømîn هنا
أيضاً مضافة وغير موجودة في النسخ القديمة. والمعروف سواء في الأدب الفرعوني
القديم
([5])
أو في اللاهوت الآبائي المسيحي القديم أن القلب هو الذي يؤدي وظيفة الفهم والمعرفة
والحكمة. وقد حلَّ محله العقل في المفهوم الأكثر شيوعاً لتأدية هذه الوظائف في
البلاد الأخرى. لذلك نجد في تقليد أورشليم وأنطاكية

كما هو وارد في عظات القديس كيرلس الأُورشليمي
([6])
وكما هو وارد أيضاً في قوانين الرسل الكتاب الثامن

هذا النداء آخذاً هذه الصورة
¥nw tÕn noàn أي “ارفعوا العقل”.

ولكن ظلت
كافة الليتورجيات في العالم محتفظة ب “القلب” بحسب الطقس
المصري القديم، وصارت جملة “ارفعوا القلب”
اصطلاحاً عالمياً
Sursum Corda.

ويشذ عن كل تقليد
الكنيسة في هذه الجملة ما يستخدمه الطقس الموزاربك (الأسباني) إذ يقول:
Aures ad Dominum وتعني “الآذان للرب”.

(ج) فلنشكر الرب eÙcarist»swmen tù Kur…J:

هذه بداية صلاة الشكر “الكبرى” والتي بسببها يُسمَّى الطقس كله بصلاة الشكر أو “سر الشكر”. وهي أصلاً في الطقس العبري، كانت تُقال فقط في نهاية الوليمة
على كأس البركة وهو مرفوع في يد رئيس المتكأ. وكان لا يصح أن تكون (صلاة الشكر)
حواراً، أي لا يرد عليها الجالسون (بالمرد المعروف الآن “مستحق وعادل”) إلاَّ إذا
كان الحضور لا
يقل عن مائة شخص، فهي نداء
لصلاة شكر جماعي وكان لا يصح النداء به إلاَّ في المجمع (اليهودي). أمَّا إذا كان
العدد في حدود عشرة أشخاص فتكون صلاة الشكر
“الأصغر” التي ليس لها رد (مثل صلاة
الشكر العادية التي تُقال للتقديس على الكأس في طقس تقديم الحمل [فلنشكر صانع
الخيرات الرحوم] وهي بدون مرد مباشر).

هذا النداء
هو استحثاث الشعب لكي يشترك لا في “مجرد شكر الرب” فقط بل في صلاة الشكر بأكملها
التي هي الإفخارستيا حتى النهاية، لهذا يرد الشعب أنه “مستحق ومستوجب”.

(د) مستحق
ومستوجب أن نسبحك:

يأخذ الكاهن كلمة “مستحق ومستوجب”([7]) من فم الشعب ويدخل في صلاة الإفخارستيا الكبرى.

ومن مميزات ليتورجية مرقس الرسول (الكيرلسي) أنها تقدِّم أفعال التسبيح
بكثرة أكثر من أي ليتورجية أخرى. وقد يبدو لأول وهلة أن هذه الأفعال مبالغ في
زيادتها، ولكن برجوعنا إلى مخطوطة بردية استراسبورج
([8]) (التي من القرن الرابع، والتي يتضح
منها أربعة أفعال تسبيح على أقل تقدير
انظر صفحة 539و541)، بالإضافة إلى بردية المتحف البريطاني([9]) (من القرن السادس)، مع النسخة اليونانية([10]) والنسخة القبطية([11]) اللتين من القرن الثاني عشر، تأكد لدينا أن مقدِّمة مار
مرقس ذات صبغة خاصة تختلف عن باقي المقدمات التي لليتورجيات عامةً، فهي تحتفظ
بأكبر عدد من أفعال التسبيح.

فمثلاً في
ليتورجية سيرابيون التي من نفس زمانها (القرن الرابع) تأتي أفعال التسبيح هكذا:

قداس
سيرابيون:

[مستحق
ومستوجب أن
نسبِّحك، ونرتِّل لك، ونمجِّدك…]

أمَّا في
قداس القديس مرقس:

[مستحق
ومستوجب أن
نسبِّحك a„ne‹n ونرتل
لك
Ømne‹n ونباركك eÙloge‹n، ونخدمك latreÚein ونسجد لك proskune‹n ونشكرك eÙcariste‹n، ونمجِّدك doxologe‹n، ونعترف
لك
¢nqomologe‹sqai ليلاً ونهاراً بشفاهٍ غير هادئة وقلب لا يسكت وتمجيدات لا تنقطع…]

يقول
العالِم كوكان
([12])
إن أقدم نسخة للقداس الباسيلي “السيرو
بيزنطي” النسخة السريانية، ليس فيها سوى فعلين “نشكر” و“نمجِّد”:
eÙcariste‹n
– doxologe‹n
.

ولكن هذا التسبيح الذي يقدِّمه الكاهن لا يمكن أن نعبر عليه دون أن نشير إلى
مرد الشعب السابق
“رحمة السلام ذبيحة التسبيح”، لأن روح هذا المرد يشرح لنا سر هذه الأفعال المترادفة
والمتكررة بصورة ملفتة للنظر. فهذا المرد عبارة عن نقلة مفاجئة من وضع ذبائحي
بالجسد والدم إلى وضع ذبائحي بالفم والشفاه. أمَّا سر هذا الانتقال المفاجيء
فمذكور في فصل (دخول التسبحة الشاروبيمية).
“فالإفخارستيا” تأخذ بحسب
اسمها: “سر الشكر” وضعها التطبيقي العملي في ليتورجية مار مرقس باعتبارها ذبيحة
شكر وتسبيح أصيلة، بل ذبيحة “تسبيحات” كصفة مميزة جذرية لليتورجية القبطية
([13]).

هذا ينقلنا
إلى قيمة هذا
التسبيح الشكري ومركزه
الأصلي في وليمة الرب والولائم الفصحية بحسب التقليد اليهودي القديم، فصلاة الشكر
الكبرى كانت تُقال في آخر الوليمة والكأس في يد الرب كما تسجله الأناجيل: «وشكر»
حيث الشكر هذا كان عبارة عن صلوات شكر حارة وتسابيح وتذكارات «
ثم سبَّحوا
وخرجوا إلى جبل الزيتون
»

أمَّا
لماذا جاءت “صلاة الشكر” هكذا هنا في قداس القديس مرقس في المقدمة بدل النهاية
باعتبارها صلاة وتسبيح وشكر ختامي، فلأنها تتبع إفخارستية سابقة هي “تقديم الحمل”
وهي إفخارستيا كاملة وصلاة الشكر فيها كانت على الكأس ليتحوَّل إلى دم. انظر كتاب
قداس الرسل
“تقديم الحمل”.

إذاً، فهذا
الإمعان في التكرار المتعمَّد لأفعال التسبيح في ليتورجية مار مرقس إنما يكشف عن
مدى قدمها وأصالتها التقليدية الأُولى جداً كذبيحة شكر وتمجيد لله.

كذلك لا نستطيع أن نتجاهل التأكيد من جهة دوام التسبيح الذي
تصرُّ عليه مقدِّمة ليتورجية مرقس
الرسول قائلةً:
“ليلاً
ونهاراً”
كما جاء في بردية ستراسبورج (النصف الأول من القرن الرابع) فإن هذه
النبرات توجِّه ذهننا إلى صفة التسبيح لدى الشاروبيم والساروفيم “في كل زمان

أو على الدوام”، هذا ينبِّهنا إلى أن تركيب المقدِّمة يمهِّد مباشرةً للتسبحة
الشاروبيمية
Sanctus.

وهذا بدوره نأخذه كأحد
العوامل التي ستبرهن لنا على أن الأواشي الكثيرة التي تعترض بين المقدِّمة
والتسبحة الشاروبيمية ليس موضعها أصلاً في هذا المكان، فالأواشي منقولة. وسيأتي
الكلام على ذلك في مكانه.

(ه) مضمون
تسبيح المقدمة:

والتسبيح بأفعاله
السبعة كما تقدِّمه ليتورجية مرقس الرسول يدور حول حقيقتين:

الحقيقة الأُولى: الشكر
والتسبيح من أجل خلقة السماء والأرض وخلقة الإنسان:

[أنت الذي خلقت
السماوات وكل ما فيها والأرض وكل ما فيها، البحار والأنهار (والينابيع والبحيرات =
في نسخة القرون المتأخرة، وهي تكشف عن واقع جغرافي مصري) وكل ما فيها
أنت الذي خلقت الإنسان كصورتك كشبهك وخلقت كل الأشياء بواسطة حكمتك نورك
الحقيقي ابنك ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح.]

وهنا تكشف لنا كلمة “حكمتك”
عن منابع
عبرية أصيلة في ليتورجية مار مرقس، هذه الصفة
المحببة في الصلوات العبرية المقتبسة في قوانين الرسل الكتاب السابع.
ولكن يوازيها أيضاً كلمة “نورك” وهي تكشف أيضاً عن منابع التقليد الإسكندري
المعروف.

الحقيقة الثانية: الشكر
والتسبيح من أجل حق تقديم الذبيحة:

[هذا الذي من قبله نشكر
ونقرِّب لك معه ومع الروح القدس هذه الذبيحة الناطقة وهذه الخدمة غير الدموية، هذه
التي تقدمها لك جميع الأمم من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى اليمين. لأن
اسمك عظيم في جميع الأمم، وفي كل مكان يُقدَّم بخورٌ لاسمك القدوس وذبيحة طاهرة
وقربان]([14]).

هنا الإحساس الأممي
واضح، فهو تحدٍّ واضح لأورشليم الأرضية وللهيكل المخرَّب اللذين كانا عند اليهود
هما موضع الذبيحة الطاهرة الوحيدين في كل العالم، لذلك وبسبب هذا الانتباه الواعي
نجد أيضاً في تسبحة الشاروبيم أن واضع الليتورجيا القبطي يَعْمَد إلى حذف إحدى
مقاطع التسبيح التي كانت أساسية في تسبحة “القدوساه” التي هي تسبحة الشاروبيم في
المجمع اليهودي، حيث كان الطقس العبري يقول: «مبارك مجد الرب في موضعه» (حز
12: 13). فلأن اليهود اعتبروا امتداداً من ذلك أن موضع
الله على الأرض هو أورشليم وفي الهيكل بالذات، حذفها واضع الليتورجية القبطية عن
عَمْد باعتبار أن الله هو في كنيسته في كل زمان ومكان.

كما يعمَد واضع
الديداخي (نهاية القرن الأول) إلى نفس الأسلوب، عندما يقول: [نشكرك أيها الآب
القدوس من أجل اسمك القدوس (شخصك) الذي جعلته يسكن في قلوبنا]. فهنا امتداد
لانتقال سُكنى الله من الهيكل إلى قلب الإنسان في العهد الجديد:
» أنتم هيكل
الله وروح الله يسكن فيكم.
«(1كو 16: 3)

(هنا تعترض الأواشي
فلو تجاوزنا وجودها وواصلنا النص نجده يرتبط هكذا:)

بقية المقدِّمة:

[لأنك أنت هو الله الذي
فوق كل رياسة وكل سلطان وكل قوة وكل سيادة وكل اسم يُسمَّى …]

الاعتراض هنا شديد
وعنيف من جهة العلماء على هذه المقدمة التي للقديس مرقس، وبالأخص العالِم ليتزمان
الذي يقول بكل ازدراء إن مقدِّمة قداس القديس مرقس مأخوذة من قداس القديسين
باسيليوس ويعقوب وبالأخص بسبب خلوها من الشكر على الفداء والخلاص وغلبة الشيطان
وميراث الحياة الأبدية، الأمور التي أكملها الرب يسوع كما هو وارد في بقية
الليتورجيات مثل ليتورجية التقليد الرسولي لهيبوليتس.

ولكن إذا انتبهنا لنظرية
العالِم بومشتارك التي تقول إن خلو أي ليتورجية من بعض العناصر التي تبدو أساسية
في الليتورجيات التي أمامنا الآن، هذا الخلو بحد ذاته
يجعلنا ننتبه أكثر إلى قُربها من الأصل الذي نبعت منه ودخولها في أعماق القدم([15])،
فإن أول ليتورجية أقامها الرسل لم تكن بأي حال من الأحوال أكثر ولا أقل من
ليتورجية العشاء الأخير حيث كان الشكر فيها محدوداً فعلاً في إطار الخليقة وحسب.
وهذا ينطبق بغاية الوضوح والدقة على الصلاة المعروفة في التقليد العبري في وليمة “القدوش”
بصلاة الدخول إلى اليوم المقدَّس (السبت). بل إن ليتزمان نفسه يقول إننا سوف نكتسب
معرفة أعمق إذا فحصنا المقارنة بين الليتورجية التي بين أيدينا الآن وبين هذه
النصوص العبرية([16])،
التي منها نستطيع أن نكتشف أن صلاة الشكر على الكأس في أنافورا القديس مرقس
المطابقة للطقس العبري القديم كانت منصبَّة كليةً على ذكر خلقة السماء والأرض
والإنسان.

ومن هنا نستطيع أن نلمح
في مقدِّمة ليتورجية مار مرقس نفس هذا العنصر البدائي التقليدي العتيق جداً قبل أن
تدخل الليتورجية في مضمار المصارعات اللاهوتية واستعراض الدقة والشمول في اختيار
العبارات العقائدية.

كذلك لا يفوتنا هنا
الإشارة إلى أن “ذكر الخليقة” كسبب أول وأساسي لصلاة الشكر بعد “مستحق وعادل” في
مقدمة الإفخارستيا أصبح ضرورة حتمية لم تُستثنى منها ليتورجية ما قط.

كذلك من المفيد أن
يتذكر القارئ أن وليمة السبت في الطقس العبري انتقلت بكل مميزاتها وخصائصها، وصارت
وليمة الأحد بعد أن أخذت طابعها المسيحي الذبائحي والخلاصي، لذلك نجد فيها ذكر
الخليقة واكتمالها التي هي أصلاً من خصائص اليوم السابع (السبت).
وقد استخدمت
الليتورجية المسيحية هذه الخاصية وامتدَّت بها لتشمل خلقة اليوم الثامن (الأحد)
الذي ليس من هذا الزمن يوم القيامة الحقيقية الذي تمت فيه الخليقة
الجديدة.

لذلك
فإن مجرد عبور الليتورجيا من أخبار اكتمال خلقة السماء والأرض والبحر وكل ما فيها
(يوم السبت) إلى الليلة التي أسلم فيها المسيح ذاته بإرادته، ثم ذِكر الآلام
والقبر والقيامة (يوم الأحد) الذي التزم به مار مرقس في ليتورجيته، هو في الحقيقة
وبالدرجة الأُولى عبور من السبت إلى الأحد، أي تحويل جذري للطقس من وضعه
العبري القديم للشكر المنحصر في الخليقة العتيقة إلى وضعه المسيحي الجديد للشكر
الشامل على الخليقة الجديدة. لذلك فهو تطبيق مباشر لوصية الرب
» اصنعوا هذا (هذا الطقس) لذكري «

وتعليق العالِم “دكس”
على الوضع التركيبي المبسَّط لمقدمة مار مرقس هو كالآتي:

[إنه من الممكن أن ندرك
أن هناك طقساً بدائياً لصلاة الإفخارستيا يتكون بكل بساطة من مجرد الدعاء باسم
الله يتبعه عدة تشكُّرات من أجل العهد الجديد وينتهي بتمجيد اسم الله. وحينئذ
سيكون مثل هذا الطقس بدون بعض الأجزاء التي تُعتبر الآن مهمة لمثل هذه الصلاة.
ولكن بالدراسة لأهداف التشكرات يمكن أن نتحقق أنها تخدم في نفس الوقت نوعاً من
التذكار بمعنى إعادة ذكر أعمال يسوع المسيح أمام الله الآب، وبالنهاية فإنه من جهة
تقريري الشخصي أستطيع أن أرى أن مثل “هذه الصلاة ككل” هي مأخوذة أو مقتبسة
مباشرةً من “البركات” اليهودية
Jewish
Berakah
التي استُخدمت بالفعل على
العشاء الأخير وبعد ذلك في الكنيسة اليهودية المتنصِّرة.]([17])

و ذِكر
اسم الله:

ومن الحقائق الهامة
جداً كما يقول العالِم “جريجوري دكس” أن نعرف أن الموطن
الذي نشأت فيه صياغة المقدِّمة وصياغة التسبحة الشاروبيمية هو مصر، فيما قبل سنة
230م، فقد صدَّرت مصر لكل من فلسطين وأنطاكية وروما([18])
مقدِّمة الليتورجيا بكل خصائصها سواء ذكر الخلقة الأُولى أو الوصلة التقليدية بين
المقدِّمة
Preface والتسبحة الشاروبيمية Sanctus: “لأنك أنت فوق كل
رياسة وسلطان وقوة … إلخ”، فلا عجب كما يقول “دكس” أن تكون مصر محتفظة بالوضع
الأوَّلي جداً للمقدِّمة المختصة بذكر الخلقة فقط في الوقت الذي تبارت فيه البلاد
الأخرى في إضافة التجسُّد والفداء والخلاص … إلخ. على أن قداس مرقس الرسول احتفظ
بالشكر على أعمال التجسُّد والفداء وعرضها في مواضع أخرى غير المقدِّمة.

كذلك من الأمور الهامة
والدقيقة أن نلمح اهتمام “المقدِّمة” في ليتورجية مرقس الرسول كما في مقدمة
سيرابيون في التأكيد على ذكر أسماء الأقانيم بشيء من الإلحاح، تسمية الآب
ب “الضابط الكل” والابن ب “الوحيد حكمتك ونورك الحقيقي”،
“هذا الذي نشكر
ونقرِّب لك معه ومع الروح القدس”. لأن من الأمور المتيقنة في طقس
خدمة الإفخارستيا أن النداء بالاسم، اسم الله الآب والابن والروح القدس على
القرابين هو بحد ذاته فعل تقديسي بالدرجة الأُولى.
لذلك نقرأ
عند سيرابيون تشدُّده في الطلبات اعتماداً على هذا الدعاء بالاسم هكذا:

[لأننا دعونا باسمك
أنت الآب غير المخلوق، بواسطة وحيد الجنس، وبالروح القدس.]([19])

ز نقرِّب
لك معه ومع الروح القدس “هذه الذبيحة الناطقة”:

الاعتراض هنا على أشده
من كافة العلماء بدون استثناء بسبب اعتبار الخبز والخمر هنا ونحن في المقدِّمة “ذبيحة
ناطقة”
وهما لم يدخلا بعد عملية التقديس بالصلاة عليهما سواء بالتأسيس “بكلمات
الرب” أو بالاستدعاء “بالروح القدس”!! بل وقبل مقدِّمة الإفخارستيا، بل وقبل تلاوة
الثلاث أواشي التي بعد الإنجيل التي في نهاية خدمة الصباح فإن
الكنيسة القبطية تعتبر أن الذي وضع على المذبح هو “جسد الرب” أي “الجسد والدم”.
وإليك شرح العالِم أبو البركات ابن كبر كاهن كنيسة المعلَّقة سنة 1230م في ذلك:

[ثم
يبتدئ الكاهن بتقديس الأسرار ويقول أوشية السلامة والآباء
ويرفع البخور وتقول الجماعة ويقول الشعب الأمانة، ويأخذ الكاهن المبخرة ويبخِّر
فوق “الجسد” وقدام المذبح … ويقبِّل يديه!].

والسؤال الذي حيَّر
العالِم “ليتزمان”: أين ومتى صار الخبز والخمر “ذبيحة”، والليتورجيا لم
تبدأ بعد؟ وأخيراً ظن هذا العالِم أن الطقس الشرقي يعتبر مجرد وضع الخبز والخمر
على المذبح يجعلهما ذبيحة([20])،
لأن ليتورجية سيرابيون تسلك نفس المسلك. أمَّا العالِم “جون ماسون نايل” فتقدَّم
خطوة أكثر في تحليله لهذه العقدة الليتورجية المستعصية، فيقول:

[إن
عائلة ليتورجية الإسكندرية لها نظرية خاصة في صلاة الاستدعاء لحلول الروح القدس،
والنظرية تقوم على ما يبدو لي كما هو الحادث في جميع الليتورجيات أنه يوجد ازدواج
في الصعيدة (أي صعيدتان في ليتورجية واحدة) الأُولى بالخبز والخمر، والثانية
بالجسد والدم.]([21])

أمَّا العالِم جريجوري
دِكس فقد حار وضاق به التفكير حتى قال:

[إن هذا المقطع صعب
شرحه … لأن اصطلاح “الذبيحة غير الدموية” معروف ومستخدم بواسطة كُتَّاب القرن
الرابع مثل كيرلس الأُورشليمي سنة 348م أنه يفيد بصفة خصوصية كأس الإفخارستيا المقدَّس
والخبز الإفخارستي المقدَّس. لذلك كان ذِكر “الذبيحة غير الدموية” على
الخبز والخمر قبل تلاوة التأسيس (أي قبل كلمات الرب على الخبز والخمر) هو صفة
غريبة وخاصة بإفخارستية مصر.]([22])

ويعود أيضاً ويعقِّب
على نفس هذا الوضع بالنسبة لإفخارستية سيرابيون بقوله:

[إنه
توجد صعوبة خاصة في الصلاة التي تطلب من الله أن “يملأ هذه الذبيحة بشركته
وقوته
وهما لا يزالان خبزاً وخمراً، كما أنه لا
يمكن أن نتوقع أن يُقال على الخبز والخمر “ذبيحة حية” وهما بعد على المذبح، في هذه
الدرجة من الصلاة (قبل تلاوة التأسيس على الخبز والخمر).]([23])

بل والطامة الكبرى هي
ما انتهى إليه العالِم جون ماسون نايل عندما لاحظ قبل “الدخول الكبير” عند الروم
البيزنطيين (طقس القسطنطينية)
كيف يستقبلون “الخبز
والخمر” من موضع الإعداد المسمَّى “بروثيسيس” وهو هيكل جانبي
بزفة واحتفال مهيب يبلغ حد العبادة، إذ يسير أمامها الكهنة والأساقفة ويسجدون
“للخبز والخمر” ويضعون المرضى في الطريق لينالوا الشفاء، حتى رئيس الأساقفة ينزل
عن كرسيه وينحني لهما بوقار رافعاً غطاء رأسه([24])،
مع أن قداس المؤمنين لم يبدأ بعد!! أي لم يبدأ تقديم القرابين بعد!! فكان تعليقه
الصارم المتشائم هكذا:

[إن هذا شذوذ فائق
الغرابة ومذهل، فليس فقط أن التقديس لم يبدأ بعد بل ولا “الدخول الكبير” أيضاً.]([25])

[إن عبادة مواد
الإفخارستيا وهي لا تزال خبزاً وخمراً قبل أن يتقدَّسا أحدث عثرة كبيرة لدى علماء
اللاتين واليونان… حتى قال بعض النُقَّاد أنها عبادة أوثان…]([26])

ولكن كل هذه البلبلة
وهذه العثرات والتخبُّط الذي وقع فيه العلماء هو بسبب جهلهم لحقيقة الطقس الإفخارستي
الشرقي من جهة، ومن جهة الأجزاء الأكثر قِدماً
والأكثر
أهمية وخطورة والتي يتوقف عليها معنى كل ما يُقال وكل ما يجري في الليتورجية بحيث
أن كل خطوة وكل كلمة تعتمد أساساً على ما يسبقها، فإذا حذف أو أهمل شيء في البدء،
تختل الليتورجيا بأكملها.

أمَّا حل هذه المعضلة
التي حيرت العلماء فهو يكمن في حقيقة غاية في الأهمية والخطورة، وهي أنه يوجد طقس
إفخارستي ليتورجي كامل أهملته كل كنائس الشرق ولم يتبق منه إلاَّ إشارات عابرة،
أمَّا كنائس الغرب فقد أسقطته كلية. ولم يبق هذا الطقس في صورته الكاملة الدقيقة
إلاَّ في مصر. وهو الطقس المسمَّى “تقديم الحمل”، وهو في حقيقته وبمقتضى المعنى
الذي يحمل اسمه هو أقدم طقس تقديسي بالكامل
حيث يقدَّم فيه الخبز والخمر ليتم تقديسهما فيصيران حملاً مهيأ للمحرقة، أو مهيأ
في بداية
القداس للتقديم للآب كذبيحة ناطقة، والخدمة غير الدموية!!

وهنا نتوقف عند هذا
الحد لأننا سنوفي هذه الدراسة حقها فيما بعد. ولكن نكتفي هنا بأن نقول أن العبارات
المقولة في مقدِّمة ليتورجية مرقس الرسول بخصوص الخبز والخمر باعتبارهما قد صارا
“الذبيحة الحية الناطقة غير الدموية” أمر صادق وصحيح.

وأنه من المؤسف حقاً أن
يعمد بعض اللاهوتيين الروم إلى إسقاط هذا التعبير اللاهوتي الخطير من قداس مار
مرقس في النسخة اليونانية، وذلك في القرون الوسطى بعد أن أعيتهم الحيل في فهم
قيمته، ولكن شكراً لبردية استراسبورج التي من القرن الرابع، لأنها احتفظت بالحقيقة.

كذلك فإن الاحتفال
المهيب والتقديس الفائق والسجود اللائق الذي يقدِّمه الروم “للخبز والخمر” وهم
يتقدَّمون بهما إلى المذبح قبل “الدخول الكبير” هو صادق وصحيح ومستوجب أيضاً، لأن
المفروض أن يكون “الخبز والخمر” قد جازا بالفعل صلاة التقديم التي يتم فيها تقديس
الخبز والخمر فيصيران حملاً بلا عيب مهيأ للذبح عن حياة العالم، كما يهتف عندهم
الشمامسة للحمل في لحظة دخول البروثيسيس (التقدمة) هكذا قائلين: “ليصمت كل ذي جسد
بشري، وليقف بخوف ورعدة، ولا يفتكرنَّ في نفسه فكراً أرضياً، فإن ملك الملوك
ورب الأرباب يُوافي ليُذبح ويُعطى مأكلاً للمؤمنين
وتتقدَّمه صفوف الملائكة
وكل الرئاسات والسلطات”([27]) قداس القديس باسيليوس عند الروم (تقال هذه القطعة ثلاث مرات)!

ثم
بعد دخول الشمامسة والكهنة الهيكل حيث يضع الصينية بجوار الكأس (لاحِظ أن القداس
لم يبدأ بعد ولم يبدأ حتى التقديس على الخبز والخمر) يقول هذه
الصلوات: “إن يوسف التقي أحدر جسدك الطاهر من على العود ولفه بالسباني
النقية وحنطه بالطيب وأضجعه في قبر جديد…”([28])

وكذلك هذا الافشين الذي
للتقدمة: “اقبلنا بحسب كثرة رحمتك لدى اقترابنا من مذبحك المقدَّس لكي نصير أهلاً لأن نقدِّم لك هذه الذبيحة
الناطقة غير الدموية عن خطايانا وجهالات
شعبك.([29])

من هذا يتبين أن الخبز
والخمر ليسا هما بعد ونحن هنا في المقدِّمة خبزاً
وخمراً، بل هما: “ملك الملوك ورب الأرباب قد وافى ليُذبح ويُعطى مأكلاً
للمؤمنين، وهو الجسد الطاهر المنحدر من على الصليب وهو الذبيحة المقدَّمة لله الآب
عن خطايانا وجهالات شعبك”.

ثم ألا يكفي كل هذا
لينبه العلماء واللاهوتيين عن سر هذا التناقض حتى يستدركوا ما انهدم من الطقس وما
أُهمل وما نُسي؟

ونعود وننبه أن طقس
تقديم الحمل عند الأقباط يحمل سر فهم الليتورجية ليس في مصر وحسب بل وفي كل العالم،
فهو المفتاح الوحيد الذي سوف يفك كل ألغازها.

ولا
يفوتنا هنا أن ننبه أن العالِم “كوكان
R.G. Coquin” يظن خطأ أن قداسي باسيليوس الكبير وذهبي الفم قد
أغفلا ذكر “الذبيحة الحية” في مقدِّمة قداسيهما واستعاضا عنها، كما يقول،
بالاصطلاح الأكثر إبهاماً “نقدِّم لك هذه العبادة العقلية
prosfšrein t¾n logik»n taÚthn latre…an”.

ولكن بمراجعتنا لنصوص
قداسيهما وخصوصاً في النص القديم في خولاجي البربريني وجدناهما يفصحان بكل تأكيد
عن مفهوم “الذبيحة الحية” في
أوشية التقديم قبل
البدء بالقداس([30]).
وبذلك يتساوى الطقس البيزنطي (القسطنطيني) مع الطقس القبطي في الإشارة القوية
العملية إلى طقس تقديسي كامل للخبز والخمر يسبق البدء في القداس الرسمي([31]).

ح “وفي كل
مكان يُقدَّم بخور لاسمك القدوس وذبيحة طاهرة وصعيدة
qus…a kaˆ prosfor£ حسب بردية القرن الرابع:

لو عدنا للنص كما جاء
في سفر ملاخي (حسب النص العبري)، نجده لا يحتوي على هاتين الصفتين اللتين للتقدمة،
إذ يقول ملاخي النبي:

+ » لأنه من
مشارق الشمس إلى مغاربها اسمي عظيم بين الأمم وفي كل مكان يُقرَّب لاسمي بخور وتقدمة
طاهرة.
«(ملا 11: 1)

من هذا يتبين لنا أن
واضع القداس قصد قصداً أن يذكر صفتين متضامنتين جديدتين للتقدمة التي يذكرها ملاخي.
فبدل أن كانت “تقدمة طاهرة” التي تشير إلى تقدمة البخور فقط التي كان
مصرَّحاً بها لليهود الذين في الشتات في وسط الأمم لكي يقدموها في مجامعهم، جعلتها
الليتورجية المسيحية هنا “ذبيحة طاهرة” بدل “تقدمة” (وذلك حسب نبوَّة ملاخي،
ولكن في الترجمة السبعينية) “وصعيدة” بمفهوم إصعاد الإفخارستيا التي تقدمها كنائس
الأمم، بحسب شرح القديس يوستين في حواره مع “تريفو” (116117).

كذلك قصد واضع
الليتورجية باختياره هذه الآية، قول الرب فيها
» إن في كل
مكان يُقدَّم لي
«… ثم أضاف كلمة
“الذبيحة” بدل
» البخور «وذلك ليستبدل مفهوم
الذبيحة المقصورة على هيكل أورشليم فقط بالإفخارستيا المقدَّمة في كل مكان في
العالم.

لذلك فإن تعبير » ذبيحة طاهرة وصعيدة «هي محاولة
للتعبير من واقع حالة “الخبز والخمر” في هذه اللحظة من القداس، فهما ليسا الآن
تقدمة وحسب وهما ليسا ذبيحة وحسب ولا هما صعيدة فقط، بل هما “ذبيحة وصعيدة
معاً”
أي “ذبيحة مرفوعة” أو “إصعاد ذبيحة”. وبلغة الليتورجية تكون هي
صميم البروسفورا “الصعيدة” ذات “الثيسيا” أي ذات “الذبيحة”.



([16]) أمَّا طقس الصلاة الاحتفالية الخاصة بتحديد “الدخول في يوم السبت”
المسمَّاه بصلاة “قدوش السبت
Sabbath Kiddush” التي كانت تُقال في مساء الجمعة (حوالي الساعة السادسة) فهي
كالآتي:

“تعليمات بخصوص البركة على الخمر في الاجتماع
المقدَّس (العشاء)، والتحذيرات من أجل عدم تناول شيء قبل أن يباركها المتناول
منها”:

بصوت منخفض: وكان مساء وكان صباح.
(يُلاحظ في التقويم العبري أن المساء يأتي في أول اليوم الجديد).

بصوت
مرتفع: اليوم السادس:

 

أ

 

}

واكتملت
السماء والأرض وكل جندها،
وفي اليوم السابع أكمل الله كل عمله الذي
عمل،

واستراح في
اليوم السابع من كل عمله الذي عمل، وبارك
الله اليوم السابع
وقدَّسه لأنه استراح فيه من كل أعماله التي عملها الله وخلقها.

هذا هو إيمان معلمينا
وكل الربيين وكل السلطات:

صلاة على الكأس:

 

 

 

 

 

ب

 

 

 

 

}

مبارك
أنت أيها الرب إلهنا ملك الدهور الذي خلق ثمر الكرم.

مبارك
أنت أيها الرب إلهنا ملك الدهور يا مَنْ قدَّستنا بوصاياك، وأنعمت علينا بمحبتك
ونعمتك وورثت شعبك هذا المقدس
ذكر الخليقة التي كانت منذ البدء.

لأن هذا
اليوم هو بدء “الاجتماعات المقدَّسة”
ذكر الخروج من مصر،
لأنك أنت “اخترتنا” “وقدَّستنا” فوق جميع الشعوب وجعلتنا بمحبتك ونعمتك
وارثين لسبتك المقدَّس، مبارك أنت يا رب يا مَنْ قدَّست السبت.

صلاة على الخبز:

وبعد هذا القدوس،
تُقال البركة على “خبزتين” وعند كسر الخبزة الأسفل يُقال:

 

 

مبارك
أنت أيها الرب إلهنا ملك الدهور الذي أخرجت الخبز من الأرض.

وبعد الأكل يقول:

 

 

عندما
ردَّ الرب سبي صهيون، حينئذ امتلأ فمنا فرحاً ولساننا تهليلاً.

ويقولون البركة على
الكأس ويسبِّحون التسابيح.

وينص
تلمود بابل: [إنه من المعتاد أن يشترك في الوليمة حتى تدخل الظلمة، وحينئذ
يُملأ الكأس وتُقال بركة اليوم الجديد
]
وهذا
القانون خاص بأيام السبوت وأيام الأعياد.

وهكذا توقف الوليمة في
الحال بمجرد دخول اليوم الجديد وتُقال مردَّات بركات السبت (من أجل الخليقة).

ويقرِّر كل
من العالمين: “إلبوجين” و“
ليتزمان” أن هذا هو طقس
القدوس في زمن ما قبل الميلاد.

([19]) وهنا يقدِّم لنا العالِم
دكس تصوُّراً خاصاً للتركيب الأَوَّلي لإفخارستية مار مرقس في وضعها البدائي جداً،
وهذا نعتبره من جهتنا جديراً جداً بالدراسة والفحص والاعتبار، وسوف نعود إليه في
نهاية دراسة ليتورجية مرقس الرسول لنلقي عليه أضواءً أكثر.

يقول
دكس ما معناه:

إن
المقدِّمة (صلاة الإفخارستيا) لليتورجية مرقس الرسول كانت في الواقع تحمل البداية
والنهاية لليتورجية كلها، فهي تبتدئ: (1) بذكر اسم الله “الثالوث”، (2) ثم الشكر
على الخليقة والإنسان، (3) ثم التقديم ويليه ملتحماً فيه التسبحة الشاروبيمية.
فالأجزاء الهامة الأساسية الناقصة في هذه المقدِّمة هي ذكر التجسُّد والفداء وبقية
أعمال المسيح، وموضعها الطبيعي الرسمي هو بين الشكر على الخليقة (رقم 2) والتقديم
(رقم 3)، فلو تصورنا أن هذه الأعمال الخلاصية ذُكرت بالفعل في هذا الموضع فإننا
نرى أن كل العوامل المكوِّنة لليتورجيا تكون قد تكاملت، وحينئذ يكون قول
المقدِّمة: [هذا الذي من قبله يليق بك معه ومع الروح القدس…] عبارة هي في الواقع
أصلاً بداية لختام صلاة، أي مقدمة ذكصولوجية ختامية، وواضح فيها أنها حُذفت وقُطعت
العبارة فجأة ليلتحم فيها تقديم الذبيحة من جديد فصارت: [هذا الذي من
قِبَلهِ نشكر ونقرِّب لك معه ومع الروح القدس هذه الذبيحة…إلخ]. في حين
تصوَّر العالِم “دِكس” أنها كانت
بدون تقديم للذبيحة هكذا:
[هذا الذي من قِبَلهِ (بعد ذكر كل أعمال الفداء والخلاص التي عملها المسيح) يليق
بك معه ومع الروح القدس – (هنا الذكصولوجية المصرية التقليدية)
لأن اسمك
عظيم يا رب في جميع الأمم وفي كل مكان يُقدَّم بخور لاسمك القدوس … لأنك أنت فوق
كل رياسة وسلطان وقوة وفوق كل اسم … ثم تسبحة الشاروبيم – ثم مرد الشعب الأصيل
كختام نهائي لليتورجيا الموجود في نهاية ليتورجية سيرابيون [كما كان هكذا يكون من
جيل إلى جيل وإلى دهر الداهرين آمين].

وبذلك
يرى دِكس أن المقدِّمة بوضعها الكامل، أي بإضافة أعمال الفداء والخلاص ثم التسبحة
الشاروبيمية، هي النواة الأُولى لإفخارستيا مار مرقس. وعندنا ما يبرِّر هذه
الدارسة التي يقدِّمها دِكس وسوف نعود إليها في النهاية.

([31]) ويهمنا جداً أن نسجِّل
هنا لجريجوري دِكس تصوُّره من جهة الشكل البدائي جداً لإفخارستية مصر أو على وجه
الأصح لأول إفخارستية مصرية إذ يقول متسائلاً:

1 هل كانت صلاة
الإفخارستية الأصلية في الإسكندرية عبارة عن عدة تسبيحات (كالتي تُقال في بداية
المقدِّمة الآن)، والتي يتبقى منها الآن ذكر الخليقة يتبعها “تمجيد الاسم” وتنتهي
في القمة بالتسبحة الشاروبيمية؟

2 ثم هل باقي الصلاة
(صلاة الليتورجيا الآن بأكملها) تعتبر عينة أخرى للإضافات التي توسطت بين صلاة
الإفخارستيا (المقدمة) والتناول؟

3 هل الانتقال الغريب
المفاجيء بعد التسبحة الشاروبيمية إلى بقية الصلوات التي بعدها يفيد أن بقية
الصلاة لم تكن أصلاً متصلة إطلاقاً بالتسبحة الشاروبيمية؟ (أي أن التسبحة
الشاروبيمية كانت هي النهاية حيث يعقبها التناول؟).

4 ثم في النهاية هل لنا
في قداس القديس مرقس أن نلمح بقايا
إفخارستيا أصيلة عبارة عن “تسبيحات” يسبقها
“ذكر الاسم” وتنتهي “بتمجيد وتقديس للاسم” وتكون هذه هي “الجذر
الليتورجي للتقليد المصري”؟

أمَّا
تعليقنا على هذا، فهو أن هذا التصوُّر ناقص جداً ويستحيل أن تكون إفخارستيا بدون
فعل تقديم، ثم تقديس خبز وخمر، ثم استدعاء، ثم تسبيح للشكر بعد التناول.

إذاً هذا التصوُّر الذي يقدِّمه دِكس يكون صحيحاً فقط لو
أخذنا في الاعتبار أن طقس تقديم الحمل يغطِّي هذه الالتزامات الإفخارستية
الأساسية، لأنه حينئذ لا يتبقى بعده إلاَّ الشكر والتسبيح الأخير قبل وبعد التناول
الذي يحتمل أن تكون له هذه العناصر. وفي هذه الحالة يكون تصوُّر جريجوري دِكس صحيحاً
وسليماً فيما يختص بما هو بعد البركة على الخبز والشكر على الكأس واستدعاء ظهور
وجه الرب على الخبز والخمر ليقدِّسهما ولينقلهما إلى جسده ودمه، كما هو وارد قي
طقس تقديم الحمل القبطي
الآن
تماماً.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى