علم

أغسطينوس القديس الفيلسوف



أغسطينوس القديس الفيلسوف

أغسطينوس
القديس الفيلسوف

 

يعد
القديس أغسطينوس أشهر وأعظم جميع الآباء الذين كتبوا باللغة اللاتينية سواء من
الناحية الأدبية والفلسفية أو اللاهوتية. وقد سيطر اسمه على الفكر الغربى حتى
القرن الثالث عشر، ولم يفقد بريقه ولمعانه حتى الآن.

ويعتبر
خط عام فى حياة أغسطينوس ” البحث عن الحقيقة ” وكان هذا الخط هو الجذوة
الملتهبة فى قلبه والتى لم تنطفىء مطلقا، رغم تمرغه مدة طويلة فى الرذيلة، ولذلك
حين عرف الحقيقة وآمن بها، عاشها بكل كيانه مقدما توبة قوية، ولم ينظر إلى الوراء
مرة ثانية، بل وعلى حد تعبيره مرة ” أغسطينوس مات ” ويقصد هنا أغسطينوس
الأول، وفعلا كان قد مات.

وهذا
هو السبب أيضا الذى مكنه من أن يكتب إعترافاته بكل صدق وأمانة، معبرا عن أعمق
مشاعره وخلجات قلبه، كاشفا نفسه بتدقيق مدهش، يعتبر هو الأول وربما الأخير من نوعه.

ولقد
أثر فى حياة أغسطينوس، طبعا بعد نعمة الله وعنايته به حتى فى أشد فترات حياته
انغماسا فى الخطية كما يذكر فى اعترافاته:

1
أمه القديسة مونيكا بتربيتها له منذ الصغر، وبدموعها وصلواتها من أجله والتى لم
تفتر لحظة واحدة.

2
القديس أمبروسيوس أسقف ميلان، باحتضانه لأغسطينوس ومحبته له ورعايته إياه، وبعظاته
القوية، خصوصا على الكتاب المقدس.

3
حياة القديس العظيم الأنبا أنطونيوس كما كتبها القديس أثناسيوس الرسولى، ورواها له
بونتيتيانوس.

4
توبة فيكتورينوس، واهتدائه من الأفلاطونية الحديثة إلى المسيحية، كما حكاها له
القس الشيخ سيمبليكيانوس.

5
الأفلاطونية الحديثة، وفلسفة أفلوطين.

6
وأثر عليه سلبيا الأسقف المانى فاوستوس، الذى عقد أغسطينوس على لقائه به آمالا
كبارا، خابت كلها بلقائه، فتزعزعت ثقته فى المذهب المانى.

7
ولكن أعظم الأثر كان للكتاب المقدس، وبالأخص كلمات بولس الرسول التى قرأها بعد
سماعه صوت الطفل ” خذ واقرأ، خذ واقرأ “

ولد
فى طاجستا
Tagesta فى مقاطعة نوميديا فى الجزائر. من أب وثنى يدعى باتريشيوس، وأم
مسيحية هى القديسة مونيكا فى 13 نوفمبر سنة 354م. وقد ربته أمه تربية مسيحية، ولو
أنها أجلت معموديته بسبب اعتقاد خاطىء كان يسيطر على تفكيرها، فقد خشيت أن يعود
ابنها فيتدنس بالخطيئة بعد معموديته.

ودرس
القديس أغسطينوس فى طفولته مبادىء اللغة اللاتينية والحساب ولكنه كان يميل إل
اللعب أكثر مما يميل إلى الدرس وكان يكره اللغة اليونانية التى بدأ يتعلمها فيما
بعد لذلك لم يكن يقرأها بسهولة.

سنه
365 م ذهب إلى مدينة مدورا
Madaura حيث أرسى أساس معرفته بآداب اللغة اللاتينية وقواعدها وكان لجو
هذه المدينة الوثنى مع دراسته للأدب اللاتينى القديم أثره الواضح فى فصله عن إيمان
أمه.

سنه
370 م مات أبوه بعد أن صار مسيحيا وبدأ هو فى دراسة الخطابة في مدينة قرطاجنة
وفيها تأثر بطرق الخلاعة التي كانت سائدة ومنتشرة فيها كما تأثر بالطقوس القذرة
التى إرتبطت بها الديانات والعبادات المستوردة من الشرق وكان أغسطينوس قد صار رجلا
تسوقه أهواء جامحة وشهوات عنيفة. وأدى كل هذا إلى عزوفه عن الأخلاقيات المسيحية
ومثلها الروحية العليا فاتخذ محظية عاشرها أكثر من عشر سنين وأنجب منها ابنا، ومع
هذا لم يهمل دراساته بل كان طالبا ناجحا وموفقا غاية التوفيق ولا سيما فى الخطابة.

بعد
ذلك قرأ كتابا لشيشيرون واقتنع بوجوب البحث عن الحقيقة وقاده هذا إلى اعتناق مذهب
المانوية (أسسه مانى فى القرن الثالث وكان خليطا من عناصر فارسية ومسيحية) وكان
هذا المذهب فى نظر أغسطينوس يمثل الحقيقة كما يقبلها عقله إذا قارنها بتعاليم
المسيحية التى كانت فى رأيه حين ذاك تعاليم بربرية وغير منطقية فالمسيحيون يؤمنون
بأن الله هو الذى خلق العالم بأسره ويؤمنون أن الله خير فكيف يمكنهم إذا أن يفسروا
الشر والألم!؟

أما
المانويون فينادون بنظرية ثنائية مؤداها أن هناك مبدأين أساسين، مبدأ الخير وهو
مبدأ النور وهو الله أو أرموزد
Ormuzd ومبدأ الشر وهو مبدأ الظلام وهو أهريمان Ahriman
هذان المبدآن أزليان أبديان والصراع بينهما أزلى أبدى انعكست صورته فى هذا العالم
الذى هو نتاج المبدأين فى نزاع متبادل فالنفس فى الإنسان وهى تتألف من النور هى من
عمل مبدأ (إله) الخير، بينما أن البدن وهو يتألف من مادة أكثر كثافة هو من عمل
مبدأ (إله) الشر.

وبدا
لأغسطينوس أن هذا المذهب يفسر مشكلة الشر بالإضافة إلى أنه مذهب مادى فى جوهره وأغسطينوس
لم يستطع أن يتصور وجود حقيقة غير مادية لا تدرك بالحواس.

ولما
كان أغسطينوس يعرف فى نفسه الأهواء والميول والرغبات الحسية رأى أنه يمكنه إذا أن
ينسبها إلى علة شريرة خارجة عن نفسه.

ثم
أنه على الرغم من أن المانويين قد حرموا المعاشرة الجنسية وأكل اللحوم وأمروا
بأعمال النسك كالصوم مثلا إلا أن هذه الأعمال كانت حتميه بالنسبة إلى المختارين لا
السماعين الذين كان أغسطينوس فى مثل مستواهم. وهكذا إبتعد أغسطينوس عن المسيحية من
الناحيتين الأخلاقية والذهنية.

سنة
374 م رجع إلى طاجستا حيث أخذ يتعلم النحو وآداب اللغة اللاتينية لمدة عام واحد.
وافتتح بعد ذلك مدرسة للخطابة فى قرطاجنة فى نفس السنة وفى هذه الفترة نال جائزة
الشعر عن قطعة شعرية لم يبقى منها شيء حتى الآن. وطبع كتابه الأول نثرا وهو ”
فى الجميل والملائم ” واستمر فى قرطاجنة إلى سنة 383م.

والتقى
فى أواخر هذه الفترة بأسقف مانوى مشهور يسمى فاوستوس
Faustus
فبحث معه بعض صعوبات اعترضته، مثل مشكلة مصدر اليقين فى الفكر الإنسانى، ثم لماذا
كان مبدآ الخير والشر فى صراع أزلى أبدى؟ ولكنه لم يجد فى كلمات الأسقف المانوى
مايقنعه. ولذلك عندما سافر إلى روما كان إيمانه بالمانوية قد اهتز بعض الشيء.

وكان
سفره إلى روما بسبب فظاظة الطلاب فى قرطاجنة. وفى روما فتح مدرسة للخطابة، وكان
الطلبة مؤدبين ولكن عندهم عادة سيئة هى ترك المدرسة إلى أخرى قبل موعد دفع
المصروفات مباشرة. لذلك سعى للحصول على منصب أستاذ للخطابة فى البلدية فى ميلان،
وحصل عليه سنة 384م. وكان قد فقد معظم إيمانه بالمانوية عدا بعض المبادىء،وخصوصا
مذهبهم المادى، وقد مال إلى مذهب الشك الأكاديمى.

وفى
ميلان بدأ ينظر إلى المسيحية نظرة أفضل، بفضل عظات القديس أمبروسيوس أسقف ميلان عن
الكتاب المقدس. ولكن أهواءه العنيفة جعلته يتخذ له محظية أخرى. ثم انفصل عنها
ليتزوج من فتاة اقترحتها عليه أمه.

وفى
ذلك الوقت قرأ فى الأفلاطونية الجديدة والتى كان من تأثيرها عليه تخلصه من أغلال
المذهب المادى، وقبوله الحقيقة غير المادية. بالإضافة إلى أن مذهب أفلوطين فى الشر
باعتباره عدما وسلبا، وليس شيئا إيجابيا أبان له كيف يمكن أن تحل مشكلة الشر دون
رجوع لمبدأ الثنائية المانوية.

وهكذا
كان من فضل الأفلاطونية الحديثة عليه، أنها مكنته من أن يدرك أن المسيحية ديانة
معقولة. فبدأ يقرأ فى العهد الجديد الذى كشف له كيف يلزمه أن يحيا حياة مطابقة
للحكمة.

وقد
تأيدت هذه الإنطباعات بفضل مقابلته لرجلين أحدهما سيمبليكيانوس
Simplicianus وهو قسيس شيخ حكى له قصة توبة فيكتورينوس Victorinus واهتدائه من الأفلاطونية الجديدة إلى المسيحية مما جعله يشتاق أن
يحذو حذوه.

والثانى
هو بونتيتيانوس
Pontitianus الذى روى له حياة القديس أنطونيوس الكبير مما جعله يشمئز من نفسه
ويحتقر حياته الأخلاقية.

بعد
ذلك مر بصراع نفسى عنيف، بلغ ذروته فى حديقة منزله حيث سمع صوت طفل يصيح ” خذ
واقرأ…خذ واقرأ ” ففتح الكتاب المقدس كيفما اتفق وقرأ فى رسالة بولس الرسول
إلى أهل رومية:


لنسلك بلياقة كما فى النهار لا بالبطر والسكر لابالمضاجع والعهر لابالخصام والحسد.
بل البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيرا للجسد لأجل الشهوات ” (رو 13: 13،
14)

وهكذا
سلم نفسه لإرادة الله فتغيرت حياته وكان ذلك فى صيف سنة 386م. وتعمد سنة 387م على
يد القديس أمبروسيوس.

وعاد
إلى أفريقيا، وفى الطريق ماتت أمه فى إيطاليا، فأقام فى روما حتى خريف سنة 388م
حيث أبحر إلى أفريقيا. وفى طاجستا أسس جماعة رهبانية صغيرة، ثم رسمه أسقف هيبو
Hippo قسيسا رغم إرادته سنة 391م فأقام فيها وأسس فيها ديرا.

وفى
سنة 395 رسم أسقفا مساعدا على مدينة هيبو. وفى 396م توفى فاليريوس
Valerius أسقف هيبو فحل محله إلى يوم وفاته سنة 430م.

 

منهج
القديس أغسطينوس

لايمكن
تقويم فلسفة أغسطينوس تقويما علميا بمعزل عن تفكيره اللاهوتى. ولقد كانت المسيحية
فى نظره هى الفلسفة الحقة. وما كانت المدارس الوثنية للفلسفة إلا مذاهب لاهوتية
شتى زائفة أو معيبة.

ولكن
الحقيقة واحدة، وهى إلهية (بل هى فى الواقع الله عينه) والوصول إليها سعادة. ولذلك
يعرف القديس السعادة بأنها ” الإستمتاع بالحقيقة ”

والحكمة
هى التى تهبنا معرفة الحقيقة، ومن ثم فطلب الحقيقة هو طلب للحكمة.

ومن
أوائل المشكلات الفلسفية التى شغلت أغسطينوس مشكلة الطريقة التى يمكن للإنسان بها
أن ينتقل من كونه غير حكيم إلى أن يكون حكيما.

فلكى
يتم له هذا الإنتقال عليه أن يرغب فى الحكمة التى يفتقر إليها.

لكن
الرغبة تتضمن العلم بالشيء المرغوب فيه.

فرغبة
الحكمة إذا تتضمن الإفتقار إليها والوصول إليها أى معرفتها فى نفس الوقت.

ولقد
كان تحول أغسطينوس إلى المسيحية هو استكشافه للحكمة عن طريق الإيمان، وبداية
لاستقصائها عن طريق التعقل.

يمكن
تلخيص منهج القديس فى النقاط التالية:

1
السعادة يحققها موضوع يجب أن يتوفر فيه شرطان:

الشرط
الأول أن يكون ثابتا مستقلا عن تقلب المصادفة والحظ، وإلا نغصت السعادة بالقلق
عليها والخوف من زوالها.

والثانى
أن يكون الموضوع كاملا لا مزيد عليه، إذ أننا لانرضى تمام الرضى إلا بالخير الأعظم.

ولا
يتوفر هذان الشرطان فى غير الله، لأن الله وحده ثابت كامل.

فنحن
إذ نطلب السعادة نطلب الله علمنا بذلك أو لم نعلم ولذلك يقول: ” لقد صنعتنا
لأجلك يارب، وإن قلبنا ليزال مضطربا حتى يطمئن لديك “

2
إذا كيف نبلغ إلى الله؟ هل تبلغنا الفلسفة إلى الله؟

لا
المسيحية وحدها تعرض علينا الحكمة كاملة عن الله والنفس، وتوفر لنا الوسائل
الفعالة للحياة الصالحة والإتحاد بالله.

هذه
الوسائل هى النعم التى تحملها إلينا الأسرار المقدسة. فإذا أردنا السعادة وأردنا
الحكمة، وجب علينا الإيمان بهذا والعمل به.

3
والإيمان هو قبول عقلى للحقائق، إن لم تكن مدركة فى ذاتها كالحقائق العلمية، فهى
مؤيدة بشهادة شهود جديرين بالتصديق، هم الرسل والشهداء، وبعلامات خارقة هى
المعجزات.

4
وللعقل مهمة قبل الإيمان، ومهمة بعده:

ومهمته
قبل الإيمان أن يقنع بوجوب الإيمان، لا بموضوعه. بحيث نقول ” نعقل لكى نؤمن

أما
مهمته بعد الإيمان فهى تفهم الحقائق الدينية.

5
والتعقل هنا ليس سواء فى جميع القضايا.

فإن
منها ماهو طبيعى قابل للبرهان كوجود الله وصفاته، ووجود النفس وروحانيتها وخلودها.

ومنها
ماهو فائق للطبيعة يقتصر عمل العقل فيه على تفسير يبدد المحالات الظاهرية من جهة،
ويحيل الموضوع شبه معقول من جهة أخرى بما يجد له من صورة ومثال فى الطبيعة مثل
مسألة الثالوث.

6
وهذان النوعان من التعقل يؤلفان ” الفلسفة المسيحية ” التى تنظر فى
الوجود على ما أوحى الله إلينا.

وهكذا
يمكن تلخيص الفلسفة المسيحية، كما يوضحها أغسطينوس هكذا:

السعى
نحو السعادة هو سعى نحو الله الذى من صفاته وحده عدم التغير، والديمومة ولا يوصلنا
إلى الله إلا المسيحيه بنعمها المعطاة لنا فى الأسرار المقدسة ويلزم لهذا الإيمان
بهذه الأسرار وبفعاليتها والعمل بهذا الإيمان والإيمان هو قبول عقلى للحقائق سواء
مدركة بذاتها أو مؤيدة بشهادة شهود جديرين بالثقة، والمعجزات ومهمة العقل فى
الإيمان مزدوجة قبل الإيمان وبعده، قبل الإيمان الإقتناع بوجوب الإيمان، وليس
بموضوعه، وبعد الإيمان تفهم حقائقه وهذا التعقل مستويات، فهناك قضايا طبيعية قابلة
للبرهان، وهناك ماهو فوق الطبيعة ودور العقل فيه تبديد المحالات الظاهرية، وإحالة
الموضوع شبه معقول بالصور والأمثلة الطبيعية.

 

الله

أولا
وجود الله:

وجود
الله عند أغسطينوس حقيقة بديهية وواضحة جدا، ولا تحتمل الشك، وفى تدليله على هذا
ينتقل من القوة والجمال إلى موجدهما، القوة المطلقة والجمال المطلق. ومن االمنظم
إلى المنظم، ومن المتغير إلى الثابت. ومن الحقائق الثابتة الضرورية، إلى الحقيقة
المطلقة:

 

1
إن ما فى الأرض من قوة وجمال هما دليل على قوة أعظم منهما أوجدتهما. فيقول:


تنظر إلى الأرض وما فيها من قوة وجمال، وكأنك تسائلها، ولما كان من الممتنع أن
تكون حاصلة على هذه القوة بذاتها، فإنك تدرك حالا أنه لا يمكن أن توجد بقوتها
الذاتية “

ومن
المنظّم إلى المنظم، ومن المتغير إلى الثابت يقول:


إن العالم نفسه بتغيره المنظم تنظيما عجيبا، وبأشكاله البديعة، يعلن فى صمت أنه
مصنوع “

كما
يقول أيضا:


السماء والأرض تعلنان أنهما مخلوقتان إذ أنهما تتغيران، ويستحيل أن يكون فى غير
المخلوق شيء إلا وقد كان فيه سابقا “

 

أى
أن غير المخلوق ثابت ليس فيه تغيير، وبما أن العالم متغير، فهو يعلن عن وجود خالق
له.

 

2
كما يستدل من وجود حقائق ثابتة وضرورية، على وجود حقيقة قائمة بذاتها هى التى
أوجدت هذه الحقائق. فيقول:


إن الحقائق على اختلافها يستكشفها العقل ولا يؤلفها، وهو يراها ثابتة ضرورية، وليس
يفهم هذا الثبات وهذه الضرورة إلا بحقيقة قائمة بذاتها. وليس العقل الإنسانى تلك
الحقيقة لأنه منفعل ناقص يتقدم ويتأخر، فهى جوهر أسمى من العقل أى الله.”

 

بل
وعن وجود الله وكينونته يقول أنه الكائن وحده بلا تغيير، وأن وجودنا الحقيقى يكمن
فقط فى أنه أوجدنا، وفى هذا يقول القديس:


ليس هو قد كان أو سيكون، ولكنه الكائن بلا تغيير، لذلك قال عن نفسه [ أنا هو الذى
أنا هو]..فهو الخلود الذى هو ملجأنا والذى نحتمى به من تقلب الزمن، لكى نستقر فيه
إلى الأبد “

 

بل
ويتعمق القديس فى وجود الله بالنسبة للكائنات الأخرى فيراها عدما فيقول:


كما لو كان هو وحده الكائن الذى له وحده وجود، قال الله [ أنا هو الكائن ] وينبغى
أن يدعى الكينونة ذاتها وكأن هذا هو اسمه الأول، لأن كينونته إذا قيست بها سائر
المخلوقات تحسب كأنها بلا وجود، فهى كائنة فقط لأنها وجدت به، ولا يمكن أن يقاس
وجودها بجوار وجوده، وإذا قورنت به فليس لها وجود، لأن الوجود الحقيقى يلزم أن لا
يعتريه تغيير، وهذا ما يتصف به وحده “

 

ثانيا
إدراك الله:

مع
أننا نستطيع أن ندرك بالعقل وجود الله. إلا أننا لا يمكن أن ندرك الله تمام
الإدراك.

ويرى
القديس أن الألفاظ وإن كانت تصلح للدلالة على الله إلا أنه يشترط أن نستبعد من
مدلولها ما يلازمه من نقص فى المخلوقات، وحينئذ يتاح لنا التأمل فى الله دون
محاولة التعبير عنه. فيقول:


إن تصورنا لله أكثر حقية من تسميتنا له. وإن وجود الله أكثر حقية من تصورنا له

ويضع
القديس شرطا لنرى الله فينا ويعلن ذاته ومجده الإلهى داخلنا هو أن نكشف ذواتنا
أمامه فيقول:


أظهر ذاتك لذاك الذى يعرفك فيكشف هو ذاته لك يامن لا تعرفه”

ثالثا
التثليث والتوحيد:

كتب
القديس كتابا عن الثالوث القدوس، وكانت له المكانة الأولى فى الغرب قرونا عديدة.

وقدم
سلسلة من التشبيهات لسر الثالوث القدوس، وهى تشبيهات مأخوذة من العالم الحسى
للإنسان، ثم يتسامى بتشبيهاته من المحسوس إلى الروحانى ولكن على المستوى الطبيعى
للإنسان، ثم ينتقل إلى المستوى الروحى الفائق للطبيعة، الذى هو الحكمة.

ويقول
القديس عن اللاهوت الثالوثى:


هذا ما نتمسك به بحق وغيرة شديدة، وهو أن الآب والإبن والروح القدس ثالوث غير قابل
للإنفصال، إله واحد لا ثلاثة “

 

الكنيسة

علامات
فى الكنيسة:

رأى
القديس أغسطينوس فى الكنيسة علامات أربع تدل على أنها من عند الله:

1
فيها تتحقق نبوات العهد القديم .

2
فيها يتمثل الكمال الروحى.

3
فيها تصنع المعجزات.

4
إنتشرت بالرغم مما لقيت من عنت هائل.

الكنيسة
وفلك نوح:

ويربط
القديس بين الكنيسة وفلك نوح فيقول:

الفلك
بلا شك هو رمز مدينة الله فى رحلتها عبر التاريخ، هو رمز الكنيسة التى خلصت
بالخشبة التى علق عليها ” الشفيع بين الله والناس ” الإنسان يسوع المسيح،
أما عن الباب الذى فى الجنب فبالتأكيد يشير إلى الجرح المفتوح حيث طعن المصلوب
بالحربة فى جنبه، إنه الباب الذى يدخل فيه القادمون إليه. المؤمنون الداخلون
الكنيسة من خلال الأسرار النابعة عن هذا الجرح.

وعلى
هذا المنوال تكون جميع تفاصيل تكوين الفلك رموزا لجوانب فى الكنيسة

 

ويقول
أيضا:

أوحى
إلى نوح أن يعمل بابا للفلك بجانبه “تك 6: 16” حتى تدخل منه الحيوانات
التى أراد الله عدم هلاكها بالطوفان بهذا الفلك الذى كان مثالا للكنيسة.

لهذا
اخذت المرأة الأولى من جانب الرجل بينما كان نائما ودعيت حواء ” حياة ”
وأم كل حى ” تك 3: 20 ” وها أدم الثانى يحنى رأسه وكمن يستسلم للنوم على
الصليب لتنبثق من جنبه شريكة الحياة ” الكنيسة ” التى نشأت على الدم
المهرق من الجنب المطعون المعلق على خشبة.

 

الكنيسة
هى الأم الولود والتى تغذى أولادها بكلمة الله:

يرى
القديس الكنيسة أما ولودا:


تحبل الكنيسة – عروس المسيح – بالأطفال وتتمخض بهم، كمثال لها دعيت حواء ام كل حى،
ويقول أحد أعضاء هذه الكنيسه التى تتمخض ” يا أولادى الذين أتمخض بكم أيضا
إلى أن يتصور المسيح فيكم ” غلا 4: 19 لكن الكنيسة لا تتمخض باطلا ولا تلد
باطلا انما تجد البذار المقدسة عند قيامة الأموات، تجد الأبرار الذين يتعزون الآن
بالآلام فى العالم كله .

 

كما
يحدثنا عن الإنجيل والكنيسة فيقول:


ما كنت أؤمن بالإنجيل ما لم يفيض بذلك صوت الكنيسة الجامعة ”

 

الكنيسة
والسيد المسيح:

ويتحدث
القديس عن علاقة الكنيسة بالسيد المسيح حيث الكنيسة جسد المسيح السرى، وهى صورة
المسيح، وهى الزاوية والمسيح الرأس فيقول:

1
الكنيسة جسد المسيح السرى:

أحيانا
يظهر لقب المسيح فى الكتاب المقدس مرتبطا بالكلمة المساوى للآب، وأحيانا بالإشارة
إلى الوسيط، وأحيانا أخرى باعتباره رأس الجسد حينما يعبر القديس بولس عن تلك
العلاقة الزيجية للجسد الواحد فى التكوين بأنه سرعظيم وينطبق على المسيح والكنيسة (أف
5: 32)

وتلك
العلاقة بين الزوج وعروسه هى هى نفسها العلاقة التى بين المسيح والكنيسة (الجسد)
حيث الرجل هو رأس المرأة (1كو 2: 3)

وهذه
العبارات تعنى الوحدة، ولهذا فإن الرسول بولس سمع ذلك الصوت قائلا ” شاول
شاول لماذا تضطهدنى ” (أع 9: 4) لأن الرأس مرتبط بالجسد، وحينما كابد الآلام
من الآخرين قال ” أكمل نقائص شدائد المسيح فى جسمى من أجل جسده الذى هو
الكنيسة ” (كو 1: 24) مبينا أن آلامه مرتبطة بآلام المسيح وهذا لا يمكن فهمه
عن المسيح لأنه فى السماء ولا يعانى آلاما من هذا النوع، من ثم يفهم هذا الكلام عن
الجسد الكنيسة لأن الجسد ورأسه هو المسيح الواحد..

يتحدث
ربنا يسوع بشخصه بكونه رأسنا، كما يتحدث شخص جسده الذى هو نحن كنيسته. هكذا تصدر
الكلمات كما من فم واحد، فنفهم الرأس والجسد متحدين معا فى تكامل غير منفصلين عن
بعضهما البعض، وذلك كما فى الزواج إذ قيل ” ويكونان جسدا واحدا “

 

2
الكنيسة صورة المسيح:

عندما
كان السيد المسيح على الأرض منظورا، كانت الكنيسة مختفية فيه، يفعل كل شيء لحسابها.
والآن صعد إلى السماء، وصار مختفيا فى الكنيسة جسده فتعمل هى كل شيء بإسمه ولحسابه..

 

3
الكنيسة الزاوية والمسيح رأس الزاوية:

إنه
بدعوة السيد المسيح رأس الزاوية، وهو رأس الكنيسة، بهذا تكون الكنيسة هى الزاوية
التى ضمت اليهود من جانب والأمم من جانب آخر.

 

صفات
الكنيسة:

يرى
القديس أغسطينوس أن الكنيسة هى فردوس الله التى قامت من أرجاء المسكونة الأربعة
بواسطة المعمودية المقدسة، ولذلك فهى واحدة مقدسة جامعة رسولية:

1
الكنيسة فردوس الله:

الفردوس
هو الكنيسة كما دعيت فى نشيد الأنشاد، وأنهار الفردوس الأربعة هى الأناجيل الأربعة،
والأشجار المثمرة هم القديسون، والثمار هى أعمالهم، وشجرة الحياة هى قدس الأقداس
أى المسيح.

 

2
ويحدثنا عن قيام الكنيسة فيقول:


إن رقم 12 يشير إلى الكنيسة المقدسة التى تجتمع من أربع جهات المسكونة ” مر
13: 27 ” خلال المعمودية بإسم الثالوث القدوس 3 × 4.”

 

3-
الكنيسة جامعة واحدة رسولية ابائية:

إن
السيد المسيح واحد تتحد به الكنيسة، فرؤية المسيح بعد القيامة اعانت التلاميذ على
أن يؤمنوا بالكنيسة مستقبلا، ورؤية الكنيسة تعيننا على أن نؤمن بالمسيح القائم..
وفى الكنيسة الجامعة ارسل اليها الرسل كأباء.. إن الكنيسة الجامعة فى السماء وعلى
الأرض هى هيكل الثالوث القدوس، ورقم (4) يشير الى الكنيسة المقدسة هذه التى تجتمع
من أربع جهات المسكونة.

ضرورة
العضوية فى الكنيسة، والإنتماء إليها:

1
يربط القديس بين العضوية فى الكنيسة، وسكنى الروح القدس فى الإنسان فيقول:


الانسان الذى فيه الروح القدس هو فى الكنيسة التى تتحدث بلغة كل البشر، والذى خارج
الكنيسة ليس فيه الروح القدس، لهذا فالروح القدس لا يعلن عن نفسه الا فى وحدة
الكنيسة…

والجسد
يتألف من أعضاء كثيرة لكن روحا واحدا هو الذى يعطى حياة لكل الأعضاء مثلما يعطى
روحنا (اعنى النفس) لكل أعضاء الجسد هكذا الروح القدس مع أعضاء جسد المسيح
والكنيسة…

وما
دمنا أحياء وأصحاء فكل الأعضاء تؤدى وظائفها، فان تألم عضو تتألم معه بقية الأعضاء،
ولكن طالما العضو فى الجسد فهو يتألم لكنه لا يموت، فالموت يعنى (فقدان الروح)،
فإذا قطع عضو من الجسد يحتفظ بشكله كإصبع وكبد أو كذراع لكن ليس فيه حياه، هكذا
حالة الإنسان البعيد عن الكنيسة.

وقد
تتساءل هل يحتفظ بالسر الكنسى؟ أقول نعم، يحتفظ بالمعمودية وبقانون الإيمان لكنه
يحتفظ بالشكل فقط، فإن لم تكن فيك حياة الروح القدس يصبح باطلا افتخارك بالشكل.”

 

2
كما يجعل شرطا للحصول على الخلاص الإنتماء للكنيسة فيقول:

“من
لم يكن المسيح له رأسا لا يحصل على خلاص نفسه ولا على الحياة الأبدية ولا يستطيع
أحد أن يجعل المسيح رأسا إن لم يكن منضما إلى جسد المسيح الذى هو الكنيسة.”

ويربط
القديس بين محبة الله ومحبة كنيستة فيقول:


أحب الرب إلهك وأحب كنيستة، أحبه أبا وأحبها أما، أحبه ربا وأحبها خادمة لأنك إبن
أمته.

محبة
عظيمة توحد هذا الزواج.

لا
أحد يحتقر الواحد ويستحق المكافأة من الآخر.”

 

كما
يرى أننا نحن الكنيسة، وينبغى على مثال مبنى الكنيسة المرتبطة أحجاره بعضها ببعض،
أن نرتبط نحن أيضا بعضنا ببعض بالمحبة، التى هى وصية السيد لنا، وفى هذا يقول
القديس:

“إن
بيت صلاتنا هذا هو الماثل أمامنا، لكن نحن أنفسنا بيت الرب. وإذا كنا ذواتنا بيت
الرب فمعنى هذا أننا نبنى الآن فى هذا الزمان لكى بإنتهاء الزمن يمكن لنا أن نكرس.

ولكنكم
لن تصيروا بيتا للرب إلا إذا التصقتم بعضكم مع بعض بالمحبة كما تلتصق الأحجار مع
بعضها، فلو لم تكن الواح الخشب وأحجار هذه الكنيسة متصلة ببعضها ولو لم تكن
متضافرة مع بعضها البعض بطريقة مؤكدة فى أمان لما استطاع أحد الدخول إليها.

وربنا
يسوع المسيح إذ يرغب أن يدخل يسكن فينا فقد اعتاد أن يقول كما لو كان يتبع اسلوب
البناء ” وصية جديدة أنا اعطيكم أن يحب بعضكم بعضا ” يو 13: 34 “

 

الكتاب
المقدس

يرى
القديس أغسطينوس أنه يلزم لقراءة الكتاب المقدس وفهمه، شرطين أساسيين، هما الإتضاع
والإيمان.

ففى
اعترافات القديس يعلن أنه بسبب كبريائه لم يكن يعرف قيمة الكتب المقدسة التى عرفها
أخيرا فيقول:


وأنا وقتئذ ما كنت كفؤا لأعرف قدره ولا عرفت كيف أخفض علو تشامخى لكى أتوصل إلى
فهم عمق تواضعه. ولم تكن عينى لتمتد بنظرها إلى ما تحت ظاهره وسطوره. ذلك لأنه
إنما وضع من أصل وضعه للمتواضعين البسطاء. وأنا لإعتدادى بفهمى ما وجدت لى فيه
نصيبا “

وهكذا
يعلمنا من الخبرة التى عاشها أن أسرار الكتاب المقدس لا تنفتح إلا للمتواضعين.

 

كما
يقول أن من يقرأ الكتاب المقدس ينبغى أن يقرأه بإيمان، وسيجد فيه ما يحتاجه، إسمع
قديسنا وهو يقول:


طالع إذا الكتاب المقدس بإيمان واطمئن إلى حقيقته، إنه لفى أعلى مقام من السلطة
السماوية. تعلم حقا ما هو مقبول واعلم ما يجب إصلاحه أو شجبه. ولن تجد فيه الحقيقة
وحدها بل الخطة التى تنعش النفوس وتجددها موضوعة وفقا لقياس يؤهلك لأن تنهل منها
ما يلائمك متى دنوت منه بعبادة وتقوى وفقا لفرائض الدين الصحيح “

ويحذر
القديس فى قراءة الكتاب المقدس من صغر النفس كما يحذر من الكبرياء، بسبب عدم فهم
أو فهم الكتاب فيقول:


ولكن، افهم قبل كل شيء أنه لا يجوز لك أن تضطرب إذا لم تفهم الكتاب المقدس. كما لا
يجوز أن تستسلم إلى الكبرياء متى فهمته. بل اصبر باحترام إلى أن ينكشف أمامك معناه
الخفى وارع محبا ما فهمته منه “

ويربط
القديس بين الكتاب المقدس والسلوك بالمحبة فيقول:


وإن رأيت ذاتك مدركا للكتب المقدسة دون أن تنمو فيك محبة الله والقريب فأنت لم
تفهم شيئا”

 

النفس

وجود
النفس:

يؤكد
القديس أغسطينوس وجود النفس من وجود الفكر حيث الفكر هو الصفة التى تميز النفس
الإنسانية فيقول:


وجود النفس لازم من وجود الفكر “

 

النفس
صورة الله:

ويؤكد
أن النفس صورة الله فيقول:


النفس الإنسانية صورة الله: روحانيتها تجعلها واحدة غير منقسمة كما أن الله واحد.
والعقل والإرادة والذاكرة تجعلها ثلاثية فى وحدتها كما أن الله واحد فى ثالوث.
ولكنها متغيرة ككل مخلوق.

 

أصل
النفس:

يقول
المانويون: أن النفس صادرة عن ذات الله. ويستلزم هذا القول إحدى اثنتين: إما أن
النفس ثابتة كالله، أو أن الله متغير كالنفس وكلتاهما باطلة.

ويقول
أفلاطون: أن النفس قديمة هبطت إلى الأرض وتعود إليها بالتناسخ، وهذا خرافة، فنحن
لا نذكر حياة سابقة، ومحال أن تتقمص النفس حيوانا أو نباتا لما بين الطرفين من
مغايرة تامة.

أما
عند أغسطينوس فالواضح من الكتاب المقدس أن الله خلق نفس آدم ولكنه يتردد بين صدور
النفوس عن نفس آدم بالتوالد، وبين خلق الله لكل نفس على حدة.

مصير
النفس:

مصير
النفس الخلود فيقول أغسطينوس:


الخلود ثابت من كون النفس جوهرا روحيا مباينا للجسم “

النفس
والجسد:

عن
اتصال النفس بالجسم يقول:


إن النفس والجسم لا يؤلفان شخصين بل إنسانا واحدا. النفس هى الإنسان الباطن والجسم
هو الإنسان الظاهر “

ويتكلم
أغسطينوس عن مسئولية النفس مع الجسد يقول:


وإذا قال أحد إن الجسد هو علة كل الرذائل والسلوك الرديء مما يجعل الروح تحيا
شريرة فقط لأنها تتحرك بواسطة الجسد، فإن ذلك يدل بكل تأكيد على أنه لم يأخذ فى
اعتباره طبيعة الإنسان بصفة عامة. لأنه يخطىء من يظن أن جميع خطايا الروح تنشأ عن
الجسد لأن الروح الشريرة هى التى تجعل الجسد فاسدا ومن فساده ينشأ الدافع إلى
الرذيلة ومن ثم الرغبات الدنيئة”

كما
يدلل أيضا على هذا بالشيطان وهو روح بلا جسد:


إنه ينبغى ألا ننسب إلى الجسد كل الرذائل التى للحياة الشريرة لأننا نعلم أن
الشيطان مع كونه ليس له جسد مثلنا إلا أنه يعتبر المحرض السرى والملقن لهؤلاء
الذين ينغمسون فى الرذائل لأننا لا نستطيع أن نقول أن الشيطان زان أو سكير أو ننسب
إليه أى انغماس ذاتى جسدانى “

 

المعرفة

يرى
القديس أغسطينوس أن المعرفة تشتمل على نوعين من المدركات:

النوع
الأول هو المدركات المادية، وتنشأ عن انتباه النفس للتغيرات الحادثة فى المادة عن
طريق الحواس.

والثانى
هو المدركات المعنوية أو العقلية وتتحصل فى النفس بإشراق من الله، فالله هو المعلم
الباطن، وهو الحقيقة، والحقائق الموجودة فى النفس فيض من النور الإلهى، أو هى كلمة
الله.

 

ويرى
القديس أننا يجب أن نسعى إلى معرفة الحقيقة لا من أجل أغراض أكاديمية، ولكن من حيث
أنها تجلب السعادة الحقيقية والغبطة الحقيقية للنفس.

فهو
يرى ان الحكمة تتعلق بالسعادة، وأن معرفة الحقيقة تتعلق بالحكمة.

ولأن
المعرفة تتعلق بالحقيقة التى كان يبحث عنها أغسطينوس، كان إمكان المعرفة من أولى
المشكلات الفلسفية التىعنى بها.

فالبحث
عن الحقيقة يقتضى أولا إثبات إمكانها.

ولقد
وقع له بعد قراءته لكتابات الأكاديميين الذين كانوا يشكون فى كل شيء، أزمة عقلية
غلبت الشك على اليقين عنده، فشك فى المحسوسات والمعقولات، ولم يسلم من شكه سوى
وجود الله، وعنايته بالمخلوقات فيقول فى اعترافاته:


وتأرجح إيمانى بين الضعف والقوة، مع أنى بقيت مؤمنا بأنك موجود تعنى بنا ”

ولأنه
ذو طبيعة إيجابية ذهب عنه الشك لانفتاح قلبه للإيمان على يد القديس أمبروسيوس. ومن
ثم عادت إليه الثقة فى شهادة الحواس:


..ذلك أنه إذا كان الإنسان الذى يثق فى شهادة الحواس يخدع أحيانا، فإنه يكون أكثر
انخداعا إذا تخيل أنه لاينبغى له أن يثق فيها إطلاقا “

ولقد
استعان على بيان تهافت الشكاك، وإقامة الحجة على فساد آرائهم، بما يمكن أن يسمى
بالكوجيتو الأوغسطينى

 


إذا كنت مخطئا فأنا موجود “

وتوجد
أوضح صورة للكوجيتو الأوغسطينى فى كتابه ” مدينة الله ” حيث يقول:


إننى موجود، وأعرف أننى موجود، وأسعد بهذه المعرفة. وفيما يتعلق بهذه الحقائق لا
أخشى حجج الأكاديميين (الشكاك) الذين يقولون: ماذا لو كنت مخدوعا؟ ذلك أننى لو كنت
مخدوعا، فأنا موجود، لأن ما لايوجد لايخدع. فإذا كنت مخدوعا فإننى بهذا المنطق
موجود. ولما كنت موجودا لأننى مخدوع، فكيف أخدع فى اعتقادى أننى موجود؟! “

ورتب
أغسطينوس على هذه الحقيقة حقائق أخرى ترتبط بها وتعتمد عليها كالحياة، والتذكر،
والفهم، والإرادة، والحكم، حيث يقول:


إن أحدا لا ينكر أنه يحيا، ويتذكر، ويفهم، ويريد، ويفكر، ويعرف، ويحكم. فإذا شك
إنسان فإنه يحيا، وإذا شك فإنه يتذكر ما جعله يشك، وإذا شك فهم أنه يشك، وإذا شك
رغب فى أن يكون متأكدا، وإذا شك فإنه يفكر، وإذا شك عرف أنه جاهل، وإذا شك عرف أنه
ينبغى ألا يسرع إلى الحكم. ”

 

ومعرفة
الحقيقة الأبدية تقود النفس بتأملها فيها إلى معرفة الله ذاته ومعرفة فعله أيضا.

 

الإرادة

ما
هى الإرادة؟

الإرادة
عند القديس أغسطينوس هى القدرة على قبول تصور ما أو رفضه. وهو أمر يدخل فى سلطان
الإنسان وملكيته، ويقول القديس:


إذا لم تكن الإرادة التى بها أريد ولا أريد ملكا لى، فلست أدرى ماالذى أستطيع أن
أقول عنه أنه ملك لى “

 

قانون
الإرادة:

وعند
القديس ليس معنى الإرادة العشوائية والتسيب، وإنما للإرادة قانون يجب عليها اتباعه
ويقول أن:


المبدأ الأساسى للقانون الخلقى هو إخضاع الحواس للعقل، وإخضاع العقل لله، بحيث
تتجه حياتنا كلها إلى الحصول على الله”

حدود
الإرادة:

وليست
الحرية عند أغسطينوس حرية مطلقة بل لها حدود:


كما أن الحرية محدودة بطبائع الأشياء، فإن أفعالها تابعة لله الذى هو وحده مطلق.
ولا تعارض بين هذا وبين الحرية “

مبدآن
أساسيان للحرية:

وعند
القديس العقل والمحبة هما المبدآن الأساسيان للحرية اللذان يصلان بها إلى الغاية
المطلوبة، وفى كلمات حلوة يقول القديس:


إن الله هو الخير بالذات، ولا يوجه المخلوق إلا للخير، والخير هو المطلوب، ولهذا
أعطانا الله العقل نعلم به الخير، وأعطانا المحبة نميل بها إلى الخير المعلوم.
والعقل والمحبة مبدآ الحرية، وكلما طاوعنا هدى العقل وتحررنا من الشر كلما ازدادت
الإرادة حرية “


والقانون الخلقى موضوع مشتهى فوق كونه واجبا، لأنه خير بالإضافة إلينا فوق كونه
خيرا فى ذاته “

 

العالم

خلق
العالم:

+
يرفض أغسطينوس فكرة صدور العالم عن ذات الله صدورا ضروريا أزليا. فهذا يعنى أن
الذات الإلهيه تتجزأ وان جزء منها يصير محدودا متغيرا، والله بسيط لا متناه ثابت
كامل، وإذا فقد خلقت الموجودات من العدم بفعل حر، يدل على ذلك أيضا أن ليس العالم
أزليا.

فأغسطينوس
يؤمن بما جاء فى الكتاب المقدس أن العالم خلق من عدم.

 

+
وهذا على خلاف الفلسفة الإغريقية، فحينما يتحدث أفلاطون أو أرسطو عن الخلق،
يتخيلان مادة قديمة يخلع الله عليها الصورة. فإلههما فنان أو مهندس معمارى، وليس
خالقا. فالمادة فى اعتقادهما أزلية، والشكل أوالصورة من صنعة الله.

ويقول
أغسطينوس أن العالم مخلوق بإرادة قديمة. ولا تناقض فى رأيه بين قدم الإرادة
الإلهية وحدوث المخلوقات. ذلك أن حدوث الإرادة الإلهية يتنافى مع أزلية الله. وفى
هذا يقول:


إن إرادة الله ليست مخلوقة، بل هى سابقة على كل خليقة، ولامجال للحديث عن الخلق
بدونها. وإرادة الله هى جوهر الله عينه، ولو كان جوهر الله يتجدد (كأن يصبح مريدا
بعد أن لم يكن مريدا) فلا يمكن أن نعتبره أزليا.

 

وليس
العالم صورة لله كالنفس لإنتفاء الشبه أو المماثلة بين المادة والروح. ولكنه أثر
الله تتألق فيه الصفات الإلهيه كالوحدة والحقيقة والخير والجمال.

أسئلة:

سؤال
1: إذا كان العالم من صنع الله وكان الله الخير بالذات فكيف يوجد الشر فى العالم؟

الإجابة:

كل
موجود هو خير بما هو موجود. وإن الشر وهو عدم الخير هو من ثمت لا وجود .

والشر
نوعان خلقى وطبيعى وفى الحالين لا ينسب إلى الله ولكن الله يسمح به ثم يستخرج منه
الخير.

ما
دام الشر عدما فليس البحث عنه بحثا عن مصدر وجود بل عن مبدأ نقص وليس يكون مبدأ
النقص إلا فى المخلوق.

والإرادة
هى علة الخطيئة، أو الخطيئة عدم محبة الله فى إرادتنا.

 

سؤال
2: كيف أعطانا الله حرية تخطىء؟ أو أليس هو المسئول عن الشرور؟

الإجابة:

الإرادة
خيرمن حيث هى قدرة على الإختيار، وهى رديئة شريرة حين تكون على غير ما ينبغى أن
تكون، فهنا أيضا لا يوجد الشر خارج الخير.

إنه
لكمال أن نقدر على العمل بإختيارنا، وأن نراعى بإرادتنا الحرة النظام الموضوع من
الله فنساهم على نحو ما فى فعل الخالق، فكيف كان يمكن أن يحرمنا الله منها؟

والشر
الطبيعى الذى يحسه الإنسان فى ذاته أثر الخطيئة وعقاب عليها، لأن الخطيئة تمرد على
النظام وأثرها إضطراب فى كيان الإنسان. ولكنه لا يخلو من فائدة فهو عند الحكيم
يكمل خبرته وحكمته ويستحق له ثوابا، وعند غير الحكيم هو طريق الحكمة، وعند الشرير
هو عقاب عادل.

 

التجديف
على الروح القدس

فى
تعليقه على إنجيل مت 12: 22 33 يعرف القديس التجديف على الروح القدس بأنه الإصرار
على عدم التوبة، إذ بإصرارالخاطىء هكذا يكون قد أجرم فى حق الروح القدس الذى به
تكون وحدة الكنيسة، وتحقيق الشركة بين أعضائها.

 

وبعد
أن يوضح القديس أنه لايوجد إنسان لم يجدف على الروح القدس، سواء من الوثنيين الذين
يعبدون الأصنام، ويقولون أن المسيح يصنع معجزاته بالسحر، والذين يجدفون على
مقدساتنا.

أواليهود
الذين ثارت بسببهم المشكلة ” قالوا أن الرب يخرج الشياطين ببعلزبول رئيس
الشياطين ”

أو
الهراطقة. أو المسيحيين الذين يخطئون بعد نوالهم عطية الروح القدس.

فهل
لا يكون لهؤلاء إذا ما رجعوا تائبين مغفرة للخطايا؟

 

بعد
هذا التوضيح يتساءل القديس: هل يقصد بالتجديف معناه الشامل أم معناه الخاص؟ ويجيب
كالآتى:

لم
يقل الرب ” لايغفر أى تجديف على الروح القدس ” ولا قال ” من يقول
أى كلمة..” بل قال ” وأما من قال كلمة ..”

فلو
ذكرت كلمة ” أى ” لما أمكن للكنيسة أن تحتضن أى إنسان خاطىء أو شرير أو
مقاوم لعطية المسيح ولمقدسات الكنيسة، سواء كان هذا الإنسان يهوديا أو أمميا أو
وثنيا أو مهرطقا، ولا حتى المسيحى الضعيف، وحاشا أن يكون قصد الرب هكذا.

ويورد
القديس أمثلة على هذا:

1
قول الرب ” لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية “

لم
يقل أى خطية، فهو يقصد خطية معينة لم يرتكبوها قبل مجيئه، وهى خطية عدم الإيمان به.

 

2
قول الكتاب ” الله لا يجرب أحدا ”

لايفهم
أن الله لا يجرب أحدا بأى نوع من التجارب، إنما لا يجربه بتجارب معينة، وإلا كيف
يقال أن الله امتحن إبراهيم.

 

3
عندما نقرأ ” من آمن واعتمد خلص ”

لايمكن
أن يكون المقصود كل من آمن واعتمد. وإلا فما موقف سيمون الساحر وغيره كثيرين.
فالمقصود بعضهم، أى الراسخين فى الإيمان.

4
قول الرب ” من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه ”

لايمكن
أن يكون المقصود كل من يأكل ويشرب، وإلا ماموقف من قال عنه بولس الرسول ”
يأكل ويشرب دينونة لنفسه ” (1كو 11: 29)

إذا
ماهو المعنى الخاص المقصود هنا بالتجديف على الروح القدس؟

يفسر
القديس أن ما قصده الرب هو ” الإصرار على عدم التوبة حتى آخر نسمة من حياتنا
” ويتسلسل فى هذا كالآتى

1
الروح القدس هو واهب الشركة والمحبة.

فالروح
القدس روح الآب وروح الإبن أى من عمله الشركة بين الأقانيم الإلهية.

2
ومن عمل الروح القدس أيضا شركتنا مع الله، إذ به تنسكب محبة الله فينا فتستر
خطايانا، وبذلك فعمله هو غفران الخطية حتى نتصالح مع الله باستحقاق دم المسيح.

3
والروح القدس هو واهب الشركة بين أعضاء الكنيسة الواحدة، فيهب العضو التوبة ويعطى
الكنيسة الحق فى أن تحله من خطاياه (فالروح القدس هو الذى يغفر الخطايا فى سر
التوبة كما فى سر المعمودية)

4
إذا التجديف على الروح القدس هو الإصرار على عدم التوبة والإنتساب إلى جسد المسيح
الواحد وقبول الغفران الممنوح بواسطة الروح القدس.

 

والخلاصة
أن عدم التوبة هو المقصود بالتجديف على الروح القدس. وهذا أمر غير ثابت طالما
الإنسان حيا فى الجسد.

 

السعادة

السعادة
هى الإغتباط الكامل الدائم للنفس والجسد أيضا.

وليس
أمامنا إلا أن نقر بموجود أعلى كامل سرمدى هو الخير الأعظم، وهو سعادتنا الكاملة
الدائمة. فكما أن حياة الجسد هى النفس، فكذلك حياة النفس هى الله. ولا تكون سعادة
إلا بطلب الأعلى والأكمل.

وللقديس
كلمات رائعة فى هذا الأمر فيقول:


إنسان أنت، وكل ما تبتغيه إسعادا لك هو أدنى منك قدرا؛ سواء أكان ذهبا أم فضة أم
سواهما من الخيور المادية التى تتوق إليها وتريد التمتع بها، هذه كلها خيور دونك
قدرا.

أنت
حقا أفضل منها وأحسن: تريد أن تكون أفضل مما أنت عليه…وتسعى إلى غايتك بسبل أدنى
منك. إن كل ماتسعى إليه فوق هذه الأرض هو دونك قدرا.

إقبل
مشورة مخلصة: إن أردت أن تكون أفضل فاسع إلى ماهو أرفع منك لكى تتمكن من أن تصير
أفضل. وارتفع إلى خالقك.

ألا
تريد أن تترك العالم؟ العالم يتخلى عنك… إتجه إلى الرب وقل للعالم: إن كنت عظيما
فأعظم منك صانعك، وإن كنت جميلا فأجمل منك صانعك، وإن كنت جذابا فأطيب منك صانعك،
وإن كنت شريرا فصالح هو خالقك. “

 

وإذا
كان الله قد وضع نظاما معينا فينا وفى سائر الأشياء، فإنما وضعه لكى يحترم.

والجزاء
معاينة الله، وهى نصيب المختارين فى الحياة الآجلة. معاينة عقلية لا حسية.

فليس
يمكن لعين الجسد أن ترى الله لا فى هذه الحياة ولا بعدها.

سيكون
لهم جسد محرر من جميع النقائص والآفات، وسيكون لهم إدراكات حسية لا نستطيع تصورها
ما دمنا فى الحياة الراهنة.

كما
أننا لا نستطيع تصور السعادة الناتجة من الرؤية الإلهية.

 

فالسعادة
الأبدية هى ثمرة للحياة الصالحة على الأرض، وللقديس عبارات جميلة فى هذا الأمر،
فيقول:


الحياة الصالحة عمل والسعيدة أجر له. عش حياة صالحة تنل السعادة. وهل أفضل من هذا العدل
أو النظام؟ إن أحببت الحياة اخترت الصالحة: إن شئت زوجة لك، ألا تختارها صالحة؟
أوتحب الحياة وتختار الشريرة منها .

قل
لى: هل تريد شرا؟ كلا. مهما أحببت وأردت فإنك لا تطلب سوى الخير. أنت لا تريد
حصانا ولا خادما ولا ثوبا ولا بيتا رديئا كما لاتريد زوجة شريرة ولا بنين أشرارا.

يامن
لا يطلب سوى الخير، كن صالحا فى نفسك. ولم تحتقر ذاتك فتطلب كل خير وتبقى أنت وحدك
شريرا؟ عزيز عليك بيتك وزوجك وثوبك وحذاؤك. ونفسك أليست عزيزة عليك؟ “

 

كتابات
روحية أخرى

وللقديس
أغسطينوس كتابات روحية فى عشرات بل مئات الموضوعات وسنأخذ بعض نماذج لهذه
الموضوعات.

 

أولا:
الخوف

يتحدث
القديس عن نوعين من الخوف، يسمى أحدهما خوف نقى، والآخر خوف سافل، والفرق بينهما
هو فى الدافع الذى يكمن وراءه، فيقول:


الخوف نوعان: خوف سافل وخوف نقى، أحدهما يخشى أن يفقد البر والآخر يخشى العقاب.
وأين العظمة فى أن يخشى الإنسان العقاب؟ تلك حال العبد الخاطئ واللص الشرس “

 

ويربط
بين خوف اللص وخوف الذئب فيقول:


اللص يخشى العقاب إنما لا يخشى الإثم: إنه لا يسرق حين لا يستطيع أن يسرق، مع أنه
سارق.

يسطو
الذئب على حظيرة الخراف ويحاول أن يدخل ويقتل ويفترس؛ وبما أن الرعاة يسهرون،
والكلاب تنبح؛ فلا يستطيع أن يخطف أو يقتل؛ إنما يخرج ذئبا كما جاء ذئبا.

ألأنه
لم يستطع أن يسرق نعجة نقول: جاء ذئبا وعاد نعجة؟ لقد جاء ذئبا محتدما غضبا، وعاد
ذئبا مرتجفا فزعا “

فالخوف
السافل هو خوف العبيد أما الخوف النقى فهو خوف المحبة، فيقول القديس:


للمحبة خوف نقى خاص بها يثبت إلى جيل الأجيال…الرجل الصالح يخشى أن يغيظ محبوبه
بمعزل عن صرامة القاضى، لأنه لو أحب الآب حقا كما يحبه الآب لاعترف به ربا، ولما
عصا له أمرا. “

 

ثانيا:
الإيمان

أولا:
ماهو الإيمان؟


الإيمان هو رأس الحياة الصالحة، التى تحق لها الحياة إلى الأبد. ويقوم الإيمان على
القبول بما لا ترى. وجزاؤه أن ترى ما تؤمن به.”

والأعمال
الصالحة لاتفيد بدون الإيمان:


لاتعتبر صالحا عملا أتيته قبل أن تؤمن؛ لاصلاح حيث لا إيمان “

والإيمان
يكمل نقص العقل:


الإيمان يدرك ما لا يدركه العقل البشرى وحيث يعجز العقل ينجح الإيمان، وحيث يعجز
العقل ينمو الإيمان “

والتواضع
ضرورى لبلوغ الإيمان:


إن شئت أن تبلغ إلى سمو الله فابحث عنه أولا فى تواضعه….حين تأخذ تواضع المسيح
ترتفع معه، وترتفع ليس كما يرتفع هو بل إنه يرفعك معه رويدا رويدا “

ولا
يجوز الخجل من الإيمان بالمسيح المصلوب:


الله يرى الإيمان الباطنى ولكنه غير كاف…أنت لا تخجل من الإعتراف بكلمة الله
عظيما وقديرا وحكيما؛ بيد أنك تخجل من الإعتراف به مولودا ومصلوبا ومائتا…أيها
المريض كيف تبرأ من مرضك وأنت تخجل من دوائك…لكن الذى مات فيه هو ماأخذه منك وليس
القدرة التى بها خلقك..لا تخجل من عار الصليب الذى قبله الله نفسه حبا بك “

والإيمان
بدون أعمال ميت:


عظيم هو الإيمان ولكن لا فائدة منه إن خلا من المحبة “


إن آمنت بالمسيح ضمانا للطمأنينة فى الخطأ، ضللت كثيرا؛ لأن المسيح الذى تنازل
وجاء لمساعدتك، شفقة عليك، لن ينفعك اسمه متى باشر قضاءه الصارم ”

 

ثالثا
مقتطفات من أقواله عن المحبة الباطلة

إن
كان فيك حب العالم فلا محل لحب الله.

إ
ن أحببت الأرض كنت أرضا، وإن أحببت الله تصير إلها.

لاتتعلق
بما للأرض بل أحبه باعتدال، فليكن حب استمتاع لاحب استعباد.

استخدم
العالم ولا تكن له أسيرا.

الويل
لك إن أحببت المصنوع وتركت الصانع.

أحب
آدم امرأته جدا ليس فى الرب ففعل ما طلبته منه.

إن
كنت تحب ماهو أحط منك فأحبه تحننا به ولا تحبه على سبيل الإرتباط به.

لن
تكون سعيدا إذا نلت ماتحب وكان هذا المحبوب مضرا.

أتريد
أن تعرف نوع الحب الذى فيك؟ أنظر أين يقودك.

 

ملحق:
البدع والهرطقات التى حاربها القديس

بجانب
صراع القديس أغسطينوس ضد الأريوسيين، والوثنيين. إلا أنه ركز جهاده بعد سيامته
كاهنا على إقناع ثلاث فرق هم: جماعة المانويين، وجماعة الدوناتيين، وأتباع بلاجيوس.

 

1
جماعة المانويون:

وذكرنا
مختصر تعاليمها فى موجز حياة القديس.

2
الدوناتيون:

ظهرت
هذه الجماعة عقب إضطهاد دقلديانوس فى الفترة من سنة 303 حتى 306م. وكان المضطهدون
يقومون بحملات تفتيشية على بيوت المسيحيين عموما، والأساقفة والكهنة بصفة خاصة.
باحثين عن الكتب المقدسة والدينية لحرقها.

ولشدة
الإضطهاد وقسوته، وفى لحظات ضعف قدم البعض الكتب لحرقها، وعندما خمدت موجة
الإضطهاد، رجع البعض إلى مناصبهم.

وهنا
قام دوناتوس مطالبا بقطع كل الذين ارتدوا وقت الإضطهاد، أو على الأقل فرض العقوبات
والتأديبات عليهم، وتعميدهم من جديد بعد توبتهم ورجوعهم لحضن الكنيسة. ثم قدم
ماجورينوس وسامه أسقفا على قرطاجنة سنة 312م, وبعد موت هذا صار دوناتوس نفسه أسقفا
للجماعة المنشقة.

وكان
يعتبر كنيسته وأعضاءها هم الكنيسة الطاهرة المقدسة الحقيقية.

 

3
البلاجية:

أنكر
الخطية الأصلية، كما أنكر ضرورة النعمة للخلاص.

 

كتابات
القديس أغسطينوس

كتب
القديس أغسطينوس أكثر من 230 كتاب، بالإضافة إلى رسائله الكثيرة.

ولقد
ورد من مؤلفاته فى مجموعة
Nicene
Fathers
ما استغرق ثمانية مجلدات
ضخمة كالآتى:

 

الجزء
الأول:

1
حياة القديس أغسطينوس.

2
إعترافات أغسطينوس.

3
رسائل أغسطينوس.

 

الجزء
الثانى:

1
مدينة الله.

2
4 كتب في العقيدة المسيحية.

 

الجزء
الثالث:

1
الثالوث القدوس.

2
الإيمان والرجاء والمحبة.

3
سؤال وجواب.

4
الإيمان والعقيدة.

5
الإيمان بالأمور التي لا ترى.

6
فوائد الإيمان.

7
عن العقيدة.

8
عن العفة.

9
في صلاح الزواج.

 

بعض
أقوال القديس

 

صلاة
البار مفتاح السماء، وبقوتها يستطيع كل شيء. هي حِمَى نفوسنا مصدر لكل الفضائل،
السلم الذي نصعد به إلى الله، هي عمل الملائكة، هي أساس الإيمان

 

لا
توجد صداقة حقيقية ما لم تجعلها كوصلة تلحم النفوس فتلتصق معا بالحب المنسكب فى
قلوبنا بالروح القدس

 

جلست
على قمة العالم حينما أصبحت لا أخاف شيئا ولا أشتهى شيئا

 

حب
الله وافعل ما شئت (القديس أغسطينوس)

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى